شُكْري السنكي: عبْدالناصر خليف.. سِيْرَةُ مُناضلٍ وقصّة وطنٍ (3/1) 27/7/2014 10:51 شُكْري السنكي: عبْدالناصر خليف.. سِيْرَةُ مُناضلٍ وقصّة وطنٍ (3/1)
الصادق شكري بحث

وجع الفراق وذاكرة المكان
عبْدالناصر خليف سِيْرَةُ مُناضلٍ وقصّة وطنٍ (1) 



(1 مِنْ 3) الحلقة الأولى

تعرفت على عبْدالناصر عبْدالسّلام خليف فِي نادي الهلال، وكان ذلك بين عامي 1974م و1975م، فكُنْت ضمن أشبال النادي للكرة الطائرة، وكان هُومِن بين أشبال النادي لكرة تنس الطاولة. تواصلت علاقتنا مُنذ ذلك الحين ثمّ زاد ارتباطها بعد سافرنا سوياً فِي 31 مارس/ آذار 1981م، إِلى مدينة فولفسبورغ (Wolfsburg)  الألمانيّة ضمن بعثة دراسيّة تابعة لهيئة التصنيع الحربي. أقمت أنا وهُووالمرحوم سَعْد عَبْدالله الأثرم (1957م - 5 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1996م) بنفس البيت فِي تلك المدينة، ودرسنا سوياً فِي نفس المدرسة بمدينة فولفسبورغ ثمّ فِي مدرسة ديتلف (Detlef Schule) بمدينة براون شفايخ (Braunschweig). تركت البعثة أنا وتسعة مِن زملائي وأعلنا موقفنا مِن نظام معمّر القذّافي فِي مؤتمر صحفي عقدناه فِي الثّاني مِن يونيه/ حزيران مِن عَام 1983م فِي العاصمة السّودانيّة الخرطوم (2). رجع ناصر إِلى ليبَيا فتعرض للسجن والبهدلة والتضييق والحرمان مِن مواصلة دراسته ثمّ داهمه المرض ولم يمهله طويلاً فانتقل إِلى رحمة ربه يوم الخميس الموافق 17 ديسمبر/ كانون الأوَّل 2009م. 

كان ناصر رياضياً وكشافاً ومثقفاً وفناناً شارك فِي العديد مِن الندوات والمعارض الفنيّة.. أوكمَا قال شقيقه الأستاذ إبراهيم:..".. ناصر الرياضي بنادي الهلال فِي لعبة كرة تنس الطاولة.. والمُثقف المُشارك فِي العديد مِن الندوات والمعارض الفنيّة.. والكشاف المُسهم بخدماته وكريم عطائه لمساعدة الآخرين، والّذِي تحمل وصبر على ضنك العيش وقسوة الحيَاة معتزاً بوطنيته وكرامته وحبه للآخرين..".       

ذلك هُوناصر خليف الإنْسَان الشفاف وصاحب الخلق النبيل، الّذِي قال يوماً أنه لا يرتاح إلاّ برؤيّة الابتسامة على وجوه الجميع. قال ذلك ضمن حديثه عَن الفن ودوره فِي النَّهوض بالشباب وأفكارهم بل حيَاة النَّاس بكافة أوجهها. أجرت معه الإعلاميّة مبروكة الهوني حوراً خاطفاً على هامش (معرض الفنون) المنعقد فِي صيف 2007م بمصيف جليانة لإعداد الشباب المُبدع، فقال: ".. فكرة المعرض لم تكن بالفكرةِ الجديدةِ، إنّما هي قديمة مِن حوالي عشرين عاماً.. وقد كُنْت أنا أوَّل مؤسس للمركز الثقافي العربي الِلّيبيّ بنفس التسمية (الجسر) فِي مدينة (براغ) وهي عاصمة جمهوريّة تشيك الآن، وكلّ ذلك كان بالجهد الذّاتي والعمل الخاصّ بحضور عدد كبير مِن الحضور الطيب. وإننا نريد أن نؤكد أن فكرتنا الأساسيّة هي إيصال الفكرة الإبداعيّة الفنيّة إِلى قلوب المواطنين مباشرة لأن المُبدع هوالّذِي يصل إِلى قلوب جميع الجماهير مِن أجل إنماء الشعور لديهم، وهي مهمّة حقيقيّة، لأيّ إبداع، كمَا أن المُبدع المُثقف لابُدَّ أن يخرج الإبداع مِن مجهوده الذّاتي دون أن يكلف بهذا العمل، وهذا مَا نسعى نحن وراءه مِن أجل تنوير وتفتيح عقول الشباب، وهُوبالفعلِ شعور الانتماء سواء لمنطقة جليانة أوبّنْغازي، أوللوطن الكبير أوالأمّة الإسْلاميّة جمعاء، وكل إنْسَان لديه رسالة فِي هذه الحياة لابُدَّ أن يؤديها وهي النَّهوض بالشباب وأفكارهم، ونحن لا نرتاح إلا برؤيّة الابتسامة على وجوه الجميع..". 

كم كًنْت أتمنى أن أعود إِلى ليبَيا بعْد أن يفرج الله كربها، وألتقى بأصدقائي الأعزاء وعلى رأسهم ناصر خليف، ولكن الموت غيب عدداً منهم فِي الآونة الأخيرة، ففي مساء يوم 17 ديسمبر/ كانون الأوّل 2009م أتصل بيّ أحد أقارب ناصر مِن بّنْغازي، وأخبرني بوفاة ناصر فوقع النبأ علىَّ كالصاعقة.

وَبعْد أسابيع مِن انطلاق ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م، سافرت براً مِن القاهرة إِلى مدينة بّنْغازي عاصمة الثورة وحاضنتها. وصلت إِلى مدينة بّنْغازي فِي نهاية شهر أبريل/ نسيان 2011م، وبعْد غياب طال لثلاثة عقود من الزمان، حيث غادرتها فِي نهاية شهر مارس/ آذار 1981م. زرت الأستاذ إبراهيم خليف الشقيق الأكبر لناصر، فِي بيته بمنطقة طابلينو، وكان ذلك فِي زيارة لاحقة لمدينة بّنْغازي. 

كُنْت قد قطعت عهداً على نفسي بعْد سماعي لخبر وفاة ناصر، أن أزور الأستاذ إبراهيم بعْد زوال كابوس معمّر القذّافي وعودتي إِلى ليبَيا، وقد مَنَّ اللَّهُ عليّ بالعودة إِلى أرض الوطن مرفوع الرأس لأعيش ثورة بلادي ولحظّة إعلان تحريرها مِن الطغيان، ثمّ أزور الأستاذ إبراهيم فِي بيته ويتحقق العهد الّذِي قطعته على نفسي. استقبلني الأستاذ إبراهيم وأسرته الكريمة خير استقبال، واستقبلتهم بسرور ولكن بمشاعر تداخلت فيها الفرحة الكبيرة بلقائهم مع الحُزْنِ الشديد لغياب ناصر وفقدانه.. الفرحة الغامرة بإسقاط نظام العقيد مع الخوف مِن مُسْتقبل رُسمت خريطته على عجل!. 

ولكن الأمل كان ولازال كبيراً وعظيماً.. الأمل فِي قهر التحديات والتغلب على كلّ  العواقب والصعوبات. واليقين بأن الانطلاق مِن الأصول هُوالأساس فِي البناء الصحيح، وقد قيل قديماً (لا يصح إلاّ الصحيح) أوكمَا جاء فِي المثل المِصْري (مَنْ فات قديمه تاه).    

أطاحت الثورة بنظام العقيد معمّر القذّافي المستبد، ولكننا أخفقنا فِي رسم خارطة الطريق أوخارطة المُسْتقبل!. وَالشّاهد، دخلت البلاد بعْد إسقاط نظام القذّافي فِي تأسيس لنَّظام بمفاهيم جديدة على صعيد السّياسات الدّاخليّة والخارِجِيّة، ولكن بعض السّياسات التي اتخذت وخارطة الطريق اوقعتنا فِي ورطة حقيقيّة كان بالإمكان تلافيها أوتجنّبها!.

بدأت المسيرة ببعض الاختيارات الخاطئة التي رسمها المُستشار مُصْطفى عبْدالجليل ومجلسه الانتقالى فِي خارطة الطريق، ووقع في شباكها المؤتمر الوطنيّ العامّ المنتخب مِن بعده، ونتج عنها تكتلات مُسلحة وتحالفات مصلحيّة وأطماع شخصيّة وصراعات إيديولوجيّة وتدخلات خارِجِيّة، وهذا الوضع السيئ الّذِي وُضِعنا فيه ونحاول اليوم جاهدين للخروج منه بغية الوصول إِلى مشروع وطنيّ يحقق الوفاق والمصالحة والنهضة والعدالة بمفهومها الأشمل عبر دستور يكفل الحريّات ويضمن الحُقُوق وينطلق مِن الشرعيّة التي صاغها الآباء المؤسسون فِي شهادة ميلاد الدولة الِليبيّة المتمثلة فِي دستور 1951م بتعديلاته اللاحقة ثمّ تعديل مَا يستوجب تعديله وفق الآلية المنصوص عليه دستورياً والتي يجب  احترامها. 

أَعُوْد بَعْد هَذا الاسْتِطْرَاد إِلى وجع الفراق لأقول أن خبر وفاة ناصر كان صدمة كبيرة بالنسبة ليّ.. رغم أن الموت كالحَيَاة لا نملك المقدرة على تحديد مواقيتها.. ووفاته كانت صدمة لأطراف كثيرة وحينما واجهناها غلبتنا دموعنا وأنيننا. 

لم يكن ناصر بالنسبة لأصدقائه ورفاقه شخصاً عابراً فِي رحلة العمر.. ولكنه احتكر مساحة عريضة مِن ذّكريّات لازالت حيَّة طريّة بأيّامها وساعاتها.. ولكنه غاب ليوقظ فينا أشياءً كثيرة!.. وليجعلنا نتحسس بعض العروق الميتة فينا!.

رحلت الشهور والسنوات بعْد ناصر ولم تغب صورته عَن ذاكرتي.. فالزمان لا يجود عادة بالكثيرين مثله.. هم قلة تعرفنا عليها موزعة بين خرائط الوجود، وكثيرون منهم تركوا عالمنا هذا بكلِّ وداعة وهدوء.

رحل ناصر وترك لنا روحه المتفائلة التي لا تعرف التشاؤم واليأس .. والطريق الّذِي عاشه بنبض الحبّ والطيبة، وبقلب ليس فيه ضغينة ولا حقد، وفؤاد لا يحملُ غلاً على أحد. رحل وترك لنا أسئلة تحتاج إلى إجابة، وعمل بمقتضيات تلك الإجابة حتَّى نريح الوطن الّذِي طال عذابه.. ونرتاح نحن بعْد طول وجع، وشدة آلام، وكثرة حزن.

ناصر خليف.. خلفيات ومواقف وأحداث

أتصف ناصر خليف بالطيبة والهُدُوء والعقلانيّة والذّكاء الحاد.. واشتهر بخفة الدّمّ وروح المداعبة والنكتة. لمع اسمه فِي فرقته الكشفية.. وكان رياضياً متميزاً بنادي (الهلال) الرّياضي الثقافي الاجتماعي.. ولاعباً واعداً بالمنتخب الوطنيّ لكرة تنس الطاولة. أهتم بالفنّ التشكيلي، وانضم إِلى (رابطة الفنانين التشكيليين)، وأشرف على بعض المعارض الفنيّة الخاصّة برعايّة الشّباب المُبدع، وكان معرض الفنون الّذِي انعقد بمصيف جليانة فِي صيف 2007م واحداً مِن بينها. سكن فِي شارع إدريان بلت، وكان أحد أبناء هذا الشّارع العريق الّذِين تعرضوا للاعتقال، وحرموا مِن مواصلة دراستهم، وسدت فِي وجوههم العديد مِن الأبواب.

رحل ناصر مبكراً.. وكان نبأ وفاته صدمة كبيرة ليّ ولكلِّ أصدقائه حيث عُرف عنه الطيبة والتسامح وحبه للجميع.  ولا شكّ، أن رحيل الأصدقاء واحداً بعْد الآخر، أمر مؤلم وجد مؤثر كذلك هُوإنذار مبكر للأحياء، وإعلامهم بأن الموت قادم فماذا أنفقتم مِن جهد لتعيشوا أحراراً؟.. وهل أنتم مستعدون ليوم اللقاء؟.

التفكير فِي هذه المسألة غاية في التعب والألم رغم الإقرار بحقيقة الموت.. والإيمان بأنها النهايّة الطبيعية للحَيَاةِ، فلكلّ أجل كتاب. وليس هُناك أشد إيلاماً على النفس مِن أن تعلم بأن أحد أصدقاء العمر غيبه الموت.. فرحل عنا.

كان ناصر يشعر بأن الحَيَاة فِي ظلّ نظام ظالم مستبد كنظام معمّر القذّافي هُو(موت مكرر)، وكلامه هذا ينطبق تماماً مع توصيف الأستاذ مُصْطفى صّادِق الرافعي الوارد فِي كتابه: (مِن وحي القلم)، وقريب جدَّاً ممّا جاء فِي كتاب: (طبائع الاستبداد) للمُفكر عبْدالرَّحمن الكواكبي والّذِي قال: ".. إن أسير الاستبداد ميت فِي صورة حيّ..".      

حرم نظام معمّر القذّافي‘ الِلّيبيّين مِن خيرات بلادهم.. وتعمد إفقارهم وإذلالهم.. وصادر مُمتلكاتهم وحُقُوقهم وحريّاتهم.. واعتقل كلّ صوت أرتفع ضدَّه أوشكّ فِي تربصه به، بل أعدم العشرات مِن المعتقلين على أعواد المشانق أوبالرصاص أوتحت التعذيب. وطارد رصاص نظامه، معارضيه داخل الوطن وخارجه فِي مدن وعواصم العالم المختلفة.

وحرم نظام القذّافي، الِلّيبيّين مِن السكن اللائق.. والبضائع النظيفة والخدمات الأساسيّة.. والتعليم الصحيح.. والمستشفى الّذِي يقوم بالتشخيص السليم، ويقدم العلاج المطلوب.. وفوق ذلك كله غيّب (الدستور) فجعل البلاد تعيش حالة مِن الفوضى والإرباك المستمر حتَّى غدا المواطن الِلّيبيّ غير آمن على كلّ شيء يتعلق بحياته.

وباختصار شديد، أصبح الإنْسَان الليبي مُنذ استيلاء انقلابيي سبتمبر على السّلطة فِي عَام 1969م.. غير مطمئن على حياته وفاقد للأمن والأمان ويشغله تأمين لقمة عيشه.. ويهدّه المرض.. وتمارس عليه شتى صنوف الضغوطات.. ويحيط به التخلف مِن كلِّ جانب.. ولا يستطيع أن يخطط لغده أوحتَّى أن يحلم لأن السّلطة الباغية أرهقته بتقلباتها المستمرة والقرارات التي هي كلّ يوم فِي شأن.

وَفِي عَام 1977م، بلغ بالقذّافي الطغيان مداه، فأقدم نظامه على الإعدام العلني، وكان ذلك ظهر يوم السّابع مِن إبريل فِي ميدان الكاتدرائيّة بمدينة بّنْغازي. كان ناصر خليف واحداً مِن أولئك الأشخاص الّذِين شاهدوا منصة الإعدام فِي ميدان الكاتدرائية غير البعيد عَن منزله الكائن بشارع إدريان بلت، ورأى جثة عُمر علي دبّوب (1942م - 7 إبريل/ نسيان 1977م) ومحَمّد الطيب بِن سعود (1942م - 7 إبريل/ نسيان 1977م)، تتدليان مِن المشنقة. وقف ناصر إبن السّادسة عشر ربيعاً أمام هذا المشهد فِي وجوم وذهول، وصعب عليه تصديق مَا شهد بأم عينيه لأنّ مَا رآه صورة مِن صور المستعمر الإيطالي البغيض وكأن التاريخ يعيد نفسه. واستغرب أن يحدث مَا حدث بعْد أربعة عقود مِن رحيل الطليان الفاشيست، ولكنه صدق فِي النهايّة مَا رأى بأم عينيه، وظلّت صورة دبّوب وبِن سعود لا تفارق مخيلته إِلى أن فارقت روحه الحَيَاة.

بقى ناصر فِي ليبَيا بعْد هَذا المشهد ثلاث سنوات، ورأى خلال هذه السنوات أبشع صور القتل والمحاصرة والتضييق والاعتقال فتذكر مَا كان يسمعه مِن أهله مِن روايّات كان يرويها والده عَن سنوات الاحتلال الإيطالي، فوالده عاش مأساة الِلّيبيّين ومعاناتهم سنوات الاحتلال وكان ضمن القوَّات الِلّيبيّة (الجيش السّنوُسي) التي طردت المستعمر وحرّرت البلاد. فقد قتلت إيطاليا مئات مِن الِلّيبيّين فِي المعتقلات الجماعيّة.. وحكمت المحاكم الظالمة التي عرفت باسم (المحكمة الإيطاليّة الطائرة) على (250) مائتين وخمسين شخصاً بالإعدام.. وقتلت السّلطات الإيطاليّة أكثر مِن (1000) ألف شخص دون محاكمة.. وقدّم الشّعب الِلّيبيّ فِي معاركه ضدَّ المستعمر الإيطالي البغيض نْحَونصف عدده أيّ نْحَو(700000) سبعمائة ألف إنْسَان. وحوّلت السّلطات الإيطاليّة مشاهد الإعدامات العلنيّة إِلى صور (كروت أوبطاقات) بريديّة يتبادلها المستعمرون فِي أعيادهم ومناسباتهم المختلفة. وأقامت السّلطات الإيطاليّة أمام الفندق البلدي القديم فِي مدينة بّنْغازي مشنقة أعدتها لاستقبال الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام، وكانت جثثهم الطاهرة طبقاً لما جاء على لسان الدّكتور وهبي البوري فِي كتابه: (مجتمع بّنْغازي فِي النّصف الأوّل من القرن العشرين) تتأرجح..".. ليراها أكبر عدد مِن النَّاس.. وظلّت هذه المشنقة منصوبة قرابة العامين يراها كلّ مِن كان يدخل الفندق أويخرج منه. وقد علق على أعوادها الكثير مِن الأبرياء الّذِين واجهوا الموت بشجاعة وإيمان، ووصف الكاتب الإيطالي (تيقاني U Tegani) فِي كتابه: (بّنْغازي – ميلانو/ Benghazi. Milano 1914) شجاعة المحكوم عليهم بالموت، فقال: (.. العربي لا يخشى الموت ما دامت هذه إرادة الله، ومِن المُدهش حقاً أن يقابل العربي الحكم عليه بالموت دون أن يرتعش أويهتز أويضطرب، فيرفع يده بهدوء إِلى شفتيه ويحيي القضاة الّذِين حكموا عليه ويتمتم: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) ويذهب لملاقاة الموت بهدوء، الأمر يدل على شجاعة تدعوإِلى الإعجاب..)..".

وَمِن جديد، دخل ناصر إِلى كليّة الاقتصاد بجامعة بّنْغازي عَام 1979م، ويذكر أن خريجي الثانويّة العامّة للعام الدّراسي 1978م/ 1979م الّذِين كان ناصر مِن بينهم، كانوا أوَّل دفعة يتمّ تنسيب عدد كبير منهم إجبارياً للكليّات العسكريّة، الأمر الّذِى عانى منه الطلبة الأمرين بحثاً عَن مخرج ينقذهم مِن الانتساب إِلى الجيش الّذِي حوله معمّر القذّافي إِلى شيء آخر لا علاقة له بالدفاعِ عَن الوطن، والذود عَن استقلاله وسيادته، والحفاظ على أمن حدوده وحمايته مِن أيّ أطماع خارِجِيّة.

والّذِي حدث، زجّ معمّر القذّافي بالجيش فِي حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل لأجل تحقيق أوهامه وأحلامه المريضة فِي الزعامة والقيادة كذلك بهدف التخلص مِن بعض الرتب الكبيرة وممَنْ اعتقد أن استمرارهم فِي الجيش يشكّل خطراً عليه. وشنّ حرباً على الجيش بغية تفكيكه وتحطيم الروح المعنويّة لمنتسيبيه، فنشرت  صحيفته الرّسميّة (الزحف الأخضر) مقالاً تحت عنوان: (الجيش حشيش وطيش) قيل أن كاتبها كبير اللجان الثّوريّة أحمَد إبراهيم منصُور وبتوجيه مِن إبن عمّه العقيد معمّر القذّافي، وصف فيه الجيش بأبشع الأوصاف معتبرهم أشخاص منساقين وراء ملذاتهم وشهواتهم وأهوائهم، ولا علاقة لهم بقيم الاستقامة والانضباط والفداء والإقدام التي يجب أن يكونوا عيها. هدف المقال والإجراءات التي اتخذت بعده، تفكيك الجيش الرَّسمي وتحطيم الروح المعنويّة لمنتسيبه وعزلهم عَن المجتمع بحيث ينظر إليهم بنظرة إزدراء بدلاً مِن الإكبار ونيل محبة النَّاس وتقديرهم واحترامهم باعتبارهم الدرع الواقى لليبَيا داخليّاً وخارِجِيّاً، وحصنها المنيع المُكلف بتأمين وحمايّة الوطن وسلامة أراضيه ضدَّ كافة المخاطر والتحديّات.

وَالحَاصِل، وجد ناصر الجامعة تعج بمجرمي حركة اللّجان الثّوريّة، وساحة أراد النّظام تحويلها إِلى شيء آخر لا صله له بالتعليم والتأهيل والنّهوض بالشباب وأفكارهم. أُدخل (الكتاب الأخضر) كمادة أساسيّة ضمن منهج الجامعة التعليمي.. وألغيت العديد مِن النظريّات العلميّة مِن المناهج تحت شعار تثويرها وحذف كلّ مَا لا يتناسب مع مَا يُسمّونه النظريّة العالميّة الثالثة التي جاء بها معمّر القذّافي فِي كتيبه الأخضر. ورسمت سياسات تلك الفترة لتخدم أغراض عسكرة المجتمع وتحوّيل الجامعات والمدارس إِلى ثكنات عسكريّة تحت شعار (الشّعب المُسلح) الّذِي رفعته السّلطة، انسجاماً مع سياساتها القاضيّة بإلغاء الجيش النظامي الرّسمي. بدأ ذلك البرنامج فِي بداية السبعينيات بالتجنيد الإجباري للذين يقع ميلادهم بين عامي 1944م و1948م.. التدريب العسكري للطلبة فِي فترة الصيف.. ثمّ اقتحام المدارس وضمّ بعض الطلاب إجبارياً للكليّات العسكريّة.. ثمّ حملات متواصلة فِي الشوارع والميادين العامّة حيث يجبر العساكر مَنْ يقع بين أيديهم إِلى ركوب الحافلات ومنها مباشرة إِلى معسكرات الجيش. وبعْد ذلك، تحوّل هذا البرنامج إِلى عسكرة المجتمع بأكمله أومَا أسموه بـ(تجييش المدن) ولم ينجومِن هذا البرنامج حتَّى كبّار السن مِن الموظفين حيث تمّ تدريب أولئك الموظفين عسكرياً فِي فترة المساء ثمّ أدخلوهم فيما أسموه برنامج (المناوبة الشّعبيّة) فتناوب الموظفون على حراسة مقار عملهم والمنشآت الأخرى للسّلطة الحاكمة.

وَالشّاهد، دخل ناصر إِلى الجامعة عام 1979م، وفِي هذه الفترة كانت السّلطة تخطط إِلى تحوّيل الجامعات إِلى ثكنات عسكريّة، وبالفعلِ تمّ ذلك بعْد فترة قصيرة مِن الوقت حيث تمّ نقل كليّة الاقتصاد إِلى معسكر مِن معسكرات مدينة طبرق مِن باب التجريب قبل تطبيق ذلك على كافة الكليّات بالجامعة الِلّيبيّة، فنقلت كليّة الاقتصاد ببنغازي بين نهاية شهر فبراير / شباط وبداية شهر مارس / آذار مِن عَام 1981م إِلى طبرق، ولكن ناصر كان قد أوقف قيده فِي شهر فبراير / شباط استعداداً للسفر إِلى ألمانيا بغرض الدّراسة، وسافر إِلى مدينة فولفسبورغ الألمانيّة يوم الثلاثاء الموافق 31 مارس / آذار من عام 1981م.

ورُبّما مِن المُفيد الاسْتِطْرَاد هُنا، فقد كانت الفترة التي قضاها ناصر فِي الجامعة فترة لا تحتمل ولا تطاق حيث كان الطلبة المنضمون لحركة اللّجان الثّوريّة، هم مَنْ يسيرون الجامعة فعلياً عبر مكاتب خصصت لهم فِي كليات الجامعة المختلفة، أطلق عليها اسم (المثابات الثّوريّة). كانت الجامعة فِي تلك الفترة تعج بمجرمي حركة اللّجان الثّوريّة المدربين فِي معسكرات خاصّة على طرق المراقبة والاعتقال والتعذيب، والّذِين كانوا يحملون السّلاح داخل الحرم الجامعي. ضيق هؤلاء على الطلبة الخناق، وقادوا كثيرين منهم إِلى غرف التحقيق والمساءلة بل زجوا بالعديدين منهم إِلى السجون والمعتقلات كذلك حرموا الكثيرين مِن إكمال دراستهم الجامعيّة وكان مِن بينهم طلبة كثيرون فِي السنة النهائيّة. كان مِن أبرز أعضاء حركة اللّجان الثّوريّة بجامعة بّنْغازي آنذاك: صالح إبراهيم المبروك، هدى فتحي بِن عامر، موسى الأشخم، أحمَد مصباح الورفلي (المتوفى فِي يوليو/ تموز 1986م).. وآخرون. ويضاف إِلى هؤلاء أحمَد إبراهيم كبيرهم الّذِي علمهم السحر كمَا يقال، والّذِي كان يصول ويجول فِي الجامعة ويفعل مَا يشاء بطلابها وهيئة تدريسها وكلّ مَا يخص شئون إدارتها وتسيير شئون كلياتها وأقسامها المختلفة. ويذكر أن مؤتمراً لهذه الحركة كان قد عقد بجامعة بّنْغازي فِي الفترة الواقعة مَا بين 2-3 فبراير / شباط 1980م، ومِن ضمن مَا أعلنت الحركة عنه فِي بيانها الختامي، مَا يلي:

1- التصفيّة الجسديّة لأعداء الثورة فِي الخارج.

2- التبشير بالثورة عالميّاً.

3- تصفيّة العناصر المعوقة للتحول الثوري مِن مدنيين وعسكريين فاشيين وديكتاتوريين تقليديين اتكاليين سلبيين وغير منتجين، وجبناء ومستغلي نفوذ ومتجاوزي حدود، ومحسوبيين وبرجوازيين مِن المحسوبين على قوى الثورة وعلى السّلطة الشّعبيّة.

4- تشكيل محكمة ثوريّة مِن اللّجان الثّوريّة قانونها قانون الثورة الّذِي يكتسب شرعيته مِن شرعية الثورة ذاتها.

وَالَّذِي حَدَّث، وصل الأمر باللّجان الثّوريّة إِلى حد أنّها جعلت مِن الجامعة مكاناً يمارس فيه القتل والتعذيب، فبعد خروج ناصر خليف إِلى ألمانيا، تحوّلت ساحات الجامعة وملاعبها إِلى منصات للإعدام، ففي يوم 7 إبريل / نيسان 1983م تمّ إعدام محَمّد مهذب إحفاف (طالب بكلية الهندسة) شنقاً فِي ساحة كليّة الهندسة بجامعة طرابلس. ونفذت اللّجان الثّوريّة يوم 21 إبريل / نيسان 1984م داخل الحرم الجامعي بمدينة بّنْغازي، عمليّة إعدام شنقاً فِي الطالب مُصْطفى إرحومة النويري الّذِي كان رئيساً لاتحاد عَام طلبة ليبَيا. ونفذت يوم 16 إبريل/ نيسان 1984م عمليتي إعدام أخريين فِي جامعة طرابلس في كلّ مِن: رشيد منصُور كعبّار (طالب بكليّة الصيدلة)، حافظ المدني الورفلي (طالب بكليّة الزراعة).

وكمَا أسْلَفْت، سافر ناصر يوم 31 مارس/ آذار 1981م إِلى فرنكفورت (Frankfurt)، ثمّ مباشرة إِلى مدينة فولفسبورغ (Wolfsburg) التي درس بها اللغة الألمانيّة فِي معهد جوته (Goethe Institute) المعتمد رسميّاً لتعليم اللغة الألمانيّة. أجاد ناصر اللغة الألمانيّة فِي زمن قياسي، واجتاز امتحان اللغة بتفوق ثمّ تحصل على شهادة إكمال التدريب العملي الفني فدخل بعدها مباشرة لهندسة المعادن (الحديد) بإحدى معاهد التعليم العالي بمدينة براون شفايخ (Braunschweig). تزامن وصوله إِلى ألمانيا فِي وقت كانت فيه ألمانيا وغيرها مِن بلدان العالم تشهد تحركات مكثفة لقوى المُعارضة اللّيبيّة بالخارج، ونشاطات أزعجت نظام القذّافي وأقلقت راحته، فأرسل النّظام فرق لتصفيّة المُعارضين فِي الخارج وأمر دبلوماسييه فِي الخارج بتحويل سفاراتهم إِلى ساحات للتحقيق ولتعذيب الطلبة وكلّ مَنْ يعارض مَا يُسمّونه النّظام الجماهيري.

شدد النّظام الرقابة على طلبة التصنيع الحربي الّذِين كان ناصر واحداً مِن بينهم، وأرسل اثنين مِن عناصره الأمنيّة الاستخباراتية (الصغير والخويلدي) للإشراف على هؤلاء الطلبة لأنّه لم يكن راضياً عَن السّيِّد الفاضل السّنوُسي فرج شلّوف (1920م - 5 يونيه/ حزيران 2008م) المشرف الّذِي رافق الطلبة فِي البداية، ولا راضياً على العقيد طيّار عبدالله سعيد الّذِي جاء بعده. بدأ المشرفان الجديدان فِي التلصص على الطلبة ومراقبة تنقلاتهم، ومحاولة تكليف بعضهم بمهام مَا يسمونه (التبشير بالكتاب الأخضر) كذلك إلزام الطلبة بالاحتفال بمناسبات النّظام الدّمويّة كمناسبة السّابع مِن إبريل، ووصل الأمر بهم إِلى إرسال بعض الطلبة إِلى طرابلس بغرض التحقيق معهم لمعرفة مَا إذا كانت القوى الوطنيّة بالخارج قد اتصلت بهم أم لا؟. أوكان لبعض الطلبة أيّ صلة رحم أوقرابة أوصداقة بأشخاص منتمين لهذه القوى؟.  

انفصل عشرة مِن زملاء ناصر خليف عَن البعثة الدّراسيّة تعبيراً عَن موقفهم المُعارض لسياسات نظام معمّر القذّافي القمعيّة الاستبداديّة، وحملة التصفيّات الجسديّة التي قادها النَّظام  ضدَّ معارضيه بالدّاخل والخارج، وتعذيب اثنين مِن الطلبة الدارسين بألمانيا (أحمَد شلادي والهادي الغرياني) داخل مبنى السفارة فِي بون (Bonn) العاصمة الألمانيّة فِي ذلك الوقت. وفِي يوم الخميس الموافق 2 يونيه/ حزيران 1983م، عقد ثمانيّة مِن هؤلاء مؤتمراً صحفياً بالخرطوم العاصمة السّودانيّة، وأعلنوا مُعارضتهم لنظام القذافي وانضمامهم لصفوف المُعارضة الوطنيّة الِلّيبيّة بالخارج.

وبَعْد هذا الموقف، أرغم الصغير والخويلدي – وبتعليمات صارمة مِن النّظام – الطلبة على العودة إِلى البلاد، وكان ذلك فِي منتصف شهر يوليو/ تموز 1983م. سجن بعْد العودة إِلى ليبَيا مباشرة، سبعة طلاب (3)، وقضوا حوالي تسعة شهور فِي السجن. ومُنع أكثر مِن عشرين طالباً مِن العودة إِلى ألمانيا، وكان ناصر خليف واحداً مِن الّذِين سجنوا ثمّ منعوا مِن السفر. كمَا مُنع ناصر مِن العمل في القطاع العامّ ومِن مواصلة دراسته بكلية الاقتصاد التي درس بها أربع سيمسترات (Semesters) قبل مغادرته إِلى ألمانيا فِي ربيع عَام 1981م، وفِي غضون سنة مِن ذلك تمّ اعتقاله مُجدَّداً ليقضي فِي إحدى سجون طرابلس حوالي خمس سنوات، وقد حقق معه عميد الإجرام العميد التهامي خالد رئيس جهاز الأمن الدّاخلي.

رأى ناصر فِي المعتقل، صنوف عدة مِن القهر والقسوة والتعذيب والحبس الانفرادي، وكان هُووحوالي (2000) ألفين مِن الرَّفاق الّذِين تمّ اعتقالهم معه بعْد العمليّة التي قادتها الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا فِي شهر مايو/ أيّار 1984م، فِي عزلة تامّة عَن العالم.. ويمارس عليهم مِن العذاب ألوان شتى .. وحرموا مِن النوم في أحيان كثيرة، وَمِن الأكل النظيف والعلاج المناسب طول الوقت.. ومُنع أهلهم وذووهم مِن معرفة أماكن اعتقالهم وبالتالي مِن زيارتهم والتواصل معهم. ولم يقتصر العقاب عليهم فقط حيث وصل إِلى كلِّ مَنْ تربطه صلة رحم أودّم أونسب بهم بل وصل فِي بعض الحالات إِلى أصحابهم وأصدقائهم المقربين.

وخلال ذلك كله شهدت ليبَيا لهيب حرائق لا ينطفئ، وحملات تصفيّة تستمر ولا تنقطع، ونزيفاً لا يلتئم جرحُه.. عمليّة إعدام بعْد الأخرى.. حروب لا ناقة لِلّيبيّين فيه ولا جمل كالحرب فِي تشاد وغابات أوغندا وغيرها مِن البلدان والأماكن.. حصار وتضييق وتهجير.

والّذِي حَدَّث، استشهد أحمَد إبراهيم إحواس (1938م - 1984م) قائد قوَّات جبهة الإنقاذ يوم السّادس مِن مايو/ أيّار 1984م، وسقط بعْد استشهاده فِي ميدان معركة الثامن مِن مايوالمعروفة باسم (معركة باب العزيزيّة) ثمّ فِي مواجهات منفردة مع قوَّات نَّظام معمّر القذّافي، أحد عشر (11) شهيداَ، وأُعدم بعْد تلك المعركة والمواجهات، تسعة (9) مُناضلين على أعواد المشانق فِي مواقيت مختلفة ومناطق متفرقة مِن ليبَيا. وتمّ نقل الإعدامات مباشرة فِي التلفزيون الرَّسمي للنَّظام. وعلى مدار شهر كامل، بث التلفزيون مقاطع مِن المحاكمات الصّوريّة التي أجرتها لجان القذّافي الثوريّة ومشاهد الإعدامات، بقصد إرهاب المواطنين وطبع صورة فِي أذهانهم لمصير مَنْ يفكر فِي مُعارضة النَّظام واتخاذ موقف ضدَّه.  

واستمر اعتقال عدد مِن الألفين الّذِين اعتقلوا بعْد أحداث صيف 1984م، حوالي عشرين عاماً، وكان نصيب ناصر مِن السجن مدة قاربت الخمس سنوات. وبعْد خروجه مِن السجن ورفع حظر السفر عنه، سافر إِلى جمهوريّة تشيكوسلوفاكيا وانخرط فِي تجارة الكريستال البوهيمي (Bohemia Crystal)، فتعاقد مع بعض التجار التشيك، وبدأ فِي جلب الكريستال إِلى بّنْغازي. وتُعد مقاطعة بوهيميا الشماليّة (Bohemia) مِن أهمّ الأماكن فِي العالم التي تشتهر بصناعة الكريستال، ويمتد عمر هذه الصناعة فِي مناطق ومدن مقاطعة بوهيميا إِلى قرون عديدة مِن الزمان، ممّا أهلها لنيل لقب (عاصمة الكريستال الأوروبيّة) بكلِّ جدارة واستحقاق.

تعلم ناصر اللغة التشيكية فِي أحد معاهد براغ عاصمة جمهوريّة تشيكوسلوفاكيا وأجادها فِي زمن قياسي. مكّث فِي تشيكوسلوفاكيا مدة مِن الوقت، وأهتم إِلى جانب تجارة الكريستال، بالنشاطات الفنيّة خصوصاً معارض الفنون التشكيليّة. وبَعْد تعثر تجارته فِي سنوات لاحقة، عاد ناصر إِلى بّنْغازي وتمكن مِن الحصول على وظيفة فِي شركة أجنبيّة خصوصاً أنّه كان يجيد اللغة الإيطاليّة والألمانيّة والتشيكيّة والإنجليزيّة التي تعلمها فِي معهد مِن معاهد اللغة فِي مدينة لندن العاصمة البريطانيّة أثناء دراسة الأستاذ إبراهيم شقيقه الأكبر فِي المملكة المتَّحدة بين عامي 1976م و1977م.

بدأ ناصر يشعر ببعض الآلام وأن صحته ليست على ما يرام مع منتصف عَام 2008م، وبعْد الفحوصات والتحليلات الطبيّة التي أجراها فِي مطلع عَام 2009م تبين أنه مصاب بسرطان فِي الحنجرة، وأخذ يعالج مِن هذا المرض الخبيث فِي المستشفيات الِلّيبيّة، ولكنه لم يجد علاجاً بحكم قلة الدكاترة المتخصصين وتردي وضع المستشفيات وضعف الخدمات الصحيّة بشكل عامّ. وحينما سمحت ظروفه بالسفر، سافر إِلى الإسكندريّة بحثاً عَن العلاج ولكن دون فائدة فقد تمكن المرض منه وبقي هُناك فترة وجيزة ثمّ عاد إِلى بيته فِي بّنْغازي لينتقل فِي غضون أسابيع إِلى رحمة ربه وهُوفِي عز عمره.   

وصل ناصر إِلى الإسكندريّة فِي نوفمبر/ تشرين الثّاني 2009م، وحينما اتصل بيّ مِن هُناك، سافرت مِن القاهرة إِلى الإسكندريّة على وجه السّرعة. كان آخر لقاء جمعني بناصر وقتما ودّعته بحرارة فِي مدينة براون شفايخ وسافرت إِلى الخرطوم يوم السبت الموافق 28 مايو/ أيّار 1983م. وقد تركته شاباً نشيطاً متفائلاً يحلم بمُسْتقبل مُشرق نضير، ووجدته نحيل الجسد لم تقورجلاه حتَّى على الوقوف لملاقاتي.

عرفته مبتسماً وكان بوسعه الابتسام فِي أحلك الظروف وأسوأها، وكانت تعليقاته السّاخرة وسرعة بديهته تضفي على الجالسين حوله فرحة وسرور مهما كانت الأعباء التي يحملونها على أكتافهم أوالظروف التي يمرون بها، ووجدته على الحال الّذِي عرفته عليه فلم يستطع المرض القضاء على ضحكته وتعليقاته السّاخرة أوالتأثير على معنوياته وروحه المرحة.

انقطع اتصالي به فترة طويلة مِن الوقت، بحكم الظروف التي مرّ بها وواقع البلاد الّذِي خيَّم عليه الذعر والرّعب والتجسّس ومعاقبة كلّ مَنْ يتصل بأشخاص محسوبين على قوى المُعارضة فِي الخارج. 

كان اتصالي به شبه يومي طيلة فترة علاجه بليبَيا، وحينما أتصل بيّ مِن الإسكندريّة فِي الأسبوع الأوَّل مِن شهر نوفمبر/ تشرين الثاني مِن نفس العَام لمواصلة العلاج، شددت الرحال مِن القاهرة إِلى الإسكندريّة للاطمئنان على صحته فالانشغال بحاله كان لا يفارقني والاشتياق إِلى رؤيته كان غامراً. وقبل وصولي إِلى المستشفى كُنْت قد عاهدت نفسي ألاّ يرى ناصر دموعي بل كُنْت قد عقدت العزم على رسم ابتسامة عريضة على وجهي، والدّخول معه مباشرة فِي مربع الذّكريّات عل ذلك يخفف عنه الآلام، ويرفع مِن معنوياته حيث أنّها العامل الأهمّ فِي مقاومة المرض اللعين خصوصاً مرض السّرطان الّذِي أصيب به.

دخلت إِلى الغرفة مبتسماً، وقابلني ناصر بابتسامة عريضة ونسى جسده العليل وهم بالوقوف لاستقبالي فخذلته قدماه مِن كثرة ضعف جسده الّذِي أنهكه المرض. أصبح ناصر ذلك الرّياضي العملاق: منهك الجسد.. شاحب الوجه.. متعب الصوت.. لا يكسوعظمه سوى الجلد. تأثرت كثيراً برؤيته على هذا النْحَو، وأخفيت مشاعري عنه، وأسرعت نحوه حتَّى لا يجهد نفسه فِي محاولة الوقوف لملاقاتي، وتقدمت إليه وعانقته عناقاً حاراً بعْد أن حبست دموعي التي لوتركتها لهطلت كالمطر، وتبادلنا التحايا، ودخلت معه مباشرة فِي المزاح والهزار وحديث الذّكريّات.

كان ناصر لا يخيفه المرض ولا يخضع أويستسلم له.. وكان لا يطيق أجواء الكآبة والنكد فظلّ حتَّى وهُوطريح الفراش يمزح ويقول النكتة ويضحك وكأنه مصاب بمرض عارض لا بسرطان قد استحوذ عليه وتمكن منه.

فارقته فِي الإسكندريّة، وكان أمله أن التقيه مُجدَّداً فِي سويسرا حيث قرر السفر مِن ليبَيا إِلى هُناك لمواصلة علاجه بدعوة مِن أسعد العقيلي أعز أصدقائه أو(سعدون) كمَا كان يحب أن يسميه. تركته مُودعاً، بعْد أن وعدته بالقدوم إليه فِي سويسرا، وسافر هُوإِلى بّنْغازي مسقط رأسه يوم 9 ذوالحجة 1430 هجري الموافق 26 نوفمبر/ تشرين الثّاني 2009م، وقبل إتمام أربعة أسابيع مِن رجوعه إِلى ليبَيا، فارقت روحه الحياة. وورى جثمانه الطاهر الثري بعد ظهر يوم الجمعة 2 المحرم 1430 هجري الموافق 18 ديسمبر/ كانون الأوَّل 2009م.

وبفقدانه.. فقدت صديقاً وفياً عزيزاً كان مكسواً ببياض الثلج.. كان نقي القلب ولا يطق النكد.. وبوسعه الابتسام فِي أشد الظروف عتمة وقسوة. وفقدت صاحب التعليقات السّاخرة والنكتة التي كانت تخرجني مِن هُمُومي مهما بلغت.. وتُضحكنيْ مهما كنت حزيناً أومكتئباً. وفقدت بّنْغازي قلباً سكنت بداخله.. ووجهاً مِن وجوهها المميزة.. وإنْساناً محباً للخير، ويغمره الحبّ، ويملئه الدفء والوّد والعطاء. وفقدت ليبَيا إبناً باراً مِن أبنائها.. ومواطناً اعتز بليبيته ومحبته لكل الِلّيبيّين.

وَأَخِيْراً، الحَدِيثُ عَن ناصر مُتشعِّب وذُوشُجُون وهُوحَدِيثُ عَن الوطن الواقع والتطلعات.. الوطن رجال وذاكرة مكان. والحَدِيثُ عنه يقودنا إِلى شوارع بّنْغازي العتيقة، وأزقتها القديمة، وملاعبها الترابية، وأنديتها العريقة التي يأتي فِي مقدمتها نادي الهلال. ويقودنا إِلى حيث كان يسكن ناصر بشارع إدريان بلت.. ذلك الشّارع الّذِي تبللت زواياه بعبق التاريخ، وتعطرت أركانه برائحة الزمن الجميل. 

يتبع......

شُكْري السنكي

كلمات كتبها الأستاذ إبراهيم خليف فِي الذّكرى السّنويّة الأولى لوفاة شقيقه ناصر

نسخة مِن الجريدة التي نشرت الحوار الخاطف الّذِي أجرته الإعلاميّة مبروكة الهوني مع ناصر خليف

صُوَرَةُ شخصيّةُ لناصر خليف مِن أرشيف المؤلف، يرجع تاريخها إِلى عَام 1987م

ناصر بين لاعبين مِن سوريا فِي زيهما الرياضي الأحمر، وَفِي طرفها يظهر أحمَد شرمدولاعب نادي الهلال المميز فِي كرة تنس الطاولة


مِرْفَق الْوَثَائِق:

الوَثِيقَة الأولى: كلمات كتبها الأستاذ إبراهيم خليف فِي الذّكرى السّنويّة الأولى لوفاة شقيقه ناصر، ونشرها فِي جريدة (أخبار بّنْغازي) بتاريخ 22 ديسمبر/ كانون الأوَّل 2010م. الوَثِيقَة الثّانيّة: نسخة مِن الجريدة التي نشرت الحوار الخاطف الّذِي أجرته الإعلاميّة مبروكة الهوني مع ناصر خليف على هامش (معرض الفنون) المنعقد فِي صيف 2007م بمصيف جليانة لإعداد الشّباب المُبدع.     

مِرْفَق الصُّوَر:

الصُوَرَة الأولى: صُوَرَةُ شخصيّةُ لناصر خليف مِن أرشيف المؤلف، يرجع تاريخها إِلى عَام 1987م، وتُنشر لأوَّل مرَّة. الصُوَرَة الثّانِيَة: صُوَرَة خاصّة مِن أرشيف المؤلف وقد سبق نشرها فِي النت فِي شهر مارس/ آذار مِن عَام 2010م، ويظهر فِي الصُوَرَةِ ناصر بين لاعبين مِن سوريا فِي زيهما الرياضي الأحمر، وَفِي طرفها يظهر أحمَد شرمدولاعب نادي الهلال المميز فِي كرة تنس الطاولة.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات:

1) هذه المقالة: سبق أن نشرت هذه المقالة فِي موقعي (ليبَيا المُسْتقبل) و(المؤتمر الوطنيّ للمُعارضة الِلّيبيّة) فِي شهر مارس/ آذار مِن عَام 2010م، ورأيت اليوم إعادة نشرها بهدف إيصال التعريف بالمرحوم ناصر خليف إلى أكبر نطاق ممكن مِن النَّاس بعدما نشرتها إبّان حكم معمّر القذّافي حيث التشويش على مواقع المُعارضة الِلّيبيّة ومواقع الِلّيبيّين في المهجر وأحياناً حجبها بالمطلق بالإضافةِ إِلى تهديد متصفحي مواقع المُعارضة وملاحقتهم. كذلك، رأيت فِي إعادة نشرها فرصة لتذكير المسئولين فِي الدولة الِلّيبيّة حكومة ومؤتمراً بالفاتورة الباهظة التي دفعها الِلّيبيّون مِن أجل إنهاء حكم الاستبداد وإقامة حكم العدالة والقانون.. وبغيّة التأكيد على بعض القضايا الهامّة حتَّى لا تضيع في زحمة ترتيب الأولويات !. هذا، وقد أدخلت على النَّص السّابق المنشور بعض المعلومات والعديد من التعديلات كذلك أضفت عليه بعض اللمسات التي رأيتها ضروريّة. 

2) انضمام عشرة طلبة إِلى المُعارضة وانفصالهم عَن بعثة التصنيع... والطلبة هم: أسامة السّنوُسي شلّوف، عارف المَهْدِي دخيل، محَمّد هاشم الحضيري (اسْتُشْهِد في أحداث 8 مايو/ أيار 1984م)، عبْدالسّلام محَمّد أحمَد مرسي، شُكْري محَمّد السنكي، مُصْطفى الجّالي بوغرارة (اسْتُشْهِد في أحداث 8 مايو/ أيار 1984م)، أحمَد مفتاح الكاديكي، سَعْد عبدالله الأثرم (تُوُفِّيَ فِي المهجر بالولايّات المتَّحدة يوم 5 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1996م)، عَبْدالسّلام ميلاد بوغرارة، مُصْطفى محَمّد الخفيفي.

3) سجن سبعة طلبة بَعْد عودتهم إِلى ليبَيا: بعْد إعلان طلبة التصنيع الحربي موقفهم مِن نظام معمّر القذّافي وانضمامهم إِلى المُعارضة الوطنيّة فِي الخارج، تعرض بعض زملائهم الّذِين كانوا يدرسون معهم فِي ألمانيا للسجن والمنع مِن مواصلة دراستهم حيث مُنِع أكثر مِن عشرين طالباً مِن العودة إِلى ألمانيا بعْد رجوعهم إِلى ليبَيا ومِن مواصلة دراستهم داخل ليبَيا، وكان مِن بين هؤلاء ناصر عَبْدالسّلام خليف. فقد سجن سبعة مِن الطلبة بعْد عودتهم إِلى ليبَيا مباشرة، وهم: عَبْدالحميد مختار الجبالي، طاهر إبراهيم عقيلة، ناصر عَبْدالسّلام خليف، صلاح الدّين إمحمد السّاحلي، علي عَبْدالله الغرياني، فتحي بن زبلح، علي بن أحمَد، وقضوا فِي السجن حوالي تسعة شهور. وإعيد سجن البعض مِن هؤلاء بعْد أحداث 8 مايو/ أيّار 1984م وقضوا فِي المعتقل شهوراً مِن الزمن، أمّا ناصر خليف فقد قضى فِي السجن حوالي خمس سنوات.

مصَادِر وَمَرَاجِع:

1) الدّكتور وهبي أحمَد البوري – كتاب: (مجتمع بّنْغازي فِي النصف الأوَّل مِن القرن العشرين – (دار الكتب الوطنيّة) من إصدارات (مجلس الثقافة العامّة)، الطبعة الثّانيّة الصّادرة فِي عَام 2008م.

2) المؤلف – مقالة: (قصّة بطل.. محَمّد هاشم الحضيري رمزاً مِن رموز الصمود) - صحيفة: (الكلمة)، وموقع (شؤون ليبيّة)، وموقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ شهر فبراير/ شباط 2014م.

3) الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا - كتاب: (انتهاكات حُقُوق وحريّات الإنْسَان الِلّيبيّ فِي ظلّ النَّظام الإنقلابي (1969م–1988م) - الجزء الأوَّل: الحُقُوق القضائيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة والثقافيّة – الطبعة الأولى/ 1999م.   

4) الموسوعة الحرَّة (ويكيبيديا) - شبكة النت الدّوليّة، تواريخ ومعلومات عامة عَن أعلام وبعض المدن والبلدان.  

  

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
شكري السنكي
وقفت قناة (ليبيا تي في) فِي برنامجها اليومي: (لمة خوت)، ليلة  الأحد الموافق 3 أغسطس / أب 2014م، أمام شخصيّة الرَّاحل ناصر خليف، فِي فقرة البرنامج المسماة (بصمة وطن) المخصصة…...
التكملة
رمضان حسين الحداد
ان تتعرف على ناصر خليف او تحتك به رحمه الله حتى للحظات قصيرة يترك أثرا جميلا وعميقا وأزل فى نفسك وعقلك، مثقف ،ومرح خفيف الظل والروح، يحب الخير لكل الناس،…...
التكملة
اسعد العقيلي
ناصر خليف رحمه الله احد معالم بنغازي وجه صافي الود .. وقلب نقي ابيض كما نورس افرد جناحيه ليغسلهما المطر .. افتقدته الاماكن .. السقرسيوني .. جليانه .. نادي الهلال…...
التكملة
حمدى حرويس
لقد ابدعت سيد/ شكرى السنكى ، فى هذا الوصف ، فعلا لقد احسنت الوصف ، كان المرحوم ناصر اخليف يجيد اللغة العربية الفصحى ولقد تعلمها فى السجن من دكتور فى…...
التكملة
عطية الأوجلي
شكرا أ. شكرى على مجهودك وعلى نبل وفائك...
التكملة
الدايخ
... من يقول الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا انقذت ليبيا و من يقول ان هناك معارضة حقيقية للقذافي بل ان منها ظاهرة معارض و باطنة بزناس مع رموز القذافي في الصحة…...
التكملة
نبيل الشافعى
رحمة الله عليك يا ناصر و بارك الله فيك يا شكرى على لمسة الوفاء...
التكملة
تهمتهم خيانة الوطن ..
لو ان كل من ترائة له فكرة او حلم ثم خرج علي الناس ، وتخرمد. وتئآمر مع الخارج ، لانفلقت البلاد علي مئآت التوجهات ... كل يري نفسه علي حقّ…...
التكملة