شُكْري السنكي: المَلِك إِدْرِيْس السّنوُسي فِي ذِكْرَاه الخَالِدَة 25/5/2014 16:07 شُكْري السنكي: المَلِك إِدْرِيْس السّنوُسي فِي ذِكْرَاه الخَالِدَة
الصادق شكري بحث


ذكرى رحيل مَلِك ليبَيا - المَلِك إِدْرِيْس السّنوُسي فِي ذِكْرَاه الخَالِدَة

أعلم أن الحياة الخالدة هي للأمم لا للأفراد، وكذلك الأعمال العظيمة الباقيّة هي التي تنصرف إِلى صالح الجميع.
أدعو الله سبحانه تعالى أن يهدينا إِلى كلّ عمل ثمرته للأمّة، إذ مِن حق كلّ شعب أن يسيطر على شؤونه،
والنَّاس مُنذ نشأوا أحرار. وقد أظهر شعبنا فِي كلّ أدواره مقدار محبته للحريّة فدفع مهوراً غاليّة،
فلا يصح لأحد أن يطمع فِي استعباده والاستبداد بشؤونه.

من خطاب الأمير إدْريْس السّنوُسي 
يوم الأربعاء الموافق 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1922م

المُقدِّمَة

فِي يوم 25 مايو/ أَيَّار قبل واحد وثلاثين عَامّاً، طَوَى الزَّمَان آَخَر صفحة مِن سجل تاريخ حياة المَلِك إدْرِيْس السَّنوُسي الأب المُؤسِّس لدولة لِيبَيا الحديثة. أَقِف اليوم للحديث عَن المَلِك إدْرِيْس فِي ذاكِرَه الخَالِدَة، ومِن زاويّة مُختلفة عَن الزَّوايا التي سبق وأَن عرضتُهَا فِي كِتابات أُخرى. وأقف متحدثاً عنه، والوطن يعيش اقتتالاً بين أبنائه.. وفتن واضطرابات مُختلفة.. واتساع فِي رقعة الخطر والمخاطر. وربّما يرى البعض أن الحديث عَن المَلِك إدْريْس فِي ظلّ الانقسامات والتهديدات والمخاطر التي تواجه الوطن - وإن كان فِي ذكرى وفاته - حديث فِي غير محله ولا فِي وقته المناسب بل خارج السّياق بالمرَّة. ومن جهتي، أرى الوقت مناسباً، وأن الحديث عن الأب المؤسس فِي ذكرى وفاته واجبُ لأنه مِن مقتضيات الوفاء ومحاولة للخروج مِن هذا النفق المظلم عبر طرح فكرة الملكية الدّستوريّة والعودة إِلى شرعيّة دستور 1951م بتعديلاته اللاحقة. والحديث عن السّيِّد إدْريْس السّنوُسي يعني الصلة بالتَّاريخ.. والانطلاق من التراكم.. والتذكير بالسّنوُسيّة التي كانت مظلة سياسيّة لكلِّ الِلّيبيّين، والمرجعيّة فِي مواجهة الانحراف والتطرف. أو كمَا قال الدّكتور محَمّد عبْدالعزيز وزير الخارِجِيّة فِي الحكومة الِلّيبيّة المؤقتة: ".. نحتاج فِي ليبَيا إِلى مظلة سياسيّة تجمع كلّ الِلّيبيّين، وفي اعتقادي، أن نظام الملكيّة الدّستوريّة سيوفر الوفاء للمملكة وللمَلِك.. والوفاء للمرجعيّة السّنوُسيّة وهذه مهمّة جدَّاَ فِي مواجهة التطرف المتشدد..".

وفِي شخصيّة المَلِك إدْريْس تتجسد وتتجلى قيم العدل والصدق.. الاعتدال والاستقامة.. الحكمة وإمعان النظر.. المَلِك إدْرِيْس الّذِي قاد سفينة الوطن إِلى بر الأمان، وتحقق فِي عهده لليبَيا مَا يشبه المعجزة.. المَلِك إدْرِيْس الّذِي حقق الإنجاز، وتحقق على يده الخير والرخاء.. والّذِي لم ينزل يوماً إِلى الشوارع طلباً للتصفيق والهتاف، بل تباعد عَن الأضواء ومواقع الإطراء، ورفض أن يتحدث عَن نفسه أو يصرح ببطولاته. المَلِك إدْرِيْس وجه ليَبيا الطيب.. ووجه تاريخها الناصع.. ورمز وحدة الوطن واستقلاله. والّذِي قال عنه الأستاذ يُوسف الحبوش: ".. استمد الإدريس قيمته مِن ذاته. وإذا قلنا أن أهميّة الشيء تبرز بافتراض عدم وجوده، فأقول - وبدون انتقاص لدور أحد - أننا لن نجد شيئاً اسمه (دولة ليبَيا) إذا افترضنا عدم وجود إدْرِيْس السَّنوُسي..".

أن إحيائنا لذكرى وفاة المَلِك إدْريْس هُو تخليد لذكراه وسيرته العطرة.. وفخر واعتزاز بما قدمه هُو ورفاقه البررة مِن أعمال جليلة، وإنجازات كبيرة، وأفعال عظيمة فِي الدِّفاع عَن الوطن والذَود عَن كِيَانِه ومَصَالِحِه. كذلك، تحيةُ لكل مُجَاهِد ومُنَاضِل قدّم لليِبيانا الغالية، فِي صمت المُخلصِين، كل ما أَستأْمنه الله عنده. وهي مناسبة لأبُدَّ أن نحرص على الوقوف عندها، مِن أجل تقديم أعمال هذا الرجل الصالح الجليل ومواقفه وتجربته وخبرته لتكون الأسوة للعاملين فِي حقل السّياسة، والمثل الأعلى للشباب، والقدوة لأجيالنا القادمة. وجدير بالذكر أن المَلِك إدْرِيْس السَّنوُسي انتقل إِلى رحمة ربِّه صباح يوم الأربعاء المُوَافِق 25 مايو/  أَيَّار 1983م، ودُفِن بالبقيع حسب وصيته.

نضّر اللهُ ثرىً وُسدَتُه *** يَومَ قد أسلمت للهِ مُنِيَبا
وتخيّرتَ جِواَراً طَاهراً *** يَمنحُ الأبرارَ إيناساً وطِيَبا
فأرح نفسَكَ من أوصَابها *** وأسالِ اللهَ دُعاءً لن يخيبا
(1) 

المَلِك إدْريْس السّنوُسيّ فِي ذكراه الخَالِدَة

السَّيِّد إِدْرِيْس السُّنوُسي، هُو إبن السَّيِّد المَهْدِي السّنوُسي (1859م - 1902م) شيخ الطريقة السّنوُسيّة، الطريقة الّذِي وصلت إِلى ذروة قوّتها وانتشارها وشيوعها فِي عهد مشيخته لها حيث وصل عدد زواياها إِلى مائة وستة وأربعين (146) زاوية داخل ليبَيا وخارجها (الحجاز، السّودان ومِصْر)، وجده هُو الإمام محَمّد بِن علي السّنوُسي (1787م - 1859) أو (السّنوُسي الكبير)، مؤسس الطريقة السّنوُسيّة. وُلِد السّيِّد إِدْرِيْس السّنوُسي فِي (الجغبوب) جنوب شرق طبرق بشرق ليبَيا، يوم 20 رجب 1307 هجري الموافق 12 مارس/ آذار 1890م، وأمه هي السيدة عائشة مِن عائلة البوسيفي. وللسّيِّد إِدْرِيْس ثَلاث أخوات هُن: صَفِيَّة وَنَفِيسَة وَحُسْنِيَّة، وأخ واحد غير شقيق هُو السّيِّد الرّضا أَنْجَبَه السَّيِّد المَهْدِي مِن زَوْجَتِه الأخْرَى السيدة فَاطِمَة المنتمية إِلَى عَائِلَة الغمَارِي مِن منطقة الجبل الأخْضَر شرق ليبَيا. أتم السّيّد إدْريْس حفظ القرآن الكريم فِي زاوية (الكفرة) على يد مشايخ السّنوُسيّة وعلمائها قبل رحيله إِلى برقة عام 1320 هجري الموافق 1902م. وكان يتابع الإصدارات الأدبيّة والثقافيّة، ويحبّ الشّعر ويعتبره منارةً للأدب والثقافة العربيّة. أحبّ الشّعر العربي بالفصحى والعاميّة (الشّعبي)، وكانت له مع الشّعر الشّعبي قصص وحكايات. اعتمد (عنَّاوْة العَلَمْ) أسلوباً من بين الأساليب فِي إيصال رسائله المشفرة إِلى شيخ المجاهدين عُمر المختار (1858م - 16 سبتمبر/ أيّلول 1931م). والعَلَمْ ، يمثل أحد ألوان التراث الشّعبي الِلّيبيّ، وتتركب عنَّاوْته مِن كلمات معدودة سهلة النطق والحفظ، ويعتبرها أهل البادية فِي المرتبة الثانيّة بعْد الشعر. وهُناك مَنْ يصف عنَّاوْة العَلَمْ بـ(قصيدة البيت الواحد) لما يحمله شعر العَلَمْ مِن دلالات، ومعاني، ومضامين، ودقة فِي الألفاظ والتعابير.

كان السّيّد إدْريْس محباً للشعر ومغرماً بشعر أحمَد شوقي (1868م - 1932م) أمير الشعراء، ومعجباً بنصوص شاعر الوطن أحمَد رفيق المهدوي (1898م - 1961م)، لأنه تفرد بأسلوبه ومفرداته وربط شعره بقضايا النَّاس وهُمُومهم وواقع حالهم فكان شعره سجلاً لمراحل الجهاد الِلّيبيّ وحياة المنفى ومواقف المثقفين والسّياسييّن قبل الإستقلال وبعده. وتقديراً لدور الشّعر فِي حيَاة النَّاس ودور رفيق فِي نشر الثقافة والوعي بين النَّاس، قلّدَ الملك إدْريْس، وشاحاً رفيع المستوى لأحمد رفيق المهدوي، وقام بتعيينه عام 1952م عضواً فِي مجلس الشّيوخ فِي أوّل تشكيل للمجلس، ثمّ جدّد عضويته فِي تعيينات مجلس الشّيوخ عام 1956م. وبعد وفاته يوم الخميس الموافق 6 يونيه/ حزيران 1961م، كرمته الدولة الِلّيبيّة بوضع صورته على طابع بريدي. وَمِن جهة ثانيّة، احتفظ أحمَد رفيق بودّ خاصّ للمَلِك إدْريْس السّنوُسي، ونظرة إجلال وتقدير لما قدمه السّنوسيّون وتحقق على أيدهم مُنذ عهد الإمام محَمّد بِن علي السّنوُسي. ورغم أنّ رفيق كان محسوباً على قوى المُعارضة، فِي وقتِ ما، إلاّ أنّه لم يسجل في قصائده نقداً واحداً للمَلِك إدْريْس السّنوُسي لكونه مجاهداً وسليل أسرة شريفة، والشخصيّة الوحيدة التي امتلكت شرعيّة تاريخيّة ومبايعات معروفة ومكتوبة بالإضافةِ إِلى هيبة خاصّة وقبول عام مِن القوى الوطنيّة كافة، فِي حين سجلت قصائده العديد مِن الانتقادات لبعض السّياسيات ورجالات الدولة وأعوان المَلِك.

وإِلى جانب الشّعر، أحبّ السّيِّد إدْريْس الخيل وأجاد ركوبها، فكان فارساً مِن الطراز الأوّل، ويقال أنّه والسّيِّد صفي الدّين السّنوُسي (1895م - 1967م) كانا أفضل اثنين فِي العائلة السّنوُسيّة يجيدان ركوب الخيل. وكانت محبته للخيل مستمده مِن انتمائه للتقاليد العربيّة والإسْلاميّة، فالعرب كانوا يتباهون بالخيل ويتفاخرون به، ويعتبرون (الجواد) رمزاً مِن رموز الشجاعة والقوَّة والسؤدد، وعبروا عَن هذا التفاخر والاعتزاز فِي عدد مِن أشعارهم، ومِن أشهر قصائدهم عَن الخيل ما قاله (المتنبي): ألخَيْـلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي *** وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ... وما قاله (امرئ القيس) فِي معلقته فِي وصف فرسه: مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً *** كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّـيْلُ مِنْ عَلِ. وجاء ذُكر (الخيل) في القُران الكريم، على أنّها للركوب والزينة والشهوات المحببة إِلى النفس البشريّة وقد جعلها الله سبحانه وتعالى مِن متاع الدنيا إِلى جانب النساء والبنين والذهب والفضة والأنعام والحرث، فقال في كتابه العزيز: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ). (سورة آل عمران 4). أيْضاً، جاء ذكر الخيل فِي الآية رقم (60) مِن سورة الأنفال، كمصدر قوَّة ومظهراً مِن مظاهرها، فقال سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ). وفِي سورة العاديات، أقسم الله سبحانه تعالى بخيل المجاهدين فقال: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا)، وجاء فِي تفسير هذه الآية على لسان الشّيخ محَمّد علي الصَّابُوني، مَا يلي: ".. أُقسم الله سبحانه وتعالى بخيل المجاهدين المسرعات في الكرّ على العدو، ويُسمع لأنفاسها صوتُ جهير هو الضبحُ..". وَفِي السّياق ذاته، يروى أن دار الرسول صلى الله عليه وسلم، كان بها خيل، وأنّ نواصي الخيل معقود بها الخير كمَا قال عليه الصّلاة والسّلام: (الخيل معقود بنواصيها الخير والأجر والمغنم إِلى يوم القيامة). وقد حثنا رسولنا الكريم عليه الصّلاة والسّلام، على ممّارسة الرياضة بوجه عامّ، وطالبنا سيدنا عُمر بِن الخطاب رضي الله عنه بتعليم أولادنا ركوب الخيل، فقال: (علموا أولادكم السباحة والرمايّة وركوب الخيل). وَالشّاهد، توطدت علاقة سيدي إدْريْس بالخيل، مُنذ الصغر، أثناء وجوده فِي الكفرة، وقبل مجيئه إِلى برقة فِي عَام 1902م، فتعلم ركوب الخيل فِي الكفرة، إلِى جانب حفظه للقرآن الكريم، ودراسته للغة العربيّة، والفقه، والتفسير، والتّاريخ، والحديث، فأتقن البخاري، ومسلم، ومسند أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وموطأ مالك، ومسند أبي حنيفة، ومسند الإمام أحمد، وكتاب الأم للشافعي. وإبّان حكومة إجدابيا، كان سيدي إدْريْس يجوب بفرسه في مناطق الحكم الذاتي، أيْضاً، فِي منطقة الجبل الأخضر فِي الشّرق الِلّيبيّ. ويذكر، أنّ فرسه البرقاوية (فرس مِن سلالة برقاوية، أيّ مِن إقليم برقة)، حملته فِي فبراير/ شباط 1915م طول الطريق مِن الكفرة إِلى مكَّة.

أرتبط سيدي إدْريْس بفرسه البرقاوي ارتباطاً عظيماً، ويذكر أنها حملته فِي رحلته الأولى إِلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج، وقد استمرت رحلته مِن شهر أغسطس/ أب 1913م إِلى شهر فبراير/ شباط 1915م، أيّ استغرقت عاماً ونصف، وجاب بفرسه هذه الصّحراء والواحات الليبيّة، ومناطق وبلدان عربيّة، شملت: مِصْر، وحيفا، ودرعا، وعمان، وتبوك ومدائن صالح، والمدينة المنورة،  والطائف، ومكّة. وبَعْد توقفه عَن ركوب الخيل بحكم تقدم سنه، استمر سيدي إدْريْس على صلة بالخيل وكان لديه باستمرار إسطبل للخيول أو فرس فِي حديقة منزله. وبعدما أصبح الأمير إدْريْس ملكاً وتقدمت به السن، أمتلك إسطبلاً للخيول فِي مقر إقامته فِي طرابلس (قصر الخلد)، وكان هُناك شخص أسمر البشرة مشرفاً على الإسطبل، وهُو الشخص الّذِي أصدر ضدَّه الانقلابيّون مقالاً فِي جريدة أصدروها بعْد انقلابهم أسموها (صحيفة الثورة).

بعْد انقلاب سبتمبر/ أيّلول 1969م، داهم الانقلابيّون قصر الخالد وطلبوا مِن مشرف الإسطبل الترحيب بالانقلاب ومباركته، والتحدث بالسلب عَن شخص الملك إدْريْس السّنوُسي ونظام حكمه، ويبدو أنّ هذا الشخص كان وفياً لمليكه وشيخ طريقته فرفض الانقلاب والاعتراف به. استهجن الانقلابيّون مِن كلام الرجل وأوجعتهم كلماته فأمروا صحفياً فِي جريدتهم الجديدة ليكتب مقالاً ضدَّ هذا الوفي المخلص، فخرج مقالاً فِي اليوم التالي تحت عنوان: (قصّة عبد بائس).

وفِي سنوات حكم المَلِك إدْريْس الأخيرة، كان يقيم فِي بيته المتواضع بـ(دار السّلام) فِي مدينة طبرق، وكان لديه فرس في حديقة منزله، وبعْد صلاة فجر كلّ يوم - وإلى تاريخ مغادرته ليبَيا فِي 12 يونيه/ حزيران 1969م إِلى اليونان - كان يمر على فرسه ويطمئن على أكلها وصحتها ويداعبها بعضاً مِن الوقت، فيشعر بسعادة تامّة، ومتعة خاصّة وكأنه فوق ظهرها فِي سباق. ولأنّ سيدي إدْريْس، كان محباً للخيل ومرتبطاً بالتقاليد العربيّة وسلوك السلف الصالح، أهداه البعض: السيوف، السروج، والخيل، كمَا فعل صديقه السّيِّد خليل البناني الّذِي أهداه عام 1913م فرس من سلالة برقاويّة، وأهدته مدينة بّنْغازي، فِي صيف 1944م، سيفاً مقبضه مِن الذهب الخالص. أقام السيّد يوسُف خليفة لنقي (1883م - 1958م) مأدبة غداء، على نفقته الخاصّة وفِي داره، باسم مدينة بّنْغازي لسموه، بعد عودته مِن مِصْر سالماً منتصراً، وحضر المأدبة أكثر مِن مائة مدعو. احتفلت المدينة احتفالاً بهيجاً رائعاً بقدوم الأمير، يعكس مدى تمسك النَّاس بشخصه قائداً وزعيماً وأباً روحياً، ومدى تقديرهم لسموه وتعلقهم بالبيت السّنوُسي المبارك. وساهم يوسُف لنقي بنصيب وافر مِن نفقات هذه الاحتفالات، وفِي الهديّة التي منحتها المدينة لسموه بهذه المناسبة السعيدة المباركة. وعَن هذه الواقعة يحدثنا المؤرخ محَمّد فؤُاد شكري بما يلي: ".. تمّ، توزيع مقادير كبيرة من المؤن على فقراء المدينة، وإعداد سيف من صنع مدينة بّنْغازي يهدى إِلى سمو الأمير نقش على صقله بيتان من نظم الأستاذ محَمّد بن عامر: إدْريْسُ إن السيف قد *** أرى به الشعبُ عِداكْ *** فاحـرصْ عليه فإنّـه *** (عهدُ) بأنهمُ فـــــداكْ.... مقبض هذا السيف مِن الذهب الخالص، جعل له زائدة تغطي فوهة الغلاف مِن الذهب أيْضاً، وزاد فِي جمالها حجرة حمراء، ونقش على هذه الزائدة (بّنْغازي 8 شعبان 1363 هجري)، ثمّ الغلاف له قبضتان مِن الفضة وبينهما قبضة مِن الجلد الأسود نقش عليها إسم بّنْغازي فِي الوسط وهلالان ونجمتان، رمز العَلَم القومي، وذلك بخيط الحرير الفضي. وفِي هذا الغلاف حلقتان مِن الفضة، وله حمال مِن الشريط الفضي، والملف الأحمر وضع له صندوق مِن خشب اللوز الهندي مقرض بالقطيفة الزرقاء..".

وَفِي منفاه فِي مِصْر، عمل الأمير إدْريْس السّنوُسي على كسب أنصار ومؤيدين وداعمين لقضيّة بلاده، وانشغل بِهُمُوِم أمته العربيّة وقضاياها، وارتبط بعلاقات قويّة مع السّياسيّين والمُفكرين والصَّحفيين والأدباء والمشايخ وأصحاب الثِّقْل والمركز الاجتماعي الرَّفيع فِي مِصْر كالأعيان والباشاوات. وصل الأمير إِلى القاهرة يوم 27 يناير/ كانون الثاني 1923م، بعدما حاولت السّلطات الإيطاليّة تسميمه ونكثت بالاتفاقيّات المبرمة معه ثمّ بلغ إِلى علمه أنها تنوي اعتقاله، خطط للإفلات مِن هذه المحاولة الغادرة فتمكن بفضل مِن الله وتوفيقه مِن الإفلات من قبضة الطليان والخروج إِلى مِصْر بغية استئناف دوره فِي جهاد المستعمر والسعي لتحقيق وحدة الصّف الوطنيّ وإستقلال البلاد. وكان فِي استقباله عند وصوله إِلى القاهرة، كبار القوم مِن الوجهاء والمشايخ وأهل العلم والفضل وعدد مِن الرَّسميين يتقدمهم المندوب الخاصّ للمَلِك فؤاد الأوّل. وبعْد وصوله إِلى القاهرةِ، مُنحَ الأمير إدْريْس السّنوُسي حق اللجوء السّياسي فِي مِصْر بوساطة اللورد (اللنبي).

انشغل الأمير فِي منفاه بأوضاع الِلّيبيّين داخل الوطن، وبكيفية التخلص مِن المستعمر الإيطالي البغيض وتحقيق استقلال الوطن، كذلك بِهُمُوِم أمته العربيّة ووحْدَتِهَا، فكتب للصحافة وانضم إِلى منظمة (الاتحاد العربي). ويحدثنا الأستاذ الطَّيِّب الأشْهَب فِي كتابِه: (إِدْريْس السّنوُسي) عَن انْشِغاله بهذه الهُمُوِم فيقول: ".. لِلأمير فِي مسأَلتِي الوحدة العربيَّة والجامعة الإسْلاميَّة أَراء متينَة وأَفكار نيرة سليمة نُشِر القلِيْل منها فِي بعض الصُّحُف العربيَّة والأوربيّة قبل الحرب العالميَّة الثَّانيّة وأَثناءها فقد كان مِن أَشد قادة العرب حماساً لِوحدتهم الَّتي تجمع شملهم وتجعل منهم كتلة مُتماسِكَة مهابة الْجانب تستطيع أَن تخدم السَّلام والإسْلام بِصُوْرَة جدِّيَّة. وكان عُضواً بارزاً فِي (الاتحاد العربي) مُنذ أَن تأَسِّس فِي القاهِرَة وعلى الرَّغم مِن أَن هذا الاتحاد كان محدود الإمكانِيَّات إِلاّ أَنَّنا لا نذيع سرَّاً إِذَا قلنا أنَّه خدم القضيَّة العربيَّة أَكثر ممَّا خدمتها جامعة الدُّول العربِيَّة..".

وفِي المنفى بمِصْر، كان مِن رُوَّاد المُلتقى الَّذِي كان يعقد فِي بيت الشَّيخ محَمَد الصّادِق المُجَدِّدِي سفير أفغانِسْتَان بِمِصْر وقتذاك. وديوانيَّة الشَّيخ المُجَدِّدِي كانت مُلتقى يومِي مفتوح يلتقِي فِيْه العُلَمَاء والسِّياسِيُّون والقادة ورجال الفكر مِن أَمثال: شيخ الأزهر مُصْطفى المراغِي، والأمير عبْدالكرِيم الخطَابي، بِالإضَافَة إِلَى صاحب الدِّيوانيَّة السَفِير محَمَّد الصَّادِق المُجدِّدِي.. وغيرهم. وَقَد وُجِد الأمِير إِدْرِيْس فِي بَيْت الْشَّيْخ المُجدِّدِي مكاناً يُؤْنسُه فِي غربتِه، والمُلتقى الحواري الَّذِي يفتح أَمامَه آفاقاً واسعة لِلتَّأَمُّل والتَّفكير وإِمعان النَّظر. أَيْضَاً، كانت تربطه علاقة صداقَة حمِيمة بِالأستاذ محَمَّد علي الطَّاهِر المثقف والكاتب المعروف آنئذ وكانا يلتقيان على الدوام فِي مكتب الأستاذ محَمُّد على الظَّاهِرِي بالجهة القريبّة مِن دَار القضاء العالي وسط القاهِرَة. وقد كتب الطاهر العديد مِن المقالات عَن السّيِّد إدْريْس، نحتاج اليَوْم إِلى تجميعها والبحث عنها حفاظاً علَيها كمادة تاريخيَّة. وكانت صلته قويّة بالأمير عُمر طوسون‏ (1872م - 26 يناير/ كانون الثّاني 1944م) الباحث والسّياسي المصري والَّذِي كان مِن أوائل المهتمين بشُئُون الجهاد فِي برقة والجبل الأخضر وأَرسل لِلمجاهدين عشرات القوافل المُحمَّلة بالطعام والعتاد. كذلك، ربطت الأمير إدْريْس علاقة متينة بكثير مِن السِّياسيِّين المصرين مِن أمثال: محمود فهمي النقراشي، عبْدالله الفاضل، مُكرم عِبيد، محمود البسيوني، علي الشَّمسي، حامد باشا الشَّوارِبي، عثمان محرَّم، زكي العرابي، وحمدي سيف النَّصر.. وغيرهم مِن الشَّخصيَّات الفعَّالة فِي المجتمع المصري.

وعلى الصعيد الاجتماعي، توطّدت علاقاته بأصحاب الثِّقْل والمركز الاجتماعي الرَّفيع فِي مِصْر كالأعيان والباشاوات ومشايِخ العرب، مِن بينهم على سبيل المثال لا الحصر: حَمْد باشا الباسِل وعبدالله باشا لملوم، وعبْدالستار بك الباسِل، والشَّيخ محَمَّد سُلطَان عضْو المجلس البلدِي بالشرقيّة. أَمَّا علاقاته بالصَّحفيين والأدباءِ العرب فقد تعدَّدت أنواعها وتنوَّعت أَطَيِافها، فتعرَّف على هذه الطّائفة فِي مُناسبات مُختلفة إمَّا فِي الديوانِّيات أَو فِي (نَادِي الجزيرة) الَّذِي كان أَحد أَعضائه فحين كان يزُورُه يُمارس لعبة (التنس) رياضته المُحبَّبة ويلتقي بالنخبة المِصْرِيَّة حيث كانت النَّوادي وقتذاك مُلْتقى لِصفوة المجتمع وكبار الشَّخصيَّات، وقد نقل دي كاندول عَلَى لِسَان السَّيِّد إِدْرِيْس شخصيَّاً، قَولُه: ".. التحقت بنادي الجزيرة الرِّياضِي حيث كُنْت أَمارس لُعْبَتِي الْتنس والجُولف..".

وكان الأمير إدْريْس يلتقيهم أيْضاً عبر اتصاله المباشر بالمؤسسات الصحفيَّة أَو المسرح الَّذِي كان يحرِص على متابعة أَعماله الجادَّة كالرِّوايات ذات الإسقاطات الوطنيَّة المحفَّزة لِمُقاومة الاستعمار والمُستَعمرِين، وكمثال على ذلك: المسرحيَّة التي قدَّمها الفّنّان علي الكسار (2) على خشبة مسرح (برنتانيّا) بِالقاهِرَة. فقد تعرف أثناء حُضُوْرِه لَمسرحيَّة الكسار المُشار إِليها أُنفاً على الأستاذ حَبِيْب جَامَاتِي (3) الصُّحفي والأديب والرُوائي والمُؤَرِّخ اللُّبنانِي. كما نَسْج علاقات واسعة خلال فترة إقامته بِمِصْر مع عدد مِن رِجَال الأعمال المهمومين بِقضايا الأمَّة والمُهتمِّين بِشُئِونها آَنذاك، وَمِن بين أُولئك: المرحُوْم نَجِيْب زلزل.

هذا الأميرُ الرجلُ التَّقِي الورَعُ، أصبح ملكاً للبلاد بعد أن بايعه النَّاس، وأصدرت هيئة الأمم المتَّحدة قراراً باستقلال ليبَيا بناءاً على قرار الجمعيّة الوطنيّة الصّادر بتاريخ 2 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1950م، وذلك  يوم أعلن استقلال البلاد مِن شرفة (قصر المنار) بمدينة بّنْغازي بتاريخ 24 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1951م، قائلاً للعالم أجمع أن ليبَيا مُنذ هذا اليوم أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة، وأنّه اتخذ لنفسه لقب مَلِك المملكة الِلّيبيّة المتَّحدة، وأنّه سيمارس سلطاته وفقاً لأحكام الدستور الّذِي أصدرته الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة (لجنة الستين) فِي  السّابع مِن أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1951م. هذا المَلِك الصالح، حقق لبلاده ما لم يكن أحدُ يراهن عليه، وفي تقرير لمجلّة (Time) التاتم، الصّادر بعْد سبعة أيام مِن الاستقلال أيّ يوم 31 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1951م، قيل مِن الصعب أن ينجح هذا البلد أو يستمر، فميلاده هُو..

".. ميلاد فريد مِن نوعه، لبلاد مكّونة مِن مدن بائسة وواحات مبعثرة فِي براري رمليّة وقفار قاحلة متراميّة الأطراف، تبلغ مساحتها ثلاث مرَّات مساحة ولايّة تكساس (Texas).... لا يوجد تجانس كبير بين الولايّات الثلاثة طرابلس (800,000 نسمة)، وبرقة (300,000 نسمة)، وفزَّان (40,000 نسمة) ولم يتوفر لهذه الولايّات إدارة مشتركة باستثناء السنوات الأخيرة مِن الحكم الإيطالي، ومِن عَام 1935م حتَّى الحرب العالميّة الثّانيّة. المواصلات تكاد تكون معدومة، فالنقل بالسكة الحديديّة فِي المملكة عبارة عَن قاطرة بخاريّة واحدة أو قاطرتا ديزل وقليل مِن عربات النقل المهترئة، تسير على (200) ميل فقط مِن السكك الحديديّة. بين طرابلس وهي أكبر مدن البلد وبين فزَّان وهي أكبر الولايّات، ليس هُناك خطوط هاتف أو تلغراف أو اتصالات راديو. هذا البلد هُو أوَّل دولة تولد بقرار مِن الأمم المتَّحدة دون أيّ عامل آخر. ولكن هذا المولود الّذِي ولد تحت براثن الفقر وسط العالم العربي السقيم، موصوماً بلعنة الجهل. وليس أمامه أي فرصة ليبلغ سن الرشد. وسكّان ليبَيا البالغ عددهم مليون وخمسين ألف نسمة يعرفون كلمة (الاستقلال) ولا يملكون إرثاً قليلاً لتفعليه. ليس بهذا البلد كليّات جامعيّة، ولديهم فقط (16) فرد يحمل مؤهل جامعي، وثلاثة محامين. ليس هُناك طبيب ليبي واحد أو مهندس أو مسّاح أو صيدلي. ولديهم مَا لا يتعدى (250,000)  فقط مواطن قادر على كتابة اسمه، أمّا الباقي فيستعملون البصمة للتوقيع. أمراض العيون، خاصّة التراكوما، منتشرة جدَّاً لدرجة أن 10% مِن السكّان مصابون بالعمى. متوسط الدخل السنوي للفرد (35) دولار تقريباً. أيّ أقل مِن أيّ قطر عربي آخر ربّما باستثناء اليمن. ولم يبق مِن آلاف المهاجرين الإيطاليين إِلى ليبَيا لخلق مستعمرة موسوليني النّموذجيّة، سوى (47,000) إيطالي متقلدين لبعض أحسن الوظائف، ويمتلكون أحسن المزارع، ويديرون أفضل الأعمال التجاريّة. كمَا أن ثمانيّة أعشار الِلّيبيّين هم إمّا مزارعون أو رعاة ماشية. وعلاوة على ذلك يذكر مسح غير مشجع للأمم المتَّحدة أن هذه البلاد: (يصعب عليها توفير الطعام لسكّانها). هذا البلد يستورد ضعف ما يصّدره، فلا مناص لهذه الدولة مِن تسجيل عجز فِي ميزانيتها.... الأمم المتَّحدة ليست على يقين بأن مثل هذا الطفل المعلول سوف يظل على قيد الحياة. ولأن القوى العظمى لم تستطع الاتفاق فيما بينها بخصوص مستقبل ليبَيا المستعمرة الإيطاليّة سابقاً، فإن دول الأمم المتَّحدة الصغيرة بقيادة الدول العربيّة العجولة ودول أمريكا اللاتينية، استطاعت أن تمرر قراراً يمنح ليبَيا استقلالها فِي مدة أقصاها أول يناير / كانون الثّاني 1952م..". (أنتهى تقرير التاتم)

هذه الدولة الوليدة التي لم يكن أحدُ يراهن على بقائها واستمرارها لشده فقرها وإنعدام كافة مقومات الحياة فيها، والتي كانت تصنف ساعة إستقلالها كثاني أفقر دولة فِي العالم طبقاً لتقرير البنك الدّوليّ الصّادر عَام 1952م، حيث احتلت دولة اندونيسيا وقتئذ المرتبة الأولى فِي الفقر. تمكّن هذا المَلِك الّذِي تولى عرشها، بنظرته الثاقبة ورؤيته المستنيرة وصدقه وحكمته ونزاهته وإخلاص الرجال الّذِين كانوا معه، مِن التغلب على كلِّ العوائق والصعاب، وتجاوز كلّ المحن والأزمات، وأنجزوا جميعاً نهضة تعليميّة واقتصاد مستقر ونظام سياسي كان يتطور باستمرار أو كمَا قال لأستاذ عبْدالحميد مختار البكّوش (1933م - 2 مايو / أيّار 2007م) فِي أحد مقالاته: ".. قد أنجزوا فِي سنوات قليلة قواعد اقتصاد مستقر، ومشروع تعليم لم يسبق له مثيل وبنوا إدارة بالغة الكفاءة إذا ما قُورنت بكلّ الإدارات العربيّة حتَّى التي سبقتهم بعشرات السنين، كمَا بنوا نظاماً سياسيّاً جيداً كان يمكن أن يتطور إِلى نَّظام ديمقراطي أكثر اكتمالاً حتَّى وإن واجهوا فِي تطبيقه بعض العثرات..".

والحق الَّذِي لا مِرَاء فِيه، قد كرَّس السّيِّد إِدْريْس حياته مِن أَجل لِيبَيا وسعادة شعبِها، وكان نمُوذجاً فِي رِحلَة كفاحه، وكان فِي سُلوكه يعكس قيِّماً راقِية عظِيمة علَى المُستويين الشخْصِي والعام. وهُو مَنْ أكد على هذا المعنى فِي وقت مبكر جدَّاً، فِي خطاب ألقاه فِي مدينة بّنْغازي يوم الأحد الموافق 30 يوليو/ تموز 1944م، فقال:..".. ليس ليّ مأرب ولا غاية في هذه الحياة الفانية إلاّ أن أرى أهل وطني أعزاء متمتعين بحريتهم..". حقاً، لقد كان السّيِّد إِدْريْس ملكاً صالحاً متواضعاً.. عمل فِي صمت.. وتحققت فِي عهده انجازات عظيمة لكنه لم ينسب أيّ منها لشخصه الكريم لأنه كان يرجو مرضات ربه ويبتغي الأجر والمثوبة منه وحده ولا ينتظر مِن النَّاس جَزَاءً وَلا شُكُوراَ. أخذ المسؤوليّة بحقها، وأدَّى الّذِي عليه فيها، فكان يخاف ربه ويخشاه، ولا يريدها أن تكون يوم لقاء ربه خزيٌ وندامة. وكان يخاف الله ويعمل حساباً للقائه.. ويفكر فِي يوم الوقوف بين يدي المولى عز وجل، ويضع الموت نصب عينيه. وظلّ طوال سنوات حياته، يمتلك قبراً حجزه أو اشتراه، وفي حياة الصّالحين وعلمائنا الأفاضل متعارفٌ عندهم قبرٌ فِي المنزل، للتذكير بحقيقة الموت، وإن الإنْسانَ معرض للموتِ فِي كلِّ لحظة ووقت، وإن الآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقَى.

والّذِي حدث، اختار المَلِك إدْريْس فِي عَام 1953م لنفسه مكاناً فِي مقبرة الجغبوب (4) حيثما دُفِن جده الإمام محَمّد بن علي السّنوًسي (1787م - 1859م)، وبعدما منح هذا القبر لأخيه الرَّضا، حجز لنفسه قبراً ثانياً ثمّ ثالثاً بعدما منح الثّاني للسّيِّد صفي الدّين، وقد تعذر عليه الثالث بحكم بقائه فِي الخارج عقب انقلاب الأوَّل مِن سبتمبر/ أيّلول 1969م. والْحَاصِل، زار المَلِك إدْريْس ضريح جده فِي عَام 1953م فاختار مكاناً يُدفن به فِي الجغبوب، ولما تُوفي أخوه الرَّضا يوم 29 يوليو/ تموز 1955م أمر بدفنه فيه ثمّ أختار لنفسه مكاناً إِلى جواره فلما تُوفي السّيِّد صفي الدّين السّنوُسي فِي القاهرة يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1967م أمر بنقل جثمانه إِلى ليبَيا ودفنه فِي الجغبوب فِي القبر الّذِي أراده لنفسه. وبعْد ذلك، أختار لنفسه مكاناً إِلى جوار والدته فلما حدث انقلاب سبتمبر صار مِن المتعذر دفنه هُناك. وبعدما استقر فِي (قصر السّلطان) بشارع بُولُس حِنّا بجوار مُستشفى الشبراويشي الكائن بمنطقة الدّقي، عقب انقلاب سبتمبر المشئوم، اشترى المَلِك إدْريْس قبران واحد له والأخر للملكة فاطمة (1911م - 3 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2009م) فِي مقبرة (أبي رواش)، وطلب مِن خادم المقبرة أن يأتي بأحد الخطاطين ويكتب على الحائط خلف قبره الآيّة الكريمة رقم (38) مِن سورة الحج: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ). حدث ذلك قبل أن يلتقي المَلِك إدْريْس بالمَلِك خالد بِن عبْدالعزيز آل سعود (1913م - 1982م) بعْد موسم الحج فِي عَام 1977م وحصوله على وعد منه يقضي بسماح السّعوديّة متى حانت المنيَّة لجسده الطاهر أنّ يدفن فِي أرض البقيع الطاهرة. وبعْد وفاة السّيِّد محَمّد السّيفاط أبوفروة البرعصي أحد رجالات العهد الملكي ومؤسسي (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا)، منح المَلِك قبره للسّيِّد السّيفاط الّذِي أنتقل إِلى رحمة الله يوم 21 ذي الحجة 1402هجري الموافق فِي الثامن مِن أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1982م، فدُفِن بمكانه رحمه الله وتقبله عنده فِي الصالحين. وبعد وفاة المَلِك إدْريْس السُّنوُسي صباح يوم الأربِعاء الموافق 25 مايو/ أَيَّار 1983م، نفذ المَلِك فَهِد بن عبْدالعزيز آَل سُعُوْد (مَلِك السُّعُوديَّة مِن 13 يونيه/ حُزيران 1982م إِلى 1 أَغسطس/ أَب 2005م) وعد أَخيه المَلِك خالد، فنُقل جثمانه الطاهر مِن القاهرة إِلى المدينة المُنوَّرة فِي طَائرَة مِصْريَّة خاصَّة، ودُفِن بَعْد صلاة الظهر فِي أَرض البقيع الطاهرة.

لم يستغل المَلِك إدْريْس السّنوُسي يوماً منصبه أو يتعالى على أيّ إنْسان، وتعامل مع السّلطة بتجرد وتواضع فكان الزهد أهمّ السمات التي شكلت شخصيته، والتي لمسها عنده كلّ من أقترب منه أو تعامل معه، ومُنذ وقت مبكر جداً. أعد المَلِك إدْريْس أربعة أماكن خصصها على التوالي لتكون محلاً لقبره، لأن الموت لم يفارق ذهنه قط.. وكان يخاف ربه ويخشاه.. ويرجوه أنه يدخله الجنة وينجيه مِن النَّار. وفِي قصّة القبور الأربع، عبرة لابُدَّ أن تروى.. ففي صيف 1944م، عاد الأمير إدْريْس مِن المنفى إِلى برقة لأوَّل مرَّة، بعْد انتصار قوّات الحلفاء على الغزاة الإيطاليين وطردهم مِن ليبَيا بمساهمةِ قوَّات الجيش الِلّيبيّ (الجيش السّنوُسي) الّذِي أسسه الأمير إدْريْس فِي مِصْر فِي التاسع مِن أغسطس / أب 1940م ودخل إِلى ليبَيا متحالفاً مع البريطانيين وخاض معهم معارك شرسة ضدَّ قوَّات المستعمر الإيطالي. وبعد عودة الأمير إدْريْس فِي صيف 1944م، استقبلته مدينة بّنْغازي استقبالاً حافلاً، وأعد له السّيّد يوسُف خليفة لنقي داراً بمنطقة الفويهات لإقامته التي امتدت مِن يولي / تموز 1944م إِلى 22 سبتمبر/ أيلول 1944م حيث غادر بعدها إلى مِصر ثمّ عاد مجدّداً فِي أواسط عام 1946م لزيارة برقة، وبعدما رفض البريطانيّون الاعتراف به أميراً بحجة مخالفة ذلك لاتفاقياتهم الدّوليّة، وبعد أن اختار وزراء الخارجِيّة فِي يونيه/ حزيران 1946م موقف تأجيل النظر فِي القضيّة الِلّـيبيّة، عاد إِلى مِصْر لممارسة الضغط على الانجليز ومتابعة الموقف الدّوليّ وإدارة المعركة السّياسيّة بكافة أشكالها. وأثناء وجوده فِي كينج مريوط فِي الإسكندرية الواقعة بجوار العامريّة ومدينة برج العرب، فِي شهر يوليو / تموز 1947م، نظم بعض الأبيات (5) التي عبر فيها عَن شوقه المتعاظم لأرض الوطن وجباله وترابه وموج بحره وأشجاره وطيوره كذلك لزيارة أولياء الله الصالحين ومقاماتهم وفِي مقدمتهم مقام الصحابي الجليل رافع الأنصاري الموجود فِي مدينة البيضاء. وفِي ختام أبياته المنظومة، دعا المولى عز وجل أن يكون حسن الختام بجوار جده المُصْطفى محَمّد صلى الله عليه وسلم، فقال: وحسن ختام آخر العمر نعمةٌ *** بيثرب حيث النبيُّ المبشرُ... استجاب الله سبحانه وتعالى لدعائه وحقق أمنيته بعْد ستة وثلاثين عاماً، وكتب له أن يُدفن بأرض البقيع الطاهرة.

وَأَخِيْراً، لقد آن للّيبيّين بعْد انتصار ثورتهم، أن يخرجوا مِن أزمتهم عبر حقن الدماء.. ومنع الاقتتال بين أبنائهم.. ويعودوا إِلى الشّرعيه التي انقلب معمّر القذّافي عليها فِي الأوَّل مِن سبتمبر/ أيّلول 1969م. وحان الوقت لأن يقف المجتمع الِلّيبيّ صفاً واحداً ضدَّ العنف والتطرف، ومن أجل ترسيخ قيم الإسْلام السمحة فِي الوسطيّة والاعتدال. وأن يعملوا على تأصيل قيم الشّرعية والتي تبدأ بشرعيّة دستور 1951م بتعديلاته اللاحقة، إذا كنا مقتنعين بأن مَا حدث فِي الأول مِن سبتمبر/ أيّلول 1969م كان انقلاباً على الشرعيّة. وآن الأوان - وكما قال الأستاذ ميلاد منصور الحصادي (6) - لدولة ليبَيا..".. بعد ثورة 17 فبراير حكومةً وشعباً أن تعترف لهذا المَلِك الصّالح الّذِي قضى جل عمره منفياً ولاجئاً وغريباً مِن أجل هذا الوطن الّذِي أسمه ليبَيا وأن تعيد إليه اعتباره كمَا ينبغي، فالشعوب الراقية والأمم العريقة هي التي تحترم تاريخها وتحتفي برموزها..".... رَحِم الْلَّه المَلِك إِدْرِيْس السُّنوُسي فِي ذِكرَاه، وسلام وَتحيَّة إِلى رُوحه الشَّرِيِفَة الطَاهرة فِي علياء مَلَكُوْتِهَا.

شُكْري السنكي

المَلِك إِدْرِيْس السّنوُسي فِي إِيْطَالْيَا عَام 1920م

المَلِك إِدْرِيْس السّنوُسي،  مجلّة: (إشراقة 24 ديسمبر)

المَلِك إِدْرِيْس السّنوُسي، مرسومة بريشة الفنان زيو

قصيدة ناظمها هُو السّيِّد إدْريْس السّنوُسي، ومكتوبة بخط يده
 


مِرْفَق الْوَثَائِق:

الوَثِيقَة: قصيدة ناظمها هُو السّيِّد إدْريْس السّنوُسي، ومكتوبة بخط يده، وتحصلت عليها مِن الأستاذ يوسف عبْدالهادي الحبوش. وربّما هي تنشر لأوَّل مرَّة.

مِرْفَق الصُّوَر:

الصُّوَرَة الأولَى: صُوْرَة للمَلِك إِدْرِيْس السّنوُسي فِي إِيْطَالْيَا عَام 1920م، سبق أن نشرتها فِي النت - ولأوَّل مرَّة - فِي السلسلة المعنونة بـ(زَمَان العَادِل خَيْر الأزْمِنَة المَلِك إِدْرِيْس السَّنوُسي.. فِي ذِكْرَاه الْخَالِدَة)، المنشورة فِي موقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ مايو/ أيّار 2010م. الْصُّورة الْثَّانِيَة: صُوْرَة للمَلِك إِدْرِيْس السّنوُسي، سبق أن نُشرت فِي النت، وفِي مجلّة: (إشراقة 24 ديسمبر) الإصدار الخاصّ عن مكتبة إدْريْس الأوَّل، فِي مقالة الأستاذ يُوسف الحبوش المعنونة بـ(دور إِدْرِيْس السّنوُسي فِي تكوين الهويّة الِلّيبيّة)، الصّادرة فِي شهر 31 ديسمبر/ كانون الأوَّل 2013م. الْصُّورة الْثَّالثة: صُوْرَة للمَلِك إِدْرِيْس السّنوُسي، مرسومة بريشة الفنان زيو، ومنشورة فِي الشبكة العنكبوتية العالميّة.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات:

1) القصيدة: الأبيات أعلى الصفحة هي الثلاث أبيات الأخيرة مِن قصيدة (يا أبا الدستور) للشّاعر المُناضل راشد الزبير السّنوُسيّ. وقد سبق أن نشرت القصيدة كاملة - ولأوَّل مرَّة - ضمن سلسلتي عَن الملك إدْريْس السّنوُسيّ فِي ذكرى مرور ربع قرن على وفاته: (فِي السّياسَةِ والتّاريخ/  المَلِك.. العقيد.. المُعارضة الِلّيبيّة في الخارج)، وذلك بموقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ يونيه / حزيران 2008م. 

2) علي الكسار: فنَّان كبير وصاحب مدرسة فنِّيَّة، ويُعد رائداً مِن رُوَّاد المسرح الكوميدي الغنائي. ويُسَجَّل لعلي الكسار والرَّيحانِي أنّهما كانا طرفا فِي أَنعاش الحركة المسرحيَّة، وأَنَّهما المدرستين الأهم فِي المسرح الكُوُمِيدي. اسمه بِالكامل هُو (على خليل سَالِم)، واشتهر بـ(علي الكسار)، والكسار هُو لقب عائلة والدته. وهُو أَوَّل فنَّان مصري يُحقِّق نهضة مسرحيَّة كُوُمِيدِيّة لأِنَّه تفرَّد بمصرِّيْتِه عَن سَائِر الفنَّانِين الَّذِين سبقوه وعاصُرُوه بفرقهم التي أَتت مِن بِلاد الشَّام أَو مِن اليهود أَمثال: صَّنُّوْع وسليم نِقاش، يعقوب روفائِيل، جُورج دخول، عزيز عِيد، نجيب الرَّيحانِي. وُلّد علي الكسار بِالقاهِرَة فِي حي السيدة زينب يوم 13 يوليو/ تموز عام 1887م، وكّون فِي عَام 1916م أوَّل فرقة مسرحيّة تحمل اسمه مَع الْمُمَثِّل مُصْطَفَى أَمِيْن. قدَّم عدة مسرحيات ذات طابع وطنيّ وحس قومي مناهض للاستعمار، وكانت مسرحياته محل إعجاب وتقدير الكثير مِن المثقفين والأدباء والسِّياسِيِّين فِي ذلك الحين. وقد حضر الأمير إدْريْس السّنوُسي أحدى تلك المسرحيات والتي كان يقدمها على مسرح (برِنتانيا)، ويعرضها تحت شعار: (المسرح فِي خدمة الثورة). قَدَّم لِلْمسرح أَكثَر مِن مائتي عمل، واستمر فِي عَرُوْضِه المسرحِيَّة حتَّى حل فرقته عَام 1950م، وبعدها دخل المجال السِينمائِي وقدّم ستَّة وثلاثُين فْلِيّماً. تُوُفِّي يوم 15 يناير/  كانون الثَّانِي 1957م. وأقيم لَه حفل تَأْبِين فِي وزارة الإِرشاد القومِي بِمَسَرَّح حديقة الازبكيّة. أَنظر مَا جاء تحت عنوان: (علي الكسار – السِّيْرَة الذَّاتِيَّة) المنشورة فِي موقِع: (السِّينما/ قَاعدة البيانات الأَفْلام العربِيَّة)، ومَا نشره المؤلف فِي مقالته المعنونة بـ(مُختارات مِن أَرشيف الصَّحافة.. جِهَاد اللِّيبيِّين ودولة الاستقلال) المنشورة فِي موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ  مايو/ أيّار 2010م.

3) حبيب جاماتِي: صحفي وأَدِيب وروائِي ومُؤَرِّخ ومُنَاضِل لُبنانِي، كتب التَّارِيْخ أَديبا وليس مُؤَرِّخا. وُلِد فِي لُبنان بِبلدة (زوق ميكائيل) القريبة مِن جونيه عَام 1887م، ودرس فِي كُلِّيَّة (عينطورة). هاجر إِلَى مِصْر ليعمل فِي الصحافة والكتابة والترجمة، وَفِي القاهِرَة استعانت بِه مدرسة المهند سنحانة المِصْرِيَّة لِتدرِيس الترجمة لطلابِهَا، ثُم رَحَل إِلى فرنسَا وأنشأ مطبعة فِي مدينة أُنَجِيه (Angers) وأَصدر جرِيدة عربيَّة مُصَوَّرَة أَسْمَاهَا (الشُّهرة) استمرَّت سنة واحِدَة فقط. عمل فِي وزارة الخارِجِيَّة الفرنسيَّة بَعْد إِغلاق الجريدة، وبَعْد قِيام الثَّورة العربيَّة فِي الحِجَاز عَام 1916م، التحق بِالجَيْش العربي مِن سنة 1916م حتَّى 1918م وصار مِن أَقْرب الْمُقرَّبِيْن مِن المَلِك فَيصل الأوَّل. عَاد إِلى مِصْر بَعْد نهاية الحرب العالميَّة الأولى، وأَنْشَأ جريدة (لُبنان الفتى) بِاللُّغتين العربيَّة والفرنسيَّة، لكنه اضطُر إِلى إِغْلَاقِهَا بَعْد مُدَّة مِن الوقت. كتب ِلعدَّة مجلاّت تصدر فِي مِصْر، مِن أَهمِّهَا: الاثنين، روزر يُوَسُف، المُصَوِّر الَّتِي تَرَأَّس تَحريرها فِي وقْت مِن الأوقَات. وأصدر عدة كُتب وصدر له عدة ترجمات. وساهم فِي المجال الفنّي المسرحي السِينمَائِي فوضع حِوَارَات بعض الرِّوايات مِنها رِوَايَة (ابْن الشَّعب) الّتي كتبها مُورِيْس قصيِّري ووضع مُوْسِيْقَاهَا المُطْرِب الْمعروف جميل عزت‏. كمَا كان يتمتع بصوت جميل، وَإِلقاء مسرحِي بِارِع عِند قِراءَة محاضراتِه أَو حِكاياتِه المُستمدة مِن بُطُوْن التَّارِيْخ. تعرف حبيب جَامـاتِي على السّيِّد إدْريْس السّنوُسي أثناء إقامته بمِصْر قبل التّحرير، وفِي مسرح علي الكسار. وبعد الاستقلال، كتب جَامـاتِي مقالة جميلة عَن المَلِك إِدْرِيْس بمناسبة زيارته لِمِصْر، ونشرها فِي مجلّـة (الاثنين) الاسبوعيَّة. صدرت المقالة المذكورة تحت عنوان: (ضيف مِصْر العظِيم: المَلِك.. الَّذِي تنازل عَن لقب "الجلالَة")، فِي عدد المجلّة رقم (965)، الْصَّادِر بِتَارِيْخ 20 رَبِيْع الأوَّل 1372 هَجْرِي الْمُوَافِق 8 دِيْسَمْبَر 1952م. واختارت أسرة تحرير المجلَّة فِي عددها المذْكور، المَلِك إدْريْس كشخصّيّة الأسبوع، وأشارت إِلى ذلك فِي صفحة (29). ارتبط بعلاقات حميمة مع عدد مِن كبَّار الزُّعماء والسِّيَاسِيِّين فِي فترة حياته مِن بينهم المَلِك إدْريْس السّنوُسي. تُوفي حبيب جَامـاتِي عَام 1968م، فِي حي (شِبْرا) الشَّعبي بالقاهرة، ولكن خير الدّين الزركلي فِي الأعلام يقول أنه وفاته كانت بلبنان. أنظر إِلى التعريف بحبيب جاماتي الّذِي كتبه الأستاذ عِيْسَى فتوح فِي موقع: (الموسُوعَة العربيَّة)، ومَا نشره المؤلف فِي مقالته المعنونة بـ(مُختارات مِن أَرشيف الصَّحافة.. جِهَاد اللِّيبيِّين ودولة الاستقلال) المنشورة فِي موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ  مايو/ أيّار 2010م.

4) حجز المَلِك مكاناً فِي مقبرة الجغبوب: لقد أخبرني الأستاذ يوسف عبْدالهادي الحبوش العضو المُؤسس لمكتبة المَلِك إدْريْس الأوَّل بمدينة درنة، وأحد المشرفين على إصدارات المكتبة، فِي رسالة الإلكترونيّة بقصّة حجز المَلِك إدْريْس لأكثر مِن مكان فِي مقبرة الجغبوب، وأكد ليّ أنه سمع هذه القصّة مِن شاهد عيان. 

5) الأبيات التي نظمها السّيِّد إدْريْس: لم يدع المَلِك إدْريْس يوماً أنه شاعر، وحرص بعْد الانتهاء مِن نظم هذه الأبيات أن يمهرها بالتالي: (كتبه ناظمها محَمّد إدْريْس المَهْدِي السّنوُسي). أنظر إِلى الوثيقة المرفقة المكتوبة بخط السّيِّد إدْريْس السّنوُسي، والتي تحصلت عليها مِن الأستاذ يوسف عبْدالهادي الحبوش.

6) كلام الحصادي: كتبه فِي افتتاحية إصدار مكتبة إدْريْس الأوَّل الخاصّ: (إشراقه 24 ديسمبر)، بمناسبة ذكرى الاستقلال المجيدة، والصّادر بتاريخ شهر ديسمبر/ كانون الأوَّل 2013م. وقع الحصادي الافتتاحية بصفته رئيساً للتحرير الإصدار الخاصّ. 

مصَادِر وَمَرَاجِع: 

م1) المؤلف - الجزء الثالث مِن سلسلة (في التاريخ والسّياسة) موقع (ليبيا المستقبل ) بتاريخ يونيه/ حزيران 2008م.

م2) الأستاذ رشاد الهوني - مقالة: (توارى فِي بيته المتواضع !)، جريدة: (الحقيقة) فِي عددها رقم: (768)، الصادر يوم السبت 22 محرم 1388 هجري الموافق 20 إبريل/ نسيان 1968م. 

م3) الأستاذ محَمّد فؤُاد شكري – كتاب: (السّنوُسيَّة.. دِينُ ودَوْلةُ) – الطبعة الأولى طبعت في عام 1948م، وهذه طبعة ثانيّة محققة منقحة أشرف عليها وراجعها الأستاذ يوسُف بشير المجريسي، وصدرت عن (مركز الدّارسات الِلّيبيّة  أكسفورد / بريطانيا) عام 1426 هجري الموافق 2005م.

م4) المؤلف - مقالة: (فِي الذّكرى الثلاثين لرحيل سَلِيل الفاتِحين المَلِك إدْريْس المَهْدِي السّنوُسيّ فِي ذكرى وفاته)- جريدة (الكلمة) مايو/ أيّار 2013م، وموقع (ليبَيا المُستقبل) فِي الأسبوع الأوَّل مِن يونيه/ حزيران 2013م.

م5) المؤلف - سلسلة: (رجالُ حول المَلِك) - موقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ شهر مايو/ أيّار 2009م.   

م6) المؤلف - زَمَان الْعَادِل خَيْر الأزْمِنَة الْمَلِك إِدْرِيْس الْسَّنوُسي.. فِي ذِكْرَاه الْخَالِدَة - موقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ مايو/ أيار 2010م.

م7) الموسوعة الحرَّة (ويكيبيديا) - ما جاء فِي الموسوعة الإلكترونيّة عَن (محَمّد إدْريْس السّنوُسي)، شبكة النت الدّوليّة.

م8) إصدار خاصّ عن مكتبة إدْريْس الأوَّل: (إشراقة 24 ديسمبر) - مقالة: (ميلاد أو مولد أمّة)، ترجمة نص مقال نُشر فِي صحيفة التايم (Time) الأمريكيّة بتاريخ 31 ديسمبر / كانون الأوَّل - الإصدار الخاصّ الصّادر فِي شهر ديسمبر/ كانون الأوَّل 2013م بمناسبة ذكرى الاستقلال المجيدة.

م9) السَّيِّد محَمَّد بن غلبون َ– كتاب: (المَلِك إِدْرِيْس عَاهِل لِيبَيا.. حَيَاتِه وَعَصْرِه) الَّذِي كتبه  السَّيِّد  ئِي. آ. ف. دي كاندول، ونشره إبن غلبون فِي عَام 1988م بعد ترجمته - تعليقات الناشر أسفل صفحات الكتاب المذكور.

م10) مجلّة (إطلالة عربيّة) الشهريّة - حوار الأستاذة أمل عبدالله رئيس تحرير المجلّة مع الدّكتور محَمّد عبْدالعزيز وزير خارِجِيّة ليبَيا - العدد الأوِّل الصّادرة بتاريخ مايو/ أيّار 2014م.

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
محمد علي عبدالسلام الوافي
رحم الله الملك إدريس وأدخله فسيح جناته، كثير من المعلومات التي تعرض لأول مرة وجوانب أخرى في شخصية الملك إدريس لم تر ليبيا ولا عالمنا العربي والإسلامي في عصرها الحديث…...
التكملة
احمد الشلوى
شكرا سيادة المناضل شكرى السنكى على هذا المقال الرائع فى هذه المناسبه التى نسيها كثيرون ممن تشبعوا بفكر الطاغيه القذافى ونرى ذلك فى تعليقاتهم المناسبه ذكرى وفاة ملك ليبيا لابد…...
التكملة
عبدالواحدالغرياني - مملكة السويد
في 3 أكتوبر 1911 بدأ الغزو الإيطالي لليبيا ، والصورة "الأولى " أُخذت في إطاليا عام 1920 ، ويبدو فيها المرحوم في وضع مُريح جِداً !!!؟؟؟ لا يسعنا إلاّ أن…...
التكملة
ابوعقل
سيد السنكي : أنت هنا لا تتكلم عن بشر عادي - بل عن الملك ادريس - سليل الفاتحين , مكتمل الخلق والخلقة , عظيم الشأن , الذي مارس الفروسية ب…...
التكملة
مسعود
هناك معلومات تؤكد ان الملك سهل وصول المعتوه القذافي للحكم، والدليل على ذلك عدم مقاومة انقلاب المعتوه ولو برصاصة واحدة....
التكملة
مسعود الفيتوري

بناء علي ما أقرأه من ردود حول مثل شخصية الملك الراحل وغيره من شخصيات العهد الملكي.فقد أكتشفت أن الليبيون منقسمون الي قسمين:
قسم ولد وترعرع ونهل من ثقافة الدعاية…...
التكملة
صالحه
شكري. العزيز. سيرة عطره وتاريخا مشرف /وصدقا في السرد وسعة افق. وثقافه تاريخيه عميقه من جانبكم. وهذا ليس. بجديد. عليكم ولا. علي.منوالكم لكل كتاباتكم القيمه الغزيرة والمفيده. الي الامام والله…...
التكملة
من اهل البلد
نسأءل الله ان يرحم الملك ادريس ويغفر له ويجعله فى فسيح جناته...
التكملة
زكريا صهد
جزاك الله خيراً استاذ شكري علي هذا السرد الجميل الرائع لسيرة الملك ادريس رضي الله عنه ...بدون شك ان هذه الكتابات و الدراسات ستكون ذات فائده وقيمه للاجيال القادمه ليتعرفوا…...
التكملة
زهير حامد الشويهدي
بارك الله فيك يا أستاذ شكري علي هذه المقالة التاريخية الرائعة التي أتحفنا بها في ذكري وفاة الملك الصالح محمد ادريس المهدي السنوسي رحمه الله تعالي .
أبدعت في…...
التكملة
ابراهيم قدورة
سيرة عطرة لسياسي مخظرم اسس دولة ، السيد ادريس السنوسي الملك الورع التقي الزاهد شمله الله برحمته وبارك الله في السيد الكاتب الرائع شكري السنكي صدق قلمك وسدد الله الحق…...
التكملة
محمود إبراهيم ياسين
بارك الله في الكاتب علي هذا الجهد المميز القيم، والذي يحتوي على حقائق تاريخية ومعلومات مهمة، ورحم الله الملك إدريس رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته. ولا شك أن مليكنا المفدى…...
التكملة
طه الليبي
اخر سنوات المملكة كانت الاذاعه تقول.. الملك المفدى وولي عهده المحبوب .. عندما جاء الانقلاب لم يلق مقاومه .ز اكتشفنا ان ملكنا لم يفده احد وولي عهده لم يثبت حبه…...
التكملة
صالح الشايب
رحم الله الملك إدريس فقد كان رجلاً صالحاً مبارك بكل المقاييس،أما السيد ناصر الشيباني فالله حسبه وكفيل به....
التكملة
ليبي متجنس
العهد الملكي والعهد الفوضوي القذافي وجهان لعملة واحدة، في العهد الملكي الوساطة والمحسوبية وقوة دفاع برقة. اما العهد الثاني فهو بالتأكيد عهد الشنق والسلخ....
التكملة
د. ناصر الشيباني
متى نرتاح من ها البوبلي الأزقح، أدريس السنوسي أفضى الى ما آل إليه، وهو الأن بين يدي ربه، ولو دبجت و ألفت في مدحه المجلدات فإنها لن تغني عنه أمام…...
التكملة
عمر
لاتغالوا في الكتابة عن الرجل رحمه الله لانكم ستفتحون ابوابا لايجب ان تفتح. فالانسان على الارض ليس معصوما ولاملاكا. كل انسان. كما يجب الا تغالوا في ردة فعل على نظام القذافي…...
التكملة
الطرابلسي
ادعو السيد الكاتب الى تنويع نظرة الجيل الجديد والكتابة عن رجال مثل بشير السعداوي والفقيه حسن ... والجمعية..من باب تنوير الراي العام بالراي والراي الاخر .. حتى لو لم تتفق…...
التكملة