مختارات من كتاب 11/7/2015 06:03 مختارات من كتاب "ليبيا التي لا نعرفها" للدكتور علي عبد اللطيف احميده (1)
د. علي عبد اللطيف أحميده بحث

(1) تقديم: بقلم/ محمد الفقيه صالح

راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]


تربطني بمؤلف هذا الكتاب، البروفيسور "علي عبد اللطيف أحميدة"، صداقة عميقة قديمة، ترجع جذورها إلى بدايات سبعينيات القرن الماضي، وبالتحديد إلى أواخر عام 1972، حينما قدم إلى مدينة القاهرة، ضمن بعثة حكومية لدراسة العلوم السياسية، في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. وكنت قد سبقته بعام في القاهرة، للدراسة بنفس التخصص ونفس الكلية، ضمن بعثة حكومية أيضاً، حيث درجت الدولة الليبية، في تلك السنوات وما قبلها، على إيفاد العشرة الأوائل من الطلبة المتفوقين في امتحانات الشهادة الثانوية العامة، من القسمين العلمي والأدبي، إلى الخارج، للدراسة في الحقول والتخصصات العلمية التي لم تكن الجامعة الليبية، في طرابلس وبنغازي، تقوم آنذاك بتدريسها، وفي مقدمتها الطب والعلوم السياسية.

لم يجمعني بـ "علي عبد اللطيف أحميدة" التخصص المشترك والدراسة في نفس الفضاء الجامعي فحسب، بل وبالأساس اهتمامنا المشترك بعالم الثقافة والفكر، وانشغالنا بنفس الأسئلة والقضايا، وقبل ذلك وبعده حبنا المشترك للأدب، والشعر منه على وجه الخصوص، وطموح كل منا بأن يسهم في إثراء المدونة الشعرية والأدبية الليبية، بل والعربية أيضاً، بإبداع متميز. كان كل منا يعرض على صديقه ما تجود به قريحته، ويطلعه على ما يكتشفه أو يعثر عليه من كتب أو نصوص أو أعمال طليعية مهمة، ما أضفى على صداقتنا- في ذلك العمر اليانع- مزيجا من البهجة والأمل والثقة والرسوخ.

كنت قد تعينت، حينما تخرجت من الجامعة عام 1975، موظفا بوزارة الخارجية الليبية، وتعين صديقي "علي عبد اللطيف أحميدة"، حينما تخرج عام 1976، معيدا بجامعة سبها، وظل كل منا يتابع ما ينشره صديقه، ضمن ما يتابع، في الصحف والمجلات، ويشعر به سندا وذخرا، على بعد الديار وتنائي المسافات داخل الوطن الليبي نفسه، إلى أن فرقتنا المصائر، فدخلت أنا إلى السجن السياسي مع رفاق لي في أواخر عام 1978، وطوحت الأيام والظروف بصديقي "علي أحميدة" في عالم الغربة والمنفى الاضطراري، حيث غادر البلاد في أوائل الثمانينيات إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة العليا، قلقا ومحزونا على أصدقائه الشعراء والكتاب، الذين زج بهم عسف السلطة في غياهب السجون، ومحاصرا -هو الآخر- بما أصبح يسود البلاد من قهر وقمع وترويع لكل ذي فكر ورأي واجتهاد. ومنذئذ لم تمكنا النوائب والظروف من التواصل مرة أخرى، إلا بعد أن تم الإفراج عنا في أواخر الثمانينيات، فاستأنفنا ما انقطع من تواصل فيما بيننا، عبر اتصالات هاتفية مطولة، أو من خلال اللقاء المباشر في طرابلس، أثناء زياراته السنوية لرؤية الأهل والأحباب، والتي درج خلالها على إلقاء محاضرة في مركز الدراسات التاريخية لجهاد الليبيين، أو في غيره من المؤسسات العلمية والثقافية، حول شأن من شؤون المنهج، أو قضية من قضايا التاريخ الوطني الليبي.

وأذكر أن أبرز ما كان يشغل صديقي "علي أحميدة" ويشغلني، في تلك البرهة المتقدمة من حياتنا الجامعية بمدينة القاهرة، رفض استنساخ النماذج النظرية الجاهزة، وإسقاطها على واقعنا الاقتصادي والاجتماعي، سواء في أصوله التاريخية، أو في تشكله الراهن، وكنا نؤكد على أن مجلى الإبداع العلمي، الاجتماعي والسياسي، لن يتحقق أو يتعين في بلادنا الليبية والعربية، إلا حينما نتمكن من استنطاق واقعنا الاجتماعي التاريخي، واكتشاف قوانين تطوره الخاص، في ضوء القوانين العامة التي تحكم حركة التطور الإنساني، ومن هنا نشأت لدينا منذ بواكير وعينا نزعة نقدية، عززت التوجه المعرفي العلمي، وخففت من النزوع الأيديولوجي، وهيأت صديقي لأن ينغمر عميقا في عالم البحث الأكاديمي، وأن يتمرس في تمحيص المنهجيات والمفاهيم، مستهدفا تحديد معالم التكوين الاقتصادي والاجتماعي وتطوره في بلدان العالم الثالث، أو عالم المستعمرات، وبالأخص في بلاده الليبية والمنطقة المغاربية والعربية.

وأشهد أن أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه، التي أنجزها في أوائل التسعينيات، والتي أصدرها فيما بعد في كتاب باللغة الانجليزية في طبعتين، ثم باللغة العربية عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، في ثلاث طبعات، بعنوان "المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا - دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لحركات وسياسات التواطؤ ومقاومة الاستعمار 1830-1932"، تشي بأن صاحبنا قد حمل معه، في مغتربه بالولايات المتحدة الأمريكية، تلك الأسئلة والانشغالات والهموم، وأنه انكب في فضائه الأكاديمي الجديد على معالجة نفس الموضوع، الذي كان يشغلنا إبان سني دراستنا الجامعية الأولى في جامعة القاهرة، وأنه أنجز، أو ربما فاق في إنجازه، ما كنا نحلم به، أو نطمح إليه، في بواكير شبابنا.

وأشهد أيضاً أن ما خلص إليه "د. علي عبد اللطيف أحميدة"، في ذلك الكتاب العمدة، يشكل فتحا حقيقيا في مجال دراسة الواقع الليبي واستكشاف قوانين حركته الداخلية، التاريخية والحديثة، التي تمتد خلال قرن من الزمان، من عام 1830 إلى عام 1932، خاصة فيما يتعلق بالكشف عن الطبيعة التعددية لمكونات المجتمع الليبي، من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية، التي تجلت في تعدد أقاليم البلاد، وتعدد أنماطها الاقتصادية-الاجتماعية في تلك الحقبة، ثم تعدد ارتباط هذه الأنماط بالأسواق الإقليمية في البلدان المجاورة، شرقا وغربا وجنوبا، فضلا عن تعدد أشكال الدولة المحلية (الدولة القرمانلية، ثم الجمهورية الطرابلسية فيما بعد، في طرابلس، ودولة أولاد محمد في فزان، ثم الدولة السنوسية في برقة)، يضاف إلى ذلك تعدد التحالفات القبلية الكبرى، فيما كان يعرف تاريخيا بالصفوف، وفقا لعلاقة تلك القبائل بمركز الدولة في طرابلس، في تركيبة تذكرنا بما كان يعرف -تاريخيا- بأراضي المخزن وأراضي السيبة في منطقة المغرب العربي، أما فيما يتعلق بالإيديولوجيا، فقد تعددت هي الأخرى إلى إيديولوجيا القرابة القبلية، والإيديولوجيا الجهوية الإقليمية، ثم إيديولوجيا الجامعة الإسلامية.

وعلى أرضية هذا الكشف الدقيق لتعددية المجتمع والدولة في ليبيا، خلال القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين، يرصد الكتاب المذكور الديناميات الداخلية لحركة المجتمع الليبي التي أفضت به إلى تأسيس دولة الاستقلال، بما في ذلك الكشف عن المصادر والآليات الداخلية لبدايات تحول المجتمع الليبي نحو العلاقات الرأسمالية، وينهض هذا الرصد على أساس نقدي رصين للمنهجيات والمفاهيم الغربية التقليدية، التي لا تفهم مجتمعاتنا العربية، ومن ضمنها المغاربية، بما في ذلك مجتمعنا الليبي، إلا كتكوين تاريخي ساكن، لا يتحرك أو يتطور من داخله، بل بفعل عامل خارجي.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يغيب عنا في هذا الصدد، أن التعددية المشار إليها في السياق الاجتماعي الليبي، كما كشف عنها تحليل بروفيسور أحميدة، لا تعني التذرر والتجزؤ، بل هي تنوع في إطار الوحدة، أي في إطار التكوين الليبي العام، ثم إن مكوناتها ليست في حالة ثابتة جامدة، بل هي متحركة متحولة، وهو ما يعني في نهاية المطاف أن المجتمع الليبي بأسره، لا يني يتحرك ويتحول باتجاه مزيد من التشكل والتبلور، وعلينا أن نسعى إلى أن نجعله أقوى وأكثر تقدما، لا أن نجعله أكثر انقساما وضعفا.

المهم في هذا الصدد، أن ذاك الكتاب المهم لايشكل- كما علمت من المؤلف نفسه- سوى بداية إنجاز مشروع طموح لدراسة المجتمع والدولة في ليبيا، يعمل المؤلف حاليا على استكمال حلقاته التالية، وهي على وجه التحديد حلقة النضال الوطني السياسي، من خلال التشكيلات السياسية التي برزت إبان فترة الانتداب البريطاني في سني أربعينيات القرن الماضي، بهدف تحقيق آمال الشعب الليبي في الاستقلال، ثم الحلقة التي تمثلها دولة ما بعد الاستعمار، وأعني بها النظام الملكي، يليه النظام الشعبوي المستبد الناجم عن انقلاب عام 1969.

وسيتمكن القارئ، الذي لم يطلع على الكتاب العمدة المذكور آنفا، من قراءة ملخص مكثف له في الدراسة الأولى الواردة بهذا الكتاب، تحت عنوان "الدولة والمجتمع في القرن التاسع عشر"، لكن الإضافة الثمينة حقاً في هذا الكتاب، إنما تكمن في الدراسة الثانية " دولة ما بعد الاستعمار"، التي يقدم فيها المؤلف عرضا تاريخيا مركزا للسياق التاريخي الذي نشأت فيه دولة الاستقلال في ليبيا، ويطرح إطارا تحليليا عاما للأسس الاقتصادية والاجتماعية الي نهضت عليها هذه الدولة، بنظاميها الملكي والشعبوي، والتأثير الحاسم الذي أحدثه اكتشاف النفط وتصديره في التركيبة الاقتصادية- الاجتماعية.

كما يشتمل هذا الكتاب أيضاً على مقالتين مهمتين، في السياق الثقافي والسياسي الليبي المعاصر، أولاهما تدخل في باب سوسيولوجيا الأدب، وتتضمن تحليلا سوسيولوجيا لثلاثية روائية أصدرها الأديب الليبي المعروف "أحمد إبراهيم الفقيه"، أواخر تسعينيات القرن الماضي، يستبان من خلالها أزمة التطور الاجتماعي، التي يجسدها بطل الثلاثية المثقف المغترب والمتأزم، الطالع من أوساط الطبقة الوسطى الجديدة، في إطار نظام شعبوي مستبد، وسيادة قيم اجتماعية محافظة. فيما تطرح المقالة الأخرى تصورا وطنيا رصينا لبرنامج المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، بهدف تجاوز الصعوبات والتعقيدات التي ترتبت على عملية التغيير العنيف للسلطة في ليبيا، وتهيئة الأرضية الملائمة لبناء الدولة المدنية الديموقراطية. وذلك من خلال عرض مقارن للتجارب التي خاضتها شعوب وبلدان أخرى، لاسيما في المغرب وجنوب أفريقيا.

وعلى الرغم من أن جل الكتابات التي أنجزها بروفيسور أحميدة حتى الآن، على هامش انهماكه في متاعب التدريس الجامعي، لا تعدو أن تكون تنويعا على أطروحات كتابه العمدة المشار إليه ونتائجه الباهرة، إلا أن مجمل هذه الكتابات والدراسات، لاسيما الوارد منها في كتابه المذكور آنفا، وكتابه الآخر "أصوات مهمشة"، الذي أصدره مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، بعد ترجمته هو الآخر عن الانجليزية، ثم في كتابه هذا الموسوم "ليبيا التي لا نعرفها"، تقدم جميعها إطارا علميا دقيقا ومحكما، من شأنه أن يساعد على فهم خلفيات الأحداث العاصفة، التي زلزلت البلاد الليبية، متمثلة في انفجار ثورة 17 فبراير، وما أعقبها من تطورات مانزال نعيش تداعياتها، فضلا عن أنها تبين لنا-من جانب آخر- كيف تحولت الطاقة الإبداعية، لدى هذا الباحث المفكر، من فضاء الشعر، الذي ما يزال مشدودا إليه ومغرما به، إلى التفتح والتجلي في عالم البحث العلمي وآفاقه الفسيحة الخصيبة.

مدريد
30/06/2013

راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
راجع: كتاب: ليبيا التي لا نعرفها رصد تاريخي دقيق
 

 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
فتحي الميبون
كتاب ليبيا المجتمع والدولة و الاستعمار رائع قرأته 3 مرات...
التكملة
فاحص دقيق
أكاد أجزم بأن مقولة "رفض استنساخ النماذج النظرية الجاهزة" التي كانت منتشرة في ستينات و سبعينات القرن الماضي هى التي قادت في نهاية المطاف إلى مسوخ محلية ممقوتة و مشاريع…...
التكملة
لبناني
عفواً فإن دار الهلال موجودة في بيروت لبنان وليس بالقاهرة.... للتوضيح وعيدكم مبارك...
التكملة
سليم الرقعي
بعد التحية ، فقد شدني فولكم (( رفض استنساخ النماذج النظرية الجاهزة، وإسقاطها على واقعنا الاقتصادي والاجتماعي، سواء في أصوله التاريخية، أو في تشكله الراهن، وكنا نؤكد على أن مجلى…...
التكملة
سعيد رمضان
أرجو تصحيح صورة الغلاف ،فكلمه لانعرفها مكتوبة (لانعرفاها )ولاندرى هل هى الكلمة الصحيحة لعنوان الكتاب أم هى خطأ مطبعى .وشكرا...
التكملة
جمال احميدة
اخي الأديب والشاعر والسياسي محمد الفقيه صالح لا املك الا ان أقول انه تقديم رائع للكتاب واقترح على مؤلف الكتاب صديقي واخي الدكتور على احميدة ان يضمه الى الكتاب في…...
التكملة