عمر النعاس: معارضة النظام أو إسقاط النظام 10/10/2011 00:22 عمر النعاس: معارضة النظام أو إسقاط النظام
أ. عمر النعاس العرييي بحث

إن معارضة النظام لا تعني الثورة عليه، ولكن الثورة على النظام تعني إسقاطه وبالضرورة معارضته. إن كثيرا من المعارضين لنظام الطاغية كانوا متعاونون معه خلال فترة ما، ونظراً لتعارض مصالحهم الشخصية مع مصالح النظام، أو تعرض مصالحهم للخطر قرروا النجاة بأنفسهم عن طريق ترك البلاد، وهذا لا بأس فيه، ولكن ذلك لا يجعلهم ثواراً!! وهناك من أجاز لنفسه مصادرة أموال الشعب الليبي بحجة أنها أموال الطاغية!!

إن النقد اللاذع والهدام من قبل بعض الناس للمجلس الوطني الانتقالي ورئيس المكتب التنفيذي لا مبرر له على الإطلاق، اللهم إلا الشعور بالنقص والإقصاء والتحرق شوقاً للسلطة.

ومن أكبر أخطاء المرء عند إلقاء الخطاب هو تعظيم نفسه من خلال التحدث بلفظ الجمع حيث يقول نحن، والأجدر أن يقول أنا، ولا أدري كيف يسمح شخص ما لنفسه وممن يستمد شرعيته بأن يتكلم باسم الشعب الليبي ويقول حرفيا (على رئيس الحكومة أن يستقيل إذا ما طلب شخص واحد ذلك)!!!

إن رضا كل الناس عن شخص واحد هو أمر مستحيل، وقطعاً لو تم تطبيق هذا الأمر في العالم كله لما تحصل أي شخص على رئاسة الحكومة ولما قامت حكومة في أي بلد من البلدان، وأستطيع أن أجزم جزماً قاطعاً انه لا يوجد رئيس حكومة أو ملك أو رئيس أو سلطان أو فقيه يحظى بموافقة ومباركة كل الناس في أي بلد، إذ أن رؤساء الدول الديمقراطية الحديثة بالكاد يتحصلون على أغلبية بسيطة في الانتخابات الرئاسية. حتى دولة الخلافة الإسلامية الأولى لم تحظى بإجماع كل الناس وإلا لما ظهرت الفتن خلال العقود الأولى من قيامها.

وسواء كان الناقد هو مواطن وسطي أو علماني أو فقيه أو متشدد أو غيره، فإنني لا أجد أي سند لهذا النقد سواء من خلال تقدير الظروف الحالية التي تعيشها البلاد، أو بالرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية التي لا يختلف عليها اثنان. ويحق لنا أن نتساءل، هل ما يقوم به هؤلاء الناس يتوافق مع كلام الله ورسوله؟

إن الفيصل في هذا الأمر هو كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، وسوف نستعرض بعض الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تتناول مواضيع الظن بالآخرين ونقدهم:

1- في باب النهي عن سوء الظن بالآخرين، وعن التجسس والغيبة. وتشبيه المغتاب كمن يأكل لحم أخيه ميتا،قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}. الحجرات12

2- وفي باب تقرير أن من يؤذي الآخرين بغير حق فإنه يحتمل البهتان والإثم البين والواضح،قال تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} الأحزاب58وقوله تعالى:{وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}. النور16

3- وفي تحريم الفواحش، والإثم والبغي بغير حق، والقول دون علم، ووضعها بدرجة الإشراك بالله، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. الأعراف 33

4- ويقرر الله تعالى العذاب الأليم لمن يظلم الناس ويبغى في الأرض بغير حق، قال تعالى:{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}. الشورى42

5- وفي شأن النهي عن الفتنة، وبيان أن الفتنة أشد من القتل، وأن من يبتغي الفتنة ويسقط فيها فهو من الكافرين، نستعرض هذه الآيات الصريحة: قال تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ }. البقرة191 قال تعالى:{لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ، وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ }. التوبة 48-49

ومن خلال السنة النبوية الشريفة، نستعرض بعض الأحاديث التي تتناول مثل هذا الأمر وهي كالآتي:

في باب سوء الظن: جاء في صحيح البخاري: عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً).... وفي صحيح مسلم: عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إياكم والظن. فإن الظن أكذب الحديث. ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا. وكونوا، عباد الله! إخوانا".

باب تحريم الغيبة: في صحيح مسلم: عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أتدرون ما الغيبة؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال "إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته. وإن لم يكن فيه، فقد بهته".

من خلال النصوص القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، يمكننا أن نستخلص الآتي: يجب على المؤمن ألا يسيء الظن بغيره من المؤمنين، ولا يغتابهم، فذلك إثم عظيم كمن يأكل لحم أخيه ميتاً. إن الغيبة هي ذكر المؤمن بما يكره وهي بهتان، والظن هو أكذب الحديث والعياذ بالله. ولا يجوز إيذاء الآخرين والبغي دون وجه حق، والقول دون علم ويقين مساواة للشرك بالله وهو بهتان وإثم عظيم. ولا يجوز لأحد أن يبث الفتنة بين الناس حيث أن الفتنة أشر من القتل، ومن أراد الفتنة وسقط فيها فهو من الكافرين ومثواه جهنم.

وعلى كل حال، فإن ليبيا لم تتحرر بالكامل حيث أن المعارك لا تزال تدور رحاها في أماكن متفرقة من أرض الوطن، ولا يزال العديد من أفراد الشعب تحت رحمة نظام الطاغية، وليس الوقت هو وقت توزيع حصص!!

وإن كانت ثورة 17 فبراير هي ثورة تحرر، إلا أن هذا لا يعني ظن السوء بالآخرين وبث الفتنة بين الناس وتفريقهم باسم حرية الرأي، لأن المستفيد الوحيد من كل ذلك هو نظام الطاغية وأعوانه ومن والاه.

إن أي تصريحات ناقدة مبنية على إساءة الظن والغيبة والتحريض على الفتنة لا تلاقي استحسانا أو قبولاً من الرأي العام الليبي، ولعل ظهور المسيرات المستنكرة لتلك التصريحات في أنحاء ليبيا كانت خير دليل على ذلك.

وكثير من هؤلاء الناقدين من سعى في السنوات الأخيرة للتقرب من نظام الطاغية وأولاده للحصول على حظوة بانخراطه تحت لواء سيف القذافي في برنامج (ليبيا الغد). ولست بحاجة لأن أذكر أن (مذبحة سجن بوسليم) كان قد تم ارتكابها سنة 1996، أي قبل حدوث ذلك التقارب والألفة بين هؤلاء ونظام الطاغية في هيئته المرجوة الجديدة (ليبيا الغد) تحت قيادة ابن الطاغية، أي أن هذا التقارب قام على حساب أرواح شهداء بوسليم.

كما أن كل جرائم الطاغية منذ سنة 1969 ومروراً بحرب تشاد، وجرائم شنق الليبيين في شهر رمضان الكريم وجرائم محاصرة المدن الليبية ووأد أي محاولة للانتفاض والثورة كلها كانت معلومة لدى هؤلاء الناقدون قبل مساهمتهم في برنامج ليبيا الغد والذي كان يهدف إلى تمكين ابن الطاغية من استلام إرث الحكم من أبيه، واستعباد الشعب الليبي لأربعة عقود قادمة تحت مسميات لبسوها واعتنقوها وطبلوا هم لها.

وقد استمر هؤلاء الناقدون في محاولاتهم لتجميل نظام الطاغية وأولاده حتى بعد قيام ثورة 17 فبراير وبحجة حقن الدماء، وذلك من خلال عقد مفاوضات مع أزلام الطاغية واقتراح حلول توافقية وانهزامية لتثبيط عزائم الثوار وتسويقها في الإعلام المحلي والخارجي وكأن دماء آلاف الشهداء لم تسال على مذبح الحرية. لقد سعى هؤلاء الناقدون حثيثاً لتحقيق مخططاتهم ومصالحهم طالما ينالون هم الحظوة والأثرة عند نظام الطاغية.

أما عن أعضاء المجلس الوطني الانتقالي والمكتب التنفيذي، فإنني أقول جزاهم الله خيراً، حيث أنهم منذ الأيام الأولى للثورة كانوا قد عرضوا أنفسهم وأسرهم للانتقام من قبل نظام الطاغية وأعوانه.

وقد اكتسب المجلس الانتقالي شرعيته من خلال الأمر الواقع خلال الأيام الأولى للثورة وتنادت جموع الشعب الليبي من خلال مجالسها المحلية مبايعة للمجلس الانتقالي، واكتسب المجلس - من خلال أعضائه وأعضاء المكتب التنفيذي - ثقة المجتمع الدولي ابتداء من مجلس التعاون الخليجي إلى الجامعة العربية إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلى مجلس الأمن الدولي حتى تضامن المجتمع الدولي بكامله مع حق الشعب الليبي في الحرية والديمقراطية. كما أن المجلس الوطني الانتقالي أكد شرعيته القانونية محليا ودوليا وذلك من خلال إصدار الإعلان الدستوري والذي يؤكد على المرحلة الانتقالية حتى الانتخابات الحرة والنزيهة لتأسيس الدولة الليبية الحديثة. وقد تحصل المجلس الوطني على اعتراف كل الدول الكبرى بما فيها الصين وروسيا وحتى صندوق النقد الدولي والعديد من دول العالم، كما استلم المجلس مقعد ليبيا بالجامعة العربية واستلم مقعد ليبيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وما ليس خافيا على أحد هو أن هذه المرحلة هي مرحلة تحرير ويليها المرحلة الانتقالية بعد إعلان التحرير بالكامل، وعندها سوف يتم الإعلان عن إجراء انتخابات حرة ونزيهة في كل أنحاء ليبيا المحررة، وسوف تسير الأمور بصورة ديمقراطية حيث يكون الفصل فيها للشعب الليبي وليس لغيره.

كفانا بالله فتن ومؤامرات على مستقبل ليبيا، وأرجو من الله تعالى أن يهدي الجميع لنبذ الأنانية من أجل تحقيق المصلحة العليا للوطن الذي ارتوى بدماء آلاف الشهداء, ولا تزال الدماء الزكية تسيل حتى اليوم!

أ. عمر النعاس العرييي
ماجستير قانون دستوري
16/9/2011م

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع