شُكْري السنكي: أحمَد إحواس فِي الذّكرى الثلاثين لاستشهاده (4) 13/5/2014 16:05 شُكْري السنكي: أحمَد إحواس فِي الذّكرى الثلاثين لاستشهاده (4)
الصادق شكري بحث

رجلُ مِن رجالات الوطن
أحمَد إحواس فِي الذّكرى الثلاثين لاستشهاده 
(4 مِنْ 4)  - الحلقة الرَّابعة (الأخيرة)

الحلقة الأولي - الحلقة الثانية - الحلقة الثالثة - الحلقة الرابعة (الأخيرة)

كتابات الآخرين عَن أحمَد إحواس
 

الشهيد أحمد إحواس
عزات المقريَّف

كثيرون هُم الذين كتبوا عَن الشهيد أحمَد إحواس المقالات والخواطر، ولكن لم يصدر عنه كتاباً توثيقياً إِلى الآن رغم أنه يستحق عَن جدارة أن يصدر عنه كتاباً بل كُتب تؤرّخ لحياته وسِيْرَة نضاله وقصّة استشهاده. وَفِي هذا البحث، أحب أن أضع أمام القارئ مجموعة مقالات تناولت شخص أحمَد إحواس وسِيْرَة حياته، واخترت خمس مقالات فقط مِن بين تلك المقالات التي تحدثت عَن شخصه وعرضت تجربته ورحلة كفاحه، وجميعها نُشرت فِي مجلّة (الإنقاذ) ماعدا واحدة فقط نُشرت فِي مجلّة: (الوطن) الناطقة بإسم تنظيم: (الجبهة الِلّيبيّة الوطنيّة الدّيمقراطيّة). تحدثت هذه المقالات عَن صفات أحمَد إحواس وأخلاقه الحميدة وخصاله الطيبة كذلك جسارته وإقدامه وشجاعته التي وصفها رفيقه عزات المقريَّف بأنها تصل إِلى درجة المغامرة. وقد تحدثت أيْضاً عَن أبطال مايو الّذِين ركبوا المخاطر، وواجهوا الصعاب والتحديات بنفوس كبيرة، وخاضوا معركة وصفها الأستاذ محمود الناكوع بأنها: ".. كانت الشرارة، وكانت علامة المنعطف التاريخي نَحْو يقظة جديدة على طريق الإنقاذ الوطنيّ، وعلى طريق البناء فيما بعْد..". والأربع مقالات التي نُشرت فٍي مجلّة (الإنقاذ)، كتب الأولى الدّكتور إبراهيم سعيد غنيوة (14)، وكتب الثانيّة الأستاذ عزات يُوسف المقريَّف (15)، والثالثة كتبها الأستاذ سَالم عبْدالسّلام الحاسي (16)، أمّا الرَّابعة فخط سطورها الأستاذ يُوسف بشير المجريسي.


المقالة الأولى

نشرت مجلّة (الوطن) خاطرة تحت عنوان (ليبيات)، فِي عددها الصّادرة فِي شهر يونيه/ حزيران 1984م، عَن الشهيد إحواس وأبطال مايو ومعانقتهم تراب الوطن الغالي. وُضعت هذه الخاطرة على الغلاف الخلفي لمجلّة (الوطن)، المجلّة الدّوريّة التي كانت تصدر كلّ شهرين ويرأس تحريرها الأستاذ محمود عوض شمّام، والناطقة بإسم (الجبهة الِلّيبيّة الوطنيّة الدّيمقراطيّة) التي أُعلن عَن تأسيسها فِي أغسطس/ أب 1980م، وشغل منصب أمينها العامّ الدّكتور علي عبْدالسلام الترهوني عقب إنعقاد مؤتمرها الأوَّل. ويذكر أن مجلّة (الوطن) التزمت خطاً وطنياً ذا اتجاه أو ميل يساري وبُعد قومي أو كمَا قال الأستاذ محمود شمّام فِي مقابلة أجراها معه الدّكتور فتحي الفاضلي فِي عام 1995م ".. خط وطنيّ ديمقراطي يجمع بين الملامح اليساريّة والقوميّة، وتقرب رؤيّتها أيَّ المجلّة، مِن رؤيّة اليسار العربيّ..". وقد نشرت مجلّة (الوطن) إِلى جانب الخاطرة المذكورة، مقالة سياسيّة مِن ثلاث صفحات عَن أحداث مايو، تحت عنوان: (عمليّة طرابلس الجريئة: الدلالات والدروس)، وقد ناقشت المقالة الأهداف القريبة والبعيدة للعملية التي وصفتها بالجريئة، كذلك، دلالات العمليّة ونتائجها على المستوى الشّعبي والرّسمي والدّوليّ. ثمّ ألحقتّها بمقالتين، تحدثت الأولى عَن ردود فعل العمليّة فِي أجهزة الإعلام، والثانية كانت بعنوان: (شجاعة أبطالنا: لا ينتقّصُ منها التشكيك). وَالْحَاصِل، ثمّن كاتب الخاطرة تضحيّة وبطولة شباب مايو وقائدهم الّذِي وصفته أنه: ".. رفض بآباء أن يكون شاهد زور.. فِي عصر يحمل كلّ سمات التزوير..". وقد علمت فيما بعْد أن كاتب هذه الخاطرة هُو الأستاذ محمود شمّام رئيس تحرير المجلّة. وَأَخِيْراً، كان أحمَد إحواس مِن الشخصيّات الفذة العظيمة التي قل أن يكون لها نظير، ومِن صانعي التاريخ بلا شكّ. وكانت حياته القصيرة سجل مِن النجاحات والمواقف البطوليّة الرَّائعة.. ومِن ممارسة السّياسة بأخلاق فِي وقت كثر فيه كذب الساسة وفساد السّياسيين. وَمُؤكداً، دولة قادها يوماً رجل صالح مثل الملك إدْريْس السّنوُسي، لابُدَّ أن ينصلح حالها وتعود  إِلى شرعيتها وتستأنف بعون الله مسيرة الآباء المؤسسين.. وأرض أنجبت عُمر المختَار لن تعقم بإذن الله أبداً.. ووطن كان مِن بين رجاله، رجل مثل أحمَد إحواس، سينهض حتماً ويبني الدولة المتحضرة المزدهرة، وسيتجاوز كلّ المحن والأزمات، ويهزم يقيناً اليأس الّذِي خيم على بعض أبنائه. وجاءت خاطرة شمّام كمَا يلي:


ليبيات

مَنْ قال أن الأرض التي أنجبت المختَار عقمت..؟. وها هم أبطالنا يخرجون مِن عتمة المرحلة يسطّرون بدمائهم صفحات لم تقفل مِن التّاريخ الِلّيبيّ... لم يكن الشهيد إحواس يطلب شيئاً غير معانقة تراب الوطن الغالي... لكي يجسّد باستشهاده طريقاً جديداً للكفاح...  لم يكن يسعى لمنصبٍ أو جاهِ... وهُو الّذِي رمى بنجومهم المعدنيّة الأرض... وهُو الّذِي رفض بآباء أن يكون شاهد زور... فِي عصر يحمل كلّ سمات التزوير... لم يكن إحواس يحمل جواز سفر كمَا تزعم أراجيف الظالمين... هل يحتاج العاشق جواز سفر لموعده المرتقب...؟. هل يحتاج تراب الوطن إِلى وثيقة تعميد غير الدّمّ... لم يدخل إحواس متسلّلاً إِلى بوابة الوطن... اللصوص وقطّاع الطرق والسماسرة هم وحدهم يدخلون متسلّلين... لم يحمل معه بوصلة للهداية... فقلبه العامر بالإيمان دليله... تحسس به القضيّة والمبدأ والتراب والقبر... كان يعرف جغرافية الأرض مثلما يعرف وقع أقدام الخونة، ورائحة الغدر على تلك الأرض... كان يشم فيها الشماري والبطّوم والزعتر، ويسمع مواويل الرعاة، وحوافر الخيل، وصليل الحلى فِي أيدى صبايا الوطن... كانت تتناهى إِلى سمعه حلقات الذكر، وآذان المساجد، وصياح الأطفال، وبكاء الثكالى... كان يعرف تماماً خارطة الوطن المفقود... دخل إحواس يبحث عَن الكنز المفقود... لم يكن صرّة مال، أو أطلال عقار... لم تكن صفقة فُقدت، أو جاه اندثر... كان كنزاً بحجم التّاريخ... كان يبحث عَن سيوف لم تخرج مِن أغمادها مُنذ حرب التَّحرير... وعَن وجوه فارقتها الابتسامة عقداً مِن الزمان... وعَن أمل مخبأ فِي مكان مَا بين السّلّوم ورأس جدير... كان أمامه حائط اسمه الخوف، فحطّمه... وستار اسمه التردد، فمزّقه. وعندما مزّقته رخّات رصاص الغدر... كان يعرف أنها البدايّة. لم يتأخر رفاق الدرب كثيراً... بضعة ساعات تكفي لينطلق رصاص الحق... بضعة ساعات ليهتز حكم الطاغيّة. وليسمع التّاريخ مرَّة أخرى أن هُناك رجالاً يكتبون لليبَيا بالدّمّ... نم هنيئاً يا شهيد الوطن، أنت وإخوانك الشهداء... فأرض أنجبتكم لن تعقم...


المقالة الثّانيّة

كتب إبراهيم سعيد غنيوة، تحت إسم إبراهيم محَمّد، مِن مقر المركز الإعلامي الرئيسي للجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، بولايّة ميتشجان، مقالة بعنوان: (مَا تَرَكتَنَا.. ومَا فقدناك) فِي مجلّة (الإنقاذ) فِي عددها التاسع، الصّادر فِي رمضان 1404 هجري الموافق يونيه/ حزيران 1984م. وقد أشار فِي مقالته الرَّائعة، إِلى مقالة إحواس الأخيرة المعنونة: (المعركة فِي الدّاخل.. متى وكيف ؟)، والتي نشرها فِي مجلّة (الإنقاذ) فِي العدد الثامن، الصّادر فِي رجب 1404 هجري الموافق إبريل/ نيسان 1984م. تكّونت مقالة إحواس مِن ثلاث صفحات، وأورد فِي صفحتها الثالثة، سبع عشرة مهمّة نضاليّة واجبٌ القيام بها، ومُكلف بها الجميع بشكل عامّ، ومِن تلقاء أنفسهم، كمبادرات فرديّة أو جماعيّة. اخترت مقالة غنيوة لأنها كُتبت بعْد حادثة استشهاد أحمَد إحواس مباشرة ودخول رفاقه فِي معركة بطوليّة مع قوَّات نظام القذّافي الباغية.. ولأنها تطرقت إِلى أشياء مختلفة لم تُعرض مِن قبل.. ولأنها كُتبت بشكل مختصر، وأسلوب مبهر، وعرض مؤثر رشيق. وصف غنيوة، شهيدنا البطل، بالصّادِق والرَّائع والنموذج الّذِي يحتذى به، فقال: ".. فَمَا أصْدقَه كَاتِباً، بل مَا أعظَمَه شَهِيداً، بل مَا أروعَه ورفاقه الشهَداء رمزاً حياً لِحتمية انتصارِ شعبِنا على الطاغيّة القذّافي وعملائه..". وجاء نصّ المقالة كمَا يلي:


تَرَكتَنَا.. ومَا فقدناك

تَرَكتَنَا.. ومَا فقدناك.... واجتزت الامتحان وتحدّيت الخطر الّذِي يُواجِهنا.. ومَا انتظرت حتَّى نقرأ كلماتك فِي عدد (الإنقاذ) الأخير.. ومَا منحتنا الفرصة لأن نحلِّل كلماتك ونُشبعها نقدّاً ونلومك على نصب فاعل أو رفع مفعول به.. كُنْتَ أنت الفاعل هذه المرَّة، كُنْتَ اللغة بكاملها.. كيف لم تستطع حذلقاتنا اللفظيّة أن تفكّ رموز الصفحات الثلاث التي اختفت صورتك مِن عليها لتحِلّ محلها خريطة الوطن الحبيب.. كيف عجزتْ همهماتنا ونظاراتنا الطبيّة عَن أن تفهم أنك كُنْتَ تكتب بالدّمّ صفحاتك الثلاث التي مَا مَلَّت عقولنا الذاهلة قراءاتها.. كَتبتَ صفحتين كاملتين، ثمّ نَظَرتَ إلَينا.. وتوقفتَ لتنظُر إلينا، ومَا نَظَرنا إليك.. وقفتَ وما أدركتْ تحليلاتنا وملفاتنا ومكتباتُ النقد جميعها أنك تورد فِي الصفحة الثالثة (سبع عشرة) مهمّة نضاليّة واجبٌ القيام بها، كُنْتَ مُستعجلاً، ومَا كنّا كذلك.. مَا انتبَهتْ مداركنا إِلى أنك تقول كلماتِك الأخيرة.. مَا قدرتْ مدارس النقد القديمة والحديثة على أن تكتشف أنك توصينا بمهام لتقوم فَتُطبِّق أعظمها.. مَا قُمتَ بأبسَطِ وصاياك السبعة عشر.. لاَ.. بل أعظمها وأقدسها.. كُنْتَ رحيماً بنا وتَرَكتَنَا، مَا تَرَكتَنَا ومَا فقدناك.. فأنت معنا.. أتمَمْتَ كِتَابَة صفحاتٍ ثلاث، ومَا تمكَّنتْ عُيُونُنا المغطاة بالتحليل والتفعيلات، مَا تمكَّنتْ مِن التنبُّؤِ بأنك مَا كَتَبتَ عَن (المعركة فِي الدّاخل) بحبرِ، بل بدمٍ طاهرٍ زكي.. فَمَا أصْدقَك كَاتِباً، بل مَا أعظَمَك شَهِيداً، بل مَا أروعَك ورفاقك الشهَداء رمزاً حياً لِحتمية انتصارِ شعبِنا على الطاغيّة القذّافي وعملائه.. وَيَا أرض ليبَيا الطاهرة، هذه دماءٌ زكيّة سقتك فارفعِي قامتك عالياً وَفَاخِرِي بِأحْمَدَ ورِفِاقهِ الشهَداء.


المقالة الثالثة

كتب عزات يُوسف المقريَّف، تحت إسم (أبي يُوسف)، مقالة فِي مجلّة (الإنقاذ) تحت عنوان: (إِلى البطل الشّهيد أحمَد فِي ذكراه)، وقد صدرت فِي عدد المجلّة رقم (14 - 15) بتاريخ ذو الحجة 1405 هجري الموافق أغسطس/ أب 1985م. اخترت حوالي (60%) ستين بالمائة مِن مُجمل المقالة، وقررت إعادة نشر هذا الجزء نظراً لدّقته وأهميته. وقد اخترت مقالة عزات المقريَّف دون غيرها مِن المقالات نظراً للرفقة التي كانت بينه وبين الحاج أحمَد إحواس، وعملهما جنباً إِلى جنبِ على مدار ثلاث سنوات متصلة.. ونظراً لما جاء فيها مِن وصف دقيق جدّاً لشخصيّة الحاج أحمَد وأخلاقه وصفاته والعديد مِن الجوانب الأخرى دون إطالة أو استطراد خصوصاً أنَّ مثل هذه المقالات قد يلجأ كتَّابها أحياناً إِلى التطويل والاسترسال استهدافاً لإيفاء الموضوع حقه، وحرصاً على رسم الصورة بخطوط واضحة وألوانِ متعددة لتظهر بوضوح تامّ وتكون قريبة مِن الدَّقة أو أقرب إِلى ذلك. وَالحَاصِل، عرض كاتبنا كلَّ شيء عَن شهيدنا البطل بشكل مختصر مفيد، وأكثر مِن رائع، وأكد فِي بداية مقالته بأن البيان يعجز أن يفي حق شهيدنا أحمَد، لأن الكلمات تموت أمام مَنْ قدّم روحه رخيصة فِي سبيل الله والوطن. وجاءت سطور مقالة عزات على النَحْو التالي:


إِلى البطل الشهيد أحمَد فِي ذكراه

كان أحمَد إحواس معطاءً لا يكف عَن العمل، مساهماً بقلمه ولسانه، فكتب المقالة، وأعد البرنامج، ونظم الشعر، وأجرى المقابلات الصحفيّة، وقاد المظاهرات، ووزع الأشرطة والمنشورات، وقدم المحاضرات، وقاد جنوده إِلى ساحات الوغى.  كان لا يستنكف عَن الذهاب إِلى البلدان التي يتردد عليها الِلّيبيّون حيث كان يقابلهم بدون إعداد مسبق أو إتخاذ أيَّ إحتياطات أمنيّة تحسباً لأيَّ إجراء قد يقدم عليه زبانية المجرم القذّافي، وعند نصحه بأخذ الإحتياطات اللازمة لمثل هذه اللقاءات المفتوحة كان يردد شعاره الخالد: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}. (سورة آل عمران 173 و174) كان لا ينام الليل قبل أن يطمئن على سير العمل، وعلى جميع مشاكل زملائه فِي العمل. وفِي إحدى رحلاتنا الخارِجِيّة أخذ يقلب مفكرته وأخبرني أنه فِي خلال أربعة عشر شهراً متواصلاً مِن العمل، قضى حوالي مَا مجموعه (22) أثنان وعشرون يوماً مع اسرته، لقد رأيته بأم عيني كيف كان يقضي إجازته مع أسرته بين استقبال الضيوف، ومطالعة الأوراق والملفات، ومتابعة الاتصالات بالهاتف. لقد كان شهيدنا شجاعاً لدرجة المغامرة، وكان حريصاً على الوقت بشكل غير عادي إذ أنه كان يستغل وقت بقائه فِي حالة (الترانزيت) فِي المطارات فِي عمل المكالمات الهاتفيّة الهامّة، وإرسال البريد، ومقابلة بعض الرَّفاق فِي صالات المطارات، وكان كلّ وقته عمل حتَّى أنه فِي حوالي (36) ساعة أتصل بيّ مِن أربع عواصم أوربيّة عدا العاصمة التي غادرها، وَمِن حرصه على أموال الجبهة كان الشهيد يسافر بالتذاكر الزائدة والمخفضة التي لم يستطع أصحابها الأصليون السفر بها، فكان يتجشم الصعاب والمخاطر الأمنيّة ليسافر بمثل هذه التذاكر قائلاً: ".. أحسن مِن رميها فِي سلة المهملات، وضياع ثمنها على الجبهة..". ولا يرتاح الشهيد إلاّ فِي الطائرات وسيارات الأصدقاء إذ كان مع كثرة التعب والإرهاق يستسلم للنوم بأسرع مَا يمكن، سرعان مَا ينال قليلاً مِن الرّاحة ليستأنف عمله فِي الطائرة أو القطار أو السيارة، قراءةً أو كتابةً. وَمِن أبرز مَا كان يميز الشهيد أنه كان سرعان مَا يألف النَّاس ويؤلف بينهم، وتلك النكتة السريعة والظرف المستلطف الّذِي أضفى على شخصيته الجادة الوقورة قدراً مِن الحيويّة والاستلطاف بين أقرانه وأصدقائه حتَّى لتجد نفسك، وقد احببته مِن أوَّل لقاء به. فلم يكن شهيدنا متزمتاً بل كان متفتحاً مرناً يتفهم الآخرين بما حباه الله مِن فراسة وكياسة ومرونة وفطانة فِي معرفة النَّاس وفهم طباعهم وأسباب مشاكلهم. فكان ثاقب النظر، حاد البصيرة، وكانت نظرته للأمور ذات صبغة مُسْتقبليّة شاملة، حيث كان يرى أشياء لا نراها نحن.. ويحس أشياء لا نحس بها أو نعرفها.. ويتوقع أشياء لم تخطر على بالنا على الإطلاق. كان شهيدنا تقياً ورعاً شديد الإيمان بالله، كثير التقرب إليه، وشديد التمسك بسُنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبسيرته العطرة. كان يندر أن يؤخر أحمَد صلاته، أو أن تراه بدون مصحفه، كان قواماً لليل.. صواماً بالنهار، وندر أن لا يقوم لصلاة الفجر، كان مِن المؤمنين الّذِين قال الله فيهم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. (الأنفال أية 2) كان الشهيد دائم الدعاء بطلب الشهادة، وكان يعلمنا أصول تجويد القرآن، ويدعونا أن نكثر مِن الدعاء فِي صلاتنا لمجاهدينا قبل دخوله والتحاقه بهم، وأن نطلب لهم النصر أو الشهادة. ملمح آخر رائع مِن ملامح شخصيّة الشهيد أنه كان مريباً فاضلاً، دائم المشاركة لأعضاء الجبهة فِي أعمالهم وإشعارهم بأنه جزء لا يتجزأ منهم، وأنهم هم القدرات الفاعلة والخلاقة التي سيكون على يديها النَّصر والتمكين لدين الله، إن شاء الله، فترى شهيدنا مشاركاً وإيانا النشاطات الثقافيّة والرياضيّة والاجتماعية.. يشارك بمحاضراته التعبويّة والرّوحيّة الجهاديّة والجبهويّة والوطنيّة، وفِي حلقات السمر والندوات الثقافيّة والفكريّة. هكذا كان شهيدنا رحمه الله، وألحقنا به شهداء مثله، شخصيّة رائدة جديرة بالاحترام والتقدير والتبجيل. فما أحرانا، نحن رفقاؤه وتلاميذه وأبناؤه وإخوانه مِن أن نقتدي به، وبسيرته العطرة، وأن نسير على نهجه. فسَلَامٌ عَلَيْكَ يا شهيدنا يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ تموتُ وَيَوْمَ تُبعثُ حَيّاً، إن العزاء فِي أحمَد هُو مَا قاله الشّاعر الشّعبي (الكزة) فِي عُمر المختَار:  نلقنها العزاء فيه ركاب سمح النبات... ولا هو حجايج في ورق بايزات... لكن طوابير منتظمات... ايديرن نهار... عمره ما طرى في حرب صار....


المقالة الرَّابعة

اخترت هذه المقالة بالذات لأنها جاءت على لسان شاهد عيان، فكاتبها أحد الّذِين شاركوا فِي أحداث مايو البطوليّة التي قامت بها قوَّات الإنقاذ. شارك سَالم الحاسي فِي التهيئة لأحداث مايو المجيدة فِي الخارج والدّاخل ثمّ شارك فيها، ومنّ الله عليه، بعد مدة مِن وقوع الأحداث، بالخروج سالماً مِن ليبَيا هُو ورفيقه المُناضل كمال أحمَد الشّامي، ليكونا شاهدين على فترة الأحداث ومَا بعدها، وقد كتب الحاسي هذه المقالة المعبرة الصّادِقة بعْد خروجه مِن ليبَيا، ونشرت جنباً إِلى جنب مع المقابلة التي أجرتها مجلّة (الإنقاذ) معه ورفيقه كمال، فِي العدد الصّادر بمناسبة الذّكرى الثّانيّة لأحداث مايو المجيدة، بتاريخ شوال 1406 هجري الموافق يونيه / حزيران 1986م. رأيت إعادة نشر هذه المقالة فِي إطار التعريف بالشهيد أحمَد إحواس وتسليط مزيداً مِن الضّوء على أعماله ومواقفه  وشمائله.. ولأجل  وضع القارئ الكريم فِي أجواء تلك الأيّام التي ضرب فيها شهيدنا البطل ورفاقه الأشاوس المغاوير أروع الأمثلة فِي البذل والعطاء والتضحيّة مِن أجل الوطن ومعركته مع القذّافي وباطله، ولأنها جاءت على لسان مَنْ عايش الحدث وشارك في صناعته. وَأَخِيْراً، كتب الحاسي مقالته بلغة بسيطة ولكنها بليغة وعميقة وواضحة.. وبكلمات صادقة، ومؤثرة، هدف مِن ورائها استخلاص العبر والدروس والمعاني العميقة، وليس بهدف السّرد والتوثيق، أو كمَا قال هُو بنفسه: ".. لستُ بصدد سرد وقائع الأحداث، وإنّما أريد التجوال بكم عبرها، لنجلس سوياً فِي ظلاّل العبر التي ازدهرت بها هَذه الملحمة لنتدارسها ونستشعر منها المعاني العميقة الغائبة عَن أفكارنا لعلنا نستهدي بها طريقنا إِلى الإنقاذ والخلاص..". وجاء نصّ مقالة الحاسي كمَا يلي:

مايو عبر لا ذكريّات

دخل شباب ورجال مايو على معمّر القذّافي وصدورهم معبأة إيمان وثقة فِي قول الله تعالى: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، وقوله جلّ مَنْ قائل: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). ... دخول هؤلاء الفتية للحدود بياناً بليغاً يقول للقذّافي الدجَّال بأن هؤلاء الّذِين سميتهم (جيل الثورة) وحسبت أن دجلك وباطلك انطلى عليهم، قادمون إليك لاقتلاعك وإجثتات (ثورتك). وأنَّ مَنْ أرسلت زبانيتك لتغتالهم فِي الخارج.. هاهم قد أتوا إليك ينازلونك فِي عقر دارك مظهرين زيف شجاعتك ومدى جبنك. هؤلاء الرجال كسروا حاجز الخوف ولبَّوا نداء الله والوطن، فلم يمنعهم أولادهم، ولا أزواجهم، ولا ظلم القذّافي مِن نصرة الدّين ونجدة الوطن، ولم يثن مِن عزائمهم علم النظام مسبقاً بموقفهم منه.. رجال منهم مَنْ جاوز الخمسين، ومنهم مَنْ كان فِي العقد الثالث مِن عمره.. منهم والد لاثنى عشر ابناً، ومنهم الأعزب، ومنهم مهندس الطيران، والأستاذ بالجامعة، والمُوظف، وإمام المسجد، ومنهم التاجر. .. لقد قضى الفتية عدة أشهر قبل الشروع فِي تفجير الأحداث، عبروا الحدود.. استأجروا المساكن لأنفسهم، وكيّفوا لأنفسهم حيَاة طبيعة داخل المجتمع.. تنقلوا داخل الوطن مستخدمين كافة وسائل المواصلات.. اجتازوا البوابات العسكريّة قائلين بهذا للقذّافي: أن ستار الرعب الّذِي نصبته على بلادنا مَا هُو إلاّ وهم وها نحن نحطمه، وأن جميع أجهزتك المخابراتيّة هشة وسهلة الكسر، وإنّك واقف على رمال متحركة، وليس لك أصل ولا جذور فِي مجتمعنا. والأهمّ مِن هَذا كله أن الّذِين يتجمّعون حولك جميعاً، لا يهمهم أمنك ويتمنون زوالك ومَا مسايرتهم لظلمك إلاّ بسبب خوفهم على أنفسهم بعْد تورطهم فِي مهاتراتك، فأنت لست فِي مأمن منا، فكلَّ الّذِي حولك سراب ووهم سيبدده فجر الخلاّص والإنقاذ قريباً إن شاء الله. ويأتي يوم السّادس مِن (مايو) ليلزمنا بالوقوفِ عنده وقفة تمحص وفهم واستشعار لما فيه مِن عبر.. وقفة نرى فيه ذلك الرجل الّذِي ضرب للعالم بأسره أروع الأمثلة فِي القيادة والوفاء للعقيدة والمبادئ الرَّاسخة، والوطنيّة الصّادِقة والرّجولة النادرة. نقف لنرى الشهيد أحمَد إحواس وقد ضرب بالدنيا عرض الحائط، واشترى الآخرة بنفسه. وهُو الّذِي كان بإمكانه أن يبني لنفسه جاهاً ومجداً زائفاً كالّذِي بناه أذناب القذّافي، ولكن تقواه منعته مِن مساندة أو مسايرة الظالمين، وكان بإمكانه أن يُعارض ويُنظر كيفما يشاء، ويخطط كمَا يحلو له بعيداً عَن ساحة الوغى، ولكن عقيدته منعته مِن أن يقول مَا لا يفعل. فدخل على القذّافي أينما هُو، ولم ينتظره فِي الخارج، وكأنّي به يقول للقذافي الدجَّال: أنا لم أهاجر خوفاً منك، بل هاجرت استعداداً لمنازلتك. وكأنّي به يقول أيْضاً: نحن مُعارضون دفعتنا العقيدة والمبادئ ولم تدفعنا الماديات.. غايتنا إعلاء كلمة الحق وليس الاستعلاء على الخلق. نحن فِي القيادة لأننا أوَّل مِن يعطي ويبذل ولسنا أوَّل مِن يأخذ ويجني ثمار بذل الآخرين. وكأنّي به يقول مرَّة أخرى: هكذا يجب أن تكون القيادة، وهكذا تكون، إطاعة الله، وهكذا يكون حبّ الوطن صدقاً لا تشدقاً. لقد أخرس الشهيد أحمَد إحواس ببطولته هَذه الدجَّال القذّافي، وردّ على كلّ أباطيله واتهاماته التي يحاول أن يلصقها بالبطل الشهيد بأنه عميل أو بأنه ساع وراء كرسي الحكم، لأن القذّافي هُو مَنْ يعلم بأن العملاء اللاهثين وراء كراسي الحكم يخافون ورود المخاطر ويرهبهم الموت. إن استشهاد أحمَد إحواس كان أبلغ رسالة وجهت إِلى معمّر القذّافي، وكانت فحواها بأن كل مَنْ استشهد فِي سبيل عقيدته ووطنه ليس بكلب ضال، وإنّما الكلب الضّال هُو أنت، وكلَّ مَنْ ولغ فِي الدماء مثلك.. وأن مَنْ استشهد وهُو فِي أعلى قمم البذل والعطاء ليس هُو بالجبان، وإنّما الجبان هُو مَنْ حرّم على جفونه النعاس مخافة أن يغتال.... وكأنّي بالشهيد إحواس قد ختم رسالته بأنه لم يُجيّف كمَا يدّعي معمّر القذّافي وأذنابه، بل القذّافي وأزلامه هم الّذِين جيفوا يوم تسلطوا على النَّاس، وتنكروا لأمتهم وشعبهم وعقيدتهم، وكمَا يقول الشّاعر: لَيسَ مَن ماتَ فَاِستَراحَ بِميت ... إِنَّما المَيت ميَّت الاِحياء.... والشهيد إحواس ببطولته هَذه جعل كلَّ مَنْ استهزأ به، ووصفه بأنه وطواط أو متعجرف أو دكتاتوري أو غير ذلك جعلهم جميعاً يّحنون رؤوسهم استصغاراً لأنفسهم أمام إيمانه، ورجولته وإقدامه، ووطنيته الصّادِقة. وأنا هُنا لا أجد مَا أقول فيه إلاّ قول الشّاعر: وَكَانَتْ فِي حَيَاتِكَ لِي عِظَاتٌ ... وَأَنْتَ اليومَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيَّـا... وأخيراً، إن إلتقصير فِي الإشارة بعمل هؤلاء البطولي لن يمحو ذكراهم، ولن ينقص مِن عظمة بطولتهم، فليتثاقل مَنْ شاء عَن ذكرهم، وليحاول مَنْ شاء التقليل مِن قيمة عملهم. فذكرهم عند الله باق: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}. (سورة يوسف، 90). وأذكّر كلَّ المخلصين لعقيدتهم، الصّادِقين فِي وطنيتهم، بأن تكريم الشهداء لن يكون بوقفات الحداد أو الترحم عليهم فحسب، بل إن تكريمهم يكون دائماً أبداً بمواصلة مشوارهم الّذِي ساروا فيه، وبالبذل والعطاء مِن نفس جنس بذلهم وعطائهم، وصدق الحق تبارك وتعالى إذ يقول: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً}. (سورة الأحزاب، 23).


المقالة الخامسة

كان يُوسف بشير المجريسي مِن أوائل المنتسبين إِلى الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، ومِن الّذِين تحرّكوا فِي اتجاه تكوينها قبل الإعلان عَن تأسيسها فِي 7 أكتوبر / تشرين الأوَّل 1981م. ومِن الّذِين تعرفوا على الحاج أحمَد إحواس وعرفوه مبكراً، وقضى معه أوقاتاً طويلةً فِي المغرب والسّودان، وكان إِلى جانبه فِي رحلته الثانيّة للحج فِي عَام 1982م. ويُذكر أن يُوسف المجريسي كان مُعارضاً حينما تأسست الجبهة، فقد وصل إِلى المنفى بعْد مشاركته فِي المظاهرات الطلابيّة لعام 1976م، بعدما أوجع نظام القذّافي باستهدافه لأحد أوكار النظام الإرهابيّة المعروفة وقتئذ بـ(الاتحاد الاشتراكي). تمكن المجريسي - بفضل من الله وتوفيقه - مِن مغادرة بّنْغازي بعْد مشاركته فِي الأحداث الطلابيّة، ووصل إِلى بريطانيا فِي ذلك العام ثمّ تنقل فِي عدة دول أوربيّة وبعض البلدان العربيّة (سوريا، مِصْر، المغرب، السّودان) ثمّ عاد مجدَّداً إِلى بريطانيا واستقر بها بعْد خلافه مع جبهة الإنقاذ وانسحابه منها فِي عَام 1984م. بدأ خلافه مع الجبهة أثناء انعقاد المجلس الوطنيّ فِي دورته الأولى بمدنية أغادير فِي المملكة المغربيّة فِي شهر يوليو/ تموز مِن عاَم 1982م، حيث عارض بشدة دعوة مندوب العراق لحضور الجلسة الختاميّة للمجلس، باعتبار نظام صدام حُسين لا يقل فِي ظلمه وطغيانه ودكتاتوريته عَن نظام القذّافي، إن لم يزد عنه !. قاد المجريسي والشّيخ محَمّد محَمّد بِن غالي (1946 - 20 فبراير/ شباط 1996م)، الحملة ضدَّ حضور مندوب العراق جلسة المجلس الختاميّة، وتسببت هذه المُعارضة فِي انقسام الرأي بين الأعضاء، وأدَّى ذلك فِي نهاية المطاف إِلى إلغاء قيادة الجبهة للدعوة حافظاً على التوافق ووحدة الصف داخل الجبهة. وبعدما أقدمت الجبهة فِي بدايات عَام 1984م على فتح علاقات مع العراق، اعتبر المجريسي هذه الخطوة، خروجاً على مَا تمّ الاتفاق والوصول إليه فِي المجلس الوطنيّ الأوَّل، فأنسحب مِن الجبهة، ولم يمنعه انسحابه ومعارضته لسياسة الجبهة، مِن مواصلة صلته بأعضاء الجبهة وقيادتها الّذِين ارتبط معهم فِي الهدف والمبدأ، وإن اختلف معهم فِي أسلوب العمل، والوسيلة إِلى الهدف. كأن يُوسف المجريسي قريباً مِن الحاج أحمَد إحواس فِي المغرب، وفِي فترات تواجده فِي الخرطوم، حينما كان المجريسي مسئولاً على شئون الجبهة فِي السّودان، وقبل أن يستلم منه علي عبدالله الضراط مسئوليّة مكتب الخرطوم. أحب يُوسف المجريسي، الحاج أحمَد إحواس، وذرف الدموع لفراقه، وكتب عنه مقالة كانت مِن أروع وأجمل المقالات التي كتبت عنه. كتب مقالته بعْد حوالي خمسة شهور مِن استشهاده،  ونشرها فِي العدد العاشر مِن مجلّة (الإنقاذ)، تحت عنوان: (صاحب الفكرة وجندي الميدان). قرأت مقالة المجريسي حينها، وأثرت فِي نفسي كثيراً وتركت بصمة بداخلي، وعند إعادة قراءتي لها بعْد حوالي ثلاثين عاماً، تركت فِي نفسي الأثر نفسه بل ربّما أقوى مِن المرَّة الأولى. وَأَخِيْراً، كتب المجريسي مقالته المذكورة بمشاعر صادقة، وعبّر عَن نفسه بدرجة عالية مِن الوضوح والصدق، ولذا ظلّ أثرها قوياً وسيظل كذلك إِلى أبد الدهر، أو كمَا قال الأستاذ جلال أمين: ".. قد تتغير الآراء السّياسيّة والاجتماعيّة مِن وقت لآخر، أمّا العواطف الإنسانيّة، خاصّة إذا جرى التعبير عنها بدرجة عالية مِن الصدق، فإنّها ستبقى معنا إِلى الأبد..". أعيد نشر هذه المقالة الرَّائعة لأنها وصفت رجلاً كان شجاعاً فِي زمن ندر فيه الرجال الشجعان، وكان هُو ورفاقه فِي ساحة المواجهة فِي زمن الخوف والخذلان والارتعاب. استمد إحواس شجاعته مِن إيمانه الرّاسخ القوي، وحبه الشديد بالفوز بإحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة. وكان تقياً ورعاً بعيداً كلّ البعد على الأغراض الذاتيّة والمطامع الشّخصيّة، أو كمَا قال يُوسف المجريسي:..".. كان يعلو على المطامع الفرديّة، ويتعالى على الأغراض الذاتيّة، ويعمل فِي إخلاص شديد لله لم يشبه أيَّ مطمع دنيوي..". وجاء نصّ المقالة على النَحْو التالي:


إِلى الشّهيد.. صاحب الفكرة وجندي الميدان

عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ وَقفاً فَإِنَّني ** رَأَيتُ الكَريمَ الحُرَّ لَيسَ لَهُ عُمرُ
إِذا شَجَراتُ العُرفِ جُذَّت أُصولُها ** فَفي أَيِّ فَرعٍ يوجَدُ الوَرَقُ النَضرُ

رحمك الله أبا أسعد رحمة واسعة، لقد عشت مجاهداً صبوراً، ومت شهيداً جسوراً. وشاء الله، ولا رادّ لمشيئته، أن يكون مسك الختام لجهدك الجبار الّذِي بذلته فِي سبيل الله، أن تستشهد فوق ثرى بلادك الحبيبة التي عشت قضيتها بفكرك وقلمك وجسدك ودمك وروحك. لم يشغلك عَن الجهاد فِي سبيل الله شيء، لقد همت بحبّ الجهاد حتَّى أنساك ذلك الهيام كلّ شيء حولك، أنساك رعاية أهلك وكانوا فِي مسيس الحاجة إليك ولرعايتك، فلم يحظ أحباؤك فِي السنوات الأخيرة برؤيتك إلاّ نادراً، ومَا يكادون يستقبلونك حتّى تقوم بتوديعهم، وإذا سألناك الرأفة بأهلك، كُنْتَ تردد قول الله عز وجل: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). (سورة التوبة - الآية 24). وهان عليك قيام سلطات الباطل بسجن أخويك لإرهابك وتحطيم معنوياتك، وقلت: السجن لهما أحب إليّ مِن القبول بالظلمِ والاستكانة للذل، وكلَّ شيء يهون فِي سبيل الله، يريد الطاغيّة أن استسلم له، هيهات له ذلك!، وكُنْتَ تردد قوله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ). (سورة آل عمران - الآية 140). (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). (سورة القصص - الآية 83). يرحمك الله أيها الشّهيد، لقد وهبت لبلادك فكرك ومالك وجهدك ووقتك.. وهبت نفسك وروحك ودمك وشبابك الغض.. لا غرور فِي ذلك فقد عرفتك رجلاً أشرب قلبه بحبّ الجهاد والتضحيّة والعطاء والعمل فِي سبيل الله.. * عرفتك رجل صراحة، وجرأة، ومروءة، وحلم، وحزم.. * عرفتك رجل شجاعة، وإقدام، وثبات، وصبر.. * عرفتك رجل تفان، وتضحيّة، وعقيدة راسخة، ومعنويات عاليّة.. * عرفت فيك الثقة فِي النفس، وقوَّة الشخصيّة، والذكاء الحاد.. * عرفت فيك الشجاعة الحكيمة، والحزم فِي الأمور، واقتحام الصعاب، والثبات الّذِي لا يتزعزع.. * عرفت فيك الأخلاق الرفيعة، والرزانة، والوقار، وحسن الأدب والسلوك.. لم تعرف المراوغة ولا الالتواء.. لم تعرف المناورة ولا المزايدة.. لم تعرف الكلل ولا الملل.. لم تعرف التوقف ولا السكون.. لم تعرف الرّاحة ولا الاسترخاء.. لم تعرف الشكاية ولا التبرم.. لم تعرف اليأس ولا القنوط.. كانت روح الحركة الدّائمة تجرى فِي عروقك ودمك.. وكان وقود جسمك يحترق باستمرار ولا ينفذ.. كُنْتَ تعمل وكأنك وحدك المكلف بإسقاط حكم الدّكتاتور الغاشم.. كُنْتَ فِي جهاد مرير تصل فيه الأيّام بالليالي لإعداد شباب يتولّى تطهير بلادنا مِن الرجس والدنس والجراثيم والخلايا الخبيثة، وبرغم الصعاب والعقبات التي صادفتك فِي تنقلاتهم وتدريبهم وتسليحهم مَا شهدنا منك تبرماً ولا سمعنا منك شكاية، بل كان وجهك يزداد إشراقاً وابتساماً.. كُنْتَ تعمل طوال الليل والنهار لا تتعب ولا تجهد، كان لا يجهدك السهر ولا يتعبك السفر، لقد تحملت مِن الجهد والمسئوليات مَا تنوء به العصبة أولى القوَّة.. كُنْتَ حريصاً كلّ الحرص على ألا تكلف أحداً بعمل إلاّ على قدر قدرته وطاقته.. وكُنْتَ لا تستصغر أحداً، ولا تستهين بأحد.. تنظر بعين الإكبار لكلّ المناهضين الرَّافضين لحكم الطاغوت.. ولهذا كله كُنْتَ محبوباً مِن شبابنا وشيوخنا.. ومِن صميم قلب الشّعب الِلّيبيّ الطيب.. كُنْتَ طاقة روحيّة هائلة.. والله الّذِي شرّفنا بصحبتك وابتلانا بفقدك، لم أرك يوماً نمت فيه عَن صلاة الفجر.. فكُنْتَ للصلاة ولوردك القرآني محافظاً ولله ذاكراً.. وعَن اللهو واللغو معرضاً.. وعَن المعارك الجانبية مبتعداً.. ومِن الانانيّة وحبّ النفس مجرّداً، وعلى الدنيا الفانيّة مدبراً، وعلى الآخرة الباقية مقبلاً.. كُنْتَ تعلو على المطامع الفرديّة، وتتعالى على الأغراض الذاتيّة، وتعمل فِي إخلاص شديد لله لم يشبه أيَّ مطمع دنيوي.. بل جهاد فِي سبيل الله لا يستهدف سوى إنقاذ بلادنا مِن براثن الطغيان.. كُنْتَ باختصار شديد عارفاً بالله. كُنْتَ يرحمك الله مِن الشخصيّات الفذة العجيبة النادرة التي قل أن يكون لها نظير، وقل أن يجود الزمان بمثلها.. لن أنسى أسفارك المتواصلة لجمع شمل الِلّيبيّين فِي المنفى وتوحيد صفوفهم، كُنْتَ لا تتردد فِي قطع القارات والمحيطات لتقول لفرد مقيم فِي أقصى بقاع المعمورة: أخي، جاوز الظالمون المدى *** فحقَّ الجهادُ، وحقَّ الفـِدا... ألا هل بلّغت، اللهم فاشهد.. أيَّ والله كُنْتَ تقطع كلّ هذه المسافات مِن أجل مقابلة فرد، لقد حركت كثيراً مِن الهمم لبذل الأموال والأنفس.. لقد تركت فِي كلِّ ضمير دوياً، وفِي كلِّ بلد نشاطاً قوياً.. كانت رحلاتك وأسفارك فِي سبيل الله.. وكُنْتَ لا تعرف إلاّ طريقاً واحداً.. طريق الجنة المحفوف بالمكاره. ولا أنسى رحلاتك إِلى مكة المكرمة، لتذكر حجاجنا فِي ذلك الموسم العظيم بالجهادِ، وتهيب بهم أن ينهضوا بكلِّ قواهم لإسقاط سلطة الكفر والردة فِي بلادنا. لم أنس، ولن أنسى، يوم عرفة حيث سمعت ضراعاتك فِي ذلك اليوم العظيم والموقف الجليل والمشهد الرهيب، وقد شاهدتك قبل الغروب رافعاً يديك، والدموع تنهمر على خذيك، داعياً الله الكريم، أن يكشف الكربة والهم والغم عَن بلادك وشعبك.. وأن يرزقك إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة، ها هُو قد استجاب لك ربك بالشهادة، فشاءت حكمته أن يختار لك أن تكون بجوار الأحبة محَمّد وصحبه، وأن تكون فِي عليين لاستقبال جنودك الّذِين استشهدوا مِن بعدك فهنيئاً لك بالشهادة يا أبا أسعد. كُلنا لا نزال نذكر قولك: (..هُناك أناس يصنعون التاريخ، وهُناك أناس يكتبون التاريخ، وهُناك أناس يقرأون التاريخ، فكونوا من صانعي التاريخ..). لله درّك أيها الشّهيد مَا أصدقك معاهداً، ومَا أخلصك جندياً مجاهداً، كُنْتَ تقول وتفعل، وتفعل مَا تقول، لقد صنعت تاريخاً لن تنساه بلادنا أبداً، وكتبت بدمائك الزكيّة الطاهرة صفحات ستكون فِي تاريخ ليبَيا شرفاً وفخراً لها ولشعبها.. ولقد دخلت التَّاريخ الِلّيبيّ مِن أشرف وأعظم أبوابه.. لقد رفضت التنظير والفلسفات الفارغة والإطلال مِن فوق البروج العاجيّة، ونزلت ساحة المعركة وميدان الجهاد الأوَّل، وسقيت أرض بلادك بدمك الزكي الطاهر ضارباً أروع الأمثلة فِي التضحيّة والفداء والشجاعة والبطولة، ولا غرو فِي ذلك فقد كان قدوتك سيد المرسلين عليه الصّلاة والسّلام.. إذ يقول عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (كنَّا إذا حَمِيَ الوَطِيسُ واحمرت الحِدَق، اتقينا برسولِ الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن أحد أقرب إِلى العدو منه). لقد ارتجت ليبَيا لفقدك، ولبست ثوب السواد لموتك، وذرفت الدموع لفراقك ورفاقك مدراراً ومعزاراً.. أمّا نحن الّذِين عرفناك، وعايشناك فكارثتنا فيك، ورزؤنا ومصيبتنا أعظم مِن أن توصف.. إنّ العين لتدمع والقلب ليحزن ولا نقول إلاّ مَا يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا أحمَد لمحزونون. قرّ عيناً أبا أسعد (17)، إنَّ البذر الّذِي بذرته سيظهر ويثمر سيوتي أكله قريباً بإذن الله، ولن يُهزم الله قوَّة تحارب الباطل، وسيعلم هذا الحاكم الغاشم مِن هُو شر مكاناً وأضعف جنداً، فإنّه بعد اليوم، غداً (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ، أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ). (سورة هود - الآية 81). نضّر الله وجهك.. ورفع درجاتك ومنزلتك فِي عليين وأسكنك الفردوس الأعلى.. وأسعدك بالنظرِ إِلى وجههِ الكريمِ وألحقك بالنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.. (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (سورة القصص - الآية 83)

شُكْري السنكي

صُورة مرسومة لأحمد إحواس، منشورة فِي مجلّة (الوطن)،
العدد (13)، الصّادرة بتاريخ يونيه / حزيران 1984م.

صُورة لأحمد إحواس بالعقال السّعودي فِي رحلة الحج الثانيّة،
ذي الحجة 1402 هجري الموافق أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1982م.

غلاف مجلّة (الإنقاذ)، السنة الثّانيّة، العدد التاسع، الصّادرة بتاريخ
رمضان 1404 هجري الموافق يونيه/ حزيران 1984م.

غلاف مجلّة (الوطن)، السنة الرَّابعة، العدد (13)، الصّادرة بتاريخ يونيه/ حزيران 1984م.

رصد صحفي لردود فعل أحداث مايو فِي أجهزة الإعلام، منشور فِي أربع صفحات:
(34، 35، 36، 37) فِي العدد (13) مِن مجلّة (الوطن)، الصّادرة بتاريخ يونيه/ حزيران 1984م.
 


مِرْفَق الْوَثَائِق:

الوَثِيْقَة الخَامِسَة: غلاف مجلّة (الإنقاذ)، السنة الثّانيّة، العدد التاسع، الصّادرة بتاريخ رمضان 1404 هجري الموافق يونيه/ حزيران 1984م. الوَثِيْقَة السَّادِسَة: غلاف مجلّة (الوطن)، السنة الرَّابعة، العدد (13)، الصّادرة بتاريخ يونيه/ حزيران 1984م. الوَثِيْقَة السَّابعة: رصد صحفي لردود فعل أحداث مايو فِي أجهزة الإعلام، منشور فِي أربع صفحات: (34، 35، 36، 37) فِي العدد (13) مِن مجلّة (الوطن)، الصّادرة بتاريخ يونيه/ حزيران 1984م.

مِرْفَق الصُّوَر:

الصُّوَرَة الحادِيَّة عشر: صُورة مرسومة لأحمد إحواس، منشورة فِي مجلّة (الوطن)، العدد (13)، الصّادرة بتاريخ يونيه / حزيران 1984م. الصُّوَرَة الثَّانِيَة عشر: صُورة للشهيد عزات المقريَّف نشرها الأستاذ إبراهيم صهّد في مقالته المعنونة: (جاب الله مطر وعزات المقريَّف فِي ذّكرى محنتهما المستمرة)، والمنشورة فِي موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ مارس/ آذار 2006م. الصُّوَرَة الثَّالِثَة عَشَر: صُورة لأحمد إحواس بالعقال السّعودي فِي رحلة الحج الثانيّة، ذي الحجة 1402 هجري الموافق أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1982م. يظهر فِي الصُّوَرَةِ مِن اليمين إِلى اليسار، السّادة: وجدي الأمير وخلفه أنور يُوسف المقريَّف، علي رمضان بوزعكوك وبعده الشهيد أحمَد إبراهيم إحواس وخلفهما يُوسف بشير المجريسي، وبعدهم المرحوم محَمّد علي يحيي معمّر (1949م - 7 يوليو / تموز 1994م)، ثم نعيم الغرياني.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات:

14) إبراهيم غنيوة: كان مِن نشطاء الطلبة في جامعة طرابلس، ومِن الّذِين شاركوا فِي أحداث الطلبة فِي يناير/ كانون الثّاني 1976م، وتعرضوا للسجن، وقضى فِي الاعتقال حوالي عَام. هاجر إِلى الولايّات المتَّحدة الأمريكيّة، وواصل دراسته حتَّى تحصل على شهادة الدكتوراه. اشتغل بمهنة التدريس فدرس فِي أحدى الجامعات الأمريكيّة بولايّة كاليفورنيا فِي الغرب الأمريكي. وبعْد اندلاع ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م، عاد إِلى أرض الوطن، وساهم فِي نشاطات المجتمع المدنيّ، وأسس مع بعض رفاقه رابطة سجناء 76. وفِي المنفى، ساهم فِي نشاطات الإتحاد العامّ لطلبة ليبَيا - فرع الولايّات المتَّحدة الأمريكيّة، والّذِي كان مستقلاً عَن نظام معمّر القذّافي ومُعارضاَ له، وتولّى فِي فترة مِن الفترات أمانة الإعلام والصحافة فِي هيئة الاتحاد الإداريّة. أيْضاً، كان مِن أوائل الّذِين انضموا إِلى الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، وساهم فِي نشاطات الجبهة الإعلاميّة: الإذاعيّة (إذاعة صوت الشّعب الِلّيبيّ - صوت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا)، والصحفيّة (مجلّة الإنقاذ). أنضم إِلى المركز الإعلامي الرئيسي لجبهة الإنقاذ فِي ميتشجان بعْد أحداث مايو مباشرة ثمّ إلى أسرة تحرير مجلّة (الإنقاذ). كان المركز المسؤول والمُكلف بإصدار مجلّة (الإنقاذ)، ويقوم كذلك بتزويد إذاعة الجبهة ببعض المواد المسجلة، وكان يُعرف باسم (القلعة) وكائن بمنطقة كانتون (Canton) فِي ولايّة ميتشجان. كتب إبراهيم غنيوة العديد مِن المقالات فِي مجلّة (الإنقاذ)، وقام بإعداد وتسجيل بعض المواد الإذاعيّة فِي أشرطة كاسيت، والتي كان يرسلها المركز أولاً بأول إِلى إذاعة صوت الشّعب الِلّيبيّ - صوت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، فِي السّودان. استقال مِن جبهة الإنقاذ بعْد مضي أقل مِن عامين عَن أحداث مايو/ أيّار 1984م، واصبح مُعارضا مستقلاً إِلى ساعة اندلاع ثورة 17 فبراير. أسس فِي منتصف التسعينيات أوَّل موقع الإلكتروني ليبي: (ليبَيا وطننا) والّذِي كان منبراً للمُعارضة وكل الِلّيبيّين. عاد بعْد اندلاع ثورة 17 فبراير إِلى أرض الوطن ليساهم مع رفاقه المُعارضيين فِي دعم الثورة وتدشين مؤسسات المجتمع المدني، وبعْد تحرير البلاد مِن نظام معمّر القذّافي انضم إِلى هيئة التدريس بجامعة بّنْغازي. 

15) عزات يُوسف المقريَّف: ولد فِي بّنْغازي فِي عَام 1952م. كان ضابطاً بالجيش الِلّيبيّ حتَّى عَام 1973م. ألقي القبض عليه فِي عَام 1973م بعدما اتهمته السّلطات بالمشاركة فِي محاولة للإطاحة بنظام معمّر القذّافي، وقضي فِي السجن حوالي عام. اشتغل بالتجارة والمقاولات بعْد الإفراج عنه ثمّ غادر ليبَيا فاستقر فِي المغرب فترة مِن الوقت ثمّ انتقل فِي عَام 1984م للإقامة فِي القاهرة بجمهوريّة مِصر العربيّة. كان عضواً فِي الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا وأحد قيادات (المفوضيّة العسكريّة) بالجبهة. كتب العديد مِن المقالات وتحت أسماء مختلفة - فِي مجلّة (الإنقاذ) الناطقة باسم الجبهة.. ومجلّة (خلجات) التي كانت تصدر عن مكتب الجبهة فِي مصْر. ونظم الشعر، وكتب الأغنيّة الوطنيّة فأنشد له المطرب (إبراهيم فهمي) قصيدة: (يا وطني راني لك مشتاق) فِي فترة انضمام الأخير للصفوف الجبهة وقبل عودته إِلى ليبَيا. اختفى فِي القاهرة فِي شهر مارس/ آذار 1990م، وعَن هذا الاختفاء ذكر الدّكتور محَمّد المقريَّف شقيقه فِي مقابلة مع صحيفة (ليبَيا السّلام) نُشرت بتاريخ 4 أغسطس / أب 2012م، مَا يلي: ".. لأسف الشديد أن الحكومة المصريّة فِي عهد حسني مبارك قامت بالاتفاق مع نظام القذّافي بإصدار أوامر اعتقال فِي حق الرفيق المُناضل جاب الله حامد مطر القيادي فِي جبهة الإنقاذ وأخي عزات يُوسف المقريَّف، وتمّ بالفعل اعتقالهما فِي شهر مارس/ آذار 1990م. كان الأخ جاب الله  مطر وأخي عزات، مكلفان بالاتصال بالدّاخل مِن موقعهما فِي مِصْر وقتما كانت مِصْر تستضيف المُعارضة الِلّيبيّة وتقاطع نظام القذّافي، وكانت الجبهة تعد العدة للقيام بعمل ضدَّ نظام القذّافي والدّخول إِلى ليبَيا، وحينما غيّر نظام حسني مبارك سياساته إزاء نظام معمّر القذّافي، قامت أجهزة نظامه المخابراتية بالقبض عليهما بعلم مبارك نفسه وتورط ثلاثة مِن شخصيّات نظامه، وهم: محَمّد عبْدالسّلام المحجوب وكيل جهاز المخابرات وأصبح فيما بعْد محافظ الإسكندريّة والعقيد أباظة والعقيد محَمّد حسن. وَفِي اليوم التالي، تمّ تسليمهما حيث نقلا فِي طائرة خاصّة  يمتلكها أحمَد قذاف الدّمّ، وقام الأخير بنقلهما إِلى ليبَيا. هذا، ويوجد شهود كثيرون كانوا فِي سجن أبو سليم، قالوا أنهم شاهدوهما فِي السجن فِي الفترة الواقعة مَا بين عَام 1990م إِلى عَام 1996م، ولكنهم لا يعلمون عنهما شيئاً بعْد مذبحة أبو سليم عَام 1996م، والاحتمال شبه المؤكد أنهما أُعدما فِي هذه المذبحة التي شملت أكثر مِن ألف ومائين (1200) سجين سياسي، رحمهم الله جميعاً..".

16) سَالم عبْدالسّلام الحاسي: ولد فِي السادس والعشرين مِن أبريل / نيسان 1962م، وهُو مِن مواليد مدينة شحات فِي الشّرق الِلّيبيّ. درس الطب فِي جامعة بّنْغازي لكنه تعرض لمضايقات شديدة مِن لجان القذّافي الثوريّة، فخرج مِن ليبَيا مُعارضاً للنظام ووصل إِلى ألمانيا الغربيّة فِي صيف عَام 1981م، واستقر فترة مِن الوقت فِي مدينة فولفسبورغ (Wolfsburg) ثمّ مدينة براون شفايخ (Braunschweig). نشط كمُعارض لنظام القذّافي فِي ألمانيا ثمّ سافر هُو وأسامة السّنوُسي شلوف إِلى أثينا وبغداد للتعرف على فصائل المُعارضة التي تشكلت فِي الخارج، فاختارا الانضمام إِلى الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا. كان سَالم الحاسي حلقة الوصل بين طلبة التصنيع الحربي الدارسين فِي مدينة براون شفايخ والجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا، والّذِين غادروا ألمانيا إِلى السّودان وأعلنوا معارضتهم للنظام وانضمامهم للجبهة فِي مؤتمر صحفي عقدوه فِي الخرطوم ظهر يوم الثاني مِن يونيه / حزيران 1983م.  انخرط الحاسي فِي مشروع الجبهة العسكري الّذِي كان يتولاه الشهيد أحمَد إبراهيم إحواس (1938م - 1984م)، وشارك فِي أحداث مايو/ أيّار 1984م البطولية داخل ليبَيا، واستطاع بفضل مِن الله الخروج سالماً مِن ليبَيا فِي يناير / كانون الثّاني 1985م واستئناف مسيرته النضاليّة إِلى اندلاع ثورة 17 فبراير/ شبّاط 2011م حيث تفاعل مع الثورة منذ ساعة انطلاقها الأولى وتواصل مع رفاقه فِي الخارج ثمّ فتح قنوات اتصال فِي الدّاخل مشاركاً فِي دعم الثورة على مستويات مختلفة. كان عضواً فِي القيادة العسكريّة لجبهة الإنقاذ ثمّ قائد للفرقة (106) بالجيش الوطنيّ الّذِي تأسس فِي تشاد كذلك رئيساً لمكتب الجبهة فِي أميركا وعضواً فِي لجنتها التنفيذيّة. استقال مِن الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا عَام 1993م، وأصبح مُعارضا مستقلاً منذئذ إِلى ساعة اندلاع ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م التي تفاعل معها وساندها ثمّ تمّت تسميته فِي مطلع فبراير/ شبّاط 2012م رئيسا لجهاز المخابرات اِلّليبيّة. كتب العديد مِن المقالات فِي مجلّة (الإنقاذ) و(شهداء ليبَيا) الناطقة باسم اتحاد عام طلبة ليبَيا - فرع الولايات المتَّحدة، ثمّ فِي المواقع الإلكترونيّة الِلّيبيّة: (ليبَيا وطننا) و(ليبَيا جيل) و(الحقيقة) و(ليبَيا المُسْتقبل). واصل دراسته الجامعيّة بالولايّات المتَّحدة، وتحصل على ماجستير فِي الشريعة مِن الجامعة الأمريكيّة المفتوحة بواشنطن دي سي. وعمل محاضراً  فِي الدّراسات العربيّة بجامعة شمال جورجيا كذلك أستاذاً فِي الدّراسات الإسلاميّة فِي مركز مواصلة للدّراسات فِي جامعة إيموري فِي أتلانتا جورجيا. ونشط فِي مجال حُقُوق الإنْسَان والتعاون بين الأديان بحكم عضويته فِي (مُنظمة العفو الدّوليّة) و (مُنظمة أحد لتعاون الأديان).  بعْد اندلاع ثورة 17 فبراير، قدّم تصور حول إعادة هيكلة الأجهزة الأمنيّة إِلى المجلس الوطنيّ الانتقالي الّذِي كان يتولّى السّلطة فِي ليبَيا إبّان الثورة وترأسه المُستشار مُصْطفى عبدالجليل، ضمن مجموعة أخرى مِن التصورات كانت قد وصلت إِلى المجلس، وقد حاز تصوره قبولاً لدى أعضاء المجلس. وإصدار المجلس الوطنيّ الانتقالي فِي مطلع فبراير/ شبّاط 2012م قراراً بتسميته، رئيسا لجهاز المخابرات اِلّليبيّة المعروف سابقا باسم (جهاز الأمن الخارِجِي).

17) أبا أسعد: لم يُرزق الحاج أحمَد بأولاد، فقام هُو وزوجته برعاية واحتضان طفل يتيم مِن غويانا فِي فترة عمل الحاج هُناك بين أواخر عَام 1976م وأوائل عَام 1981م. عاش أسعد أبناً للحاج، وقد تأثر كثيراً لفراقه، ولكن الحاجة فاطمة عوّضته حنان الأب، وأكملت مشوار زوجها حتَّى زوجت أسعد، وبعدما رزق الله أسعد بطفل، أختار لمولوده اسم (ميكائيل) إكراماً لأمه، فميكائيل يُعد لأسعد فِي مقام الجد وهُو والد الحاجة فاطمة.

مصَادِر وَمَرَاجِع: 

م20) الجبهة الِلّيبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة - خاطرة: (ليبيات)، مجلّة: (الوطن) - المجلّة المركزيّة للجبهة الِلّيبيّة الوطنيّة الديمقراطيّة، السنة الرَّابعة، العدد (13)، الصّادرة بتاريخ يونيه / حزيران 1984م.

م21) الأستاذ محمود الناكوع - باب المجلّة الثابت: خواطر مِن الميدان، خاطرة بعنوان: (إحداث مايو.. والمعلم التاريخي لنضال الشّعب الِلّيبيّ) - مجلّة: (الإنقاذ)، السنة الرَّابعة، العددان: 14 - 15، ذو الحجة 1405 هجري الموافق أغسطس/ أب 1985م.

م22) الأستاذ سَالم عبْدالسّلام الحاسي - مقالة: (مايو عبر لا ذكريّات) - مجلّة (الإنقاذ) السنة الرَّابعة، العددان (18 -  19)،  الصّادرة بتاريخ شوال 1406 هجري الموافق يونيه/ حزيران 1986م.

م23) المؤلف - سلسلة: (بّنْغازي فِي موسم الذّكريات والحكايات) - موقع (ليبَيا وطننا) بتاريخ يونيه / حزيران  2003م.  

م24) الأستاذ يُوسف بشير المجريسي - مقالة: (إِلى الشّهيد.. صاحب الفكرة وجندي الميدان) - مجلّة (الإنقاذ)، السنة الثالثة، العدد العاشر (10)، الصّادرة بتاريخ ذو الحجة 1404 هجري الموافق سبتمبر/ أيّلول 1984م. 



 
 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
شكري السنكي
إضافة جديدة. فقد وقع تطور أخر بعْد صدور هذه الدراسة بشأن مَا ورد فِي الإشارة رقم (16) الخاصّة بالأستاذ سالم عبْدالسّلام الحاسي حيث أقال مجلس النَّواب السّيِّد سالم الحاسي يوم…...
التكملة
صالحه
الاستاذ شكري كما عودتنا سعة اطلاع وغزارة معلومات ومصادر موثوقه وثقافه تاريخيه عاليه - وحرصي الشديد كما غيري متابعة تدوينكم كل ما تمكنت من ذلك - داىما كالعادة موفق والي…...
التكملة
محمد البرعصي
شكراً على هذا الجهد الرائع والمعلومات القيمة، ورحم الله الحاج أحمد ورفاقه الأبرار، وألفت الانتباه إلى خاطرة محمود شمام والتي أراها من أجمل الخواطر التي كتبت في ذلك الحين بل…...
التكملة