عمر النعاس العرييي: حوار غير دستوري 18/9/2011 00:19 عمر النعاس العرييي: حوار غير دستوري
أ. عمر النعاس العرييي بحث

ثار حوار غير دستوري في شأن دستوري بين عدد من المحاورين غير الدستوريين حتى وصل الحوار إلى جدل، وكل محاور أو مجادل يريد أن يدلي بدلوه، ويفتي بفتواه وفق هواه دون علم أو برهان. هذا الحوار استمعت إليه في قنواتنا الليبية الحرة والأحرار وليبيا أولاً، في برامج شتى منها برنامج التحليل السياسي وبرنامج من مصراته في (قناة ليبيا الأحرار)، وعدد من البرامج في (قناة ليبيا الحرة). كما أثير هذا الموضوع في أحد برامج (قناة ليبيا أولاً)، وأيضاً في قناة الجزيرة ، ولا يزال هذا الحوار قائماً. وقد تركز موضوع الحوار بشكل رئيسي حول تكليف د/ محمود جبريل بتشكيل حكومة مؤقتة. إن كثير من المحاورين أو من أدلوا بدلوهم بمن فيهم المذيعين الأفاضل كانوا مصرين على أن هذا الإجراء لا شرعية له، وغير دستوري. وتحمس الكثير منهم لكيل الاتهامات للدكتور/ محمود جبريل وكأن بيده عصا موسى السحرية، أو كأنه مخلوق غريب قادم من الفضاء وليس مواطن ليبي!! ورغم أن موضوع الحوار هو شأن دستوري بحت، إلا أن ما قيل لا علاقة له بالدستورية. عند الحديث عن الدستورية ، يجب أن يكون المرجع هو النص الدستوري وليس الاجتهادات الشخصية، وحتى يكون الحوار ناضجاً وهادفاً يجب علينا أن نتعرف على بعض الأمور ومنها:

1- وفقاً لثورة 17 فبراير، والشرعية التي اكتسبتها هذه الثورة من أفراد الشعب، ونظراً لأن المجلس الوطني الانتقالي اكتسب شرعيته من خلال شرعية الثورة ومن المبايعات التي تمت من أغلب المجالس المحلية في أنحاء ليبيا، فإن هذا المجلس بحكم الأمر الواقع وبالتوافق أصبح هو الممثل الشرعي الوحيد للشعب الليبي، وقد حاز الكثير من الاعترافات الدولية بهذه الصفة.

2- مع انتصارات الثوار في كل أنحاء ليبيا، وبحكم أن المجلس الوطني الانتقالي نال رضا الشعب الليبي وموافقته، قام المجلس بإصدار الإعلان الدستوري بتاريخ 10/8/2011م. وبإصدار المجلس للإعلان الدستوري اكتسب الشرعية الكاملة محليا ودوليا، وأصبح هذا المجلس هو أعلى سلطة في البلاد.

3- نتيجة لصدور الإعلان الدستوري، وبعد تحرير العاصمة طرابلس أصبح الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي ليس بصفته ممثلاً للشعب الليبي فقط ولكن بصفته ممثلاً للدولة الليبية. وهذا ما دعا معظم الدول المترددة لن تقوم بالاعتراف بالمجلس الوطني بصفته الممثل الشرعي للدولة الليبية، وأن يحتل المجلس مقعد ليبيا في المحافل الدولية مثل الجامعة العربية والجمعية العامة للأمم المتحدة.

ملاحظة على ما سبق:

استنادا لما سبق، علينا أن نعرف أن المجلس الوطني الانتقالي نال الشرعية الكاملة من خلال رضا الشعب وموافقته، وله السلطة الكاملة بأن يصدر الإعلان الدستوري. إن إصدار الإعلان الدستوري لا يستلزم عرضه على الشعب لإقراره، حيث أن هذا الإعلان هو دستور مؤقت لتنظيم الدولة خلال الفترة الانتقالية حتى صدور الدستور الدائم . والدستور الدائم هو الذي يجب أن ينال موافقة الشعب الليبي عليه في استفتاء عام وحر ونزيه. علينا أن نتعامل مع الإعلان الدستوري بصفته هو القانون الأعلى في الدولة وألا يتم مخالفته من أي كان حتى نمضي قدماً في طريق دولة القانون والدستور. وإذا ما ظهر أي خلاف دستوري فإنه هو المرجع. وبخصوص موضوع الساعة وهو كيف يقوم د/محمود جبريل بتشكيل الحكومة؟ وهل يجوز له ذلك؟ وهل يستند على شرعية أم لا؟ وكيف يتم تشكيل حكومة قبل إعلان التحرير؟ وغيرها من التساؤلات. إن المرجع الرئيسي هو القانون الأعلى في الدولة، وهو الإعلان الدستوري وهو (دستور مؤقت) ويتناول مرحلة مؤقتة وسلطة مؤقتة، وسوف نتناوله من خلال نصوصه كالآتي:

أولاً/ نص الإعلان الدستوري في (البابين الأول والثاني) على أحكام عامة والحقوق والحريات.

ثانياً/  نص الإعلان الدستوري في الباب الثالث (نظام الحكم):

1- تنص المادة 17 على أن المجلس الوطني الانتقالي المؤقت هو أعلى سلطة في الدولة الليبية ويباشر أعمال السيادة العليا.

2- تنص المادة 18 على تكوين المجلس من ممثلين عن مختلف أنحاء ليبيا.

3- تنص المادة 24 على الآتي: (يعين المجلس الوطني الانتقالي المؤقت مكتبا تنفيذيا - أو حكومة مؤقتة- يتكون من رئيس وعدد كاف من الأعضاء لتسيير القطاعات المختلفة في البلاد. وللمجلس الوطني الانتقالي المؤقت الحق في إقالة رئيس المكتب التنفيذي- أو الحكومة المؤقتة- أو أي من أعضائه على أن يصدر هذا القرار بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس. رئيس المكتب التنفيذي - أو الحكومة المؤقتة- وأعضاؤه مسئولون بالتضامن أمام المجلس الوطني الانتقالي المؤقت عن تنفيذ السياسة العامة للدولة،...).

4- تنص المادة 25 على أن يؤدي رئيس وأعضاء المكتب التنفيذي - أو الحكومة المؤقتة- اليمين.

5- تنص المادة 26 على أن يتولى المكتب التنفيذي- أو الحكومة المؤقتة- تنفيذ السياسة العامة للدولة، وفق ما يرسمه المجلس الوطني الانتقالي المؤقت،....ويتولى المكتب التنفيذي- أو الحكومة المؤقتة.

ملاحظة على ما جاء في الفقرات (1- 5):

وفقاً للنصوص أعلاه المذكورة في الإعلان الدستوري، فإن المجلس الوطني الانتقالي المؤقت هو أعلى سلطة في ليبيا، وهو الذي يعين (المكتب التنفيذي أو الحكومة المؤقتة)، وأنه وفقاً للنصوص الواردة في الإعلان الدستوري فإن: مصطلح (المكتب التنفيذي) يعني (الحكومة المؤقتة).

خلال الأيام الأولى لثورة 17 فبراير، قام المجلس الوطني الانتقالي المؤقت بتعيين د/ محمود جبريل رئيساً للمكتب التنفيذي أي (رئيساً للحكومة المؤقتة) وعدد من الأعضاء. وخلال شهر 6/2011م، قام المجلس الوطني الانتقالي المؤقت بإقالة المكتب التنفيذي (الحكومة المؤقتة)، وبعد ذلك قام المجلس بإعادة تعيين د/محمود جبريل رئيساً للمكتب التنفيذي (رئيس الحكومة المؤقتة) وكلفه بتشكيل (مكتب تنفيذي جديد أي حكومة مؤقتة جديدة). فلا ضرر ولا ضرار في ذلك!

إن تكليف المجلس الوطني الانتقالي المؤقت للدكتور/محمود جبريل بتشكيل حكومة مؤقتة هو اختصاص أصيل للمجلس الوطني الانتقالي بصفته أعلى سلطة في ليبيا. وما قام به د/محمود جبريل متوافق تماما مع النص الدستوري، حيث أن قيامه بتشكيل هذه الحكومة المؤقتة هو استجابة وتنفيذاً لطلب المجلس الوطني الانتقالي. إن مهمة هذه الحكومة المؤقتة هي تسيير الأعمال لفترة ما قبل إعلان التحرير والذي لم يتم الإعلان عنه حتى الآن، وهذا الأمر لا يستحق افتعال كل هذه الضجة الإعلامية. إذ أن ليبيا لم تتحرر بعد.

6- تنص المادة 30 على الآتي: (قبل التحرير يتم استكمال المجلس الوطني الانتقالي المؤقت حسب ما أقره المجلس، ويبقى هو الذي يمثل أعلى سلطة في الدولة الليبية والمسئول عن إدارة البلاد حتى انتخاب المؤتمر الوطني العام.

بعد إعلان التحرير ينتقل المجلس الوطني الانتقالي المؤقت إلى مركزه الرئيسي بطرابلس، ويشكل حكومة انتقالية خلال مدة أقصاها ثلاثين يوما، وخلال مدة لا تتجاوز 90 يوماً من إعلان التحرير يقوم المجلس بالآتي:

1- إصدار قانون خاص بانتخاب المؤتمر الوطني العام.

2- تعيين المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

3- الدعوة إلى انتخاب المؤتمر الوطني العام.

يتم انتخاب المؤتمر الوطني العام خلال 240 يوم من إعلان التحرير. يتكون المؤتمر الوطني العام من 200 عضو منتخب من كل أبناء الشعب الليبي وفق قانون الانتخاب. يحل المجلس الوطني الانتقالي المؤقت في أول انعقاد للمؤتمر الوطني العام،.....، وتستمر الحكومة الانتقالية في تسيير أعمالها إلى حين تشكيل حكومة مؤقتة. يقوم المؤتمر الوطني العام في مدة لا تتجاوز 30 يوم من أول اجتماع له بالاتي:

1- تعيين رئيس للوزراء يقوم بدوره باقتراح أسماء أعضاء حكومته ، على أن يحظوا جميعا بثقة المؤتمر الوطني العام قبل مباشرة أعمالهم كحكومة مؤقتة، وكذلك يقوم المؤتمر بتعيين رؤساء الوظائف السيادية.

2- اختيار هيئة تأسيسية لصياغة مشروع دستور للبلاد تسمى الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، على أن تنتهي من تقديم مشروع الدستور للمؤتمر في مدة لا تتجاوز 60 يوم من انعقاد اجتماعها الأول.

يعتمد مشروع الدستور من قبل المؤتمر الوطني العام، ويطرح للاستفتاء عليه ب(نعم) أو (لا)، خلال 30 يوم من اعتماده من قبل المؤتمر، فإذا وافق الشعب الليبي على الدستور بأغلبية ثلثي المقترعين، تصادق الهيئة التأسيسية على اعتباره دستور البلاد ويعتمده المؤتمر الوطني العام. إذا لم يوافق الشعب الليبي على الدستور، تكلف الهيئة التأسيسية بإعادة صياغته وطرحه مرة أخرى للاستفتاء خلال مدة لا تتجاوز 30 يوم يصدر المؤتمر الوطني العام قانون الانتخابات العامة وفقاً للدستور خلال 30 يوم.

تجرى الانتخابات العامة خلال 180 يوم من تاريخ صدور القوانين المنظمة لذلك، ويشرف المؤتمر الوطني العام والحكومة المؤقتة على إعداد كل متطلبات إجراء العملية الانتخابية بصورة ديمقراطية شفافة.

تتولى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات(والتي يعاد تشكيلها من قبل المؤتمر الوطني العام) إجراء الانتخابات العامة تحت إشراف القضاء الوطني وبمراقبة المم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية.

يصادق المؤتمر الوطني على النتائج ويعلنها ، وتدعى السلطة التشريعية للانعقاد في مدة لا تزيد عن 30 يوم. وفي أول جلسة لها يتم حل المؤتمر الوطني العام وتقوم السلطة التشريعية بأداء مهامها.

بانعقاد الجلسة الأولى للسلطة التشريعية تعتبر الحكومة المؤقتة حكومة تسيير أعمال إلى حين اعتماد الحكومة الدائمة وفقا للدستور.

ملاحظة على ما جاء في الفقرة (6) المتضمنة المادة 30:

وفقاً للمادة (30) من الإعلان الدستوري، فإنه بعد إعلان التحرير يتم الآتي:

1- ينتقل المجلس الوطني الانتقالي المؤقت إلى مركزه الرئيسي في العاصمة طرابلس .

2- يشكل المجلس الوطني حكومة انتقالية خلال مدة أقصاها ثلاثين يوما. (هذه الحكومة الانتقالية لم يتم تشكيلها بعد ، حيث أن الحكومة الانتقالية سيتم تشكيلها بعد إعلان التحرير).

الخلاصة والتوصيات:

1- إن المجلس الوطني الانتقالي هو أعلى سلطة في البلاد في هذه المرحلة الانتقالية.

2- قيام د/محمود جبريل بتشكيل حكومة مؤقتة في الوقت الحالي هو تصرف دستوري صحيح.

3- هذه الحكومة المؤقتة هي لتسيير الأعمال خلال مرحلة ما قبل إعلان التحرير بالكامل.

4- إعلان التحرير بالكامل يملكه المجلس الوطني الانتقالي بصفته أعلى سلطة في البلاد في المرحلة الحالية. وبعد إعلان التحرير، ينتقل المجلس إلى طرابلس ويشكل حكومة انتقالية خلال 30 يوماً.

5- يستمر المجلس الوطني الانتقالي المؤقت في مباشرة مهامه كأعلى سلطة في ليبيا من يوم إعلان التحرير حتى يتم انتخاب المؤتمر الوطني العام خلال 240 يوماً، وبانعقاد أول جلسات المؤتمر الوطني العام يحل المجلس الوطني الانتقالي المؤقت ويقوم المؤتمر الوطني العام بأداء مهامه.

6- تنتقل كل اختصاصات المجلس الوطني الانتقالي للمؤتمر الوطني العام، والذي سوف يقوم بتشكيل حكومة مؤقتة.

7- أما بخصوص ما تنقله الفضائيات الليبية وغيرها عن أن عدد من ثوار طرابلس أو مصراته أو الزاوية لا يريدون د/محمود جبريل أن يقوم بتكليف الحكومة المؤقتة، فإن هذا لا ينفي أن هناك الكثيرون من الليبيين الذين يرون أنه مناسب لهذا العمل في الوقت الحالي. وهذه المرحلة ليست مرحلة صناديق اقتراع.

إضافة إلى ذلك، فإن أي تصرفات مستندة على قوة السلاح لإملاء شروط من هذا القبيل هي بعيدة كل البعد عن أهداف الثورة التي سالت من أجلها دماء آلاف الشهداء والمتمثلة في إرساء الديمقراطية والحرية وتحقيق دولة القانون والعدالة. وما يجب أن يعرفه الجميع هو أن الإعلان الدستوري الحالي هو القانون الأعلى في ليبيا، وأن المجلس الوطني الانتقالي هو السلطة الشرعية العليا في ليبيا. وقد قامت أعلى سلطة شرعية في ليبيا استناداً على القانون الأعلى في الدولة بتكليف د/محمود جبريل بتشكيل الحكومة المؤقتة. وهذه الحكومة ليست الحكومة الانتقالية التي سيقوم المجلس الوطني الانتقالي المؤقت بتشكيلها بعد 30 يوم من إعلان التحرير. وفي دولة القانون ، يجب على الجميع احترام القانون الأعلى في الدولة وقرار السلطة العليا في الدولة. وإن لم يسد هذا الاحترام، فمن المؤكد أن الاحتكام مستقبلاً سيكون لسلطان القوة وليس سلطان القانون، وفي هذه الحالة ويا للأسف ربما سيكون (دم الشهداء..قد ضاع هباء..)!!

وما أود أن أؤكده للجميع هو أن الإعلان الدستوري صامد ولم يتم خرقه بأي شكل من الأشكال.

أ. عمر النعاس العرييي
ماجستير قانون دستوري
18/9/2011

 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع