شُكْري السنكي: حسن الأشهب.. مسيرة حياة ونضال وثقافة (4 مِنْ 5) 7/3/2015 12:35 شُكْري السنكي: حسن الأشهب.. مسيرة حياة ونضال وثقافة (4 مِنْ 5)
الصادق شكري بحث

أصوات كسرت جدار الصمت ومهّدت لانطلاق الثورة


حسـن الأشهــب… مسيرة حياة ونضال وثقافة


بقلم: شُكْري السنكي

الحلقة الرابعة (4 مِنْ 5)

نماذج مِن كتابات حسن الأشهب

ترجم حسن الأشهب مِن الإنجليزيّة إِلى العربيّة العديد مِن المقالات الهامّة للقارئ العربي.. وكتب العديد مِن المقالات باللغة الإنجليزيّةِ ونشرها فِي دوريات أمريكيّة مختلفة.  ونشر جزءاً مِن إنتاجه باللغة العربيّة فِي مجلّة (الوطن) الناطقة باسم (الجبهة الِلّيبيّة الوطنيّة الدّيمقراطيّة)، ومجلّة (شؤون ليبيّة) الناطقة باسم (الحركة الِلّيبيّة للتغيير والإصلاح).

اخترت أربع مقالات مِن مقالاته المنشورة فِي مجلّة (شؤون ليبيّة) وباسمه المستعار محَمّد أحمَد صلاح، نشر الأولى فِي خريف 1417 هجري الموافق 1996م تحت عنوان: (حول مفهوم الإصلاح فِي ليبَيا مَا بعْد القذّافي).. وكتب الثّانيّة تحت عنوان: (على خطى موسوليني) ونشرها فِي شتاء 1417 هجري الموافق 1997م.. ونشر الثّالثة فِي خريف 1418 هجري الموافق 1997م تحت عنوان: (نماذج مِن الخطاب الغربي المعادي للإسْلام).. ونشر الرّابعة فِي شتاء 1415 هجري الموافق 1995م تحت عنوان: (مُلاحظّات أوليّة حول حكم الفرد المُطلق والدّيمقراطيّة فِي ليبَيا). وسوف أعرض فِي هذه المحطّة ثلاث مقالات كمَا كتبها فقيدنا الرَّاحل بنَصُّها كاملاً أمّا الرَّابعة فاخترت جزءاً واحداً فقط مِن أجزاء دراسة تحليليّة مستفيضة مُكونة مِن عدة فقرات طويلة وملتحمة فِي جسم واحد. 

ناضل حسن الأشهب طويلاً ضدَّ القمع والاستبداد، وكان مؤمناً بحتمية الانتصار على القذّافي ونظامه الدّكتاتوري، ومعرباً عَن اعتقاده بأن النَّصر آت لا ريب فِي ذلك بعون الله تعالى، وهمة الِلّيبيّين الشّرفاء الأحرار الّذِين يشهد التّاريخ لهم بالبطولة والصمود والإنجاز، وخيرُ مثالُ على ذلك، جهادهم الأسطوري ضدَّ المستعمر الإيطالي الاستيطاني.. ومفاخر بناءهم لدولة ليبَيا الحديثة مِن عدم وقتما كان العالم كله لا يراهن على قيامها واستمرارها نظراً لفقرها وانتشار الأمراض والأوبئة بين سكّانها واِنْعِدَامِ الثروات وكافة مقومات الحيَاة بها.. ونضالاتهم الأخرى التي تلتها حيث عُرف عَن الِلّيبيّين أنهم شعب لا يستكين على ظلم.
وانطلاقاً مِن هذا، طرح حسن الأشهب مشروعاً وطنيّاً مِن مجموعة نقاط وخطّوات ترسم الطريق لكيفية الخروج مِن مخلفات الحكم الدّكتاتوري المتمثل فِي نظام معمّر القذّافي الّذِي كان يرى نهايته آتية فِي أيّ وقت.. وتضع بعض المهام التي ينبغي على القوى الوطنيّة القيام بها - وبصورة عاجلة - بعْد سقوط الدّكتاتور.. وتؤكد على ضرورة الاستعداد لمواجهة التغيير والتعامل مع مرحلة مَا بعْد القذّافي وفق خطة استراتيجيّة مدروسة ترتكز على إدراك عميق وفهم واقعي ونظرة شموليّة تحليليّة.

وتوقع حالة المجتمع الِلّيبيّ بعْد زوال نظام القذّافي ستكون شبيهة بحالة مجتمع خارج مِن حرب طويلة مُدمّرة، أيّ المجتمع الّذِي لا يملك ترف الدّخول فِي عمليّات تصفيَة وتصفيّة مضادة، ولا التعاطي مع الدعوات القاضيّة بعزل كل مَنْ عمل فِي وزارات الدولة وسفاراتها وأجهزتها الهامّة كسنّ قوانين العزل السّياسي التي تجرم المناصب أكثر مِن كونها تجرم الممارسات، ولكنه بحاجة إِلى إحقاق الحق، ورفع المظالم عَن النَّاس، وتحقيق الاستقرار مِن خلال التسامح والتصالح ووسائل الإقناع والحوار لا العنف أو الإبعاد والإقصاء، ثمّ الاستفادة مِن كلّ القدرات والطاقات والخبرات مِن أجل كسب معركة البناء. وكان يتوقع أيْضاً أن تكون مرحلة مَا بعْد القذّافي صعبة وخطيرة ولابُدَّ مِن التعامل معها بحزم وعقل مفتوح مُدرك للمخاطر.. وأن يُسهم فِي وضع خارطة طريقها مَنْ ناضل وحلم بالتغيير ولا يترك المجال لغيرهم يرسمونها بمعزل عنهم فذلك هُو الخطر أو عين الخطر كمَا يقولون.

عرض هذا المشروع تحت عنوان: (حول مفهوم الإصلاح فِي ليبَيا مَا بعْد القذّافي) فِي مقالة نشرها فِي مجلّة (شؤون ليبيّة) بعْد سبعة وعشرين عاماً مِن عمر القذّافي فِي السّلطة أيّ قبل سقوطه بعقد ونصف، ولو تمّ اتباع مقترحه بعْد سقوط نظام القذّافي أو وُضع مقترحه فِي الحسبان مَا كان لحالنا أن يصل إِلى مَا وصل إليه مِن قتال ونزاع ومَا يهدد أمن الوطن وكيانه، لأن مقترحه وضع فِي الاعتبار المُتوقع حدوثه بعْد سقوط الطاغوت والتداعيات التي رُبّما ستقع مِن جراء ذلك، خصوصاً إذا مَا تمّ رسم خريطة الانتقال بعيداً عَن إدراك الواقع وفهمه، فالمجتمع الّذِي نشأ تحت حكم الاستبداد سيحصد إرهابياً وتطرفاً لا يمكن محاصرتهما وتقليص حظوظهما والتقليل مِن مخاطرهما إلاّ بالحلول التوافقيّة وخارطة انتقال واعية ومُدركة للواقعِ ومستوعبة لمشكلاته وإشكالاته. 

سلط الضّوء فِي المقالة الثانيّة، على الذّاكرة وأهميتها وكيف تآمر القذّافي عليها، ونشرها تحت عنوان: (على خطى موسوليني)، وأكَّد فيها على أن الدولة التي تعبث بالذّاكرة وتحجّم عَن إبقاء الماضي حياً فِي أذهان النَّاس، هي دولة متآمرة تعتمد الجريمة أسلوباً، وشأنها شأن كلّ الدّكتاتوريات والنظم الفاشيّة بدءاً مِن بينيتو موسوليني وأدولف هتلر ومروراً بأناستاسيو سوموزا وأوغستو بينوشيه وبول بوت والشاه محَمّد رضا بهلوي ووصولاً إِلى معمّر القذّافي ورادوفان كاراديتش. ورصد فِي هذه المقالة وجه الشبه بين موسوليني والقذّافي، والصلة الوثيقة بين منطلقات الفكر الفاشي ومُمارسات القذّافي فِي ليبَيا مُنذ استيلائه على السّلطة فِي الأوَّل مِن سبتمبر / أيّلول 1969م. وأكَّد على أن عداوة التّاريخ سمة كلّ الفاشيين، وأن الحاكم الفاشي يعتبر تاريخ بلده وشعبه قبل تسلمه للسلطة كتاريخ ناقص ومشوّه، وأنّه الوحيد القادر والمُؤهل لتجاوز هذا النقص والتشويه وإعطاء التاريخ الوطنيِّ والقومي أبعاده الحقيقيّة !!.

وقد أشار فِي مقالته سالفة الذكر إِلى أن القذّافي قام بهدم المعالم التّاريخيّة والحضاريّة لعدة مناطق ومدن ليبيّة، وأن النظم الفاشيّة التي منها نظامه تعتبر المباني التاريخيّة والآثار جزءاً مِن الذّاكرة، والذّاكرة الحية تشكل خطراً حقيقياً على نظمها واستمرارها فِي الحكم. ولا شكّ أن ثراء الذّاكرة وإبقاء الماضي حياً فِي أذهان النَّاس، يقف ضدَّ طموحات الحاكم الفاشي الّذِي يرى أنه الدولة وأن السّيادة حكرُ عليه وحده، وأن إفقار الذّاكرة وتراجعها يؤثر على سلوكيّات النَّاس وتصرفاتهم التي ترتكز فِي الأساس على ثراء الذّاكرة، وأن إفقارها أيّ الذّاكرة يسهل حتماً عمليّة سيطرته وتحكمه فِي إرادة الشّعب.

ورُبّما استطرد هُنا لأؤكد بأن النظم الدّيمقراطيّة المتحضرة تحرص كلّ الحرص على تدوين التاريخ والحفاظ عليه، وتقوم - مِن حين لآخر - بإعادة دراسته لتجديد الاستفادة منه فِي الواقع المعاصر. وتضع التشريعات وتسن القوانين التي تكفل المحافظة على كل شيء ذي صلة بذاكرة النَّاس وثقافتهم وما يعكس البعد الحضاري لدولتهم، وتمنع منعاً باتاً هدم الآثار والمباني التّاريخيّة والشوارع القديمة ذات العلاقة بذّاكرة المجتمع وتاريخه.        

وفِي المقالة الثالثة لفت حسن الأشهب الانتباه مبكراً إِلى بدايات بروز الصّوت المعادي للإسْلام فِي الخطاب الغربي والّذِي تحوّل فيما بعْد لما يعرف بـ(إسلاموفوبيا) أيّ الخوف أو العداء للإسْلام، ورصد بعض النماذج التي جهرت بعدائها للإسْلام والمُسلمين، والتي صورت المُسلمين على أنهم مجبولين ومفطورين على العنف !، ورافضة في الوقت نفسه قبول المُسلمين فِي المجتمعات الغربيّة والترحيب بهم. وحذّر مِن تصاعد ظاهرة العداء للإسْلام فِي الخطاب الغربي ومَا قد يترتب عنه مِن أثار سلبية على المُسلمين وبلدانهم، ومَا قد يدفع إليه مِن توجه نْحَو التصادم بدلاً مِن الحوار أيّ إِلى (صدام الحضارات) بدلاً مِن (تفاهم أو حوار الحضارات) على اعتبار أن هذا الخطاب لا يميز بين الإسْلام كدين وبين سلوك الأشخاص أو بعض الجماعات التي تدّعي أنّها تستمد رؤاها الفكريّة والسّياسيّة مِن هذا الدّين، ولا يعترف بما أنجزه الإسْلام والمُسلمون مِن إضافات ثمينة إِلى صرح الحضارة الإنسانيّة علماً وفكراً وفناً وإبداعاً. ولهذا كتب حسن الأشهب هذا الموضوع ولفت النظر مبكراً لأهميته وخطورته فِي الوقت نفسه، وقدم بعض نماذج مِن العداء للإسْلام فِي الخطاب الغربي.     

وفِي المقالة الرَّابعة سوف نقف عند جزء واحد فقط مِن دراسة تحليليّة مستفيضة مكّونة مِن سبع صفحات سلط الفقيد الرَّاحل فيها الضّوء على الإطار النظري لتحليل طبيعة السّلطة الحاكمة فِي ليبَيا إبّان عهد معمّر القذّافي، وطبيعة الأزمة السّياسيّة الحادة التي كانت تواجهها السّلطة الحاكمة فِي ذلك الوقت. وقدّم تشريح تاريخ وآليات القمع "الفيزيقي" والأيديولوجي، والإرهاب ليس بانحرافات مأساويّة فحسب بل كعناصر تأسيسيّة وعضويّة فِي تكوين نظام القذّافي. وأكَّد مِن خلال إطاره النظري وطرحه التحليلي على ضرورة التمسك والالتزام بالسّعي لإقامة نظام ديمقراطي دستوري قانوني، أيّ القبول والاحترام الكاملين للدّيمقراطيّة السّياسيّة القائمة على التمثيل، والمُؤسسة على قاعدة تعدد الأحزاب والتغيير السّلمي فِي الحكومات (تداول السّلطة). واسْتَخْلَصَ بأن الدّيمقراطيّة حسب هذا المفهوم تُعد شرطاً ضرورياً لا غنى عنه لإعادة بناء الحيَاة السّياسيّة - الاجتماعيّة فِي ليبيا مَا بعْد القذّافي.

ونقف فِي هذه الدّارسة التحليليّة المُستفيضة والعميقة، عند الجزء الخاصّ المتعلق بكيف استطاع معمّر القذّافي أن يصبح حاكماً مُطلقاً ويهمش أعضاء مَا يُسمّى بمجلس قيادة الثورة حيث أعلن (الثورة الثقافيّة) فِي خطابه بمدينة "زوارة" فِي أبريل / نيسان 1973م والتي أحدث من خلالها شرخاً عمودياً في هيكليّة السّلطة مكنه ليس مِن تهميش المجلس فحسب بل تجاوزه مِن خلال إيجاده للّجان الشّعبيّة التي وصل عددها فِي أغسطس / أب مِن نفس السنة إِلى ألفي (2000) لجنة. وقد ضبط معمّر القذّافي إيقاع تحكمه فِي كافة مفاصل السّلطة مِن خلال تبنيه لنهج يقوم على تسفيه الدّيمقراطيّة والتمثيل والحزبيّة، وعبر آلية "الاتحاد الاشتراكي" أولاً، و"حركة اللّجان الثوريّة" لاحقاً. 

وأخيراً، اكتفيت بعرض أربع مقالات فقط مِن مقالات الرَّاحل حسن الأشهب الكثيرة والتي تحتاج - ودون شكّ - إِلى تجميعها وترتيبها وإصدارها فِي كتاب كمَا فعل الباحث والمحقق الأستاذ سَالم حسين الكبتي مع الصّحفي الرَّاحل رشاد الهوني أحد رواد الكتابة الإبداعيّة والصحافة الِلّيبيّة، حيث جمع انتاجه الأدبي ومقالاته الأسبوعيّة الثابتة التي كان ينشرها في صحيفة (الحقيقة) على مدار سنوات، فِي كتاب صدر عَام 2007م تحت عنوان: (زيت القناديل.. رشاد الهوني سيرة ونصوص).

وَالحَاصِل، أردت مِن نشر مقالات الأشهب المختارة، تسليط الضّوء على بعض انتاجه الكتابي وتقريب صورته إِلى القارئ أقرب مسافة ممكنة لتكون واضحة بأدّق تفاصيلها أو كمَا قال سَالم الكبتي فِي مقدمته عَن الصّحفي والأديب رشاد الهوني، أن الغرض مِن الكتاب هُو أنه:..".. خطوة أولى تتوخى الإبانة عَن دوره والكشف عَن تاريخه وتراثه الأدبي والمهني الّذِي أُهمل ولحق به وبآخرين أمثاله جحود ونسيان غير مبررين ".  

وختاماً، أردت مِن عرض هذه المجموعة، التعريف بالرَّاحل حسن الأشهب مِن خلال منطقه وتعبيراته ومفرداته.. والتعرّف عليه أكثر مِن خلال إنتاجه الكتابي. وقصدت مِن عرضها أيْضاً الإلمام بمنطقه ومنطلقه، وفِي الأوَّل والأخير، التحيّة له وإعادة التذكير به كمُناضل ومُثقف وكاتب وسياسي دافع عَن وطنه وكرامة شعبه إِلى آخر قطرة مِن دمه الطاهر الزكي. 


المقالة الأولى: (حول مفهوم الإصلاح فِي ليبَيا مَا بعْد القذّافي) 


حول مفهوم الإصلاح فِي ليبَيا مَا بعْد القذّافي

أهمّ معالم الإصلاح الّذِي تحتاجه ليبَيا هُو إصلاح نظام الحكم، وإعادة صوغ العلاقة مَا بين الدولة والمجتمع مِن خلال ثقافة سياسيّة جديدة تتجاوز قيم العشيرة والقبيلة والولاءات الجهويّة باتجاه بناء قيام ولاء للوطن بأكمله.

هُناك إجماع فِي أوساط الِلّيبيّين على أن ليبَيا أصبحت بحاجة للخروج مِن مأزقها الرَّاهن الناجم عَن سياسات وحكم العقيد معمّر القذّافي. ويرى ليبيّون كثيرون أن هذا الأمر يتطلب الإطاحة بنظام الحكم القائم، وتصفيّة المُؤسسات والمُمارسات القمعيّة وغير الإنسانيّة لحكم الفرد المطلق أولاً، وتكثيف الجهود لبدء مرحلة طويلة مِن الإصلاحات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والثقافيّةّ اللازمة لوضع ليبَيا على مسار يمكّنها مِن تعويض مَا فاتها طوال السبعة وعشرين عاماً الماضيّة، ويمكّنها كذلك مِن دخول القرن الحادي والعشرين وهي تقف على أرض صلبة ثانياً. ولعلّ أحد أهمّ معالم الإصلاح الّذِي تحتاجه ليبَيا هُو إصلاح نظام الحكم، وإعادة صوغ العلاقة مَا بين الدولة والمجتمع.

ولا ينبع الحديث عَن الإصلاح فِي مرحلة مَا بعْد القذّافي عَن رغبات ذاتيّة مجرّدة  ومفصولة عَن الواقع الموضوعي بكلِّ تجلياته، ولا هُو كذلك نتاج أحلام خياليّة. الحديث عَن الإصلاح يعكس فهماً علمياً رصيناً للواقع الّذِي تعيشه بلادنا ويعيشه شعبنا، ويؤكد ضرورة أن تعود ليبَيا لاحتلال موقعها فِي النَّظام الإنساني بكلِّ إنجازاته وإبداعاته وتعقيداته، وسلبياته كذلك. فالمجتمعات الإنسانيّة المختلفة بفضل مَا توّفّر لديها مِن وسائل الاتصال والعلم والتقنية لم تعد مضطرة لبدء جهود البناء مِن نقطة الصفر، بل يمكن لهذه المجتمعات إذا مَا توفرت لها الإرادة أن تجد الطريق المناسب لتحديد خياراتها الواعيّة لكيفية إحداث التطور والإصلاح حسب إمكانياتها وحسب الأولويّات التي تحدّدها. لقد ضيّع العقيد القذّافي سبع وعشرين عاماً مِن عمر ليبَيا – وهي مرحلة ليست قصيرة بأيّ مقياس، وأهدر الثروات ودمّر قطاع التعليم، وأحيا الإقطاع القبلي الّذِي أصبحت مؤسساته البالية بديلاً عَن نظام إداري وجهاز مؤسساتي متكامل يؤدي وظائفه فِي حمايّة المواطن وتلبية احتياجاته الأساسيّة، ويدفع بعمليّات التطور والنمو والاستقرار.

إذاً الإصلاح شرط ضروري ولازم لإخراج ليبَيا من الحلقة المفرغة التي تعيشها مُنذ وصول القذّافي إِلى السّلطة. لكن للإصلاح جوانب وأبعاد مختلفة ومتمايزة عَن بعضها البعض. وإذا كان بعضها يستحق عناية خاصّة فإنّه لا يمكن له أن ينجح إلاّ إذا كانت جهود الإصلاح فِي الميادين المختلفة مكمّلة لبعضها البعض. ويمكن على سبيل المثال لا الحصر، الحديث عَن الإصلاح الإداري بوصفه الخطّوة الأولى لإصلاح العطب الّذِي ألحقه العقيد ببني الدولة الِلّيبيّة وأجهزتها المختلفة. لكن هذه الخطوة الأولى لن تحقق نتائجها المرجوة دون تركيز جهود موازيّة على إصلاح النظام القضائي. وعلى إعادة بناء ثقافة سياسيّة وطنيّة – قوميّة تقوم على قيم التسامح والتعدد والاجتهاد والإبداع.

لقد أدَّت سياسة الصدمات والقفز مِن مجهول لآخر التي اتبعها القذّافي إِلى تعطيل الطاقات وشل حيوية المواطن، أياً كان موقعه، وإِلى إدخال البلاد فِي حالة دائمة مِن عدم الاستقرار. وهذه الحالة أثرت بدورها على عمليّات التنميّة. وكان نتاج هذا كله إنهيار القاعدة الاجتماعيّة للسّلطة التي انكمشت بشكل متواصل حتَّى أصبحت ترتكز على العشيرة واللّجان الثّوريّة وأجهزة الأمن. وحتَّى هذه الأخيرة بدأت تنفض يدها عَن السّلطة الحاكمة، وتعيد حساباتها. ونحن على يقين بأنها ستقف مع شعبها ضدَّ الحاكم المُستبد عندما تحين اللّحظة المناسبة. ولعلّ هذا يفسر جهود القذّافي البائسة لإعطاء نظامه قدراً مِن الزخم مِن خلال تكوين مَا أسماه "لجان التطهير"، وهي فِي الحقيقة ليست سوى أداة جديدة مِن أدوات القذافي يريد توظيفها مِن أجل إنزال العقاب بأفراد وفئات ينتمون للتحالف الحاكم وبدأوا مؤخراً يهجرون سفينة النظام الغارق. وليس مِن المستبعد أن ترد هذه الفئات على ضربات القذّافي وتكيل له الصاع صاعين حتَّى تفقده توازنه، أو تصيبه بالدوار على الأقل. ينبغي أن تُسمّى الأشياء بمسمياتها لتجنب اللبس والغموض.

أولاً: ستكون حالة المجتمع الِلّيبيّ بعْد سقوط القذّافي شبيهة بحالة مجتمع يخرج مِن حالة حرب مُدمّرة طويلة الأمد. يعني هذا ضرورة أن تتصدى كافة القوى الوطنيّة وبصورة عاجلة للمهام التالية:

1- حل اللّجان الثوريّة ونزع سلاحها، ثمّ القيام بحملة مكثفة لنزع السلاح بصورة شاملة.

2- تحقيق الاستقرار السّياسي مِن خلال وسائل الإقناع والحوار، لا العنف أو العسف.

3- بذل الجهود اللازمة لتحقيق نجاحات سريعة ومباشرة، حقيقية وملموسة، لرفع مستويات المعيشة لليبيين بعْد سبعة وعشرين عاماً مِن الفقر والعازة والتقشف الّذِي فرضته الطغمة الحاكمة. ويشمل هذا تعديل هيكل الأجور، إعادة بناء قطاعي التعليم والصحة، وضع الخطط اللازمة لحل أزمة الإسكان، وتحديد معايير وضوابط قانونيّة لتنظيم علاقات العمل وفض المنازعات.

4- إعادة الثقة للمواطن الِلّيبيّ، وإطلاق كافة الطاقات البشريّة مِن أجل كسب معركة البناء.

ثانياً: ستحاول فئات مختلفة الظهور بمظهر وطنيِّ – ديمقراطي، وستحاول أن تطرح دعوات مشبوهة لتصفية كلّ مَنْ اختلف معها، أو كلّ مَنْ عمل بجهاز مِن أجهزة الدولة. هذه الدعوات المريضة والمشبوهة لابُدّ مِن التصدي لها بكل حزم وصلابة. فالقوى الساعيّة لإعادة بناء مجتمع خارج مِن حالة حرب مدمّرة لا تملك ترف الدّخول فِي عمليات تصفيَة وتصفيّة مضادة، بل هي مطالبة بإحقاق الحق، وبرفع المظالم عَن النَّاس. وهذا أمر لا يخضع لاعتبارات سياسيّة – أيديولوجيّة آنية، بل لابُدّ أن يخضع لاعتبارات قضائيّة قوامها العدل وإقرار قيمة الإنْسَان وحُقُوقه. وهذا أمر لن يسهل تحقيقه دون إيجاد المعايير اللازمة، وهي:

1- دستور يُقرّ فصل السّلطات، واستقلال القضاء، وتعدديّة الآراء والاختيارات والانتماءات الفكريّة والحزبيّة والثقافيّة والنقابيّة.

2- يتمّ بموجب هذا الدستور إقرار حق المواطن فِي المشاركة فِي الحياة السّياسيّة بكافة أشكالها ومستوياتها دون حواجز وشروط أيديولوجيّة أو سياسيّة مسبقة لأنّ مثل هذه الشروط تكرّس ظاهرتي الإبعاد والإقصاء عَن الفضاء السّياسي. الشرط الوحيد الّذِي يجب على كلّ الأطراف القبول به هُو شرط المُشاركة السلميّة فِي العمل السّياسي، والقبول بمبدأ تداول السّلطات سلمياً.

3- لما كان كثير مِن الِلّيبيّين قد تضرروا بدرجة أو أخرى مِن سياسات حكم الفرد المطلق، ولما كان لهؤلاء الحق فِي المطالبة برفع الظلم الّذِي نزل بهم، فلابُدّ ومُنذ البداية التأكيد على أن رفع المظالم لا يتمّ مِن خلال أجهزة أمنيّة أو سياسيّة – فهذه أجهزة لها مهام أخرى – بل يتمّ مِن خلال الجهاز القضائي ودون أيّة استثناءات.

ثالثاً: لما كانت سياسات العقيد قد ارتكزت طوال السبعة وعشرين عاماً الماضية على احتكار الخطاب الأيديولوجي، وعلى إقصاء الِلّيبيّين عَن المشاركة السّياسيّة المستقلة، وعلى تدمير البنى التعليميّة والثقافيّة والإعلاميّة، وعلى تحويل أجهزة الدولة إِلى مرتع الفئات السلطوي بحيث تمارس هذه الفئات عسفها باتجاه المواطنين، ونهبها للثروات ونشر الفساد الإداري والمالي والأخلاقي، لما كانت هذه هي  مرتكزات سلطة ومُمارسات القذافي لابُدّ إذاً مِن خلق النقيض الكامل لها. هذا النقيض هُو ثقافة وطنيّة – قوميّة – ديمقراطيّة تقوم على احترام العلم والعقل والإبداع، وتضع احتياجات ليبَيا وطناً وشعباً فوق كلّ اعتبار. فالثقافة السّياسيّة التي سادت تحت حكم القذّافي كانت تسلطية وفئويّة ومعاديّة للوطن والشّعب، لا تقيم أيّ اعتبار إلاّ لاختيارات "القائد المفكر"، وهي ثقافة قامت على العداء المفضوح للرأي الآخر. مِن هذا فإن الثقافة السّياسيّة المرّجوة لليبَيا مَا بعْد القذّافي وهي تقوم على احترام العلم والعقل لابُدّ أن تقرّب:

1- دور الخبرات الفنيّة والإداريّة والاقتصاديّة وغيرها فِي عمليّات إعادة البناء، هذا الدّور لابُدّ أن تحميه قوانين ولوائح إدارية تعطي هذه الخبرات استقلاليتها، ولا يُتدخل فِي عملها مِن زاوية الاعتبارات المصلحية الضيقة. ووفقاً لمعايير الكفاءة والإنجاز تتمّ مساءلة مَنْ يقصّر فِي أداء عمله أو يمارس مُمارسات غير صحيحة (الفساد، الرشوة، المحسوبية، إهدار المال العام) مِن خلال أطر متخصصة وحسب إجراءات محدّدة لا تخضع للأمزجة الذّاتيّة.

2- لابُدّ أن يفسح المجال لهذه الخبرات كي تؤدي المهام المنوطة بها مِن منظور تراكمي، فما ينجز ويتحقق اليوم يبنى عليه فِي مرحلة لاحقة. ولذا فلا يجب ربط التغييرات الحادثة على مستوى الحكومة (الوزارات) بمنهج يسعى للتقليل مِن قيمة جهود وإسهامات مَنْ سبقوا. بل يمكن للجديد أن يتابع مَا أنجز قبله ويبني عليه. مَا نودّ التركيز عليه باختصار هُو ضرورة تفادي سياسات الهوة (Policy Gaps) التي تؤدي إِلى تعطيل الجهود وهدر الإمكانيّات.

3- هذه الخبرات التي تحدثنا عنها لابُدّ مِن صقلها وتجديدها وصهرها فِي بنية تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات الوطنيّة والجهويّة والمحليّة، وتوازنها وتكاملها.

لابُدّ إذاً مِن النظر إِلى الثقافة السّياسيّة بوصفها شبكة مِن المعايير التي تحدد انتماءات المواطن للوطن، وعلاقاته بالدولة، وحُقُوقه وواجباته. ولا يجب أن نخضع هذه المعايير لمقاييس تفتعلها السّلطة دون رقيب أو حسيب فتعطي لهذا وتحرم ذاك لا لشيء سوى اختلافه مع مَا تطرحه الدولة حول هذه المسألة أو تلك، بكلمات أخرى لابُدّ أن تقوم الثقافة السّياسيّة الجديدة على الاعتبارات التالية:

* المجتمع الِلّيبيّ هُو شبكة تفاعلات بين كافة القوى والتيارات الاجتماعيّة والسّياسيّة والثقافيّة، فهذه جميعها روافد لبعضها البعض ولا يمكن لأيّ منها أن ينجز دون الآخر. ولابُدّ أن تقوم هذه التفاعلات على الإقرار بحُقُوقِ الإنْسَان وقيمته، وعلى ضرورة حمايته مِن أيّ نوع مِن العسف والقهر بما فِي ذلك عسف الدولة وقهرها.

* الإقرار بنسبية الأفكار والمفاهيم البشريّة والتصدي بالجدل والحوار لتلك المنظومات الفكريّة التي تسعي لفرض اجتهاداتها مِن خلال مفاهيم كلية تعلن تفوقها على الآخرين مُسبقاً. هذه المفاهيم الكلية تقوم على إدّعاء تملك أصحابها للحقيقة الكاملة، وهي مِن ثمّ إقصائيّة بطبعها.

* العقلانيّة التي ندعو إليها هُنا هي عقلانيّة اجتماعيّة تتجاوز "عقلانية السوق" الضيقة العمياء التي تختزل قيمة الإنْسَان فِي قدراته الشرائيّة فحسب ودون النظر للاعتبارات السّياسيّة السّلطويّة التي سادت طوال عهد القذّافي، هذه الاعتبارات التي حرمت معظم الِلّيبيّين مِن حقهم فِي الكسب المشروع. فنظام القذّافي أرتكز بصورة مباشرة ومحدّدة إِلى تشجيع الكسب غير المشروع، الكسب المرتبط بالفساد والانتماء للكتلة الحاكمة. وهذا هُو التوجه الّذِي أدّى إِلى إفقار معظم الِلّيبيّين لأنهم رفضوا الانصياع لهذه المعايير المشوهة.

* الأخذ بمفهوم التخطيط، وهذا لا يلغي حُقُوق الملكيّة الفرديّة والاستثمارات الخاصّة. بل يعني أن يتمّ تنظيم هذه جميعاً مِن خلال نظام قانوني يكفل تكافؤ الفرص والربح والتنافس. وهذا أمر معترف به حتَّى فِي أكثر المجتمعات الرّأسماليّة تطوراً كالولايّات المتَّحدة الأمريكيّة، واليابان، وألمانيا، وفرنسا وغيرها. فالنظم السّياسيّة في هذه البلدان رغم سعيها لحمايّة هذه الملكية، إلاّ أنها لا تترك الحبل على الغارب بل تقرّ القوانين والتشريعات لحمايّة المجتمع مِن المُمارسات غير المشروعة كالغش التجاري بكافة أنواعه، والتهرب مِن دفع الضريبة.. إلخ.

باختصار تشير الثقافة السّياسيّة الجديدة المرجوة لليبَيا مَا بعْد القذّافي إِلى ضرورة تجاوز قيم العشيرة والقبيلة والولاءات الجهوية باتجاه بناء قيم ولاء للوطن بأكمله. وهذه القيم لا تتبلور إلاّ مِن خلال حملة مكثفة لإصلاح كل عطب ألحقه القذّافي بمجتمعنا وثقافتنا وقيمنا، وَمِن خلال حملة لإعادة البناء على نحو يحفظ وحدة الوطن ويصون ثرواته ويحميها مِن الإهدار. ويعني هذا أن نأخذ بعين الاعتبار مَا يلي:

* خلق البيئة والمناخ اللازمين لاجتثاث كافة أنماط المُمارسة التسلطية حتَّى لا يكون المجال مُتاحاً لعودة هذا النمط مِن المُمارسات إِلى الظهور مِن جديد.

* تطوير وتطبيع مفهوم المسئوليّة على المستويات الفرديّة والاجتماعيّة.

* "أنسنة" وسائل الاتصال.

* الاهتمام بمُنظمات حُقُوق الإنْسَان لبناء فضاء عام يعكس تعددية المصالح والتطلعات الاجتماعيّة.


المقالة الثانية: (على خطى موسوليني.. القذّافي يهدم معالم ليبَيا التاريخيّة العربيّة الإسْلاميّة)


على خطى موسوليني القذّافي يهدم معالم ليبَيا التاريخيّة العربيّة الإسْلاميّة

كلما تفاقمت الأزمات التي يعيشها النَّظام الحاكم فِي ليبَيا كلما تفتق ذهن القذّافي الشرير عَن مخطط جديد لإنزال المزيد مِن الدمار بليبَيا الآمنة وشعبها الطيب. ينطلق سلوك القذّافي العدواني مِن مُسلمات أصبحت أساسيّة فِي الفكر والمُمارسة الفاشيّة بدءاً مِن موسوليني وهتلر ومروراً بسوموزا و بينوشيه وبول بوت والشاه ووصولاً إِلى القذّافي وكاراديتش.

وتعتبر نظم الحكم الفاشيّة والفاشيّة الجديدة، البشر كائنات شريرة وتتعامل معهم بموجب هذه الفرضيّة. فالفاشيّون يقروّن على صعيد المُمارسة الفعليّة - حتَّى وإن أنكروا ذلك فِي خطبهم وشعاراتهم - بوجود تناقض دائم بين أنظمة حكمهم والشعوب التي يحكمونها، ووفقاً لهم فإن الشّعب - أيَّ شعب - لا يستطيع أن يمارس أيَّ نوع مِن السّيادة، فالسّيادة حكرُ على الحاكم الّذِي تتجسد فيه الدولة. ويزداد هذا النهج وضوحاً مع تفاقم أزمات الأنظمة الفاشيّة، وإزدياد حالة العزلة التي تعيشها. والقذّافي ليس إستثناء لهذه القاعدة، فهُو يواجه رفضاً شعبياً حقيقياً لسياساته ويحاول يائساً الوقوف على رجل واحدة فِي مواجهة الإعصار القادم الّذِي سيقتلعه هُو وسلطته مِن الجذور.

وكعادة الفاشيين بدءاً مِن موسوليني، يحاول القذّافي عابثاً إيقاف عجلة التّاريخ عَن الدوران، فالتاريخ لا مكان فيه له ولأمثاله. وَمِن الوسائل المعتادة للفاشيين خلق الأساطير حول شخوصهم، وإحاطة أنفسهم بهالة مِن اللامعقول. وبموجب هذه السمة المميزة للفاشيين تصبح الأكاذيب أمراً معتاداً فِي خطب الحاكم، والخداع جوهراً لمُمارساته، والقهر وسيلته للبقاء فِي السّلطة.

وأكاذيب القذّافي كثيرة ولا تحصى، بعضها صريح مباشر وبعضها الآخر تتوسطه سبل ووسائل عديدة لا حصر لها. ويرتبط الكذب بخاصيّة مميزة عند الفاشيين وهي:

التلاعب بالوعود التي يقدمها الحاكم الفاشي وعدم المحافظة عليها، فتنفيذ الوعود وفقاً للمنطق الّذِي يحكم الفاشيّة دليل ضعف الحاكم. لكن هُناك سمة أخرى رُبّما كانت أكثر خطورة وضرراً، فالفاشيّة عادة مَا تصور الحاكم وكأنه مبعوث العنايّة الإلهية، أو المنقذ المعصوم عَن الخطأ. ويعبر هذا عَن ذاته فِي كون الفاشيين عادة مَا يعتبرون تاريخ بلدانهم وشعوبهم قبل تسلمهم للسلطة كتاريخ ناقص ومشوّه. وبموجب هذه النظرة يصوّر الحاكم الفاشي بوصفه الشخصي الوحيد المُؤهل لتجاوز هذا النقص والتشويه وإعطاء التاريخ الوطنيِّ والقومي أبعاده الحقيقيّة.

ولقد حاول القذّافي مراراً وتكراراً إلغاء التاريخ الِلّيبيّ وكأن ليبَيا لم تكن موجودة قبل ظهوره واغتصابه للسّلطة. ولأن استيلاء القذّافي على السّلطة جاء عَن طريق عمل تآمري قطع الطريق على الشّعب الِلّيبيّ وقواه الحيّة، وأجهض الإمكانيّات للتطور الاجتماعي والاستقرار السّياسي، فأن القذّافي سعى مُنذ اللحظّات الأولى لسرقة الشعارات الوطنيّة والقوميّة، وقام بتحويرها وتشويهها وتفريغها مِن محتواها ليمهد الطريق أمام كذبته الأولى. لقد استوعب القذّافي سلباً مدى اعتزاز الِلّيبيّين بتاريخهم فِي مقارعة الظلم ومقاومة الاحتلال، ومدى اعتزازهم بشيخ الشهداء عُمر المختار رحمه الله، فادعّى زوراً وبهتاناً أنه الوريث الأوحد للإرث النّضالي لشيخ الشهداء.

ولكي تكتمل دائرة التضليل والأكاذيب لسليل الفاشيّة وتلميذ موسوليني النجيب، سعى القذّافي للانفراد بالسّلطة، وقام بتصفيّة رفاقه، واعتقل الآلاف مِن أبناء الشّعب الِلّيبيّ وزَّج بهم فِي سجونه وعرّضهم لأبشع صور التعذيب فِي محاولة يائسة منه لكسر مقاومتهم وتحطيم ولائهم للوطن الّذِي اغتصبه، الوطن الّذِي يعتزون به ويريدون تحويله إِلى واحة مِن الاستقرار والأمان والازدهار. ويعكس هذا، قناعة فاشيّة تقر استخدام القوَّة لفرض مَا يريده الحاكم على الشّعب، وتخويف النَّاس بما سيتعرضون له مِن عقاب فِي حالة مُعارضة السّلطة، واستخدام أبشع وأقسى العقوبات مِن سجن وتعذيب وقتل إِلى آخر ذلك، ضدَّ مًنْ يقع فِي يد السّلطة.

والقذّافي لم يكن فِي ذلك بعيداً عَن مُمارسات مُلهمه موسوليني لقد دأب موسوليني على التحول مِن موقف عدمي لأخر، وعلى مصادرة الشعارات الشّعبيّة وإعادة طرحها على نْحَو يخدم أهدافه. كان هم موسوليني الأساسي وقف عقول البشر عَن العمل والتفكير، وكانت وسيلته فِي ذلك احتكار الفكر، وطرح المفاهيم المسطحة لمنع البشر عَن التفكير فِي بدائل لواقعهم الأليم والمزري، ويمكن إيجاز هذا كله كالأتي:

تسفيه الدّيمقراطيّة وطحن الفرد، ومصادرة حرياته وحُقُوقه، وشل قدرته على الاختيار السّياسي الواعي، لأنّ الخيار الواعي سيكون فِي مُعارضة الفاشيّة.

ولو نظرنا إِلى الأمر مِن زاويّة أخرى، لرأينا وجهاً لذات العملة: يقف الفاشيّون موقفاً مزدوجاً مِن التراث والتقاليد يهاجمونها أحياناً مدّعيين أنها تعوق "تقدم المجتمع" ويعيدون إليها الاعتبار فِي أحيان أخرى بوصفها مصدراً لحمايّة الهويّة المحليّة وخصوصيتها. فِي هذا المضمار بزّ القذّافي الجميع فأحرق الكتب وأحرق الآلات الموسيقيّة، وطارد كلّ صاحب فكر، وشرّد ولاحق كل مَنْ قال لا لسلطته الغاشمة، ثمّ بعدما فشلت محاولاته فِي تدشين الِلّيبيّين صعّد مِن قمعه، وشن حملات اغتيال وتصفيّات جسديّة ضدَّ أبناء ليبَيا فِي الدّاخل والخارِج. وَفِي هذا الصدد لا يسع المرء إلاّ أن يلاحظ أن عمليّات هدم الأسواق والمباني والمعالم التّاريخيّة، وصدور "قانون" العقاب الجماعي تصب جميعها فِي هذا المسار.

أنطلق موسوليني فِي مُمارسته للسلطة مِن مصادرة حق الإيطاليين فِي استيعاب تاريخهم والاعتزاز به، فأدعى (الدوتشي) بأنه الوحيد القادر على فهم هذا التاريخ، وصوّر ذاته رمزاً لنهضة إيطاليا الحديثة. وأدعى الدوتشي أنه يريد إعادة بناء أمجاد روما القديمة لكن نهجه غير الإنساني جرّ فِي النهايّة كل أنواع الويلات على إيطاليا وشعبها.

والقذّافي مرَّة أخرى بزّ أستاذه الدوتشي فأدعى بكلِّ صلافة وغرور وجهل (النبوة)، وأدعى أنه صاحب رسالة وأنه صاحب الحلول النهائيّة لمشكلات البشريّة. نعود هُنا مرَّة أخرى إِلى موسوليني، فوفقاً لموسوليني وأتباعه تُعد الفاشيّة ديناً مدنياً (Civil Religion) ينظم شؤون الحياة اليوميّة، وينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فالدّين الإلهي لا مكان له فِي حياة البشر. لقد أنكر القذافي السنة النبويّة المطهرة، وحاول تحريف القرآن الكريم، بل أدعى الإلوهية عندما قال إنّ انقلابه "قام بفعل الفعل كن !؟". ولقد هاجم القذّافي فِي خطابه الأخير الّذِي ألقاه بمدينة سبها فِي 16 مارس / آذار 1997م الدّين والأخلاق، وقال إنهما يرتبطان بالأساطير والأفكار الرجعيّة، وكان قبل ذلك قد طالب بعدم دراسة القرآن الكريم، وأغلق أبواب الاجتهاد، واعتبره قصراً عليه هُو فحسب.

الفاشيّة - الدين المدني - هي إذاً مصدر الرموز والقوانين والتشريعات فما ينطق به الحاكم الفاشي غير قابل، بموجب هذا المنطق الأعوج، لأيّ محاكمة فكريّة مِن قبل البشر الآخرين.

و"الحلول النهائيّة لمشكلات البشريّة" التي يدعي القذّافي صياغتها وطرحها فِي "الكتاب الأخضر" و"النظريّة العالميّة الثالثة"، ليست سوى استعادة ممسوخة لفكرة موسوليني المشوّهة أصلاً والتي أسماها "الطريق الثالث". هذه الصياغات تتفق جميعها فِي أنها هجينة وملفقة ومشوّهة، وفِي أنها تهدف إِلى تشويه الوعي الإنساني والتعمية على الأزمات المتتالية التي تنجم عَن مثل مُمارسات موسوليني والقذّافي.

ولأن "رسالة" القذّافي تقوم على الهدم بكلِّ أبعاده وجوانبه، فإنّ محاولاته لمصادرة تاريخ الِلّيبيّين وهدم معالمه لم ولن تتوقف حتَّى يسقط عَن السّلطة، وهُو أمر أقرب ممّا يتصور هُو والمقرّبون منه.

لقد قام القذّافي بهدم المعالم التّاريخيّة والحضاريّة لمدينة بّنْغازي ومنها "سوق الظلام" ومبنى البرلمان الِلّيبيّ السّابق، كمَا قام بهدم ضريح مؤسس الحركة السّنوُسيّة الإمام المُصلح محَمّد بِن علي السّنوسي، طيب الله ثراه، بمدينة الجغبوب، وأتلف محتويات المكتبة الملحقة بالضريح وما ضمته مِن إرث تاريخي ومخطوطات نادرة. وهدم القذّافي القوس الشهير الّذِي كان يقف شاهداً على فشل كلّ المحاولات لتقسيم ليبَيا. وهدم مسجد سيدي حمّودة بميدان الشهداء بمدينة طرابلس. وفِي الآونة الأخيرة تفتق إِلى ذهن القذّافي الشرير عَن مخطط جديد يريد مسح بقية المعالم التّاريخيّة والحضاريّة لمدينة طرابلس، فقام بهدم مبنى وزارة الخارِجِيّة الِلّيبيّة ومبنى البنك المركزي كمَا أصدر أوامره بهدم مبنى مجلس النَّواب السّابق ومبنى قصر الخلد وعدد مِن المباني الأخرى فِي مدينة طرابلس ذات الطابع الأثري والتاريخي. تكفي المعطيات السّابقة لتبيان الصلة الوثيقة بين منطلقات الفكر الفاشي ومُمارسات القذّافي فِي ليبَيا مُنذ استيلائه على السّلطة.

بل يمكن القول إنّ القذّافي يستلهم فِي كلِّ خطّوة مِن خطواته فكر ومُمارسات موسوليني، وأهمّ خاصيّة تجمع بين الإثنين هي خاصيّة التطرف العدمي والتحول مِن موقع لأخر دون أدنى حساب لنتائج هذا التحول على المجتمع، فالمجتمع ليس مصدراً للشرعيّة، وليس مرتكزاً لنَّظام الحكم إنّه مجرَّد فضاء لمُمارسة السّلطة التي هي مِن "حق" الحكم الفاشي وحده. لقد قال القذّافي مراراً وتكراراً بأنه وصل إِلى السّلطة بقوَّة السّلاح، وبأنه ليس بحاجة للتفويض مِن أحد فِي إتخاذ القرارات والسّياسات التي يريدها.

هذه القرارات البائسة بهدم المعالم التّاريخيّة لن تفيد فِي إخراج القذّافي مِن عزلته الخانقة، ولن تزيد مِن عُمر نظامه الآخذ فِي الانهيار والتفكك. لكننا ونحن ندين هدم المعالم التّاريخيّة لمدن ليبَيا، علينا أن نتذكر أن القذّافي حاول ولايزال يحاول هدم الإنْسَان الِلّيبيّ المعتز بأرضه وعروبته وإسلامه، وعلينا أن نتذكر أن نضالات شعبنا وهي تدخل مرحلة جديدة فِي تطورها وتكتسب زخماً جديداً تحتم علينا توحيد جهودنا مِن أجل تخليص ليبَيا مِن القذّافي. وهَذا يتطلب أن نضع مسؤولياتنا فِي نصابها الصحيح كي لا ينجح القذّافي فِي إلهائنا بمعارك قد تكون جانبيّة وقد تكون مخططة بقصد تحويل الرؤى والجهود عَن أهدافنا الأساسيّة. 


المقالة الثالثة: (نماذج مِن الخطاب الغربي المعادي للإسْلام)

نماذج مِن الخطاب الغربي المعادي للإسْلام

فِي شهر أكتوبر / تشرين 1997م استهل القس الأمريكي المُعروف بات روبرتسون (Pat Robertson) حلقة مِن برنامجه التلفزيوني (Club 700) بهجوم شديد على الإسْلام والمُسلمين، وتفوّه بكلمات نابية تفتقر إِلى الحشمة وأدب الحوار، وتعكس روح التعصب الشوفيني عنده ضدَّ الإسْلام، والبرنامج واسع الانتشار ولابُدَّ أن كلمات روبرتسون ستنتج تأثيراً سيئاً على مَنْ لا يعرفون الكثير عَن الإسْلام وتاريخه وتعاليمه ومبادئه، وتوقيره واحترامه للأديان السماويّة والأنبياء والرسل ومنهم المسيح عيسى إبن مريم عليه السّلام.

فِي حديثه سيئ الصيت وصف روبرتسون الإسْلام بأنه دين التخلف والإستعباد ودين أصحاب الرقيق، وحذّر مِن تنامي الإسْلام والمُسلمين فِي الولايّات المتَّحدة، ووصف دخول أعداد كبيرة مِن الأمريكيين فِي الإسْلام بأنه أمر غير مقبول وظاهرة غير صحيّة، وطالب الأمريكيين بالتَّصدي لها. ثمّ طالب المشاهدين بمشاركته فِي الصلاة والدعاء بألا يستمر الإسْلام فِي الانتشار فِي هذه البلد.

وكلمات روبرتسون رغم ضحالتها غير معزولة عَن سياق عام تنشط فيه جماعات مسيحيّة متطرفة لكنها مُنظمة تنظيماً قوياً وتملك إمكانيات ماديّة وإعلاميّة هائلة. وتبذل هذه الجماعات جهوداً مُنظمة وحثيثة ضدَّ انتشار روح التسامح والتعاون بين الأديان، ومعاداة المُسلمين والدعوة إِلى عدم قبولهم وعدم الترحيب بإنتمائهم لهذا المجتمع ودورهم فيه.

ونظراً لأهميّة الموضوع فقد رأت شؤون ليبيّة أن تلفت النظر إليه وأن تقدم لمحة موجزة عَن نماذج العداء للإسْلام.  

نماذج مِن العداء للإسْلام

".. على امتداد الألف سنة الماضيّة كان الصّراع على مصير ومُسْتقبل الإنسانيّة صراعاً بين المسيحيّة والإسْلام. ويمكن أن يكون الحال مرَّة أخرى كذلك فِي القرن الواحد والعشرين وفي حين يحط الشيعة مِن كرامتنا، فإنّ أقرانهم الآخرين الّذِين يشاركونهم فِي نفس الدين يملأون بلاد الغرب..".  بات بيوكانان (Pat  Buchanan) بتاريخ 2 أغسطس / أب 1989م.

".. إنّ المجتمع العربي والإسْلامي مريض مُنذ زمن بعيد، وأساس هذا المرض هُو مؤسسة العائلة الإسْلاميّة، أنها مؤسسة بغيضة، وإذا كانت الأسرة الإسْلاميّة تبدو مُثيرة للاشمئزاز فلأنها فِي الواقع تثير الاشمئزاز فعلاً..".  كونور كروز أوبراين (Conor Cruise O'Brien) بتاريخ 1 مايو / أيّار 1989م.

بانتهاء الحرب الباردة تزايد الاهتمام بدراسة الإسْلام وتجلياته الثقافيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة، وراجت مُصطلحات كثيرة منها (الأصولية الإسْلاميّة)، (الإسْلام السّياسي)، (الإسْلام المُتطرف)، (الإرهاب الأصولي الإسْلامي). وبدأ بعض الباحثين فِي التمييز بين إسْلام سني وآخر شيعي، وبين إسْلام سلفي وإسْلام صوفي. ومهما يكن مِن أمر هذه التسميّات المختلفة، فإنّ الاهتمام بالإسْلام يعكس أمور لابُدَّ مِن أخذها بعين الاعتبار لنتمكن مِن وضع ظاهرة العداء للإسْلام فِي نصابها التّاريخي الصحيح.

هُناك عدد مِن الباحثين والدّارسين والأكاديميين المرمُوقين الّذِين يسعون لدراسة الإسْلام كدين سماوي فِي محاولة لفهم مبادئه وتعاليمه،ولتقويم إسهامات الإسْلام والمُسلمين فِي تطور الحضارة الإنْسَانيّة والمعارف الفكريّة. ويمكن القول بأن جهود هؤلاء تهدف فِي المقام الأوَّل إِلى التقريب بين النظم الثقافيّة المختلفة، وتجسير الفجوة بين المجتمعات. ومثل هذا الجهد لابُدَّ وأن يحظى بالتقدير والتشجيع مِن قبل المُسلمين لعلهم يستطيعون تصحيح الكثير مِن المفاهيم الخاطئة التي تروجها بعض وسائل الإعلام أو المراكز البحثيّة التي تحركها أهداف معاديّة لكل مَا له صلة بالإسْلام.

وعلاوة على التَّيار الأوَّل، يوجد تيار ثان وثيق الصلة بدوائر صنع القرار فِي بلدان الغرب عُموماً، وفِي الولايّات المتَّحدة على وجه الخصوص. يعي أفراد التَّيار الثّاني أهميّة وجود عدو خارجي فِي إعطاء السّياسات الخارِجِيّة لبلدان الغرب تماسكها الأيديولوجي ولُحمتها العمليّة. وإذا كان انهيار الاتحاد السوفيتي لم يؤد إِلى الاستقرار السّياسي الاقتصادي وإِلى ازدياد روح التعاون بين المجتمعات - كمَا كان يُدعي أيديولوجيو الغرب، فإنّ غياب الاستقرار والازدهار المنشودين كان لابُدَّ أن يتمّ تبريره فِي أحد جوانبه عَن طريق تصوير عدو خارجي جديد له صبغة عالميّة، أو تخترق تعاليمه ومبادئه الحدود القوميّة، ويكتسب أنصاراً جدداً دون حرب أو حملات تبشيريّة. لذا تمّ التوجه نْحَو الإسْلام واعتباره العدو التّاريخي والمصيري للغرب.

وأصبح مُصطلح الإسْلام مساوياً، فِي الخطاب الإعلامي السّائد، للتعصب واللاعقلانية والتطرف ومعاداة الدّيمقراطيّة، أيّ أن الإسْلام هُو السيئ فِي مقابلة الحسن (الغرب) وهُو دائماً مُتهم بأنه مصدر تلوث وتهديد لكل القيم التي قام عليها الغرب. هذا الاستخدام يقوم على تعميمات قسريّة تفشل (ورُبّما كان ذلك مقصوداً) فِي التمييز بين الإسْلام كدين وبين سلوك بعض الجماعات التي تدّعي أنها تستمد رؤاها الفكريّة والسّياسيّة مِن هذا الدّين.

وَفِي هذا الصدد يبيّن عدد مِن الباحثين المُنصفين أن مُصطلح (الأصوليّة الإسْلاميّة) مُصطلح غير صحيح، وغير قابل للتطبيق فِي حالة الإسْلام، وأنه محمّل بدلالات أيديولوجيّة سلبيّة. ويشير الباحث الهندي رشيد الدّين خان إِلى أن مُصطلح الأصوليّة عادة مَا يستخدم للدلالة على الأرثوذكسيّة، والتعصب والجمود والظلاميّة وإعاقة التقدم.

ويُضيف بعض الدّارسين بأن مُصطلح الأصوليّة الإسْلاميّة عادة مَا يستخدم فِي إطار ازدواجيّة المعايير السّائدة فِي أوساط غربيّة كثيرة. يشير آثر لاوري إِلى التغطيات الإعلاميّة لعدد مِن أحداث العنف الإرهابي. فعندما قام الإرهابي باروخ جولدشتاين أو باروخ غولدستين (Baruch Goldstein) باغتيال تسعة وعشرين (29) مُسلماً أثناء تأديتهم الصلاة بالحرم الإبراهيمي، أصرت وسائل الإعلام الغربيّة على معالجة هذه الحادثة وكأنها عمل فردي وحرصت على عدم إقحام الدّين اليهودي أثناء تغطيتها.

وَبعْد انفجار مدينة أوكلاهوما (Oklahoma City)، وقبل أن تتضح هويّة الجاني الحقيقيّة سارع العديدون للتشديد على أن هذا العمل تقف وراءه جماعات إسْلاميّة متطرفة. وعندما تبيّن أن المسؤول عَن هذه العمليّة الشنعاء مواطن أمريكي اسمه جيم ماكفيه (James McVeigh) حرصت وسائل الإعلام عَن الفصل بينه وبين المسيحيّة.

ويرى عدد مِن الباحثين أن فهم أسباب ظاهرة العداء للإسْلام والمُسلمين ليست عصيّة عَن الفهم. فالأمر مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسّياسات التدخلية الغربيّة فِي مناطق مختلفة مِن العالم الإسْلامي وخاصّة فِي الشّرق الأوسط، ومرتبط كذلك بمصالح (إسرائيل)، التي تعتبر الإسْلام مصدر تهديد ورفض لوجودها. فلقد قام البرنامج الانتخابي لبنيامين نتنياهو  (Benjamin Netanyahu) على تصوير المُسلمين كـ(شياطين).

ويلقى هذا الطرح قبولاً وتجاوباً فِي أوساط سياسيّة وإعلاميّة عديدة، فلقد حذّر مورتمر زوكرمن (Mortimer Zuckerman) رئيس تحرير مجلّة يو إس نيوز (U.S. News) - فِي مرحلة مبكرة - مِن أن  المدّ الإسْلامي المتصاعد على وشك أن يحل محل الخطر الشّيوعي كعدو رئيس للدّيمقراطيّة الغربيّة وقيمها ومرتكزاتها.

ويطرح آموس بيرل موتز (Amos Pearl Motz) رؤيّة عنصريّة وحاقدة على الإسْلام عندما يقول:..".. لا تمثل حقبة مَا بعْد الحرب الباردة نظاماً عالميّاً جديداً. إنها تمثل عالماً مليئاً بالحركات الرّاديكاليّة والقوميّة الانفصاليّة. ويوجد الآن فِي بعض المناطق معادل للأيديولوجيا الفاشيّة والنّازيّة التي سادت فِي العقد الثالث مِن هذا القرن، هذا المعادل هُو الرّاديكاليّة الإسْلاميّة الشّموليّة المعاديّة للغرب. إنها حركات شعبيّة تأمل فِي أن تعلم مسيحي هذا العصر بعض دروس العنف المتطرف. وليس مِن قبيل المصادقة أن تكون الأزمات العنيفة فِي عالم اليوم على الدوام مِن صنع الأصوليين والرّاديكاليين الإسْلاميين أصحاب النظريّة الأمميّة الإسْلاميّة. ولذا لا يستطيع الغرب، ولا يجب أن يسمح لشموليّة جديدة أن تحل محل شموليّة قديمة، أيّ حلول النّموذج الإسْلامي محل النّموذج السوفيتي..".

ولا يختلف هذا الموقف عمّا طرحه نيوت جينجرش (Newt Gingrich) فِي خطاب رسمي له أمام الكونجرس حيث:..".. على الولايّات المتَّحدة أن تتبنى سياسة متكاملة لمحاربة الشّموليّة الإسْلاميّة (كذا)..".

وَمِن بين النماذج الأخرى للعداء الشديد للإسْلام جوديث ميللر (Judith Miller) التي نشرت مؤخراً كتاباً بعنوان: "لله تسع وتسعون إسماً "، وهُو كتاب سطحي بالغ السوء يتعمّد الإساءة للنبي محَمّد صلى الله عليه وسلم، عندما تزعم الكاتبة بأنه عمل على إيجاد نزعة تقوم على كراهية اليهود، وتزعم بأنه كان معادياً للأنبياء الآخرين عليهم السّلام.


المقالة الرَّابعة: (مُلاحظّات أوليّة حول حكم الفرد المُطلق والدّيمقراطيّة فِي ليبَيا)


مُلاحظّات أوليّة حول حكم الفرد المُطلق والدّيمقراطيّة فِي ليبَيا

لقد اعتمدت السّلطة الحاكمة على القمع كأداة سياسيّة لقهر المجتمع عموماً، ولقهر الفئات الاجتماعيّة المناوئة للسِّلطة، والتي تشكل تهديداً مباشراً لاستمرارها، وذلك مِن خلال استخدام مُكثف للعسف، ومِن خلال طرح دائم ومبتذل لخطاب أيديولوجي يقوم على التجهيل ونزع الوعي السّياسي عَن الجماهير بهدف إخراجها مِن دائرة الفعل (التحرك) السّياسي المُستقل، وحصر المُشاركة فِي أطر وهياكل فوقية محددة أدوراها مسبقاً ولا يمكن تجاوزها بأيّ حال مِن الأحوال، ويتمّ التركيز على ثنائيّة القهر الجسمي والأيديولوجي لإنتاج الخوف، وعادة مَا يتمّ ذلك مِن خلال التوسيع المستمر لأجهزة القمع وإشهار حضور هذه الأجهزة بشكل مباشر فِي الحيَاة اليوميّة بهدف إخضاع المواطن وإجباره على إظهار ولائه للنّظام الحاكم بشكل واضح وعلني مِن خلال "مشاركة" ولو ظاهريّة فِي هياكل السّلطة، وتعتبر هذه الوسائل خصائص مباشرة لكون السّلطة الحاكمة مغرّبة كون قاعدتها الاجتماعيّة محدودة إِلى أقصى حد.

ولابًدَّ مِن التّصدي للمفاهيم الخاطئة التي يبثها النّظام حول نفسه كإعادة التأكيد بمناسبة وبدون مناسبة على اختفاء الدولة فِي ليبَيا، وعادة مَا يؤدي هذا إِلى خلط فِي المفاهيم، حتَّى فِي الأوساط الوطنيّة والدّيمقراطيّة، عندما تُرجع المشاكل التي تواجهها الجماهير الشعبيّة إِلى أن النَّظام ألغى الأجهزة الإداريّة والحكوميّة – استناداً فِي هذا إِلى مزاعم القذّافي فِي خطاب "زوارة" ومَا تبعه مِن خطب وتصريحات بأن الحكومة قد اختفت نهائياً فِي ليبَيا. والواقع أن أجهزة الدولة – رغم ما تعانيه مِن عيوب وظيفيّة – موجودة ومستمرة رغم أنها قد تتخذ أشكالاً غير مألوفة. ويلزمنا هذا الخلل فِي الإدراك – مقصوداً كان أم غير مقصود – بأن نقدم نبذة تاريخيّة ولو مختصرة لنمو وتداخل مؤسسات النظام الحاكم مِن خلال رصد وتتبع الأشكال المختلفة للنّظام ومؤسساته والعلاقة بين هذه المؤسسات عبر المراحل التاريخيّة التي مر بها النّظام فِي مسار تكونه. ولهذا الأمر أهميته فِي كشف إدعاءات النّظام وزيفها، وَفِي تحديد مواقع الخلل فِي العلاقة مَا بين السّلطة والمجتمع، كي نتمكن مِن تحديد المعالم الرئيسيِّة للخروج مِن الأزمة وتحديد الآفاق االمُسْتقبليّة لتطور ليبَيا.

وَمِن بين المفاهيم التي صاغها العلماء الاجتماعيّون فِي دراساتهم للواقع السّياسي فِي البلدان الناميّة مفاهيم: الدولة، والسّلطة، ونظام الحكم، وشكل السّلطة، والبيروقراطيّة، والأيديولوجيا، والتبعية وتسهل هذه المفاهيم على الدّارسين مهمة صياغة طبولوجيّة للأنظمة السّياسيّة فِي العالم الثالث. ولعل النقطة التي يركز عليها جل الباحثين هي: غلبة نظام الحزب الواحد، ضعف المُؤسسات وتدني مستويات الاستقرار السّياسي، تزايد العنف الموجه ضدَّ الخصوم السّياسيين، وضعف مستويات الأداء الاقتصادي.

وتعود جميع هذه الظواهر – حسب الباحثين – إِلى تدني مستوى تطور القوى المنتجة وضعف الهياكل الاجتماعيّة فِي هذه المجتمعات ممّا يؤدي إِلى تضخم دور الدولة واستقلاليتها عَن القوى الاجتماعيّة ويُعرّف "تيلمان إيفرز" الدولة بالتالي: "جُل التركيب المُكون مِن وظائف ومؤسسات تمارس سلطة عامّة ومجرّدة وعلنيّة ضمن مجتمع مَا". إذاً مفهوم الدولة يتجاوز وظائف ودوائر الحكومة المركزيّة وتقسيماتها المناطقيّة الدنيا ليشمل أيْضاً هيئات "غير دولوية" كالاتحادات والأحزاب ووسائل الاتصال الجماهيري (التي تخلقها الدولة والتي) تشارك فِي مُمارسة السّلطة العامّة والمجرّدة والعلنيّة.

وهذا مَا يدفع الدّارسين إِلى اعتبار الدولة التعبير المادي عَن علاقات السّيطرة السّائدة فِي المجتمع والتي تربط قوى اجتماعيّة معينة مِن خلال تحالفات سياسيّة محدّدة. أمّا شكل الدولة أو النّظام السّياسي فهُو التعبير عَن الصلة التي تربط عدداً مِن المؤسسات السّياسيّة المختلفة. وَمِن ثمّ فإن شكل الدولة (أو النَّظام) يعكس موازين القوى بين الفئات الحاكمة ومدى سيطرة أجنحتها على الأجهزة الإداريّة والاقتصاديّة والأيديولوجيّة والقمعيّة المختلفة. ويمكن أن يتغير الشكل بنسبة تغيّر هذه الموازين دون أن يطرأ تغيير جوهري أو نوعي على طبيعة الدولة.

أمّا الحكومة فهي مجموع الأفراد الّذِين يُمارسون وظائف تنفيذيّة، وهي وسيلة الدولة فِي مُمارسة احتكار وسائل العنف داخل المجتمع، ويرتبط هذا بمفهوم القوَّة بوصفها القدرة على التأثير على الآخرين لأداء المهام المرغوبة منهم، كمَا ترتبط بالسّلطةِ التي تعني تولي أفراداً معينين مراكز معينة تمكنهم مِن إصدار أوامر ملزمة للآخرين، وللقوّة بعْد مادي يتمثل فِي امتلاك القدرة على توقيع الأذى بالآخرين والإضرار بهم مادياً ومعنوياً، والحكومة جهاز دائم له مسئوليّات محددة تنفذ مِن خلال المراكز المختلفة التي يشغلها أعضاء هذا الجهاز، وتنبع قدرة الحكومة على ضمان انصياع المواطنين لأوامرها من خلال احتكارها أجهزة القمع والضبط الاجتماعي.

وتلعب الدولة أدواراً مختلفة فِي الحياة الاجتماعيّة للمجتمع، ولعلّ الدور الأكثر أهميّة هُو تنظيم الحيَاة والعمليّات الاقتصاديّة مِن خلال رسم سياسات عامّة والإشراف على تنفيذها لصالح الفئات الحاكمة، كمَا توفر الدولة شروطاً إضافية: نظام، وضبط اجتماعي، وقهر أيديولوجي. وَفِي ليبَيا اتجهت السّلطة الحاكمة لإنتاج خطاب أيديولوجي مُكثف لدعم الإجماع حول سياساتها.

وارتبط هذا البعد الأيديولوجي بسعي السّلطة المستمر لاحتكار مجالات العمل السّياسي ونزع الوعي عَن الجماهير كي لا تدخل المجال السّياسي بشكل مستقل. وتُعبّر الأيديولوجيّة السلطويّة عَن فهم (وأوهام) الجماعة التي تنتجها لطبيعتها ودورها الاجتماعي، وعن رؤيتها للبيئة المحيطة بها، وتحدّد علاقاتها بالجماعات الأخرى على نْحَو يتخذ معه القهر البعد العلائقي الأساس. إن الأيديولوجيا فِي هذه الحالة تصبح تبريراً للواقع الاجتماعي السّياسي السائد، وتبريراً للقيود السّياسيّة المفروضة على المجتمع ولكيفية توزيع الثروات، ووسيلة لمنع الجماهير مِن التفكير فِي بديل يتجاوز الترتيبات الرّاهنة وصياغته. وَفِي هذا الصدد عادة مَا يتمّ إنتاج مفاضلات سلطوية زائفة، إمّا الدّيمقراطيّة والفوضى والتخلف، وإمّا النّظام والانصياع للسّلطة والتنميّة، وكأن الدّيمقراطيّة نقيض للتنمية لا شرطاً أساسياً لتحقيقها، ولقد تمّ تتويج هذا النهج بتسفيه الدّيمقراطيّة والتمثيل والحزبيّة، علماً بأن "الاتحاد الاشتراكي" أولاً: و"حركة اللّجان الثوريّة" لاحقاً ليسا سوى شكلين مختلفين للتنظيم الحزبي. ولأنّ السّلطة عاجزة عَن تسويق خطابها فقد ألغت كافة الأشكال الدّستوريّة الناظمة للحيَاة السّياسيّة، وحرصت على تصفية الخصوم السياسيين بكافة السبل بدلاً مِن إلحاق الهزيمة بهم مِن خلال قواعد محددة تحكم الحياة السّياسيّة.

فِي ضوء المفاهيم التي عرضنا لها باختصار، يمكن لنا الآن أن نناقش الأوضاع السّائدة فِي ليبَيا مُنذ وصول الانقلابيين للسّلطة، يشير "جوناثان بيرمان" إِلى أن الدولة فِي ليبَيا، بوصفها المالك الأكبر لرأس المال مِن خلال حيازتها للثروات النفطيّة وعوائد النفط، كان بإمكانها مُنذ البداية إقصاء البورجوازيّة وبعض أجنحة البورجوازيّة الصغيرة عَن السّلطة السّياسيّة مع استمرار مصالحها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ذلك أن الدولة مِن خلال خضوعها لسيطرة حاكم فرد مُطلق تصبح هي التجسيد الحي لهذه الطبقات، وأن بشكل غير مباشر ويعتبر "بيرمان" ذلك الوضع نتاجاً لكون الدولة وفِي الظروف التي سادت فِي ليبَيا على الرّغم مِن القدرات الاقتصاديّة الهائلة التي بحوزتها، إلا أنها اتسمت بضعف بالغ تجلّى فِي عزل السّلطة عَن الجماهير نظراً لأن القيادة الجديدة، بسب طبيعتها الانقلابيّة كانت تفتقر إِلى قاعدة شعبيّة يمكن الاستناد إليها فِي مواجهة خصومها، وكان هذا يعني عجز السّلطة عَن مواجهة منافسيها ضمن أطر سياسيّة – قانونيّة وفكريّة، ممّا دفع السّلطة ومُنذ مرحلة مبكرة إِلى اعتبار أيّ نقد لتوجهاتها خطراً وتهديداً للسّلطة يجب اجتثاثه.

وبدلاً مِن التوجه إِلى تبني سياسات وتوجهات تؤدي إِلى توسيع قاعدتها الاجتماعيّة وتعمق مِن الالتفاف الشّعبي حولها، اتبعت السّلطة الانقلابيّة نهجاً ميكيافلياً مكّنها مِن تحقيق مأربها، وكانت البداية هي "ندوة الفكر الثوري" التي هدفت إِلى تحديد الخصوم الفعليين والمحتملين واتخاذ الإجراءات إمّا لاحتوائهم أو تصفيتهم. وهذا هُو جوهر الإعلان عَن تشكيل "الاتحاد الاشتراكي" كي يصبح هيكلاً تنظيمياً تستخدم السّلطة لإحكام سيطرتها على المجتمع واتساقاً مع التصورات الفوقية لـ "الاتحاد الاشتراكي" وطبيعته فإنه منع أساساً مِن رسم السّياسات أو المُساهمة في صنع القرار، وأنيطت به مهمة تزويد السّلطة الحاكمة بتقارير مفصلة ومُنتظمة عَن طبيعة الحركات السّياسيّة والحركيين الناشطين المشكوك فِي ولايتهم. وتمّ فِي أعقاب هذه الثورة "تقنين" وتكريس "مجلس قيادة الثورة" بوصفه الهيئة السّياسيّة الوحيدة التي تستحوذ على السّلطة السّياسيّة. وأثناء انعقاد الدورة الأولى لـ "الاتحاد الاشتراكي" (مِن 28 مارس – 18 أبريل / نيسان 1972م) بلور القذّافي نهجه الفوقي بوضوح فهاجم النقابات والاتحادات العمالية وأصر على ضرورية إخضاعها للسّلطة وحصرها وفِي أطر مهنية ضيقة، ووسم الحزبيّة بأنها عمل خياني، وأصدر قراراً يمنع الإضراب، وَمِن المعروف أن "الاتحاد الاشتراكي" قد وقع تحت سيطرة عناصر انتهازيّة وبيروقراطيّة مُنذ البداية، ودخلت هذه الفئات فِي تحالفات مع البيروقراطية والقبلية لتحقيق أغراضها ومصالحها الخاصّة.

ورأى القذّافي فِي هذا الأمر تهديداً لسلطته المباشرة خاصّة وأن "مجلس قيادة الثورة" قد بدأ يضيق ذرعاً  بمُمارساتِ القذّافي الاحتكارية، وفِي ظلّ هذه الظروف خطا القذّافي خطّوة ميكافيليّة جديدة عندما أعلن عمّا أسماه بـ "الثورة الثقافيّة" فِي خطاب بمدينة "زوارة" بتاريخ 15 أبريل / نيسان 1973م. واستطاع القذّافي عبر هذه الخطوة – ونظراً لسلبية "مجلس قيادة الثورة" القاتلة – أن يخلق شرخاً عمودياً فِي هيكليّة السّلطة مكنه ليس مِن تهميش هذا المجلس فحسب بل تجاوزه مِن خلال إيجاده للّجان الشّعبيّة التي وصل عددها فِي أغسطس / أب مِن نفس السنة إِلى ألفي (2000) لجنة، ويؤكد باحثون عديدون مَا يلي:

1- لقد مكّنت هذه اللّجان القذّافي مِن إدخال تعديلات هيكليّة على طبيعة الجهاز الإداري للدولة لأنّه شكل نواة تتبع له شخصياً مكونة مِن أعضاء هذه اللّجان، واستخدم هذه النواة كأداة للضبط الاجتماعي وسلاح للضغط على أيّة قوّة قد تناوئه.

2- شكلت هذه المرحلة بدء عملية تهميش "مجلس قيادة الثورة" ذلك أن اللّجان أصبحت مِن الناحية الشكلية على الأقل الإطار الرئيسي لصنع القرار.

3- بدأت فِي هذه المرحلة عملياّت اعتقال جماعية للحركيين، والسّياسيين وتمّ الإعلان عَن عقوبة الإعدام لمَنْ يعمل بالعمل الحزبي. لكن أزمة السّلطة استمرت فِي التفاقم ووصلت ذروتها فِي صيف 1975م، عندما حدث شرخ فِي العلاقات بين القذّافي مدعوماً مِن قبل عبْدالسّلام إجلود، وعُمر المحيشي، مدعوماً مِن كتلة واسعة ضمّت مدنيين وعسكريين، ولقد تمكن القذافي مِن حسم المعركة لصالحه لأن المحيشي رغم توجهاته الإيجابية نْحَو الدّيمقراطيّة والتعدديّة حرص على حسم الصّراع بوسائل تقليديّة – انقلابيّة. ومَا أن تمّ التخلص مِن المحيشي وحلفائه حتَّى أعلن القذّافي فِي شهر أبريل / نيسان 1976م عَن تشكيل اللّجان الثوريّة، إشارة منه إِلى تجسيد تصميمه عملياً على احتكار كافة السّلطات وتصفية الخصوم جسدياً وتمّ تحويل "الاتحاد الاشتراكي" إِلى "مؤتمر الشّعب العامّ" ، وأعلن القذّافي ظهور "النظريّة العالميّة الثالثة" بوصفها الحل النهائي لمشاكل البشريّة!! وطبع الفصل الأوَّل من "الكتاب الأخضر" الّذِي قال أنّ "التمثيل تدجيل"، ووصف الحزب بأنّه قبيلة العصر الحديث وبأنه أداة للدّكتاتوريّة وتمّ وضع التجارة الخارِجِيّة تحت الإشراف المباشر لأجهزة الدولة، ورغم تظاهر القذّافي بالاعتراض على نجاح العناصر التقليديّة والقبليّة فِي الانتخابات الأولى للّجان الثوريّة وسعيه لإلغاء نتائج هذه الانتخابات، إلاّ أنه كان فِي الواقع يسعى لتوطيد سيطرته على القوى الاجتماعيّة التي ستبرز إِلى الواجهة مِن خلال "اللّجان الثوريّة" وإخضاعها لإشرافه وتوجيهاته المباشرة، وَمِن الجدير بالذكر أن اللّجان مارست دوراً مباشراً فِي تسيير أعمال ما يُسمّى بـ "المؤتمرات الشّعبيّة الأساسيّة".

يقودنا العرض السّابق رغم إيجازه إِلى أن نخلص إِلى النتيجة الأساسيّة التالية: نظام الحكم القائم فِي ليبَيا هُو نظام حكم الفرد المُطلق، ولهذا الاستنتاج دلالة سياسيّة بالغة فيما يتعلق بإستراتيجيّة و"تاكتيك" العمل السّياسي المعادي لسلطة سبتمبر، وفِي تحديد الشعار الّذِي يجب أن يحكم توجهاتنا وطبيعة المهام المطروحة علينا. وهذا الشعار يجب أن يكون فِي رأينا هُو النّضال مِن أجل إسقاط ديكتاتوريّة سبتمبر وإعلان الجمهوريّة الدّيمقراطيّة فِي ليبَيا. ويقودنا هذا إِلى القول باستحالة حسم قضايا الدّيمقراطيّة حسماً جذرياً لصالح الشّعب الِلّيبيّ فِي ظل الأوضاع السّائدة حالياً. فحكم الفرد المُطلق يقوم على عدد مِن الأسس الاجتماعيّة والسّياسيّة التي تشكل نقيضاً أساسياً للدّيمقراطيّة بوصفها أيّ (الدّيمقراطيّة) نظاماً اجتماعياً – سياسياً يضمن المساواة القانونيّة للمواطنين. ففي ليبَيا تقوم السّلطة على:

1- تمركز كافة سلطات وصلاحيّات صنع القرار فِي يد القذّافي شخصياً يساعده فِي تنفيذها مجموعة مِن الفئات الرثة التي لا تمتلك موقعاً محدداً فِي العمليّات الإنتاجيّة، ومجموعة مِن ممثلي الفئات الاجتماعيّة الداخلة فِي التحالف الحاكم، وتحيا هذه الشخوص على ارتباطها العضوي بالقذّافي وسلطته، وترى بأنّه لا يمكن لها الحفاظ على مَا تراكم لديها مِن مزايا دون الحفاظ على القذّافي نفسه كرأس للسّلطة إذا حدث تغير ظرفي موضوعي يوّلد بديلاً لا يُهدد مصالحها.

2- تقوم السّلطة كذلك على جملة مِن التحالفات القبلية التي يقيمها القذّافي مع الارستقراطيّة القبليّة بحيث تشكل هذه التحالفات (وهي آنية ومتغيرة) قاعدة لاستقطاب العناصر العاملة بأجهزة السّلطة المختلفة وخصوصاً "اللّجان الثوريّة" و"الشّعبيّة" وأجهزة القمع، ويتجلى ذلك فِي تحول ليبَيا إِلى جملة مِن الإقطاعيات السّياسيّة التي يحكم كلّ منها رمز مِن رموز السّلطة، ويقوم القذّافي بالتوسط بينها وبين السّلطة المركزيّة حتَّى لا تتحول أي فئة، فِي أيّ مِن هذه الإقطاعيات إِلى قوَّة سياسيّة يمكن لها النمو والتأثير على مُجمل السّياسات المطبقة قرارياً، ويترافق هذا مع سعي هذه الفئات إلى تعظيم مصالحها ومزاياها في الأطر الجهويّة والمحليّة لعملها.

ولعل هذا يؤكد على زيف إدعاءات القذّافي، فلقد قامت السّلطة بإحياء القوى القبليّة لتواجه بها القوى الاجتماعيّة الحديثة، ويهدف القذّافي مِن إقامة التحالفات القبليّة إِلى تجزئة وتفتيت الوعي الشّعبي وحصره فِي أطر محليّة وجهويّة وهذا أمر مُكمل لعمليّات تصفيّة المُؤسسات الدّستوريّة والسيّاسيّة ومسخ وتشويه جهاز القضاء .. وإلغاء مهمة المحاماة، بتنفيذ أحكام الإعدام فِي الميادين العامّة وحتَّى أولئك المباركين للسلطة لا ينجون مِن شكوك القذّافي وتقلباته المزاجية فاللّجان الثوريّة رغم أهميتها كأداة رئيسيّة للضبط الاجتماعي تُمنع مِن إقامة اتصالات مُباشرة فيما بينها.

لقد حرص القذّافي مُنذ توليه السّلطة على ضرب المُؤسسة العسكريّة وتصفيّة عناصرها الوطنيّة والدّيمقراطيّة، وروّج إدعاءات حول رغبته فِي خلق "جيش شعبي" و"حرس جماهيري"، وهي تشكيلات فوقية طعمها بأعضاء مختارين ليس لكفاءتهم بل لولائهم الشخصي له وقسم المُؤسسة العسكريّة إِلى إدارات منفصلة عَن بعضها البعض وبث جواسيسه وعملاءه فيها لمراقبتها وتخريبها، بل إن القذّافي ذهب أبعد مِن ذلك حينما جند المرتزقة مِن بلدان مختلفة للإشراف على المُؤسسة العسكريّة بهدف ضمان وحمايّة أمن السّلطة، ولقد جندت العناصر المرتبطة بالقذّافي والمتنفذة فِي المُؤسسة العسكريّة مراكزها وصلاحياتها وارتباطاتها لتجميع الثروات عَن طريق العقود والعمولات ولا يخفى عَن أحد الروايات أوثق عَن جهود القذافي الشّخصيّة الحثيثة لنشر الفساد فِي المُؤسسة العسكريّة عَن طريق ترويج المخدرات ونشر الدعارة بهدف إفساد الوعي والذمم وضرب الشّرف العسكري.
لقد سعى القذّافي بوصفه ديكتاتوراً مطلق السّلطات ويمتلك تحت تصرفه ثروات ليبَيا الهائلة إِلى خلق آلة إعلاميّة نشطة، هدفها بث وترويج "الكتاب الأخضر" إقليميّاً وعربيّاً ودوليّاً، فأقيمت الندوات والمراكز المتخصصة، وتمّ تجنيد العديد مِن أصحاب الأقلام المأجورة والمشبوهة لنشر خرافاتهم وخرافات قائدهم متجاهلين الصياغات الملفقة والمتنافرة التي تكون متن الكتاب، ومقاربته للنزعات الأيديولوجيّة التي تركز على الفرد كفرد معزول عَن المجموع، والتي تنكر أهميّة الدّيمقراطيّة فِي الحيَاة السّياسيّة المعاصرة لشعوب العالم قاطبة.
وعلى الرَّغم مِن هذه الخصائص لا ينبغي أن نتجاهل أن هُناك نوعاً مِن الصّراع داخل أجهزة السّلطة حول طبيعة "الكتاب الأخضر" وعلاقته بالمُؤسسات السّلطوية فبينما ترى فيه بعض الفئات وسيلة لتوطيد مراكزها ورخصة لها للقيام بقمع الجماهير والاستمرار فِي الحكم بنفس السبل والوسائل التي سادت حتَّى الآن، ترى عناصر أخرى فِي "الكتاب الأخضر" ركيزة أيديولوجيّة يمكن الاستناد إليها فِي إعادة بناء المؤسسات السّياسيّة للدولة وإعادة صياغة العلاقة مَا بين هذه المُؤسسات واللّجان الثوريّة على أسس أكثر "عقلانية" لإنقاذ مَا يمكن إنقاذه قبل هبوب العاصفة، ولمنعها إن أمكن، وتعبر عَن هَذا التوجه الفئات العليا مِن البيروقراطيّة، والتكنوقراط، وأجهزة الأمن الرّسميّة (والتي مثلها فِي مرحلة مَا عبْدالسّلام جلود) ، وترى الفئات البيروقراطيّة والتكنوقراط في فكر القذّافي ومُمارساته الفوضويّة حاجزاً أمام "عقلنة" و"ترشيد" رأسمالية الدولة هذه الفئات لا تختلف مع القذّافي في الأهداف أو الرؤى السّياسيّة (لأنها لا تملك القدرة على التأثير فِي هذين المضمارين) ولكن فِي السبل والأدوات فهي مِن ناحية تريد تخفيف حدة ودرجة تأثير "اللّجان الثوريّة" على المسار السّياسي والاقتصادي أيّ أنها تريد إعادة تشكيل التحالف الحاكم على نْحَو يؤدي إِلى تغليب الفئات البيروقراطية داخله – على حساب "اللّجان الثوريّة" والارستقراطية القبليّة، وتنطلق هذه الفئات مِن أن مَا تمّ تحقيقه مِن إنجازات على صعيد البناء التحتي يؤهل للدّخول فِي مرحلة جديدة تتسم بتخفيف العبء الاقتصادي عَن كاهل الجماهير، وتخفيف القيود على النشاطات التجاريّة والاقتصاديّة الصغيرة كي يتمّ لها تهدئة النقمة الشعبيّة المتزايدة التي تهدد مُجمل النظام بالانهيار. وليس هذا الخيار نتاج نزعة إنسانيّة بقدر مَا هُو نتاج لنزاع براجماتية تريد إنقاذ مَا يمكن إنقاذه.

والفئات البيروقراطية العليا، التي عادة مَا يُشار إليها بالبورجوازيّة البيروقراطيّة أو بورجوازيّة الدولة، تكتسب أهميتها مِن سيطرتها على الأجهزة الإداريّة وإدارتها لها، ومِن خلال توسطها بين الاقتصاد المحلي والاقتصاد العالمي ممّا يعطيها فرصاً غير عادية لمراكمة الثروات عَن طريق العمولات والرشاوى (الخ)، ويمكنها أيْضاً مِن توطيد مواقعها الداّخليّة عَن طريق توزيع الهبات والعوائد داخلياً، وهذه الفئات رغم أصولها الاجتماعيّة المختلفة إلاّ أنها تتحد مادياً وموضوعياً مع رأس المال العالمي ورأس المال الخاصّ الّذِي يوجد بشكل وبآخر في المجتمع وينمو باضطراد، ويزداد دور هذه الفئات أهمية في خضم الفوضى السّائدة فِي ليبَيا ذلك أن أيّ فئة اجتماعيّة اقتصاديّة لا تمتلك علاقات راسخة بالبيروقراطيّة تصبح معرضة لفقدان مواقعها وثرواتها، وهذا مَا يسمح للبيروقراطيّة بتوطيد مركزها إزاء الفئات الأخرى، ومِن هُنا يصبح خيار الانفتاح الاقتصادي على الدّاخل والخارج هُو الخيار الأكثر منطقية لهذا الفئات، ويبدأ هذا الخيار فِي ممارسة تأثيره الجاذب على كافة القوى الأخرى.

هذه هي الخلفية التي حكمت قرارات مارس / آذار 1988م التي روّج لها الدّيكتاتور كثيراً زاعماً أنه قد "أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق" غير أن الفئات البيروقراطيّة مَا كانت لتكون قادرة على تحقيق هذه الثغرة فِي جدار الحكم الاستبدادي لولا الظروف الإقليميّة والدّوليّة المحيطة بليبَيا فِي أواخر العقد الماضي، فقد انخفض دخل ليبَيا مِن النفط من 26 بليون دولار سنة 1981م إلى 6 بليون دولار سنة 1986م، ونجم عَن هذا تجميد عدد من المشاريع "التنمويّة" وإيقاف تنفيذ مشاريع فِي القطاعين الصناعي والزراعي فِي حين استنزف "النهر الصناعي" مَا بين 5 إلى 7 بليون دولار.

ولانخفاض الدّخل النفطي أثر اقتصادي مباشر فالدولة لم تعد قادرة على توفير السلع الأساسيّة بنفس مستوى الأسعار الّذِي كان سائداً فِي السّابق، وممّا فاقم هذا الوضع الفشل التّام الّذِي مُنيت به تجربة "الأسواق العالميّة" بسبب فساد الذمم والاختناقات المقصودة فِي شبكات ومنافذ التوزيع ممّا أدَّى إِلى انتشار السوق السوداء، وظهرت بوادر توتر اجتماعي سياسي خاصّة بين الإسلاميين والسّلطة، وممّا عمق شعور السّلطة بتزايد خطورة الإسلاميين مقتل "أحمَد مصباح الورفلي" أحد أعضاء "اللّجان الثوريّة" البارزين بمدينة "بّنْغازي" فِي سنة 1986م. وَفِي مؤتمر "الشّعب العامّ" المُنعقد بمدينة "سبها" فِي سنة 1987م وصل التذمر مداه مِن رعونة وتصرفات "اللّجان الثوريّة" ودورها التخريبي، وتداخلت هذه العوامل جميعاً مع عزلة حادة ومتزايدة للنّظام الِلّيبيّ عربيّاً وأفريقيّاً ودوليّاً، ومع هزيمة ساحقة لقوَّات القذّافي فِي تشاد، لقد استنزفت حرب تشاد موارد طائلة على امتداد عقد مِن الزمان، غير أن الهزيمة وفقدان عدد كبير مِن الضحايا والأسرى، كلها أدَّت إِلى زيادة التوتر داخل المجتمع الِلّيبيّ الّذِي بدأ يشكك فِي حكمة نهج القذّافي المغامر، وفِي محاولة منه لدرء الخطر عَن نظامه اتخذ قرارات مارس / آذار 1988م، وبالغ فِي تقويم عمقها وأهميتها. وحرصاً منه على ديمومة نظامه أعلن استعداده للقبول بالتحكيم الدّولي حول "شريط أوزو" وقبل بالفعلِ النّتائج التي صدرت عَن محكمة العدل الدّوليّة لصالح تشاد وأعلن انسحابه مِن الشريط.


                                                                                                                                      

راجع الحلقات السابقة بـ (ارشيف الكاتب)


مِرْفَق الْوَثَائِق

الوَثِيقَة التاسعة: صُوَرَةُ مِن الصفحة الرئيسيّة مِن مقالة: (على خطى موسوليني)، المنشورة فِي مجلّة (شؤون ليبيّة) - شتاء 1417 هجري الموافق 1997م. 

مِرْفق الصُوَر

الصُّوَرَة السَّادِسَة عشر: صُوَرَةُ شخصيّة للرَّاحل حسن الأشهب، خاصّة بالمُؤلف وقد أرسلها إليه مؤيد إبن الفقيد، تُنشر لأوَّل مرَّة. الصُّوَرَة السَّابعة عشر:  صُوَرَةُ الرَّاحل حسن الأشهب فِي مكتبه، خاصّة بالمُؤلف وقد أرسلتها إليه السيدة فوزية اعبيدة زوجة الفقيد، تُنشر لأوَّل مرَّة.

مصَادِر وَمَرَاجِع

11) الأستاذة إنتصار بوراوي - مقالة: (قراءة فِي كتاب زيت القناديل.. سيرة الهوني وأعمالهُ الكاملة) - مدونة عروض لكتب لّيبيّة خاصّة والتعريف بها للقارئ المُهتم، يوم الثلاثاء الموافق 29 سبتمبر / أيّلول 2009م.

12) الأستاذ حسن عبْدالعزيز الأشهب (محَمّد أحمَد صلاح) - مقالة: (حول مفهوم الإصلاح فِي ليبَيا مَا بعْد القذّافي)، مجلّة (شؤون ليبيّة)، الصادرة فِي خريف 1417 هجري الموافق 1996م.

13) الأستاذ حسن عبْدالعزيز الأشهب (محَمّد أحمَد صلاح) - مقالة: (على خطى موسوليني)، مجلّة (شؤون ليبيّة)،   الصادرة فِي شتاء 1417 هجري الموافق 1997م.

14) الأستاذ حسن عبْدالعزيز الأشهب (محَمّد أحمَد صلاح) - مقالة: (نماذج مِن الخطاب الغربي المعادي للإسْلام)، مجلّة (شؤون ليبيّة)، الصادرة فِي خريف 1418 هجري الموافق 1997م.

15) الأستاذ حسن عبْدالعزيز الأشهب (محَمّد أحمَد صلاح) - مقالة: (مُلاحظّات أوليّة حول حكم الفرد المُطلق والدّيمقراطيّة فِي ليبَيا)، مجلّة (شؤون ليبيّة)، الصادرة فِي شعبان 1415 هجري الموافق يناير / كانون الثّاني 1995م.

 

* المناضل حسن الأشهب في ذمه الله
دار الوطن تنعي الفقيد حسن الأشهب

 

 


إضغط هنا لمراجعة التعليمات الخاصة بتعليقات القراء

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ABDUAL.SEATTLE
LIBYA NOW IS THE LEGACY OF THE FORMER DICTATOR'S ERA....
التكملة
سليمان البهيجي
القذافي فعلا مسح بعض من التاريخ الليبي, مثل تاريخ العمالة لادريس السنوسي فمعاهدة الزويتينة ومعاهداته الاخرى مع الطليان خير دليل على عمالة ادريس وضعفه ليكون زعيم للشعب الليبي , فقد…...
التكملة