شُكْري السنكي: أحمَد إحواس فِي الذّكرى الثلاثين لاستشهاده (3) 10/5/2014 01:52 شُكْري السنكي: أحمَد إحواس فِي الذّكرى الثلاثين لاستشهاده (3)
الصادق شكري بحث

رجلُ مِن رجالات الوطن
أحمَد إحواس فِي الذّكرى الثلاثين لاستشهاده 
(3 مِنْ 4)
- الحلقة الثالثة

الحلقة الأولي - الحلقة الثانية - الحلقة الثالثة - الحلقة الرابعة (الأخيرة)


دخول إحواس إِلى ليبَيا.. استشهاده ومعركة رفاقه مع قوَّات القذّافي وزبانيته

كان الحاج أحمَد إحواس يؤمن بأن المعركة مع نظام القذّافي ستكون طويلة، وأن أوَّل عمليّة سيكون لها أكبر أثر فِي مسيرة العمل الوطنيّ النّضالي، وأن خياره فِي طريق الكفاح أن توجه ضربات ضدَّ السّلطة الظالمة مِن داخل البلاد، وأنه سيتقدم المجموعة التي ستشعل فتيل الثورة. وقد أخبرنا الأستاذ محمود الناكوع فِي بابه الثابت فِي مجلّة (الإنقاذ) المُسمّى (خواطر مِن الميَدان) عَن قناعات رفيقه  فقال: ".. لقد كان أحمَد إحواس يستعد ويعمل بجدٍ وتفانٍ منقطع النظير لكي يكون قدوة، ولكي يكون شهادة ومنارة ومعلماً لكل التواقين إِلى منازل اللقاء مِن أجل الحريّة والعزة ومنازل الشهداء الأبرار. وكان يردد دائماً: عندما تستعد الجبهة وعناصرها للدخول إِلى ليبَيا، سأكون أنا على رأس هذا العمل المجيد، وسنبدأ الشرارة الأولى لإشعال فتيل الثورة الشّعبيّة الكامنة فِي نفس كل ليبي وليبيّة..". وأضاف رفيق آخر قائلاً: ".. لازلت أذكر يا أحمَد ذلك الموقف الّذِي ورد فيه الحديث يوماً عَن جنودك الأبطال، فحشرج صوتك، وأجشهت وأنت تقول (والله لو أصاب الشباب أيَّ شيء فإني أشعر أنها مسؤوليتي أنا شخصيّاً)..". وَالشّاهد، دخل الأستاذ أحمَد إحواس إِلى ليبَيا بهدف التواصل مع قوَّاته المرابطة فِي طرابلس للاطمئنان على أوضاعهم، وتسوية بعض الاشكاليّات التنظيميّة، ووضع الترتيبات اللازمة لإشعال فتيل الثورة وانطلاق العمليّات العسكريّة ضدَّ نظام معمّر القذّافي. دخل هُو ورفيقاه علي محَمّد البشير حمّودة وعماد إبراهيم الحصائري إِلى الأراضي الِلّيبيّة عبر الحدود التونسيّة.

وفِي يوم 5 شعبان 1404 هجري الموافق 6 مايو/ أيار 1984م، وأمام أحدى الشقق التابعة لأمن النَّظام قرب محطة تاكسي بمدينة زوارة، تبادل الحاج أحمَد إحواس إطلاق النَّار مع قوَّات الأمن فاستشهد وأصيب الحصائري برصاصة فِي صدره تحت القلب فتمّ إلقاء القبض عليه أمّا علي حمّودة فقد تمكن مِن الخروج مِن المبنى سالماً وبعدها وصلت إليه قوَّات النَّظام فِي مكانه الجديد، فتبادل معهم إطلاق النَّار مجدّداً حتَّى تمّت إصابته برصاصة فِي كف يده الأيسر ورصاصة أخرى اخترقت مرفقه لتستقر فِي بطنه فنزف دماً ثمّ دخل فِي حالة أشبه بالإغماء فوصل إليه القتلة المجرمون فنقلوه إِلى المستشفى وأجريت له العمليّات اللازمة ثمّ بدأوا فِي التحقيق معه وبعدها نُقلوه إِلى المعتقل.

وبَعْد استشهاد أحمَد إبراهيم إحواس واعتقال رفيقيه، كان يوما الأحد والاثنين الموافق 6 و7 مِن شهر مايو/ أيار غامضين إِلى حدٍ كبير، وبعدما أذاع تلفزيون القذّافي يوم الاثنين ليلاً خبر قتل أحمَد إحواس والقبض على مرافقيه بعْد إصابتهما، قرر فدائيو مجموعة بدر (قوَّات جبهة الإنقاذ) المرابطون فِي طرابلس، التحرَّك ومفاجأة النَّظام. قرر الشباب الردّ على مقتل قائدهم ومثلهم الأعلى الّذِي أحبوه وربطتهم به علاقة متينة، وتلقين نَّظام القذّافي درساً لن ينساه بقلب العاصمة، ونقل صراع الشّعب الِلّيبيّ مع جلاديه وظالميه إِلى خانة جديدة، والإعلان المُسلح عن بدء معركة الشّعب مع نَّظام القذّافي الظالم المتخلف الّذِي أفسد الأخلاق وأهدر الأموال وأهلك الحرث والنسل، وقبل وصول قوَّاته الباغية إليهم. واندلعت المعركة بين قوَّات الطاغية وفدائيي الإنقاذ (مجموعة بدر) يوم الثلاثاء الموافق الثامن مِن مايو/ أيار 1984م. وبَعْد استشهاد أحمَد إحواس، وفِي اليوم السّادس مِن شعبان 1404 هجري الموافق السّابع مِن مايو/ أيّار 1984م، أصدرت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، بياناً صحفيّاً أكدت فيه على المعاني التاليّة:

أولاً: أن الاختيار العسكري كان ومَا زال أحد الاختيارات النّضاليّة للجبهة مُنذ بداية تأسيسها.

ثانياً: أن الجبهة وإن كان لها تحركاتها السّياسيّة والإعلاميّة السّلميّة خارج ليبَيا، فإن الأرض الِلّيبيّة هي وحدها ساحة المعركة العسكريّة مع القذّافي، فوق ثراها سوف يسوي الحساب - بإذن الله - مع القذّافي وشراذمه.

ثالثاً: أن الجبهة وهي تحرص على ضرب أروع الأمثلة فِي التضحيّة والبذل مِن أجل الوطن ومعركتها مع القذّافي وباطله، فهي حريصة أيْضاً على أن تقدم نموذجاً جديداً متفرداً فِي الريادة والقيادة حيث يحرص قادتها العسكريون على قيادة العمل العسكري بكلِّ مخاطره وتحدياته بأنفسهم فوق ثرى ليبَيا.

رابعاً: لقد آن لكل الأصوات التي تحاول أن تقلل مِن نضال شعبنا وجهاده وقدرته على البذل والعطاء والتضحيّة، لقد آن لكل الأصوات المتجنية، أن تصمت، وأن تسكت، وهي ترى أبناء شعبنا وهم يواجهون بطش القذّافي داخل معاقله ومعسكراته ذاتها.

خامساً: إن المعركة مع القذّافي ماضية ومستمرة، ولن تتوقف بإذن الله، إلاّ بعْد أن يتمّ إسقاط القذّافي وإحقاق الحق فوق أرض ليبَيا المجاهدة الصابرة.

وفِي اليوم نفسه، أصدرت الجبهة نعياً باسمها فِي المُناضل الشهيد أحمَد إحواس، أحد مؤسسيها ومفوضها العسكري وقائد قوَّات الإنقاذ، وجاء نصّ البيان على النَحْو التالي:

وَمِن جديد، بعد أن سمع مجموعة الفدائيين خبر استشهاد أحمَد إبراهيم إحواس وإختفاء خالد يحيى، انتقلوا مِن المنزل الواقع بـ(منطقة الدريبي) وقرروا الانتقال إِلى مكان أخر. يقول الشّيخ علي محَمّد البشير حمّودة فِي مذكراته: ".. وقرروا الانتقال إِلى مكان آخر بعْد أن جهزوا أنفسهم لكل الاحتمالات وأعدوا قنابلهم التي جهزوها بأنفسهم بعْد إعدادها فِي ورشة حدادة، وعند الصباح الباكر انطلقوا إِلى شقة بإحدى عمارات شارع (الجمهوريّة) بطرابلس، وكانت خطتهم أن ينتشروا ولا يبقوا فِي مكان واحد، وعندما وصلوا المكان المقصود، ولم يتمكنوا - وبضرورات الاحتياطات الأمنيّة - مِن حمل كل مَا كان معهم مِن أسلحة حيث بقيت بعض بنادق أف إن (F.N) والذخيرة داخل السيارة. حملوا مَا كان باستطاعتهم حمله مِن الأسلحة الخفيفة التي كان بالإمكان إخفاؤها كالمسدسات والغدارات (بريتا واسترلنق) والقنابل إلاّ أنهم فوجئوا بقوَّات الطاغيّة تطوق المكان عند حوالي العاشرة صباحاً والمتمثلة فِي قوَّات مَا يُسمّى بـ(كتيبة إمحمد المقريَّف) و(كتيبة الحرس) تحت إمرة خليفة حنيش القذّافي (تُوفي فِي مدينة ميونخ الألمانيّة يوم 17 مارس/ آذار 2012م). وشاهدوا بعض العناصر الأمنيّة ومعها (الشهيد خالد علي يحيى) تتقدم وتدخل العمارة وتصعد إِلى الشقة وهُنا بادر الشباب بإطلاقِ النَّار وردت الكتيبة بقوَّة ناريّة وسقط أوَّل شهيد خالد علي يحيى وجذبه الشباب إِلى مدخل الشقة فأسلم الروح بين يدي أسامة السّنوُسي شلوف، وقام العارف المَهْدِي دخيل بإلقاء قنبلتين عند مطلع درج العمارة ممّا أدَّى لتقهقر قوَّات الطاغيّة وفتح ثغرة فِي الحصار وحينها نزل الشباب على دفعتين واستمر عارف دخيل فِي رمي القنابل، وقد أخبرني أنّه رمى ثمان عشرة (18) قنبلة فِي ذلك اليوم، وسقط الشهيد الثّاني مُصْطفى الجّالي بوغرارة فِي فناء العمارة تلاه مباشرة الشهيد محَمّد هاشم الحضيري، واستمرت المعركة الضارية بين قوتين غير متكافئتين، وكانت المدرعات تطلق نيران رشاشاتها (14.5) أو مَا تعرف محلياً بإسم (أربعطاش ونصف)، بكثافة بالإضافةِ إِلى قذائف أر بي جي (R B G ) واستمرت المعركة إِلى الساعة الثانيّة عشرة وسقط الشهداء فِي أماكن مختلفة حول العمارة: جمال محمود السباعي، عبْدالناصر عبدالله الدحّرة، سالم طاهر الماني، عبدالله إبراهيم الماطوني، محَمّد ونيس الرعيض، يحيى علي يحيى (أخ خالد) الّذِي وجد سيارة قمامة فركبها وقادها إلاّ أنهم أطلقوا النَّار عليه فقتل، واستطاع بعض الشباب بعد المعركة الإفلات مِن قوَّات الطاغيّة وهم: عارف المَهْدِي دخيل وأسامة السّنوُسي شلوف وصالح حسين المؤدب وسالم عبْدالسّلام الحاسي وكمال أحمَد الشامي، إلاّ أنه ألقي القبض فِي نفس اليوم على عارف وأسامة، وبعد حوالي ثلاثة أشهر على صَالح حسين المؤدب (تُوفي يوم 24/9/2010م)، فيما تمكن الحاسي والشامي مِن النجاة ومغادرة البلاد بما يشبه المعجزة، أمّا الشهيدان: مجدي محَمّد الشويهدي وسَالم إبراهيم القلالي فكانا خارج المكان واستشهدا بعْد ذلك بأيام، سَالم القلالي بإحدى المزارع إثر معركة مع جند الطاغية، أمّا مجدي الشويهدي فاستشهد فوق عمارة بشارع النَّصر بعْد أن أطلق النَّار عليه المدعو سعد مسعود القذّافي..".

وَالحَاصِل، بعْد استشهاد أحمَد إحواس، سقط فِي ميدان المعركة يوم  الثامن مِن مايو (معركة باب العزيزية) ثمّ فِي مواجهات منفردة مع قوَّات النَّظام، أحد عشر (11) شهيداَ، وأُعدم بعْد تلك المعركة والمواجهات، تسع (9) مُناضلين على أعواد المشانق فِي مواقيت مختلفة ومناطق متفرقة مِن ليبَيا (12)، وتمّ نقل الإعدامات مباشرة فِي التلفزيون الرَّسمي للنَّظام. وعلى مدار شهر كامل، بث التلفزيون مقاطع مِن المحاكمات الصّوريّة التي أجرتها لجان القذّافي الثوريّة ومشاهد الإعدامات، بقصد إرهاب المواطنين وطبع صورة فِي أذهانهم لمصير مَنْ يفكر فِي مُعارضة النَّظام واتخاذ موقف ضدَّه. 

هذا، وقد تناولت وسائل الإعلام ووكالات الأنباء، أحداث مايو، وعرضت ما تحصلت عليه مِن أخبار ومعلومات، كذلك نشرت بعض الجرائد والمجلات، حوارات مع بعض قيادات الجبهة وعلى رأسهم الدّكتور محَمّد المقريَّف الأمين العامّ للجبهة وقتئذ. وقد نشرت - وعلى سبيل المثال لا الحصر - مجلّة: (الوطن العربي) التي تصدر مِن لندن وكان يشرف عليها الأستاذ وليد أبوظهر (المشرف العام)، ويرأس تحريرها الأستاذ نبيل مغربي (رئيس التحرير)، حواراً مطولاً مع الدّكتور محَمّد يُوسف المقريَّف، نُشر تحت عنوان: (المقريَّف يكشف للمرَّة الأولى قصّة باب العزيزيّة)، في عدد المجلّة رقم: (379) الصّادر بتاريخ 18 إِلى 24 مايو/ أيار 1984م. وأجاب الدّكتور محَمّد المقريَّف عَن السؤالين الخاصين: بالهجوم العسكري فِي الثامن مِن مايو أو مَا عٌرف بعمليّة (باب العزيزيّة).. فقدان أحمَد إحواس قائد قوَّات الإنقاذ والمفوض العسكري للجبهة ؟؟. فأجاب عَن السؤالين المذكورين بما يلي: ".. لمعركة باب العزيزيّة دلالات مهمّة. فقد أكد الهجوم إن المواجهة قد تجاوزت استخدام أساليب الصّراع الإعلامي والسّياسي إِلى اعتماد أسلوب الكفاح الشّعبي المُسلح. كمَا أن ذلك مِن شأنه أن يؤكد خيار (الجبهة) مِن أن ميدانها الأساسي والعملي هُو داخل الأراضي الِلّيبيّة نفسها.. لقد تجاوزت الجبهة بكثير مرحلة الخوف مِن مطاردة عناصرها داخل ليبَيا وخارجها.. إِلى مرحلة الاقتحام فِي الدّاخل. صحيح، أن العملية لم تحقق أهدافها كلها، ولكن هذا لا يعني الفشل، فنحن نرفض، ابتداءً، وصف العملية بالفشل. فلا يجادل أحد بأن العمليّة قد هزت النَّظام بأركانه وجسوره بشكل نحن على يقين بأنه سوف يسهل عمليّة تحقيق (الهدف النهائي) للعمليّة فِي مرحلة لاحقة، فأن السبب الرئيسي الّذِي حال دون ذلك فِي معسكر باب العزيزيّة هُو استشهاد الأخ أحمَد إبراهيم إحواس المفاجئ، الأمر الّذِي استتبع التعجيل بالهجوم على المعسكر قبل الموعد المحدد فِي الخطة الأصليّة. لا شكّ  فِي أن فقدان الأخ العزيز الشّهيد أحمَد إحواس هُو خسارة عظيمة لنا، ليس لموقعه العسكري المتقدم فحسب، وإنّما أيْضاً لما كان يتحلى به مِن صفات قياديّة وتنظيمية فريدة، وَمِن أخلاق عظيمة. فلقد كان إحواس، رحمه الله، قمة فِي خلقه وفي تعامله وعطائه وتضحياته. أمّا خسارتي الشّخصيّة فيه، فهي تفوق الوصف. ومع ذلك، فعزاؤنا أنه فاز بالشهادة التي كان يتحرق إليها، بعدما ضرب أروع مثال فِي القيادة والرَّيادة. وعزاؤنا أيْضاً أن أبناءه وجنوده الّذِين دربهم وتعهدهم هم الآن أكثر استعداداً للبذل والعطاء وإنهاء المهمّة التي دخل مِن أجلها إِلى ليبَيا..". 

نماذج مِن كتابات أحمَد إحواس

نشر أحمَد إحواس مجموعة مِن المقالات فِي مجلّة (الإنقاذ) وبعض إصدارات الجبهة الأخرى  ودوراتها كـ(النشرة الدّاخليّة) التي كانت تصدر عَن (مفوضيّة التنظيم والتعبئة) ويتولاها الأستاذ محمود الناكوع بصفته مفوّض التنظيم والتعبئة وقتئذ. وتناول إحواس فِي مقالاته، موضوعات: المحنة، والنّضال، والمعركة مع الاستبداد، والدّيمقراطيّة، والقيادة القادرة على إدراك الأهداف البعيدة والقريبّة. وكانت مقالاته بعيدة كلَّ البعد عَن التناقض بين المقدمات والنتائج.. وواضحة لا لبس فيها ولا غموض.. ودقيقة فيها مِن التركيز مَا يجعل المسافة بينها وبين الإطالة وهدر الوقت، شاسعة وكبيرة. أخترت ثلاث مقالات مِن مقالات شهيدنا البطل، جاءت الأولى تحت عنوان: (فِي القيادة)، ونشرها فِي مجلّة (الإنقاذ) بتاريخ يونيه / حزيران 1986م.. والثّانيّة نشرها فِي مجلّة: (الإنقاذ) بتاريخ أغسطس/ أب 1983م، وجاءت تحت عنوان (يصنع التّاريخ مَنْ يصنع المُسْتقبل).. ونشر الثالثة فِي مجلّة (الإنقاذ) تحت عنوان: (المعركة فِي الداخل: متى وكيف ؟)، وصدرت بتاريخ شهر إبريل / نيسان 1984م. جاءت المقالة الأخيرة فِي ثلاث صفحات، وأورد فِي خاتمتها، سبع عشرة مهمّة نضاليّة رأى مسئوليّة القيام بها تقع على عاتق الجميع، أفراد كانوا أو جماعات. وقد اكتفيت بإعادة نشر جزء واحد أو فقرة كاملة مِن فقرات هذه المقالة، نظراً لارتباطها بسياق التعريف بالشهيد أحمَد، وبهدف تقريب صورته إِلى القارئ أقرب مسافة ممكنة لتكون واضحة بأدّق تفاصيلها. وأخيراً، أردت مِن عرض المجموعة المختارة مِن مقالاته، التعريف به مِن خلال منطقه وتعبيراته ومفرداته.. والتعرّف عليه أكثر مِن خلال إنتاجه الكتابي. وقصدت مِن عرض هَذه المجموعة، الإلمام بمنطقه ومنطلقه، وفِي الأوَّل والأخير، التحيّة له وإعادة التذكير به كمُثقف وكاتب وسياسي ومُناضل دافع عَن وطنه وكرامة شعبه إِلى أخر قطرة مِن دمه.

المقالة الأولى: (فِي القيادة)

إنّ أخطر مهمّة وأصعبها فِي الحيَاة هي قيادة البشر بفاعليّة ونجاح.. وإذا كانت جميع الأعمال العامّة صغيرها وكبيرها تتطلب جهداً مُنضماً لإنجازها، ولا يمكن تنظيم هَذا إلاّ بقيادة قادرة على إدراك الأهداف البعيدة والقريبّة ومُتطلبات ذلك الجهد، فإن الجزء الأكبر مِن النجاح يتوقف على قدرة القيادة وكفاءتها. لا أريد أن أطيل المُقدِّمَة.. فكلنا يدرك مدى أهميّة وخطورة مَا نحن مقدمون عليه مِن عمل، ومَا تكتنف هَذا العمل مِن صعوبات، ومَا يتطلبه مِن تضحيّات، ومَا تحف به مِن مخاطر.. وإذا أردنا أن نجسد بكلّ جديّة مَا نطرحه مِن شعارات حول (الدّيمقراطيّة) والتي تعني فِي فهمنا الاختيار الحرَّ والمشاركة الشّعبيّة فِي تحمّل المسؤوليّات، فإنّه يتوجب علينا التأكيد على معاني الحريّة والشجاعة الأدبيّة واحترام الرّأي الآخر مع الفهم التّام لطبيعة المرحلة التي نمر بها وبمعطياتها الحقيقيّة. كمَا أن المعرفة الواسعة بطبيعة النَّاس الّذِين نتحرَّك بينهم، وفهم مستوياتهم الثقافيّة والفكريّة، ومَا يحيط بهم مِن ظروف سياسيّة واجتماعيّة، أمر فِي غايّة الأهميّة والضرورة، ومِن المقومات الأساسيّة للنجاح.

وإذا نظرنا إِلى واقع إحدى ساحات العمل الوطنيّ التي نعمل فيها، نستطيع أن نؤكد أن المستوى الثقافي للّيبيّين عال فِي عمومه، ولكن مستوى الوعي السّياسي فِي واقع الأمر لا يتناسب معه. وذلك راجع لأسباب لا نريد الخوض فيها الآن، إلاّ أنه يتحتم علينا أن نجد التوازن المطلوب فِي طريقة تعاملنا وتحركنا فِي هَذه السّاحة، حتَّى نعوّض النقص فِي الوعي السّياسي دون الوقوع فِي أحد المحاذير المحيطة بالقيادة، والتي منها الاستبداد بالرَّأي، أو الغرور، أو التقليل مِن أهميّة الآخرين ودورهم، أو أن يتفرق مِن حولنا النَّاس.. وإذا نظرنا مِن زاوية أخرى إِلى هذه الساحة نجد أن فيها الكثير مِن الأفراد الّذِين يرتبطون بشكل أو بآخر بفصائل المُعارضة المتعددة إلاّ أن الغالبية لا تنتمي لأيَّ مجموعة بل أنها مهتمة بالعملِ الوطنيّ مِن خلال متابعة الأخبار عَن بُعد.. ولذا فإنّ مسؤوليّة تحرَّيك الجميع، كبيرة وتتطلب جهداً خاصّاً، ويتوقف نجاحنا فِي ذلك على الأسلوب الّذِي نتبعه حيال هؤلاء جميعاً..

إنّ مِن (الغباء) مُمارسة القيادة بحيث يعامل الجميع بتطابق كامل.. بمعنى أن الاختلافات الأساسيّة بين النَّاس فِي الفهم والإدراك والاهتمامات، وفِي الجوانب النفسيّة والمعنويّة، وفِي القدرات والاستعدادات، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند التعامل مع البشر مِن موقع المسؤوليّة.. كبرت أم صغرت هذه المسؤوليّة، مع الحذر الشديد فِي ذلك حتَّى لا ننسى مقتضيات العدل والإنصاف فتخرج بذلك - لا قدر الله - عَن الطريق السوي، لا شكّ إنّ التوازن بين الأمرين صعب للغايّة، ولذلك فإنَّ القيادة بالمفهوم الصحيح مسؤوليّة عظيمة وأمانة كبرى نسأل الله تعالى أن يُعين مَنْ يُكلف بها، وأن يثبّته كي لا ينحرف إِلى أحد النقيضين: التفريط أو الإفراط. ولكي تنجح في مسؤوليتك القياديّة عليك أن تستمع جيداً قبل أن تتحدث.. فالإستماع لمَنْ معك يزيدك معرفة بهم وبآرائهم، ويعينك على فهم مواقفهم ووجهات نظرهم فهماً دقيقاً. كمَا عليك أن تكون قادراً على تكييف رأيك معهم إِلى أقصى حدٍ ممكن، وتأكد بأن حماسهم يكون أكثر لأيَّ صيغة يطرحونها مَا لم تكن قادراً على إقناعهم قناعة تامّة بسواها.

* إن القائد الناجح هُو الّذِي يستطع اكتشاف طرق أكثر للتعامل مع مَنْ يقود، تكون كلها مقبولة ومحققة للغايّة التي يستهدفها الجميع. * راع الحالة النفسيّة لزملائك، وتودد إليهم، وأعطهم مِن حبك وتقديرك ووقتك أكثر مَا يمكن.. تجدهم معك بنفس القدر. * لا تقوّم زملائك بآراء الآخرين فيهم.. وأبحث عَن مواطن اللقاء بين زملائك لتنميتها، وابتعد عَن مواطن الخلاف معهم وبينهم.. وتجاوز عَن الهفوات تتوطد الثقة بينكم. * عالج القصور بحكمة وبطريقة لا تترتب عليها سلبيات.

هذه بعض الأمور التي رأيت معالجتها من خلال ملاحظّات واقعيّة مكتفياً بهذا القدر الّذِي لا يسمح المقام بأكثر منه، ولنا عودة للموضوع.  

المقالة الثانية: (يصنع التّاريخ مَنْ يصنع المُسْتقبل)

‏تختلف وجهات نظر الِلّيبيّين عند التطرق للحديث عَن مُسْتقبل بلادنا الحبيبة ليبَيا بعْد إسقاط فوضى القذّافي باختلاف التجربة الشخصيّة، واختلاف الدّور، واختلاف الموقع والمسئوليّة، والاهتمام لكل متهم. وإذا حاولنا أن نحدد هذه الرؤى فيمكن تقسيمها إِلى اتجاهات ثلاث: * أحداها يمثل النظرة المتفائلة، وهي التي تعطي أهميّة كبيرة لرصيد تجربة الشّعب الِلّيبيّ مِن خلال مُمارسات القذّافي المنحرفة عبر سنوات حكمه المُنهار، ومَا تخللها مِن ظلم، وفساد، وطغيان، وهَذا الاتجاه يعتبر كلَّ ذلك محنة ولكل محنة نتائج إيجابيّة. * الاتجاه الآخر يمثل النظرة المتشائمة، وهي التي تستند فِي رأيها هَذا على واقع المنطقة الآني بصفةِ عامّة، وعلى واقع الشّعب الِلّيبيّ فِي ظروفه الحاليّة بصفةِ خاصّة. * الاتجاه الثالث فيمثل النظرة السطحيّة الاستسلاميّة التي تنتظر زمن المعجزات، وتردد فِي يأس (المُسْتقبل بيد الله)، غير آخذة فِي الاعتبار سنن الله سبحانه وتعالى فِي هَذا الكون.

إنَّ التحليل المنطقي لما يمكن أن يكون عليه مُسْتقبل بلادنا الحبيبة لابُدَّ أن يأخذ فِي الاعتبار وجهات النظر هذه، ولكنها يجب أن تؤخذ فِي إطارها الصحيح، والتفاؤل والتشاؤم أمران يقومان على معطيات نسبية يختلف تقديرها مِن شخص لآخر، أمّا النظرة السطحيّة فليس لها فِي التحليل الموضوعي مكان يذكر.

مِن هذه المُقدّمة الضروريّة أحاول تسليط الضّوء على الدّور الّذِي يجب أن يقوم به أهمّ العوامل الرّئيسيّة المؤثرة على مُسْتقبل بلادنا، وهُو الشّعب الِلّيبيّ لنعي هَذا الدّور ونحدد دورنا فيه... نعم إنَّ المُسْتقبل بيد الله وإرادته نافذة، وأمره صائر، ولا راد لقضائه، فقدرته سبحانه وتعالى مطلقة، ومشيئته غير محدودة، وحكمته بالغة، ولله سبحانه وتعالى سنن فِي هَذا الكون، ونواميس فِي هذه الحيَاة، فمن سنن الله الجارية: الأخذ بالأسباب، فإذا لم نساهم بفاعلية فِي صنع مُسْتقبلنا مِن خلال حاضرنا نكون قد تخلينا عَن دورنا الخيّر، وهُو لا يعني إلاّ الاستسلام لأية قوَّة مِن قوى الشّر  والتسلط والطغيان والظلم، كمَا هُو حادث الآن على أرض الواقع. وَمِن سنن الله الجارية: الصّراع الأزلي بين قوى الخير وقوى الشّر.. وفِي ليبَيا إمّا أن تتغلب القوى الخيّرة والمتمثلة فِي عموم شعبنا الطيب الصّابر بكلِّ خصائصه الإيمانيّة، وقيمه، وتاريخه، وحضارته، وإمّا أن تتسلط قوى أخرى دخيلة على أمتنا ببرامجها، وممارساتها، غريبة عَن مجتمعنا بأهدافها ومراميها، كمَا هُو واقع الوضع الحالي الممقوت.

إنَّ الِلّيبيّين هم مِن أهمّ العوامل المؤثرة فِي صنع مُسْتقبل ليبَيا، وإذا كانت مرحلة النَّضال بطبيعتها لا يساهم فيها إلاّ البعض، فإن مساهمة الكل فِي صنع المُسْتقبل واجب وحق، وهذا مَا دعى الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، إِلى التأكيد على هّذا الدّور مِن قبل كلّ الشّعب الِلّيبيّ فِي تحديد معالم مُسْتقبل ليبَيا بعْد إسقاط القذّافي، وحتَّى لا تتكرر المأساة.. مأساة غياب الشّعب عَن ممارسة دوره الإيجابي، ومأساة تسلط طغمة فاسدة على مقاليد الأمور أعطت لنفسها حق الحكم المطلق بأهوائها المنحرفة، وسمحت لنفسها بالوصايّة الجائرة على الشّعب لتدمره باسمه، وتحقق لها ذلك إِلى حدٍ كبير.

وحيث إنَّ الِلّيبيّين هم العامل الرئيسي المؤثر فِي صنع مُسْتقبل ليبَيا، فإن دورهم قائم ومستمر لا ينتهي عند نقطة معينة، فإذا تمكنت مجموعة مِن إحداث التغيير، وإسقاط حكم القذّافي - وهُو قريب بإذن الله - فليس لهذه المجموعة أن تتولى السّلطة نيابة عن الشّعب، وليس لها أن تختار إلاّ مَا يختاره الشّعب، إذ الأمّة مصدر السّلطات، أمّا إذا حاولت تلك المجموعة أو غيرها  أن تحيد عّن هذا المبدأ فمن حق الشّعب الِلّيبيّ، بل مِن واجبه أن يقف فِي وجهها، ويسترد حقه فِي اختيار أسلوب الحيَاة الّذِي يحقق له الكرامة والعزة، والاستقرار وبكلِّ الوسائل، ولا يقف دور الشّعب عند هّذا الحد بل يتعداه إِلى المراقبة، والمتابعة، والمحاسبة، فقد ترضخ السّلطة فِي فترة ما لضغوط، وقد تلبي مطالب بشكل مؤقت، بل قد ترفع شعارات براقة تدغدغ بها مشاعر النَّاس، وتكسب بها ثقتهم إِلى حين، ثمّ تتبرم، وقد تتنكر لتلك الشعارات بمجرَّد أن تتوطد اقدامها فِي السّلطة، ويستتب لها الأمر فِي الحكم. ففي تجربة الشّعب الِلّيبيّ مع الطاغية القذّافي لعبرة إذ جاء بشعارات جوفاء خدع بها النَّاس، وضرب على أوتار حساسة دجلاً ونفاقاً، وظهر بصورة تخالف حقيقته البشعة حتَّى تمكن مِن السّلطة، فبدأ فِي ممارسة الشّر، والفساد، والطغيان بطريقة تدريجيّة خادعة لم ينتبه شعبنا الطيب إِلى نتائجها إلاّ بعْد فوات الأوان. 

إذن لابُدَّ مِن الانتباه والوعي، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين كمَا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، وحيث أن الحق يُنتزع ولا يُوهب، فلابُدَّ للحق مِن قوَّة تحميه وتدافع عنه، وتصر على إحقاقه.. هذه المبادئ لا جدال حولها، فلا يتوقع إذن بعْد هذه التجربة المريرة التي عاشها شعبنا فِي ظلّ فوضى القذّافي، وسلطانه الجائر، وعهده الزائف أن يظل النَّاس فِي موقع المتفرجين، أو السلبيين، ولا يحق لهم أن يتوقعوا مِن أحد أن يحكمهم كمَا يحبون مَا لم يمارسوا حقهم الطبيعي فِي الرقابة عليه، ويحاسبوه محاسبة دقيقة، ويصروا على تصحيح الخطّوات أولاً بأوَّل، وبدون تجاوز.

إنَّ قيام الشّعب بواجبه بقوَّة وعزم فِي وضع الأمور فِي نصابها، وتصحيح المسار بجدية ووعي هُو خير الضمانات وهُو الأسلوب الأجدى لمنع الانحراف، ولعلّ فِي الطرح المنطقي الّذِي ورد فِي البيان التأسيسي للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا حول البديل المنشود لعهد القذّافي المنهار مَا يعبر عَن أماني وتطلعات شعبنا الغاليّة، وهُو أن يقوم فِي بلادنا الحبيبة حكم وطني دستوري ديمقراطي يستلهم عقيدة الشّعب، وتراثه، وتاريخه. إنَّ صفة الوطنيّ - فِي فهمي - جاءت هُنا لتأكيد إرتباط الحكم بأماني شعبنا الِلّيبيّ، وآماله، وواقعه، وليس حكماً تبعياً لأيّة جهة أخرى مهما كانت. وصفة الدستوري جاءت لتأكيد معنى الاستقرار، والنَّظام، والأمن، وسيادة القانون، والفصل بين السّلطات، واحترام التخصصات وغير ذلك من المعاني الحضاريّة التي يجب السّعي الجاد لترسيخها. وصفة الديمقراطي جاءت لترسيخ مفهم الحريّة وأولها حرية الاختيار، وحريّة القرار، وحق الجميع فِي ممارسة الحريّة، بحيث يكون الدستور مقراً مِن قبل الأمّة بعمومها، وبالأساليب المتعارف عليها، والتي لابُدَّ أن تقرها الأمّة بنفسها، وليس تلبية لرغبة فرد، أو جماعة مهما كان دورهم، ومهما كانت تضحياتهم. ومَا التأكيد على استلهام عقيدة الشّعب، وتراثه، وتاريخه، إلاّ لتأكيد الانتماء إِلى خير أمّة أخرجت للنَّاس، ولتأكيد الارتباط بتاريخها الحافل المضيء، وبدورها الحضاري البناء، ولتأكيد الارتباط بالمنطقة، وتطلعاتها، وأمانيها فِي الرقي والتقدم.

أعود للحديث عَن الرؤى المختلفة التي ذكرتها فِي المُقدِّمَة، والتي اعتبرها محصلة طبيعيّة للظروف التي يمر بها شعبنا فِي ظلّ حكم الإرهاب، والتسلط القذّافي. فالمتفائلون مِن الِلّيبيّين يعتقدون بأن رصيد تجربة الشّعب الِلّيبيّ فِي مرحلة حكم المجرم القذّافي كاف لقيام بديل ناضج، ويأتي هَذا التفاؤل مِن: * إحسان الظن بالِلّيبيّين دون تقدير لاعتبارات ضعف التّجربة السّياسيّة الحديثة للشّعب الِلّيبيّ، وحاجته إِلى الكوادر السّياسيّة المجربة، والتي يمكن أن تقود الشّعب مباشرة إِلى مرحلة البناء... * أيْضاَ مِن عدم التقدير الصحيح للآثار السلبيّة الناتجة عَن ممارسات القذّافي، والمراحل التي مرَّ بها مُنذ سبتمبر / أيلول 1969م حتَّى الآن، وأساليب المكر والخداع التي ابتدعها، أو اتبعها. * ومِن عدم التقدير لما أحدثه الدجّال القذّافي مِن تخريب فِي البنية الاجتماعيّة، والثقافيّة، ومِن تدمير لأخلاق النَّاس وعلاقاتهم، بل حتَّى أذواقهم، ومِن بذر للشكوك، وعدم الثقة فضلاً عَن التردد، وعدم الحزم.

كلَّ ذلك - فِي نظري - يجعل استفادة الشّعب الِلّيبيّ مباشرة مِن تجربته المريرة أمراً صعباً وليس بالسهولة التي يتصورها بعض المتفائلين. أمّا المتشائمون، وهم الّذِين فقدوا كلّ أمل فِي شعبنا، وفِي إمكانياته، وفِي قدراته مستندين على مَا يلاحظ مِن: * تصرفات الِلّيبيّين الّذِين ارتبطوا بطريقة، أو بأخرى بنظام القذّافي الجائر، وممارساتهم المنحرفة، فساهموا فِي مسيرة الخراب... * المواقف السّلبيّة التي آثر كثير مِن الِلّيبيّين الركون إليها، ولم يذودوا عَن عقيدتهم، وأموالهم، وأعراضهم، التي عبث بها الدجّال القذّافي... لقد أغفل هؤلاء.. * محدودية التّجربة السّياسيّة لشعبنا الطيب، والسّياسة الماكرة التي انتهجها الطاغيّة مُنذ البدايّة لتشويه القيادات الشّعبيّة، وعزلها، وتفريغ المجتمع منها بطرق مختلفة حتَّى خلا له الميدان، وانفسح له المجال. * وتجاهل هؤلاء أساليب الترغيب، والترهيب التي اتبعها القذّافي، والتي لم ينج منها إلاّ مَنْ رحم الله. ومع كلِّ ذلك فالصورة ليست قاتمة، بل إنّ قوى الخير كامنة فِي شعبنا، وهي قوى عريقة أصلية (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا).. وإنّ قوى الشّر غريبة دخيلة معزولة (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ..).

وختاماً.. فإنّ مَا بين التفاؤل المفرط، والتشاؤم القانط، لنظرة واقعيّة يجدر بنا أن ننطلق منها لصنع المُسْتقبل الّذِي سيصبح يوماً ما مِن التّاريخ، ولا تصح المقارنة بين مَنْ يكتفي بقراءة التّاريخ، ومَنْ يصنع التّاريخ.. فصنع التّاريخ مهمّة جسيمة عظمى لا يضطلع بها إلاّ العاملون المخلصون، وبالمثل فلا تصح لصنع التّاريخ تلك الشّعوب الخائرة المغلوبة على أمرها، الغائبة عَن الممارسة الإيجابيّة فِي الحيَاة. 

المقالة الثالثة: (المعركة فِي الداخل: متى وكيف؟)

حصلت ليبَيا على استقلالها سنة 1951م، ولم يكن هَذا الاستقلال منحة أو هديّة بل كان ثمرة لجهود مخلصة وتضحيّات جسيمة قدمها الأجداد والآباء مُنذ المُقاومة الشاملة للغزو الإيطالي الغاشم ومَا تطلبته تلك المرحلة مِن إعداد ومَا تخللها مِن تضحيّات، وأعمال نضاليّة جهاديّة حربيّة وسياسيّة على امتداد فترة الاستعمار الإيطالي، ومَا صاحبها وأعقبها مِن معاناة وهجرة وتشرد... أجل، لم يقف الشّعب الِلّيبيّ عاجزاً مستسلماً ولكنه حارب الغزو الإيطالي رغم قلة الإمكانات والعتاد، وألحق بالعدو خسائر جسيمة، ثمّ ناضل سياسياً يوم عجزت المُقاومة المُسلحة التي دامت أكثر مِن عشرين عاماً عَن طرد المستعمر بسبب قلة امكاناتها ونقصها أمام ضخامة العدد والعدة عند العدو الإيطالي.

إنَّ تحوّل الشّعب الِلّيبيّ إِلى النَّضال السّياسي بعْد توقف المُقاومة المُسلحة، وسعيه المستميت بكلّ الوسائل فِي طرد المستعمر الغاشم، يدل دلالة قاطعة على حيويّة هَذا الشّعب وقوَّة إيمانه، وقدرته على العطاء والتضحيّة، وعلى واقعيته واستعداده لمواجهة الظروف حسب متطلباتها وضروراتها. وبعد ذلك، تحقق الاستقلال، وتحققت لشعبنا الِلّيبيّ، أعظم آماله التي ضحى مِن أجلها بالآلاف مِن رجاله وفرسانه. وبعْد سنوات مِن الاستقلال، جاء النفط... وأضحى الشّعب الِلّيبيّ فرحاً باستقلاله وبما منّ الله عليه مِن خير فِي أرضه المعطاءة ليعوّض سنين الفاقة والعوز والحرمان وليواجه متطلبات الحيَاة العصريّة الجديدة ونفقاتها وتكاليفها.. وبالطبع واجهته صعوبات كثيرة وتعرض لكثير مِن الأخطاء خلال المسيرة الشّاقة.. ولعلّ أهمّ هذه الأخطاء وأكثرها خطورة هي حرمانه مِن الممارسة السّياسيّة الحرَّة خلال العهد الملكي الّذِي حلّ وحظر التجمعات السّياسيّة أحزاباً وجمعيات (13) فانصرفت اهتمامات النَّاس أو جلها إِلى الكسب المادي..  ولا شكّ أنها كانت سياسة خاطئة، ونظرة قاصرة يتحمل رجال ذلك العهد ومسئولوه وزرها الأكبر وقد دفعوا ثمنها باهظاً مِن أنفسهم ومعنوياتهم حيث نال منهم الدجّال القذّافي الكثير مُنذ بداية عهده الزائف المُتسلط واتخذ ذلك ذريعة لاعتقالهم وسجنهم وإقامة المحاكمات الهزلية والصورية لهم ومارس ضدَّهم كلَّ أنواع الترهيب والتشويه والضغوط النفسيّة والقهريّة.. لا نقول ذلك شماتة فِي رجالات ذلك العهد، ولا تقليلاً مِن شأنهم، بل لندين تلك الإجراءات التي قام  بها الطاغيّة القذّافي ضدَّهم والتي لم تكن إلاّ محاولة حاقدة منه لتحطيم كلّ الماضي والبناء على انقاضه، وهي طبيعة كلَّ الطغاة فِي كلّ زمان ومكان.

لقد كانت الخسارة كبيرة، والشّعب بعمومه دفع ثمن تهاونه وتسليمه فِي حقه يوم قبل بسياسة العهد الملكي، بفرض الوصايّة عليه، وحرمانه مِن خوض تجربة سياسيّة تصقله وتؤهله لمواجهة المُسْتقبل بمفاجأته، ومهما كان الدّافع إِلى إنتهاج تلك السّياسة، ومهما كانت المبررات التي يقدمها رجال ذلك العهد، وهي كثيرة بالطبع ورُبّما كانت مقنعة آنذاك فإنّ تلك السّياسة هي التي مهدت الطريق ليس لمجيء القذّافي فقط، بل لبقائه واستمرار زيفه الّذِي لم يظهر لكثير مِن الِلّيبيّين بسبب قلة التجربة السّياسيّة إلاّ بعْد أن اشتد عوده، وقويت شوكته.

إنّ الخطأ قابل أن يتكرر، وقد يتكرر إذا غاب الشّعب مرَّة أخرى عَن ممارسة دوره وحقه بل واجبه فِي فرض إراداته، وفرّط فِي وضع الضوابط التي تضمن له مستقبله، أو إذا سمح لفرد أو لفئة مهما كانت أن تفكر بالنيابة عنه، أو تفرض الوصايّة عليه.. إنّ الثمن الّذِي دفعه الشّعب الِلّيبيّ باهظ جدَّاَ، وهُو جزاء سكوته عَن خطأ جزئي رُبّما كان له مَا يبرره خلال العهد الملكي، فكيف بالأخطاء الجسيمة والجرائم الفظيعة التي يجري ارتكابها مُنذ سبتمبر 1969م فِي حق الشّعب الِلّيبيّ نفسه وفِي حق عقيدته، وقيمه وأخلاقه وعلاقاته، وفِي حق ثروته وطاقاته، وفِي حق تاريخه وحاضره ومُسْتقبله، وكيف والجرائم قد ارتكبت فِي حق الأشقاء والجيران والأصدقاء، وفِي حق الإنسانيّة كلها، وإن ذلك الخطأ قد تترتب عليه أخطاء، وبهذا ستتكرر المأساة مَا لم يضع الشّعب الِلّيبيّ بنفسه حداً فاصلاً وحلاً حاسماً، ليتغيّر واقعه إِلى واقع آخر أفضل (إن اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، ولا أخاله إلاّ  فاعلاً بعون الله، وهَذا مَا تشير إليه التحولات النفسيّة والمعنويّة والنَّضاليّة خلال السنوات القليلة الماضيّة.

يتبع......

شُكْري السنكي

صُورة لأحمَد إحواس، سبق نشرها فِي العدد (التاسع) مِن مجلّة (الإنقاذ)

غلاف مجلّة: (الإنقاذ)، العدد (الثامن)، الصّادرة بتاريخ رجب 1404 هجري الموافق إبريل / نيسان 1984م.

صُوَرَة الشهيد أحمَد إبراهيم إحواس ومعه مجموعة مِن فدائيي مايو (مجموعة بدر)

مِرْفَق الْوَثَائِق: 

الوَثِيْقَة الرَّابِعَة: غلاف مجلّة: (الإنقاذ)، العدد (الثامن)، الصّادرة بتاريخ رجب 1404 هجري الموافق إبريل / نيسان 1984م. ويظهر فِي الغلاف عنوان أخر مقالة كتبها أحمَد إحواس كعنوان بارز مِن بين عناوين العدد  الرئيسيّة.

مِرْفَق الصُّوَر:

الصُّوَرَة التَّاسِعَة: صُورة لأحمَد إحواس، سبق نشرها فِي العدد (التاسع) مِن مجلّة (الإنقاذ)، الصّادرة بتاريخ رمضان 1404 هجري الموافق يونيه/ حزيران 1984م. الصُّوَرَة العَاشِرَة: صُوَرَة الشهيد أحمَد إبراهيم إحواس ومعه مجموعة مِن فدائيي مايو (مجموعة بدر)، والصُوَرة التقطت فِي مطلع عَام 1984م بعدسة الدّكتور سُليمان عبدالله الضراط، ومكانها فِي شقة فِي تونس، وأخذت بعد وصول (مجموعة بدر) إِلى تونس، وقبل دخولهم إِلى ليبَيا، على هيئة مجموعات صغيرة واحدة تلو الأخرى. والصُوَرة تضم مِن اليمين إِلى اليسار كلّ مِن: عبدالله إبراهيم الماطوني وأحمَد إبراهيم إحواس وجمال محمود السّباعي، محَمّد هاشم الحضيري، ناصر عبدالله الدّحرى، سَالم طاهر الماني. وقد سبق نشرها فِي مقالتي عَن الشهيد محَمّد هاشم الحضيري، المنشورة فِي جريدة (الكلمة) وموقع (ليبيا المُسْتقبل)، فِي فبراير / شباط 2014م.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات:

12) شهداء المعركة، والّذِين استشهدوا على أعواد المشانق: الشهداء الّذِين استشهدوا فِي ميدان المعركة يوم  الثامن مِن مايو ثمّ فِي مواجهات منفردة مع قوَّات النَّظام يومي 12 و 16 مايو / أيار، هم: خالد علي يحيى معمّر، عبْدالناصر عبدالله الدحّرة، مُصْطفى الجّالي بوغرارة، محَمّد ونيس الرعيض، جمال محمود السباعي، محَمّد هاشم الحضيري، عبدالله إبراهيم الماطوني، سَالم طاهر الماني، يحيى علي يحيى معمّر، مجدي محَمّد الشويهدي، سالم إبراهيم القلاّلي. والشهداء الّذِين تمّ إعدامهم  على أعواد المشانق، هم: محَمّد سعيد الشيباني، ساسي علي ساسي زكري، أحمَد علي أحمَد سُليْمان، عثمان علي زرتي، الصّادِق حامد الشويهدي، عبدالباري عُمر فنوش، المَهْدِي رجب ليّاس، فرحات عمّار حلب، إسماعيل السّنوُسي.

13) حلّ وحظر الجمعيّات والأحزاب السّياسيّة فِي العهد الملكي: رأى الحاج أحمَد إحواس أن قرار إيقاف النشاط الحزبي كان قراراً خاطئاً ويتحمل رجالات العهد الملكي ومسئولوه وزره، ورأى استمرار سياسة الإيقاف هي التي مهدت الطريق ليس لمجيء القذّافي فقط، بل لبقائه واستمرار فِي الحكم مدة طويلة. هكذا كانت نظرة الحاج أحمَد وكذا رأيه، ولكن - ومِن وجهة نظري - لا يمْكن التسليمُ بوجة نظره كمَا هي أو كلها، لأن مَا صدر بشأن الأحزاب كان قراراً ولم يكن قانوناً أو نصاً دستورياً، ولذا كانت مسألة إلغاؤه يسيرة وسهلة ولم تكن معقدة أو بالغة الصعوبة. أيْضاً، لم يكن القرار يهدف أو يستهدف إلغاء الآخر أو الإقصاء أو الانفراد بالسّلطة، إنّما كان يقصد تأمين تأسيس الدولة بعيداً عَن الصراعات والتأثيرات الحزبيّة. ويُذكر أن الأحزاب أوقفت بقرار مِن حكومة السّيّد محمود المنتصر، وبعْد شهرين مِن الإستقلال وتحديداً فِي 19 فبراير/ شباط 1952م، وأن دستور 1951م لم ينص فِي أيّ مادة مِن مواده على منع لأحزاب أو رفض النشاط الحزبي. فقد رأت حكومة المنتصر، أن فتح المجال أمام الأحزاب في ذلك الوقت المبكر مِن عمر الإستقلال ووفق ظروف البلاد وقتئذ، ربّما يؤدي إِلى فتح ثغرات وإحداث انقسامات قد يتسرب منها التأثير الخارجي والنفوذ الأجنبي فتتشتّت كلمة الأمّة وينفرط عقد وحدة الصّف الوطنيّ. ورأت إيقاف النشاط الحزبي فِي فترة التأسيس، هُو الخيار الأفضل لتجنيب البلاد صراعات قد تأتي على حساب تأسيس الدولة، خصوصاً الصراعات ذات الطابع العقائدي أو الإيديولوجي.. ورأت ألا يترك المجال مفتوحاً أمام التأثيرات الخارِجِيّة خصوصاً أن عدداً مِن الأحزاب حينئذ كانت ممولة مِن الخارج، وعدد منها كان امتداد لأحزاب خارج الحدود. ولا شكّ أن قرار إيقاف النشاط الحزبي خدم مرحلة تأسيس الدولة، ولكن استمراره طيلة سنوات العهد الملكي (18 عاماً)، لم يكن صائباً على الإطلاق. ومسئوليّة استمرار الإيقاف يتحملها الجميع حيث كان بإمكان النَّاس ومؤسسات المجتمع المدني وقت ذاك المطالبة باستئناف النشاط الحزبي.. وكان بإمكان أيّ رئيس مِن رؤساء الحكومات الّذِين جاءوا إِلى كرسي الرئاسة بعْد المنتصر إلغاء هذا القرار.. وكان بإمكان البرلمانيين إلغاء هذا القرار ورفض استمراره كمَا حدث وأن رفضوا قرارات مشابهة وطعنوا فِي صحتها واحقيتها. 

مصَادِر وَمَرَاجِع: 

م9) المؤلف - مقالة: (رجلُ لا يُنسى - جِبْرِيل الدينالي.. مِنْ عبق ليبَيا ورجالها الشرفاء) - جريدة: (الكلمة)، وموقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 17 أكتوبر/ تشرين الثّاني 2012م. 

م10) المؤلف - الجزء الثّاني مِن سلسلة: (فِي التاريخ والسّياسة / الملك .. العـقيد .. المُعـارضة الِلّيبيّة فِي الخارِجِ) - موقع (ليبَيا المُسْتقبل) و (ليبَيا وطننا) مايو / أيّار - يونيه / حزيران 2006م.

م11) الأستاذ محمود الناكوع (محمود الرماح) - باب (خواطر من الميَدان) تحت عنوان: (شهداء معركة العزة والكرامة) - مجلّة (الإنقاذ)، السنة الثّانيّة، العدد التاسع، الصّادرة بتاريخ رمضان 1404 هجري الموافق يونيه/ حزيران 1984م. 

م12) الأستاذ أبوجهاد - خاطرة: (إِلى الشهداء) - مجلّة (الإنقاذ)، السنة الثّانيّة، العدد التاسع، الصّادرة بتاريخ رمضان 1404 هجري الموافق يونيه/ حزيران 1984م.

م13) المؤلف – مقالة: (بطل مِن بلادي – مُصْطفى الجّالي بوغرارة.. سيرته ومواقفه) - صحيفة (الكلمة)، وموقع (شؤون ليبيّة)، وموقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ شهر يونيه/ حزيران 2013م.

م14) الشّيخ علي محَمّد البشير حمّودة - سلسلة مِن الحلقات نشرها تحت عنوان: (رحلتي وشهادتي .. مذّكرات وذكريّات) فِي صفحة الكاتب فِي الفيسبوك (Facebook)  والتي بدأ فِي نشرها فِي مارس/ آذار 2013م.

م15) الدّكتور فتحي علي الفاضلي - كتاب: (المُعارضة الِلّيبيّة.. المُسْتقبل والمسيرة) – الطبعة الأولى مارس / آذار 1996م.     

م16) المؤلف – مقالة: (قصّة بطل..  محَمّد هاشم الحضيري رمزاً مِن رموز الصمود) - صحيفة (الكلمة)، وموقع (شؤون ليبيّة)، وموقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ شهر فبراير/ شباط 2014م.

م17) الأستاذ أحمد إبراهيم إحواس - مقالة: (فِي القيادة) - مجلّة (الإنقاذ)، السنة الرَّابعة، العددان (18 - 19)، شوال 1406 هجري الموافق  يونيه / حزيران 1986م. 

م18) الأستاذ أحمد إبراهيم إحواس - مقالة: ( يصنع التّاريخ مَنْ يصنع المُسْتقبل) - مجلّة: (الإنقاذ)، السنة  الأولى، العدد الرَّابع والخامس (4 - 5)، الصّادرة بتاريخ شوال 1403 هجري الموافق أغسطس/ أب 1983م.

م19) الأستاذ أحمد إبراهيم إحواس - مقالة: (المعركة فِي الداخل: متى وكيف ؟)، مجلّة: (الإنقاذ)، السنة الثّانيّة، العدد (8) الثامن، رجب 1404 هجري الموافق إبريل/ نيسان 1984م. 

 


 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عبدالواحدالغرياني - مملكة السويد
يا حبّذا أن يتم تخليد هذا البطل المِغوار ورفاقه " بطابع بريد " وأن يُطلق إسمه علي أحد شوارع طرابلس .وهذه الفكرة تُراودني منذ زمنٍ بعيد ؟...
التكملة
صالح حويل
رحمة الله عليه وقد فقدنا الألااف من بعده من اجل ليبيا ....
التكملة