د. صالح أبوغريس: لمحات عن التعليم في ليبيا 6/10/2011 03:58 د. صالح أبوغريس: لمحات عن التعليم في ليبيا
د.أ. صالح محمد عمر أبوغريس بحث

أسرد فيما يلي بعض الملاحظات العامة على التعليم في ليبيا والتي شاهدتها في حياتي. وإذ أدون ملاحظاتي هذه، فإنني لا أدعي التخصص أو المعرفة المتعمقة بهذا المجال، أو أن أتقمس جلابيب المتخصصين في علوم التربية أو في علوم اللغة، ولكنني مجرد شاهد على هذه الحقبة الزمنية من التعليم كطالب ومعيد إلى درجة أستاذ، استمرت زهاء ستة عقود أو ما يزيد. وقد أكون من القلة المحظوظين الذين تعلموا على أيد مدرسين أكفاء، كانوا يبذلون جل جهدهم، رغم كون البعض منهم أثناء المرحلة الابتدائية مما يعرف في ذلك الوقت "بالمعلم الموقت" وكان عطاءهم أزخر وأفضل من بعض خريجي الجامعات الآن. بعدها تلقيت تعليمي الاعدادي والثانوي على أيادي خيرة المدرسين المصريين، الذين كان لهم الفضل في النهضة العلمية التي شهدتها ليبيا إبان الاستقلال.

أما تعليمي الجامعي فقد تلقيته في بريطانيا كأحد الموفدين من الدولة. ولهذا أعد نفسي فعلا من المحظوظين جدا، حيث كنت في وقت كان الإيفاد فيه يعتمد على مجهود الطالب ومستواه العلمي فقط وليس لأنه من منطقة ما أو انه ابن فلان، أو يعتمد على مدى موالاته للنظام. "وأود بهذه المناسبة أن أعرض قصة عابرة تتعلق بالبعثات وتعكس مدى شفافية العهد الملكي. فقد كان يوفدوا إلى الخارج الطلبة الأوائل من التخصص العلمي. وحدث في سنة 1958م وجود طالب تخصصه أدبي وكان من أوائل الطلبة وأرادوا إيفاده لأن والده كان وزيرا. فما كان من وزارة التربية والتعليم إلا أن استثنت شرط التخصص العلمي في تلك السنة وأوفدت جميع الطلبة الأوائل من ذوي التخصص الأدبي، بدلا عن إيفاد هذا الطالب لوحده كما كان يفعله النظام السابق".

فالموضوع الحالي، كما ذكرت سابقا، هو عبارة عن مشاهدات لما دار حولي بشكل عام. وقد تكون هذه هي المرة الثانية التي أتحدث فيها عن مواضيع بدون تفصيل، حيث أود أولا أن أخاطب القارئ العام، وثانيا أن أثير الموضوع لتحفيز المتخصصين وأصحاب الرأي والمعلقين في أن يدلو كل بدلوه، وكان تعليق القارئين علي الموضوع السابق مفيد جدا. كما أن تفصيل الموضوع والتعمق فيه يتطلب توفير الاحصائيات وبناء نماذج للمحاكاة والقيام بالتحليلات المفصلة ووقتا كافيا للقيام بذلك، وهو ما أرجو أن يتم في الأيام اللاحقة لبناء صرح تعليمي قوي نستطيع أن ننافس به الأمم وأن يكون دعامة قوية لليبيا المستقبل. وقد أكون في كتابتي لهذا الموضوع أكثر تحيزا للتعليم الجامعي وبالذات التعليم التقني، ولا غرابة في ذلك حيث أنني انتمى لهذا الجانب من القطاع، ولكنه لم يأتي عن قصد.

تمهيد؛

مر التعليم بشكل عام وخاصة التعليم العالي بتطورات وتغيرات ملحوظة خلال العقود الستة الماضية. فمن تعليم محدود ومعظمه غير نظامي، دأبت الدولة خلال العقدين الأولين آنذاك إلى تكريس جهودها حتى نهضت به إلى تعليم نظامي في مختلف المجالات وعلى كافة المستويات. كما قامت ببعث العديد من حملة شهادة الثانوية العامة ليتلقوا تعليمهم في الخارج في مجال العلوم الطبيعية والطب والهندسة، وأصبحت ليبيا من الدول الأكثر نموا وتطورا آنذاك. ومما يلاحظ على التعليم عند ذلك الحين وجود حدود للتواصل بين التلميذ ومدرسه، مردها لم يكن الرعب والخوف ولكن تقدير واحترام الطالب لمعلمه وأستاذه. ولا شك أن هذا أتى نتيجة للتربية في البيت والشارع والمدرسة وكانت كلمة التربية تشكل نصف اسم القطاع بل وتأتي في أوله.

وجاء حدث الأول من سبتمبر 1969م ليغير ويهدم كل ما قامت به الدولة خلال حوالي عقدين من الزمن وما وصل البلد إليه من تقدم وازدهار. ورغم هذا فقد بقي التعليم في بداية الأمر، ولمدة بضع سنوات عند مستوى جيد، نتيجة وجود من بقي من أصحاب الكفاءة والذمم لدفع دفة عجلته ولتسيير إداراته، وكذلك لأن عزم الاندفاع الذي وصل إليه لم يفتر بعد. وقد ظن معظم الناس في بدأ الأمر أن هذا الحدث هو ثورة بالفعل فساندوها بصدق واخلاص حتى بدأ النظام في الكشف عن نواياه الخبيثة والتكشير عن أنيابه المفترسة. فتلى حدث الأول من سبتمبر حدث خطاب النقاط الخمس ليؤدي إلى تدمير الإدارة وما بقي فيها من نظام. ورغم هذا فقد بقي أهل الذمة والأخلاق يديرون القطاع متبعين نفس النهج الأول والذي لم يكن لِيُسِرَّ النظام ومن على رأسه. فأتى الحدث الثالث وهو حدث السابع من أبريل سنة 1976م ليجعل من قطاع التعليم مرتعا للمتسلقين والمتاجرين بالعلم مدعيين الثورية والوطنية لكي يصلوا إلى ما يصبوا إليه من مناصب وما رافقه أحيانا من فساد مالي في كليات جامعية، فتقلدوا أرفعها دون أن يكون لهم رأي في تسييرها إلا ما يملى عليهم. كما أدى هذا الحدث في مناسباته اللاحقة إلى الكثير من المآسي، من ذلك سفك الدماء داخل حرم الجامعات، وتقلد الطلبة لآمور الكليات وما تم من عبث وتزوير للحقائق في البعض منها. واستمر هذا التدهور وهذه الهيمنة من قبل الموالين للنظام، أو من يظن النظام أنهم موالين له، حتى انتصار ثورة 17 من فبراير.

وقد أتت هذه الثورة المباركة وكلنا أمل في أن تحافظ على ما جاءت من أجله؛ وهو الحرية والديمقراطية والعدالة، وأن تُسْنَدَ فيها المهام إلى أصحاب الكفاءة والنزاهة وليس طبقا للأهواء والمعارف الشخصية. "كما آمل أن لا تكون إدارة الأمور، كما يردده البعض من شعارات، حكرا على فئة دون غيرها. فيلاحظ بأن البعض يصنف من تقلد مهاما أثناء النظام السابق، وهو عدد يقدر بحوالي ثلث السكان على الأقل، ليس له مكانا في الصدارة رغم ما يشهد لبعضهم من عفة ونزاهة وعدم رضوخ للتوجيهات المسيئة للبلد والشعب آنذاك. فكيف ننادي بالديمقراطية التي يكون فيها الحكم لصناديق الاقتراع، وفي نفس الوقت يردد ويصنف بعض المسئولين الآن أن من تقلد مهاما في النظام السابق ليس له حق الآن في تسيير الأمور. وربما يكون من تقلد مهاما آنذاك وذهب فيها بسيرة محمودة أفضل بكثير ممن لم يكن له نصيب فيها والذي لم يُجَرَّبْ ولا نعرف عن سيرته شيئا. أرجوا أن لا يساء فهم هذا التعليق العابر، والذي أتى نتيجة لحرصي على سلامة هذه الثورة ولأن البلد في أمس الحاجة إلى تكاثف جهودنا جميعا ولأنني أكره الأحكام المسبقة".

فلا شك أن ما وصل إليه التعليم من تدهور وانحطاط يشكل عبئا ضخما على من تسند إليه مهام تسيير هذا القطاع، حيث تتطلب معالجته تكثيف جهود الجميع. ويمكن لمن، بل وقد يجب على من توكل له مهام تسيير القطاع الاستعانة بأصحاب النزاهة والكفاءة الحقة على هيئة لجان تسيير أو مستشارين. وتتجسد المهام ذات الأولوية فيما يلي؛ مراجعة المناهج وتنقيحها، وإن كان ما يتعلق بالمرحلة العامة قد تم القيام به في كل من بنغازي ومصراته وربما يجري القيام به في طرابلس، ولكن يجب المقارنة والتوحيد. وأرجوا أن يكون هذا العمل قد شمل استعادة بعض المواد التي همشت في السابق ودمجت مع بعضها، كالنحو والتعبير والإملاء، إلى وضعها الأسبق. ونلاحظ الآن نتائج عدم الاهتمام باللغة حيث يوجد لدينا الكثير، والبعض منهم من مؤهلات الدرجات العلمية العليا، ممن لا يستطيعون التعبير على أنفسهم بشكل جيد أو الكتابة بلغة صحيحة إملائيا ونحويا. وقد يتطلب الأمر أيضا إعادة تأهيل المدرسين في مراحل التعليم العام والقيام بدورات تدريبية مكثفة لهم، وينطبق هذا حتى على بعض من هم في التعليم العالي. كما يجب أيضا توفير المستلزمات الضرورية داخل الفصول والمعامل، والتوسع في بناء المدارس والمدرجات الجامعية، وتوفير الكتاب المدرسي وكتب المقررات الجامعية.

لمحة تاريخية؛

كان التعليم حتى نهاية النصف الأول من القرن الماضي مقتصرا إلى حد بعيد على التعليم الديني فيما يعرف آنذاك بالزوايا. وكان لهذه الزوايا الفضل الأكبر في الحفاظ على اللغة العربية وتحفيظ القرءان وتعليم الشريعة وعلوم أصول الدين. وقاموا ممن تسنى لهم الأمر بإتمام دراستهم الجامعية في جامع الأزهر بمصر ولكن كان عددهم لا يتعدى أصابع اليدين. أما الباقي فقد كان تعليمهم ذاتيا وعن طريق حلقات الدرس، ولم ينخرطوا في مدارس نظامية. ورغم هذا فقد كان هناك العديد منهم من تميزوا وممن يعدوا من علماء الدين ويشار إليهم بالبنان.

أما التعليم في مجالي العلوم الإنسانية والطبيعية فقد كان ناذرا ومقتصرا إلى حد بعيد على من انخرط في المدارس الإيطالية، والقليل من أتم تعليمه الجامعي. كما تمكن البعض من الدراسة في مدارس ابتدائية والتي اقتصر وجودها على المدن، ثم أتم تعليمه في مدارس وجامعات مصرية. فمثلا كان المهندس مصطفى بن حليم ممن تمكن من الدراسة في مصر وتحصل على شهادة بكالوريوس في الهندسة عند منتصف الأربعينات من القرن الماضي، ويعتبر بهذا أول مهندس ليبي حسب علمي. وقد يوجد عدد آخر في هذا المجال أو غيره ولكن لا أعرفهم.

ولما نالت ليبيا استقلالها في أواخر سنة 1951م، كانت التركة في مجال التعليم كبيرة، وكان عدد المدارس الابتدائية حينها قليلا، كما لا تتوفر هذه المدارس إلا في المدن والبلدات المجاورة لها. وعملت الدولة جل جهدها آنذاك على بناء المدارس والمعاهد المتوسطة حسب الامكانات المتوفرة والمتواضعة في ذلك الوقت. ومع مرور الزمن أنشئت الجامعة الليبية وبعث العديد من أوائل طلبة الثانوية العامة للدراسة في الدول المتقدمة وبالذات في مجال العلوم الطبيعية والهندسة والطب. ثم أكتشف النفط في أواخر الخمسينات، وبدأ تصديره وارتفع الدخل القومي إلى حوالي أربعة أضعاف خلال أقل من عشرة سنوات من بداية الاستقلال.

وتحسن دخل الفرد خلال السنوات اللاحقة بشكل ملحوظ وامتد العمران في المدن سواء كان منه في القطاع الخاص أو العام كمشروع الملك إدريس للإسكان والذي تم بناؤه بمواصفات جيده كما تشهد حالة المباني القائمة حتى الآن على ذلك. كما شقت الطرق، من بينها الطريق الساحلي بطول حوالي ألفي كيلومتر، وأنشئ العديد من المدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد المتوسطة، وتوسعت الجامعة الليبية؛ حيث أنشئ المزيد من الكليات وإن كان البعض منها قد أنشئ مستقلا ككلية الدراسات الفنية العليا ثم تلتها كلية المعلمين العليا. ثم ضمت الأولى ككلية هندسة والثانية ككلية تربية إلى الجامعة الليبية، وأصبحت الحياة الليبية بشكل عام تخطو خطى حثيثة نحو التقدم والازدهار.

وفى الأول من سبتمبر سنة 1969م (وهو ما سمي بعد ذلك بالفاتح من سبتمبر ثم سمي الشهر بشهر الفاتح كما سميت أشياء عدة غيرها ليس هذا المكان مناسبا لحصرها) حدث أمر جلل، توقعه الشعب في بداية الأمر أنه ثورة نحو الأفضل، ولكنه انقلب إلى تدمير للقيم والأخلاق والتعليم، وطال كافة البنى التحتية من صحة ومواصلات عامة وغيرها. وكما ذكرت، توقع الشعب أن هذا الحدث ثورة تسعى إلى تحسين ظروف الحياة، فهب جميعه إلى المساعدة في بناء الوطن، بما فيهم المتحفظون وغير المتأكدين من نوايا القائمين به.

وقد كشف النظام عن توجهاته الاستبدادية منذ البداية، حيث أجهضت الحريات ورفعت شعارات جوفاء لمناهضة التعبير الحر عن الرأي ومنع التكتلات الحزبية، ومن ذلك مثلا "من تحزب خان، والحزبية إجهاض للديمقراطية" وغيرها من الترهات. وبعد أقل من أربعة سنوات من بدأ الحدث، جاء الخطاب المشئوم الذي أعلن فيه عن ما سمي "بالنقاط الخمس"، والتي بحق هي إعلان عن تدمير المؤسسات بشكل عام رغم تغليفه بشعار الحرية والديمقراطية. وكنت عندها قد أتممت إعداد رسالة الدكتوراه وفي انتظار مناقشتها، فقال لي زميل إنجليزي هل ترجع إلى ليبيا وهي في هذه الحالة من الفوضى، فرددت عليه بأنني ليبي ويجب علي الرجوع لخدمة بلدي.

وعند رجوعي وجدت الجامعة في حالة من الفوضى تتصارع فيها القوى بين الإدارة التقليدية والإدارة المستحدثة التي أشار إليها هذا الخطاب والتي سميت بالإدارة الشعبية. ولا أود أن أشير إلى أحد ممن كان يقود الأحداث ويدعو إلى الإدارة المستحدثة وما حاول أغلب أعضاء هيئة التدريس الجامعي من رفض لها حيث كان من الممكن عندها أن تقول كلمة لا، ولكنني سأقول بأنه تم انتخاب أو ما كان يعرف بتصعيد اللجان الشعبية في جامعة طرابلس بطرق ديمقراطية في بداية الأمر ولمدة دورتين؛ الأولى لمدة سنة واحدة بدأت أوائل شهر يناير 1974م والثانية لمدة سنتين. ونظرا لأن من تم تصعيدهم أو انتخابهم كانت وراءهم القاعدة الشعبية العريضة، فأقول وبصدق أن سير الإدارة لم يحث له أي تغيير ما عدى بعض المسميات الشكلية، واستمر العمل على هذا المنوال بجد وإخلاص رغم ما يعتريه من مشاحنات واختلاف في وجهة النظر بين إدارة الجامعة والمسئولين في الدولة.

وقد أدى هذا البون الشاسع بين مفهوم الإدارة وطرق تسييرها لذى المسئولين في الجامعات من جهة وقمة المسؤولين في الدولة من جهة أخرى إلى خطاب قار يونس في السابع من أبريل سنة 1976م وما لحقه من ثورة طلابية وفصل لبعض أعضاء هيئة التدريس. ثم تلى ذلك سفك دماء الطلاب المناهضين للثورة داخل الحرم الجامعي في السنوات اللاحقة لهذه المناسبة. وأود أن ألاحظ أنه رغم مرور البلد بعدة نكسات هزت أركان الكثير من القطاعات منذ حدث 1969م إلا أن التعليم، نتيجة الإشراف عليه من قبل أشخاص قدامى يتمتعون بالوطنية والخبرة، لم يتأثر كثيرا حتى أحداث السابع من أبريل. وكان الهدف من هذه الأحداث هو وقف العمل بالتصعيد أو الانتخاب ويكلف بدلا منه من يثق فيهم النظام بإدارة الجامعات والكليات والمؤسسات التعليمية بشكل عام. ووصلت الجامعة بعد ذلك بسنوات إلى ما عرف بالجامعة الطلابية، والتي حدث داخل بعض كلياتها الكثير من التزوير في ملفات الطلبة وفي تعيين المعيدين وغير ذلك من الأعمال المشينة. كما تم خلالها أيضا التلاعب ببعض المناهج وإدخال مواد جديدة موجهة محتوياتها نحو النظام وترهاته.

وهكذا أصبح مستوى التعليم يترنح بين جامعة وأخرى وبين كلية وغيرها وبين ما يعطيه عضو هيئة تدريس وآخر حتى داخل نفس القسم. ويأتي ذلك نتيجة لأن ما يعطيه عضو هيئة التدريس يعتمد بالدرجة الأولى على مستواه العلمي أصلا وعلى صحوة ضميره دون حسيب أو رقيب. وما يقال على التعليم الجامعي يحدث أيضا في التعليم العام والمتوسط وقد يكون الوضع أسوأ لأن القائمين به معظمهم من خريجي المعاهد والجامعات في السنوات الأخيرة؛ سنوات انحطاط المستوى العلمي. واستمر الوضع هكذا حتى هبوب رياح الربيع العربي وثورة 17 من فبراير التي أرجوا أن تكون ثورة خير وإنماء وتقدم.

متطلبات المرحلة؛

يقدر عدد الطلبة والطالبات في المرحلة العامة والمتوسطة بحوالي مليونين من الطلبة والطالبات (2,000,000). أما في الجامعات والمعاهد العليا فيقدر بأنه يربو عن ثلاثمائة ألف طالب وطالبة (300,000)، وما يزيد عن ثلثهم في جامعة طرابلس وحدها. ويحتاج هذا العدد الهائل إلى ما يناظره من أطقم أعضاء هيئة التدريس والفنيين في مختلف المراحل، بالإضافة إلى الفصول والمدرجات والإمكانات المعملية والمعدات. كما يجب وضع الخطط اللازمة لمدى احتياج البلد من التخصصات المختلفة وكيفية توزيعها، وبخاصة إن عرفنا أن عدد خريجي الجامعات وصل في الوقت الحالي إلى ما يزيد عن ربع مليون خريج وخريجة. وهذا لا شك بأنه كم هائل، ويوضح مدى شغف الليبيين على تعليم أبنائهم رغم الصعاب التي تقابلهم، من ضنك العيش أحيانا وعدم توفر المواصلات الضرورية في أحيان أخرى، حيث أن المواصلات العامة اختفت من الوجود.

ولو أخذنا الجزء الأول من هذه المتطلبات والذي يقدر فيه عدد المدرسين في المرحلة العامة والمتوسطة بأنه يزيد عن مائتي ألف مدرس ومدرسة (200,000)، وهو كم هائل بلا شك، لوجدنا أن نسبة عدد الطلبة إلى عضو هيئة التدريس، وهي 10 : 1، تضاهي النسب الموجودة في الدول المتقدمة. وهذا أمر جيد، وهو ما يلوحوا به المسئولون في النظام السابق، ولكنني أود أن أطرح سؤالا بدون تجريح أو استعلاء مع رجائي بأن لا يسبب حرجا لأي أحد. فهل يا ترى كل المدرسين والمدرسات فعلا مؤهلين علميا للتدريس، وبخاصة عندما نسمع عن تكاسل وقلة جدية بعض أعضاء هيئة التدريس الجامعي في العطاء مع التلاعب أحيانا في درجات الطلبة في بعض الكليات الجامعية وبخاصة أثناء فترة الجامعة الطلابية؟. أظن بأن الإجابة لا. وقد يتساءل المرء كيف يحدث هذا ويوجد مدراء مدارس وموجهين تربويين. والإجابة عن ذلك أن بعض المدراء كثيرا ما يكونوا غائبين أو مغيبين، ومعظمهم غير أكفاء للقيام بعملهم حيث كان المؤهل الضروري ليس العلم ولكن مدى ولائهم للنظام، أما الموجهين فالبعض منهم تنقصه وسيلة المواصلات ليقوم بعمله، هذا إن كان مؤهلا للقيام به، والبعض الآخر يحتاج هو نفسه للتوجيه، وكما يقال فاقد الشيء لا يعطيه.

ويقود هذا النقد الصريح إلى وضع السؤال التالي؛ إذا كان الأمر كذلك فما هو الحل يا تري؟. قد توجد حلول عدة إلا أنني أود اقتراح هذا الحل والذي قد يسبب بعض الرفض والحرج، ولكن لو كنا صادقين مع أنفسنا لاقتنعنا به وتبنيناه. ويكمن هذا الحل في إعادة التأهيل، على الأقل في المواد التي يقوم المعلم بتدريسها. ويمكن أن يتم هذا إضافة إلى قيام المعلم بعمله. كما قد يكون هذا اختياريا مع وضع حوافز مادية ومعنوية لمن ينخرط في إعادة التأهيل كمنحه علاوة درجة في سلمه الوظيفي. ويمكن عند القيام بذلك تجميع المعلمين في فصول جامعية خاصة ويتولى إعادة تدريسهم خيرة أعضاء هيئة التدريس الجامعي في هذا التخصص حتى لو تتطلب الأمر أن نستعين بأعضاء هيئة تدريس من الخارج. وتدرس المادة لهؤلاء المعلمين بنفس محتويات المادة الجامعية خلال أيام معينة، وخارج ساعات عمل المدرسين. وقد لا يتطلب هذا أكثر من سنة دراسية يمتحن المعلم عند نهايتها ويمنح إفادة بذلك. وأظن أن هذا العمل قد يكون أصوب من القيام بدورات علمية قد تقتصر محتوياتها على معلومات عامة أو مختصرة أو قد لا تدار بطريقة علمية جيدة.

كما يوجد بالإضافة إلى مدرسين المواد النظرية فئة الفنيين ومحضرين المعامل، وبخاصة في المعاهد الفنية المتوسطة. ويجب أن يكونوا هؤلاء ممن لهم خبرة ودراية بالمعدات والأجهزة التي سيتعاملون معها داخل المدارس والمعاهد، وأن يكونوا من خريجي المعاهد الفنية العليا. ويتحتم علينا الاهتمام بهذا النوع من المدرسين والتأكيد على نوعية وجدية تعليمهم وتأهيلهم حيث سنحصل بواسطتهم على العمالة الفنية المؤهلة والتي نحن في أمس الحاجة إليها. كما يجب أن يتلاءم عددهم مع نوعية المدارس وهل هي مدارس ثانوية عامة أو ثانوية تخصصية أو معاهد فنية متوسطة. ويمكن إعادة تأهيلهم عن طريق دورات عملية مكثفة يقوموا خلالها بكتابة تقارير مفصلة عن ما يقوا به من تجارب وتصحيح هذه التقارير من قبل أشخاص أكفاء ومنحهم درجات عليها تكون الأساس في تقييمهم النهائي.

أما عدد أعضاء هيئة التدريس في الجامعات فيقدر بحوالي أربعة آلاف عضو هيئة تدريس قار من الليبيين (4,000) وأقل من ثلاثة آلاف عضو هيئة تدريس قار من غير الليبيين (3,000) وحوالي أربعة آلاف من المتعاونين (4,000). ونجد مما ذكر سابقا أن نسبة عدد الطلبة إلى الأساتذة تصل إلى حوالي 30 : 1. وهي نسبة مرتفعة وبخاصة عندما نلاحظ أن نسبة أعضاء هيئة التدريس المتعاونين تمثل حوالي 40% من العدد الإجمالي. ويجب، طبقا للمعايير الدولية، أن تتراوح هذه النسبة في التعليم الجامعي ما بين 10 : 1 و15 : 1. وهذا لا شك أنه يتطلب تشجيع الدراسات العليا في الداخل وتوفير ما تحتاجه من إمكانات وبخاصة في الكليات العملية، وتعيين وإيفاد معيدين إلى الخارج. ويجب أن يكون هذا ضمن خطة مدروسة على المدى القصير والبعيد.

وقد نتساءل عن مستويات أعضاء هيئة التدريس الجامعي، وأرى أنني أضع نفسي في موقف محرج إذا ما صرحت بذلك. ولكن ما أود قوله هو أن البعض إن لم يكن الكثير لا ينقصه البحث العلمي فقط ولكن أحيانا حتى التعبير عنه في تقارير علمية بلغة جيدة سواء كتبت عربيا أو أجنبيا. ويمكن التغلب على القصور اللغوي بالقراءة والاطلاع وممارسة الكتابة ومراجعتها من قبل أشخاص أكفاء ومتخصصين. ويتعلل البعض بعدم توفر الامكانات البحثية؛ كالمعدات المعملية والمراجع، ولكن أود أيضا أن أقول بأن الأشياء تقيم أحيانا بشكل نسبي، فمثلا لا نقارن أنفسنا بالأساتذة في الدول المتقدمة ممن لهم أبحاث بالمئات، والسبب في ذلك توفر الامكانات المعملية وكثرة مساعدي البحاث وطلبة الدراسات العليا، ولكن قد يكفي لو كان لدي أساتذتنا أبحاثا بعدد العشرات. كما أن المراجع أصبحت لا تشكل معضلة كبيرة في الوقت الحاضر فالكثير من المراجع يمكن الحصول عليها من الشبكة العنكبوتية التي يتسنى توفيرها حتى في البيوت. وهذا لا يعني عدم المطالبة بالعديد من الامكانات البحثية والمعملية وخاصة في الكليات العملية.

كما أرى بأن الأمر يتطلب وجود نوع من المرجعية الأكاديمية داخل القسم كوجود أستاذ له باع طويل في الخبرة والبحث العلمي، طبقا لسيرته الذاتية وسمعته وتقييم أعضاء هيئة التدريس له داخل القسم وخارجه، يكون مرجعا أساسيا لبقية أعضاء هيئة التدريس المتخصصين في نفس المجال ويعملون معه أو تحت إشرافه، وهو ما يتبع في الدول المتقدمة كبريطانيا مثلا. وحقيقة الأمر، وهو أمر مشجع، أنه يوجد الكثير من أعضاء هيئة التدريس من ذوى الدرجات الأكاديمية الدنيا لا يمانعون في القيام بذلك.

أما فيما يتعلق بالمناهج، فرغم أن مستواها في بعض الكليات يضاهي وأحيانا قد يزيد عما يوجد في جامعات الدول المتقدمة، إلا أن محتوى البعض منها قد يكون غير مناسب أو غير ضروري في الوقت الحالي. كما أن بعض المواد المعتمدة في الجامعات الأجنبية وبالذات المواد التطبيقية في الكليات العملية قد لا تجد لها سوقا أو حاجة في ليبيا، ويمكن الاستغناء عنها. وقد يكون من ضمن ما يجب التركيز عليه هو تطبيق المنهج العملي بالوسائل المتبعة في الدول المتقدمة. فتعليم هذا المنهج غير مجدى بتاتا في بعض الأقسام، حيث أن كثرة الطلبة وقلة المساعدين تؤدي إلى إعطاء المادة على هيئة بيان دون إجراء الطالب لهذه التجربة فعلا وأخذ القياسات المفصلة، ثم تحليل هذه القياسات والكتابة عنها في تقرير يعكس فهم الطالب لما ترتكز عليه التجربة من نظريات علمية ومفهوم سلوك المتغيرات العملية المختلفة. وكثيرا ما توجد مادة في الأقسام تعرف بمادة كتابة التقارير أو الكتابة التقنية، ولكنني أقول أن التطبيق أرسخ في الذاكرة من القراءة، وما يقوم به الطالب من مجهود في كتابة التقارير المعملية سينعكس عنه في مهنته الميدانية أو الأكاديمية.

وختاما أرجو أن أكون قد لمحت إلى عدد من نقاط الضعف التي يتصف بها قطاعنا التعليمي، وأن يكون هذا العمل المتواضع دافعا للمتخصصين ولأصحاب الرأي في أن يتولوا دراسته بالتحليل المتعمق ومناقشته في المنتديات وحلقات النقاش، والله الموفق.

دكتور صـالح محمد عمر أبوغريس

أستاذ بقسم الهندسة الميكانيكية والصناعية

كلية الهندسة، جامعة طرابلس

4/10/2011 م.

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
طالب جامعي
السلام عليكم أعرف أني خارج الموضوع لكن أغاظتني بعض التعليقات أنا أحد المهندسين الذين درسوا عند د صالح وبصراحة أي طالب يشكوا منه فعليه أن يراجع أساسيايته جيدا لأن الدكتور…...
التكملة
و ع
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بصراحة شديدة انا احد طلبة الدكتور صالح ابو غريس الحاليين وانا اعلم انه ليس الموضوع هو تقييم الدكتور  لاكن بعد ما قاله الاخ مهندس ميكنيكى وجب القول ان الدكتور من افضل الدكاتيره الدى نفعونى بعلمهم يوما ان كان فى المقرر او من خلال النصائح وطريقة التفكير التى تصبو لتطوير وتقديم التعليم على الاساس الصحيح لدالك هنالك من يراء اسلوب الدكتور فى طرح المادة فيه شى من الصعوبة او لتعقيد ولاكن من يعرف حقيقة الامر يعلم جيدا انها تصب فى مصلحة الطالب من عدة نواحى اهمها تخرج مهندس حقيقى ليس مهندس على ورق وحتى الورق مشكوك فى امره...
التكملة
و-ع
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بصراحة شديدة انا من احد الطلبة لدكتور صالح ابو  غريس  الحاليين ،وانا اعلم انه ليس الموضع المطروح هو سيرة حياة الدكتور لاكن بعد ما قاله الاخ مهندس ميكنيكى وجب القول ان الدكتور من افضل الدكاتيره الدى نفعونى بعلمهم يوما ان كان فى المقرر او من خلال النصائح وطريقة التفكير التى تصبو لتطوير وتقديم التعليم على الاساس الصحيح لدالك هنالك من يراء اسلوب الدكتور فى طرح المادة فيه شى من الصعوبة اوا تعقيد ولاكن من يعرف حقيقة الامر يعلم جيدا انها تصب فى مصلحة الطالب من عدة نواحى اهمها تخرج مهندس حقيقى ليس مهندس على ورق وحتى الورق مشكوك فى امره...
التكملة
حريص
الاخ ابراهيم الشكري... يبدو انك مدرس وارجو ان اكون مخطئا. الاملاء صفر التعبير صفر القدره على التحليل وتسلسل الافكار صفر ارأيت كم انت مخطئ حينما تلوم الدكتور على انتاجه . تلومون الناس والعلة فيكم....
التكملة
وطنى / جامعة الفاتح
د. صالح اشكرك على هذا المقال التنويرى. جميع هذه القضايا ملحه وتمثل اولويه واذا اردنا ان نطور بلادنا وننقد وطننا واجيالنا القادمه علينا ان نضع هذا الموضوع على رأس سلم الاولويات…...
التكملة
محمد عبدالله
أضم صوتى لصوت الأخ مهندس ميكانيكى وأقول أن كاتب المقال د. صالح أخر من يتكلم عن تحسين التعليم، لأنه لا يؤدى واجبه بامانه فهو لا يشرح للطلبة وخاصة لطلبة الدراسات…...
التكملة
م. ابراهيم الشكرى
اخى الفاضل "فاقد الشئ لايعطيه" مثلا استرشدة به ويبذو ان غاب عليك فهمه، إذا كان مستوى معلم التعليم العام دون المستوى فتأكد بانه نتاج اساتذة التعليم العالى، يعنى "الحرة اول…...
التكملة
Abdelbasit Gadour
Regardless to any writer's background please for once let us deal with the context and content writen more criticaly. I don't know the writer and I am not interested in…...
التكملة
س.ق.
تحيه طيبه للاستاذ الدكتور صالح ابوغريس علي هذه المقاله المميزة وانا استاذ ليبي في احدي الجامعات الكنديه ولم يكن لي الشرف ان اتعرف عليك ولكن ما قاله المهندس الميكانيكي اثبت…...
التكملة
مهندس ميكانيكي
آخر من يتكلم على التعليم هو أنت يا دكتور صالح، أريد أن أذكرك بذلك الفصل الدراسي عندما رفض طلبة الماجستير أن يدرسوا عندك نتيجة للنتيجة المذبحية التي افتعلتها في الفصل…...
التكملة