محمد عقيلة العمامي: اللعب بالمسدسات الملونة 3/6/2014 01:33 محمد عقيلة العمامي: اللعب بالمسدسات الملونة
مفتاح بوزيد بحث

خطر على بالي مشهد شاهدته، منذ سنوات في مطار دبي. كان مقعدي يواجه اسرة بنغالية متكونة من: رجل وزوجته وطفلين. وكنا جميعا ننتظر قيام طائراتنا المتجهة إلى الشرق الأقصى. كان الزوج والزوجة مستندين على الحائط، حيث امضيا، فيما يبدو، الليلة الماضية، فلقد كانت زجاجتي المياه الغازية وبقية سندوتشات ملفوفة بعناية بجوارالزوجة. وكان أحد الطفلين جالسا غير بعد عن أبويه سعيدا بألعاب التركيب البلاستيكية التي يصنع منها بيوتا،  وعربات وأشكال أخرى. وكان الثاني نزقا، يدور ويزن كذبابة صيفية. يطلق رصاصا وهميا من مسدسه الملون على من يمر أمامه، وإن لم يمر أحد، يحول مسدسه نحوي ويطلق  النار علىّ.   فأتظاهر أنني أصبت فتغمره البهجة!

هذا المشهد تسلط عليّ، منذ يوم فجيعة البلاد بالرصاص الذي ثقب رأس الصحفي الشجاع، فأطار جزءا من جبهته وخصلة من شعره، فتشوه ذلك الوجه الوسيم المتبسم على الدوام، الذي يخفى قلبا شجاعا في الحق، وانتماءا صادقا لله وللوطن.

ثم تواصل نعي وتأبين الصحفي الشهيد مفتاح بوزيد طوال يومين وعمت التلفزيونات التغطيات عن مواقفه وشجاعته وروحه التي وضعها على لسانه وهو يقول الحق من دون خشية من أحد. واشهد الله أن فجيعتي فيه كانت مؤلمة، ثم تفاقمت كلما تذكرت حماسه وهمته وإصراره على إصدار برنيق بصورة جيدة، مما جعلها واحدة من صحفنا المتميزة التي تصدرت إعلامنا الورقي. والحقيقة، ومثلما قال الدكتور جمعه عتيقه، اجتهاده في تطوير أدواته لفت انتباهنا جميعا إذ صار متحدث متمكن صادق وشجاع، يعيش المشهد الليبي بأبعادة السالبة، وأيضا (السالبة) جدا.

ولكن ما شغلني بعد هذه الفاجعة هو رغبتي في معرفة نفسية هذا الذي اطلق عليه الرصاص! وأكاد اجزم أن القاتل عندما اقترب من نافذة عربته، وقبيل إشهار مسدسه، استقبله المرحوم، كعادته متبسما. فهل يا ترى أطلق السلام عليه؟ هل تبسم له هو الآخر؟ أم انه اشهر مسدسه واطلق النار عليه، هكذا بدم بارد، ومن دون تردد؟ هل كان يعرف مفتاح  من قبل؟ هل سبق وأن التقيا من قبل في مكان ما؟ هل شربا قهوتين  معصورتين  في مقهي من مقاهي بنغازي العديدة التي يرتادها؟ وهل يعرفه في الأساس؟ ثم هل هو قريب ذلك الطفل الذي التقيته يلعب بمسدسه الملون في مطار دبي؟ منذ قرابة قرابة ثلاثة عقود؟ أو ربما يكون هو، ذاته،  ذلك الطفل النزق؟ قد يكون خُدع وأفهموه أن من يقول الحق بغير مفهومهم؟ كافر وينبغي تصفيته؟ أو قد يكون، شاب من بلادنا حًرم من تعليم حقيقى، فسهل خداعه، فافهموه أنهم ينوون بناء دولة إمارات إسلامية.. كدولة الإمارات العربية؟ ألسنا جميعا نريد دولة مثل دولة الإمارات؟ وقد يكون مريض نفسي؟ وقد يكون مؤمن حقيقي ولكنه لم يفهم تماما حقيقة ديننا السمح الذي يدعو للرحمة والتآخي، وحب الإنسان لأخيه الإنسان.. وأن دمه وعرضه وماله حرام عليه.

واختلطت علىّ الافتراضات والصور والاحتمالات، ولم تتوقف تساؤلاتي: هل بعدما عاد إلى جماعته صلى ركعتين شكر لله على نجاح مهمته؟ هل وجه الشهيد الذي لطخه بالدماء  لم يزعجه اثناء صلاته؟ ولكن مهلا، مازلت مقتنع أن من يقوموا بهذه الأعمال لا علاقة لهم بالصلاة ولا با لإسلام، لابد أنهم مجرمون يهدفون إلى تشويه صورة الإسلام الحقيقية، ومع ذلك، وحتى نكون منصفين دعونا نفترض أنه ليس بمسلم، وليس عضوا بأية جماعة إرهابية، إنه فقط يهوى اللعب بالمسدسات الملونة، هل بمقدوره أن  يأوي إلى مرقده، بعدما تناول وجبة عشائه، من دون أن يتسلط عليه منظر إنسان، شوه فيه صنعة ربه، وأخذ منه روحه من دون وجه حق، وتناثر دمه حتى انه لطخ مقاعد عربته البيضاء، واختلط بحبر صحيفة كان ينفق عليها من ماله الخاص! لأنه لم يكن يطمع في مكسب من ورائها بقدر ماكان يريد لهذا الوطن الخير كله، هل استطاع أن ينام قرير العين من دون كوابيس؟ هكذا مثلما ينام إنسان سوى. ولكن  آه لو عرف الشباب، وآه لو استطاع الشياب! آه.. فلو تحققت هذه المعرفة، لما وصلنا حتى إلى مرحلة تلوين المسدسات واللعب بها.

فليتغمدك الله، صديقي مفتاح، بواسع رحمته ويسكنك فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون.. راجعون.. جميعنا بمن فينا القاتل ومن امره بالقتل ومن حرض عليه،  ومن ساعده ومن تستر عليه... فهل وصلت؟

محمد عقيلة العمامي

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع