مختارات من كتاب 14/7/2015 15:29 مختارات من كتاب "ليبيا التي لا نعرفها" للدكتور علي عبد اللطيف احميده (3)
د. علي عبد اللطيف أحميده بحث

(3) الفصل الأول: في المنهج

حوار حول الدراسات التاريخية وما بعد الاستعمار والكولونيالية

أجراه: رضـا بـن موسـى ويوســف الشريـف

راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]

أولاً سنسأل (كمدخل للحوار) عن المؤرخين الجدد.. كيف ترى هذا التيار أو المصطلح الحديث، وفي أي سياق تضع نفسك.. هل أنت قريب منه أم بعيد. كيف هي الرؤية؟!

 ـ "المؤرخون الجدد" مصطلح ارتبط في الحقيقة بمؤرخين داخل إسرائيل، حيث أنه وبناءٍ على القوانين الإسرائيلية التي تسمح بعد ثلاثين سنة بالإطلاع على الوثائق التاريخية، قام مؤرخون (من ضمنهم بيني مورس وآلان بابيه وسمحا فلابان وغيرهم ـ بعضهم ليبراليون وبعضهم يساريون) بدراسة وثائق حرب 1948 ومع نتائج أبحاثهم، التي بدأت تنشر في بداية الثمانينيات، تجلت حقائق عبر أشياء جديدة.. وقائع وأحداث وأسئلة وكانت في مجملها عملية نقد وتصويب لكل الخرافات والأساطير الإسرائيلية عن تلك الحرب، وبدأت رؤاهم ونتائج أبحاثهم تقترب إلى حدٍ كبير من السرد الفلسطيني فيما يخص تلك الحرب ـ هؤلاء هم المؤرخون الجدد. (ولكنهم مجرد ملاحظة جانبية) والأكثر أهمية هو التيار النقدي الذي يدرس ويقرأ تاريخ البلدان المستعمرة وما بعد الاستعمار وأيضاً تاريخ أوروبا والعالم من منطلق جديد. وقد اصطلح على وصفه بمدرسة أو تيار مابعد الكولونيالية post colonial وجل كتابها من العالم الثالث.. معظمهم من المؤرخين الهنود، تأثروا بإدوارد سعيد وبغرامشي تحديداً، يطرحون فكراً نقدياً جديداً. وصاروا الآن أكثر التيارات تأثيراً وكسبوا احتراماً وتقديراً كبيرين في أكبر الجامعات الأمريكية والغربية. (نحن للأسف لا نعرف عنهم الكثير في العالم العربي).

والحقيقة أن إسهاماتي الأكاديمية، بشكل عام، تتقاطع مع النظرة النقدية للتاريخ، ولكنني أنتمي إلى مدرسة أكبر تعرف الآن بمدرسة المهمشين subaltern studies وهي الفئات التي أشار إليها "غرامشي" بالناس الذين هم في الرتب العسكرية الدنيا وكان يعني بهم المهمشين بشكل عام.. ورغم أن مادة كتبي جلها عن شمال أفريقيا وعن ليبيا بالتحديد فأنا في دراساتي واهتماماتي العلمية المنهجية، أحاول طرح إشكاليات مشابهة لإشكالياتهم ولكن في الوقت نفسه لدي نقد لأطروحاتهم. بشكل عام أعتبر نفسي جزءاً من تيار مابعد الكولونيالية بدليل أن كتابي الثاني ما بعد الاستعمار والقومية في المغرب العربي تاريخ الثقافة والسياسة، كان إسهاماً مغاربياً من منطلق وجهة نظر ليبية نقدية أكاديمية على هذه الأطروحات الكبيرة التي يواجهها البحث العلمي اليوم.

هذا باختصار شديد.. وإذا تساءلنا ما هي الأطروحات وما هو الجديد الذي يحاولون تقديمه: يقولون إن التركيبة الاستعمارية.. آلية التفكير الاستعماري مازالت تسيطر علينا وإن الحركات القومية النخبوية التي قادت العالم الثالث- ومن ضمنها العالم العربي-  ما تزال في مرحلة رد الفعل حتى بعد مرحلة خروج المستعمر. ظلت الأسئلة كما هي، وظل الفكر الاستعماري والفكر النخبوي القومجي ـ إذا اعتمدنا اللفظ اللبنانيـ يطرحان الفكرة نفسها : إقطاع ـ حداثة ـ الدولة القومية أو الدولة الوطنية هي المثال لبناء التاريخ. ظلت القوى الاجتماعية الكمبرادورية هي المسيطرة وغابت الفئات الأخرى في المجتمع عن المشاركة والحضور. أيضاً الفكر اليساري العربي فشل هو الآخر فشلاً ذريعاً في هذه المسألة لأنه وحتى الآن لا يزال أسيراً لرؤى جاهزة وميكانيكية ولم يبدع مساهمة فاعلة بعد. وما حاولت أن أضيفه شيئاً مغايراً قليلاً.. أنا أتفق مع النقد subaltern studiesبشكل عام منهجياً ولكنني في الحقيقة أمضيت 15 سنة من حياتي الأكاديمية ليس في تنظير الدولة وإنما في فهم واستيعاب ملامح المجتمع الأهلي نفسه.. أي الشعب في مواجهة الدولة والضغوط الخارجية.

 ليس الشعب فقط أو الدولة فقط بمفاهيم إطلاقية بل البحث في مجمل القوى والفئات التي تشكل المجتمع وتؤثر في حراكه لفهم إمكانيات وآليات العمل ووسائل التطوير؟

ـ ما هو مجتمعنا ما طبيعته ما تكوينه. ما تكوين كل فئاته. ليس الشعب بمفهوم إطلاقي ولا الفئات المسحوقة فقط كما فهم البعض. بالمقابل وبشكل مغاير الذين استوعبوا كتاباتي بعمق أكثر فهموا أن المسألة ليست مسألة قبائل واستعمار وجهاد ومقاومة وناس مهمشين فقط ولكنها تتضمن أيضاً طرحاً نظرياً.. محاولة لطرح أجندة مغايرة في التفكير.

ولهذا أنا منغمس في مهمة بمستويات متعددة من النقد النظري تستهدف استشفاف مضامين ومنهجيات تخص البحث العلمي التاريخي الآن.. ولفهم هذه الإشكاليات الجديدة يدور الحوار مع زملاء لي في أوروبا وفي استراليا وفي الهند والولايات المتحدة.

وللأسف الشديد لما ترجم كتابي الأول إلى العربية لم تقرأ الأبعاد التي يستهدفها من الكثيرين ما عدا قلة.. كل واحد يفكر: (وين القبيلة الفلانية والأعيان؟ وين اللي إطليّن؟ ووين اللي ما إطلينش؟.. كلام فاضي!).. لم يقرأ القراءة النقدية.. وبالتالي كان استيعابه والجدل حوله محدودين ولكن الجدل النظري والمنهجي الذي أنا أحاول أن أفكر فيه هو ما يرتبط في الحقيقة بهذه الجماعات كلها ولكن عبر استنطاق قوانين اجتماعية أشمل لحركة المجتمع ككل وعبر الهم الاجتماعي والهم الثقافي من منظور جديد للمسألة.. هذه إجابة طويلة لكن على الأقل أعطيتكم بعض الملامح.

• أشرت إلى مستويات منهجية ونظرية.. ما هي؟

ـ هناك مستويات، نعم. باختصار هناك هم منهجي ونظري على ليبيا والعالم العربي، ولكن أيضاً هناك ما بعد العرب. أحاول أن أطرح ذلك بشكل مقارن لأن المشكلة التي أتصارع معها هي كيف أكون ليبياً وعربياً ومسلماً وفي الوقت نفسه منفتحاً على تيارات أخرى في العالم تثريني وتثريهم.. الإشكالية التي أدركتها وحسمتها مبكراً في الرؤيا والمنهج هي أنه عندما يركز المرء على دولة واحدة أو مجتمع واحد معناها السقوط في مأزق الاستثناء والقوانين الجزئية قصيرة النظر وضيقة الأفق علمياً ومعرفياً ولكن عندما تتفتح الرؤى علمياً وموضوعياً وتتسلح في التفكير في دراسة المجتمع والتاريخ بالمنهج المقارن تكتشف أن المجتمع ـ موضوع الدراسة ـ وقوانين حركته وتفاعلاته ليست استثناء، وإن ثمة مشترك.. بذا تصل إلى العام الأقرب إلى الحقيقة الموضوعية. صحيح إن هناك اختلافات وتموضعات خاصة للقوانين العامة ولكن هناك مضامين وفعاليات وديناميات مشتركة تتكشف في المقارنة وتجعلك تفهم خصوصية مجتمع الدراسة بشكل مغاير وأقرب إلى الحقيقة.

• يلاحظ غالباً سواء في كتاباتك التي تحتوي مفردات للواقع أو في محاضراتك المتميزة التي تثير فيها إشكاليات البحث والدراسة عن آليات ومنهجيات.. يلاحظ اهتمامك بموضوعين رئيسيين هما الاقتصاد السياسي والاتجاه المقارن.. فإلى أي حد يقترب منهجكم، الذي قد يكون خلاصة مدارس مختلفة، من المنهج الجدلي الديالكتيكي فيما يخص موضوعة الاقتصاد السياسي، وهل الاتجاه المقارن يفتح أمامكم إمكانية فهم أبعاد التشابك والتناقض بين أكثر من مجتمع وبالتالي يساعدكم في فهم مجتمعنا مجتمع الدراسة والبحث الــذي لا يملك حراكاً طبقياً اجتماعياً كبيراً.. تمايزات طبقية كبيرة؟.

ـ أنا لم أتعلم المنهج التاريخي المقارن بشكل خاص ولم أنتبه إلى أهمية المنهج كأداة للقراءة الواعية والتحليل العلمي الموضوعي بشكل عام إلا بعد دراستي بالولايات المتحدة، وبصراحة فإن أكبر نقاط الضعف في التعلم العربي هو غياب المنهج.. بدأت قراءاتي المبكرة في مصر أثناء دراستي الجامعية وتأثرت بهذا المنهج بشكل عام أو بالأصح بالتربية الفكرية القومية المعادية للاستعمار المتفتحة على التيار الاشتراكي. ولكن عندما سافرت إلى الولايات  المتحدة عرفت هذه التيارات في مرجعياتها الأصلية.

ومررت بمراجعة للتفكير الميكانيكي الديالكتيكي القديم. صار عندي نوع من النقد للكتابات الماركسية أو الاشتراكية التي تدعي أنها تتكلم عن الشعب ولكنها ميكانيكية بطريقة فجة للغاية ووصلت إلى تعديل أو إلى منهجية تناقض تفكيري في تلك الفترة فبدلاً من المنهج الديالكتيكي أنا أقول بمنهج الاقتصاد السياسي بمعنى أن الإنتاج الفكري أو التيارات الفكرية ليست بالضرورة نتاجاً ميكانيكياً للاقتصاد ولكن مع أهمية وضرورة فهم الخلفية الاقتصادية والاجتماعية الموجودة.. هذا أدى إلى إنني تمسكت بالتيار العام الشامل الاجتماعي والاقتصادي. واعتقد أن رؤيتي للفكر والتاريخ الإسلامي العربي تبدو لي تأسيساً على نقد الفكر الماركسي وبالذات في موضوعة الاستشراق والمركزية الأوربية في هذا الفكر. ولهذا أرى ضرورة تطوير هذا الفكر بحيث يكون أكثر اقتراباً من الفكر النقدي العام مع الاستفادة من التيارات النقدية الأخرى والاجتهادات الجديدة سواء في الهند وفي أمريكا اللاتينية وعندنا أيضاً مع إعطاء أهمية للثقافة باعتبار أن لها جدالياتها الخاصة واستقلاليتها المتميزة في التعامل مع الواقع الاجتماعي.

هي إذن رحلة طويلة.. ومعاناة طويلة.. سأعطي مثالاً محدداً على هذه المسألة: مثلاً الطبقة أو البيئة الاجتماعية لا أنظر إليها كتكوين اقتصادي فقط ولكن كتكوين ثقافي أيضاً. وللأسف الشديد في الكتابات العربية.. الفكر الديالكتيكي أو الماركسي التقليدي دائماً يظهر لنا بشكل ديناميكي كيف تصير المسائل كلها انعكاسا للاقتصاد وتصير المسألة الثقافية وغيرها هامشية أو بالأحرى ثانوية وهذا مالم أقتنع به وعندما درست المجتمع الأهلي وجذوره ظهرت لدى المسألة الحقيقية وهي أن إشكالية الديمقراطية أكثر أهمية من الإشكالية الاشتراكية رغم اقترانها بها وبعد الفشل الذريع للأنظمة العربية وخاصة الثورجية والتيارات الرسمية صار إشكال الديمقراطية أكثر أهمية بالنسبة لي ومع ذلك مازلت أحاول من ناحية فكرية ـ وأرى ذلك ضرورياً ـ الربط ما بين الهم الاجتماعي والهم الديمقراطي.. والحريات.

• تيار ما بعد الكولونيالية أو الاستعمار.. من منظور سياسي إيجابي يعني محاولة الخروج من خطاب القوة والهيمنة الإمبريالية عن طريق الإنتاج الثقافي كما يشير إدوارد سعيد وغيره.. لكن يخشى أن هذا التيار وهو يتجه نحو التركيز على الثقافات الوطنية والتاريخ الوطني  لاستعادته، كما يقال من الغريب والأجنبي من المستعمر، أن يؤدي إلى إغفال النتاج الآخر وعدم الانفتاح على الثقافة العالمية والحضارة العالمية.. ما هو موقفكم من هذا التوجه الوطني الخاص وخاصة أن هناك مخاوف من العولمة دولاً وشعوباً ويخشى أن يكون هذا أحياناً مبرراً لبعض القوى المحافظة في الانغلاق والتحجر.. كيف ترون إشكالية التركيز على الثقافة والتاريخ الوطني بين الانغلاق والانفتاح لدفع مجتمعنا إلى المشاركة أكثر والحضور في الحضارة والتاريخ العالمي؟. 

ـ ما تعليقي على نظرية ما بعد الكولونيالية في مسألة تمجيد الثقافات الوطنية لمواجهة العولمة والهيمنة العالمية.. أنا واعٍ لهذه المسألة تماماً ولهذا يأتي خلافي مع مدرسة ما بعد الكولونيالية أنا أنتمي لها لأنني ولدت في بلد مستعمر وهذا ليس خياري.. هذا عبء التاريخ الذي أحمله معي.. هناك بالفعل نوع من المثالب في مدرسة ما بعد الكولونيالية.. فبسبب حالة العبء التاريخي والإسقاط الإيجابي على تاريخ ما قبل الاستعمار وكأن كل ما هو سلبي في هذه المجتمعات هو نتاج المرحلة الاستعمارية قد يضعنا دائماً في حالة دفاع وأنتم محقون في هذا تماما.. هذا مأزق نظري ومنهجي.

أنا أعتقد أن إيجابية ما بعد الكولونيالية أنها ركزت على الآليات والتأثيرات التي نحن ورثناها من المرحلة الاستعمارية ليس في السياسة فقط بل في المعمار في الأكل والشرب وفي اللباس في مسألة المفاهيم في بناء المؤسسات.. البوليس الشرطة السجون المستشفيات المصحات العقلية المدارس الحديثة.. إلخ، ولا أعتقد أن هذه المرحلة انتهت كما يقال ببساطة: انتهت بالاستقلال في العام 1951.. أنا اعتقد هنا أهمية ما بعد الكولونيالية في ما قدمته من إضافات معرفية ومنهجية تساعد في إدراك أفضل لأوضاعنا الاجتماعية وما طرأ عليها من تغيرات ومدى الصلة والارتباط الوثيق بالعالم وشروط التطور في العصر الحديث.. ولكن يتوجب الوعي بمثالبها التي أشرت إليها.. ولهذا أعتقد نفسي في أقرب جانب أتحاور بالأسئلة نفسها خاصة وأنا أعيش في عرين الامبراطوريةـ عرين الإمبريالية.

 وأعتقد أن النقد المنهجي الذي يستطيع أن يحاور ويجادل يتوجب أن يكون على مستويات النقد المزدوج ـ كما يصفه عبدالكريم الخطيبي- ويعني أن المسألة ليست حالة دفاع أو حالة هجوم.. نحن في البلدان المستعمرة سابقاً إذا لم نكن قادرين على النقد الذاتي نعيش في حالة العجز والتهميش.. وأكثر إشكالية نعانيها الآن أن الهيمنة وضعتنا في حالة دفاع وكأن كل شيء لدينا مقدس وهذه هي الطامة الكبرى.. هناك جوانب محلية للاستبداد عندنا وجوانب دولية للاستبداد. وإذا لم نجتهد ولم ننظر بعين ناقدة للاثنين مدركين أن الصراع ليس بيننا وبين البلدان الأخرى والشعوب الأخرى ولكن بين فئات وحكومات ونخب، وإذا لم ننفتح علمياً وموضوعياً على أسئلة وتحديات العصر سيكون الأمر مجرد صراخ إيديولوجي وعملية ارتداء طاقية إغماء إلى حين قدوم السيل. أيضاً كما أن هناك أكذوبة استشراقية هي الشرق هناك أيضاً أكذوبة أخرى ـ يجب أن نضعها في اعتبارنا ـ هي الغرب.. هناك نوع من التضخيم في الغرب للفكرة الموحدة للشرق الغرائبي المتخلف التقليدي، أيضاً في شعوبنا وفي النخب فكرة أخرى خرافة أخرى وهي الغرب الموحد الحديث المتحد المتماسك. الهجمة الأخيرة على المنطقة والصراع مع الولايات المتحدة والدول الكبرى والشركات الكبرى وضعنا بسبب آليات الدفاع في مأزق تضخيم ذاتنا وجعلنا أيضاً نعتقد وكأن الغرب كتلة واحدة وهذه كارثة تاريخية.. وضع تاريخي متهافت.. ومثقفونا أيضاً وللأسف الشديد عبر القراءات الخاطئة يساهمون في هذه المسألة فبالرغم من أن هناك خطر الهيمنة الخارجية هناك خطر من النخب الأخرى المحلية المتأثرة بضيق سقف الفكر المنغلق القومي أو الإثني أو الديني.. هناك غياب الديمقراطية بالإضافة إلى الدعوات الظلامية والشوفينية الضيقة والفوضى الفكرية والزيف الأيديولوجي. وإذا لم نتجاوز هذا المأزق ونواجه السلب من الداخل والخارج ستغرق المنطقة في الوحل وفي مستنقع الحروب الأثنية.

• لماذا يتلازم هذا كله مع انحسار المشروع القومي إذا ما اعتبرنا ما بعد الكولونيالية هي عودة إلى الدفاع عن الخصوصية والهوية؟.

- أنا أعتقد أن المشروع القومي قد هزم. ولكن لا أعتقد ـ وأنا أختلف مع الكثيرين ـ أن الفكر القومي اليساري الذي عرفناه ضد التدخل الخارجي بالنسبة لشعوبنا بل الذي كان وما يزال ينشد تحقيق مشروع العدالة الاجتماعية ومشروع الحفاظ على الخصوصية والهوية المحلية المتفتحة على العالم كشريك فاعل يضيف أبعادا إيجابية إلى الحضارة الإنسانية.. أنا أعتقد أن هذا الفكر لم يهزم. هزمت مشاريع رسمية وهذا باعتراف الأنظمة الحاكمة نفسها.

• ألا تعتقد أن لنكوص أو فشل المشروع القومي علاقة بانتهاء الكولونيالية أو الاستعمار.. بمعنى أنه لم يعد هناك سؤال يُثير المشروع القومي؟

ـ المشروع القومي الرسمي هزم سواء في جانبه البعثي أو جانبه الناصري هذه حقيقة تاريخية. لماذا هزم هذا هو الجدل ولهذا تطرح الأسئلة لماذا وكيف وماذا نرى ونفعل الآن. الآن السؤال مفتوح.. أنا أتصور أن الخطأ أو الخطر الآن أن يتم البحث في النهوض والتحديث في الحاضر عبر محاولة إحياء الماضي التاريخي والإغراق في وهم الأمجاد القديمة فقط وليس النظر في الواقعي الموضوعي والمستجدات والتغيرات الحضارية بدلاً من العمل على شحن القدرات ذاتياً وموضوعياً لإدراك الصراعات والتحديات والتناقضات الحالية لمواجهتها.. رغم أنه عندما ننظر إلى الحركات الإسلامية موضوعياً نجد أنها رد فعل سياسي واجتماعي على القائم الحاضر أكثر منه رد ديني وأنا أرفض النظر إلى المسألة الدينية فقط.

هناك بين الإسلاميين محاولة إحياء لحماية الهوية ولكن هناك أيضاً هروب إلى الأمام بتكفير الآخر وقطع ألسنة الآخر وقطع أيدي الآخر وتكفير الحكام والمواطنين الذين يختلفون معهم.. وهذه هي الخطورة التي تكمن في دغدغة أحاسيس الإنسان العقائدي الذي يعتقد أنه في حالة انتصار بالعودة إلى الخلف فيؤدي ذلك إلى تعمية أنفسنا عن الأسئلة الأساسية التي تواجهها شعوب المنطقة في التنمية والتقدم.. أنا أتعاطف مع الإسلاميين عندما يعبرون عن أنفسهم ولكن ليس هناك مشروع واضح بعد يراعي شروط الحداثة والديمقراطية والخشية بالذات من التكفيريين منهم، أنهم عندما يتولون السلطة إذا طبقوا مسألة كافر ومؤمن معناها جل شعوبنا ستكفّر وهذه مسألة خطيرة للغاية.

• المشروع القومي كان مشروعاً لقوى اجتماعية ناهضة. الآن هناك قوى أخرى تحاول أن تقدم مشروعاً إسلاموياً.. وربما الأنظمة الحاكمة ذاتها قد تنسلخ وتختار المشروع نفسه لتبرير مشروعية بقائها وخاصة أنها فشلت في حل أهم المسائل وهي مسألة الديمقراطية التي لم تستطيع الاقتراب منها أو ملامستها جدياً.

ـ أضيف.. الحركة القومية في الخمسينيات والستينيات هي نتاج طبيعي للكولونيالية لأنها كانت رد فعل على الاستعمار وبالتالي كانت حركة ثورية ذات مضامين اجتماعية ولكنها عندما تولت السلطة وبدأت في إنجاز مشروعها وأغفلت الديمقراطية هزمت من الخارج صحيح ـ ولكن أيضاً هزمت من الداخل وبالتالي وصل المشروع القومي الرسمي البعثي والناصري إلى دولة أمنية، أي إلى طريق مسدود، ولكن هذا قد لا يعني نهاية كل مشروع ديمقراطي. الإشكالية ـ وهذه قناعتي وما يشغل تفكيري الآن- هي أن مسألة الديمقراطية والتعددية وتأسيس الدولة التي تحمي الجميع هي الأكثر أهمية لي من 15 سنة مضت. لدينا إشكالية في الفكر العربي تتمظهر في هذه الجدالات والحوارات التي تدور خلال عشرين سنة بين المثقفين العرب وتعني بأسباب إغفال الجانب الإنساني والديمقراطي.

ومن جانب آخر، وهذا يمكن أن يكون هذا مفاجأة لكم، أنني عندما بدأت في أطروحة الماجستير كنت قد شرعت في إنجاز رسالة قصيرة عن تأثير الدين وعلاقات القرابة في السياسة في الخمسينيات. ولكنني اكتشفت بعد سنة أنني فشلت في المهمة البحثية، لأنني لم أطرح السؤال الصحيح : لماذا يستمر دور الدين وعلاقات القرابة في التأثير على السياسة. وذلك لأنني لم أدرك في ذلك الوقت مدى جهلي بالمرحلة الاستعمارية بشكل عام، ولهذا طلب مني استاذي أن أدرس المرحلة الاستعمارية.

أيضاً لم تكن لدي إجابات جاهزة عن الأسئلة التي طرحتها.. كانت ما يسمى ـ منهجياً وعلمياً ـ عملية استكشاف ولهذا كنت دائماً أبحث عن دليل، والدليل يتكون من ثلاثة أشياء: أولاً الوثائق.. الأرشيف. منذ حوالي 20 عاماً وأنا أتردد على الأرشيف المصري والإيطالي والإنجليزي والتونسي.. أيضاً الأمريكي والليبي بالطبع. ثانياً هناك التاريخ الشفهي وأرشيف مركز الجهاد وثالثاً أدرس كل الكتابات التي تتناول بلادنا والعالم الثالث.

• الاتجاه المقارن ودراسة المجتمعات ذات الصلة الوثيقة بمجتمعنا الليبي مصر وتونس وأفريقيا وغيرها من البلدان المجاورة.. وقد يمتد الأمر إلى إيطاليا وتركيا. هل هو ناشئ عن بحث في الهوية والخصوصية باعتبار أن دراسة التشابه والاختلاف تعمق وعينا بذاتنا بخصوصيتنا وتمكننا من الإجابة على من نحن وكيف نكون لكي نتغير باتجاه أفضل؟ أو هي محاولة لتخطي سلبيات الشوفينية والتقوقع. وسبب السؤال هو الخشية من تذرع البعض بأن هناك قوانين خاصة بكل مجتمع أو جماعة محددة مثلاً يقول البعض أن العرب يختلفون عن الهنود أو الفرس وقد تصبح ليبيا تختلف عن الجميع بل العكس طرابلس أو بنغازي تختلف عن هذا كله.. ألا يعني ذلك تبريراً للعجز في فهم واقعنا كما يجب أو نوع من التعمية لنا بحيث لا نرى غيرنا وبالتالي نقبل بالواقع الراهن ولا نستهدف التغيير؟.

ـ الإجابة عن هذا ليست متناقضة. هناك شيئان: جانب منهجي وهو أنه رغم أنني بحكم جيلي تربيت على الفكر القومي المعادي للاستعمار إلا أنني اكتشفت مأزق وشوفينية هذا التفكير ومحدوديته عندما يتجاوز الأمر الدفاع من أجل الاستقلال. من زاوية النظر هذه أحاول دحض هذه الأفكار.. أرى أن مسألة الاستثنائية والخصوصية المغرقة خطيرة جداً لأنها تحصر الهوية في التمايز المنفصل بدلاً من الانفتاح الرحب باكتشاف الجوانب المشتركة مع الآخرين، ولأنني أريد أن أجعل الناس تعي أنها جزء من عالم أرحب من منطقتنا في المغرب وأفريقيا والعالم العربي والإسلامي، مع أنني أؤكد على أهمية التراث الإسلامي المستنير لأنه الأكثر استنارة في هذا الجانب من الفكر القومي المحدود حيث الأفق فضاء أرحب وليس منغلقاً وشوفينياً.

الجانب الثاني في الحقيقة جانب شخصي إنساني. أنا لا أنكر هذا.. أنا نشأت في هذا المجتمع وتكويني الأول فيه، وبالتالي تركيزي على هذه المسألة محاولا أن أجد الجوانب الإنسانية والجوانب المضيئة  لهذه البيئة التي خرجت منها، وقد نراها غالباً في الجوانب المسكوت عنها.. وربما أنني لا أريد أن أفقد الجانب الثقافي في شخصيتي، أعني الجانب الاجتماعي الليبي والعربي والديني الإسلامي. ولذا ترونني دائماً أركز على هذه الجذور وعلى هذه المقارنات التي اكتشفت عبرها شيئاً عجيباً وهو أن هذا المجتمع الليبي الصغير كم هو معقد ودينامي ومتعدد وحيوي، وهذه الحقيقة لم أتعلمها لا في ليبيا حيث نشأت وترعرعت ولا في مصر عندما كنت طالباً.. وكأنك تنظر عبر مجهر.. فترى الدنيا من جديد وتكتشف أشياء من حولك لم ترها من قبل. الدراسة والتعلم الأكاديمي في الولايات المتحدة علمني الدراسة المنهجية وأيضاً أعطاني الفرصة للانفتاح الاجتماعي والثقافي على المجتمعات والثقافات الأخرى وبالذات النظرة البعيدة، وكما يقال هناك فرق بين أن نرى بعض الأشجار في الغابة وبين أن ترى الغابة كلها.

ولكنني وفي أي دولة عربية كانت أو غربية أطرح لطلبتي ذات الأسئلة ولا أؤمن بالفارق بين جمهور هنا وجمهور هناك.. تشعر دائماً بأن هناك ما يجمعنا ويشملنا جميعاً أسئلة وقضايا وهموم بما فيها سؤال الحداثة الذي يقودنا إلى أسئلة أخرى وأنا لدى في الحداثة أطروحات مختلفة عن المثقفين العرب كثيراً. 

• تعليقاً على ماله صلة بالإمبراطورية الأمريكية التي بلغت الآن أوج قوتها وما أنتجت من مؤسسات العولمة مثل منظمة التجارة العالمية وغيرها لمزيد من التوسع والهيمنة.. يصبح السؤال معنياً بحماية الذات وحماية الهوية والدفاع عن حق المشاركة الفاعلة.. نقرأ ذلك في الخطاب العربي المتخوف وهو كما نراه خوفاً شرعياً من المشروع الأمريكي للنظام الجديد.

- هذا خوف مشروع وخاصة في البلدان التي انكوت مثل منطقتنا العربية، وفي كل المناطق الأخرى ـ من أوروبا وأمريكا بسبب وجود النفط والمواد الأولية والمواقع الاستراتيجية.. كنا دائماً هدفاً للدول الكبرى.. ليس كرهاً أو حباً فينا بالطبع بل مسألة مصالح لهذه الإمبراطوريات التي تبحث عنها مستخدمة أقصى وسائل العنف، وقد أدى هذا إلى أننا نملك حساسية تاريخية معروفة ضد التدخل الأجنبي وبالذات نحن بوصفنا ليبيين نذكر ذلك جيداً ـ وللأسف فإن الذاكرة العربية في العموم ضعيفة.. نحن ليبيون وجزائريون وفلسطينيون لدينا خصوصية في العلاقة مع الاستعمار بالإضافة إلى جنوب أفريقيا والكونغو.. واجهنا تجربة دموية مع الاستعمار الاستيطاني واكتوينا بالنار.. ولهذا فعملية الاستعمار في بلدان عربية أخرى مختلفة من الناحية النوعية.

• تقصد تجربة الاستعمار عبر الانتداب وأنظمة الحماية؟

- نعم ولكن أيضاً أتصور أن مواجهة الهيمنة توظف أحياناً لإسكات الداخل ولتبرير الاستبداد الداخلي وبالذات من الأنظمة الحاكمة العربية. ولهذا فالتحدي هو أن تكون واعياً بالهيمنة وبوسائل مقاومتها الفعالة وبالإصرار على توسيع مساحة الحرية في الداخل لأنه إذا ضرب الإنسان وامتهنت حريته وضرب القانون وضربت التعددية وحق و شرعية الاختلاف وتنوع المشاركـة في  الداخل فكيف نواجه الاستعمار.. أي ستكون محدوداً ومكمماً.. وهذا هو التحدي القادم كيف نواجه الهيمنة دون التعددية في المجتمع ودون ضمان الحريات العامة.. الفشل الذريع في العالم العربي غياب حقوق المواطنة والإخفاق في الحماية القانونية للإنسان التي يسميها الأمريكان civil-liberties. وانظر إلى هذه المفارقة: أمريكا الإمبراطورية في الخارج هي ديمقراطية من الداخل، كيف نفهم هذه الدينامية وهذا التناقض الرهيب؟ هناك دولة تتصرف كإمبراطورية إمبريالية، ولكن هناك مجتمع ديمقراطي رأسمالي ناجح وحضاري بشكل غير عادي، ولهذا من المهم ألا نختزل التجربة الأمريكية في الإمبراطورية فقط أو الدستورية الليبرالية والحقوق المدنية للمواطن فقط، إنها مزيج من الأثنين وهنا ضرورة التسلح بالفكر العلمي والوعي الموضوعي التاريخي الذي يستطيع أن يستكشف هذه التعددية وهذا التناقض وهذه التركيبة الصعبة للمجتمع الأمريكي.

• بالنسبة للمفكرين الغربيين.. هل مازالت تطغى الرؤية الاستشراقية لديهم والتي أكد إدوارد سعيد وغيره على انحيازها السياسي والثقافي، أم أن هناك رؤى أكثر رحابة تتحسس الإمكانيات التي تحتويها مجتمعاتنا وثقافاتنا كمساهمة إيجابية في الثقافة العالمية؟.

ـ نحن الآن نعاصر هجمة اليمين الأمريكي.. والنقد التاريخي والأكاديمي للإستشراق بدأ يتراجع ويعود الاستشراق بعنف في المجتمع الأمريكي وفي الكتابات الأمريكية.. ليس التمركز في البيت الأبيض فقط بل في الجامعات والإعلام.. صار اليمين الأمريكي  أكثر شراسة  وأكثر قوة وعنفاً وللأسف الشديد بن لادن وجماعته و11 سبتمبر في هذا الإطار أدوا إلى كارثة بالنسبة لنا نحن الذين نعيش في أمريكا كأكاديميين وكمثقفين لأن ما قمنا به في عشرين عاماً تعرض للضرر. المعارك ضد تهميش العالم الثالث وضد الهيمنة ومحاولة احترام الآخر ومحاولة احترام الثقافة العربية والإسلامية ومطالب العرب الشرعية  وتقدير القضية الفلسطينية ومسألة تعزيز الحريات والديمقراطية في العالم العربي. كل هذا تعرض للضرر. والآن بدأ الحديث عن الإسلام العنيف والثقافة الإسلامية الشرسة والمعادية للديمقراطية.. وهذا وللأسف تاريخ معقد وصعب محكوم بالصراع العنيف وهذا هو الواقع الآن. أعطيكم مثلاً قدمت محاضرة في الفترة الأخيرة عن الإسلام.. بعض زملائي من أعضاء هيئة التدريس في جامعة نيوانجلند، والذين كانوا في فترة سابقة يرون النقد الموجه إلى النظرة الإستشراقية شيئأً طبيعياً، رجعوا إلى الفكرة القديمة بأن الإسلام دين عنف وإقصاء كما حدث في أحداث 11 سبتمبر.. وكأن هذه الأحداث صارت حجة دامغة يبرر هجوم الأجنحة اليمينية في الأكاديميا وفي وسائل الإعلام وفي السلطة.. وبالمقابل ورغم تلك الهجمة يظل من المهم أن نستوعب أن هناك أجنحة أخرى ناقدة في المجتمع الأمريكي.. بعضهم زملاء لي في الجامعات سواء في أمريكا أو في أوروبا وحتى استراليا.. وأنا أستاذ ليبي ومن أصول عربية مسلمة لازلت أدرس بكل حرية وأنتقد بكل حرية.. مثلاً الإذاعة الاسترالية أجرت معي حواراً طويلاً حول دراستي للمرحلة الاستعمارية في ليبيا.. أنا أتكلم في الكنائس وفي الجامعات والمنتديات وكتبي تقرر في أحسن الجامعات الأمريكية وتستوعب بشكل جيد.. نعم هناك تيارات معادية ومغايرة ونقدية للواقع القائم في أمريكا.. ولكن نحن الآن في عصر عودة الاستشراق والفكر الاستشراقي الذي ساهمنا في نقده وإجهاضه وخلخلته عشرين سنة.. وللأسف هذا يحصل في أماكن عديدة.. وكأننا نمشي خطوة إلى الأمام وعشرة إلى الخلف.. هكذا هو التاريخ ليس خطاً واحداً إنه حافل بالتعقيد مثلما الحياة معقدة.

• قد يلتبس على القارئ علاقتك كمؤرخ بالثقافي في مسائل قد تبدو بعيدة من حيث التشابك والترابط، مثل دراستك عن الكاتب القاص والروائي أحمد إبراهيم الفقيه وكذلك مثل اهتمامك بالمهمشين والإنتاج الثقافي الشعبي إلخ.. هذا الاهتمام بالثقافة والفنون باعتبارها عناصر مهمة جداً في التاريخ الاجتماعي.. يجعلنا نسأل كيف تقرأ النص الأدبي.. هل ثمة إمكانية أن يدرس أو يفسر أو يقيم موضوعاً كما تقرأ وقائع وأحداث.. يقال إن الأدب ليس انعكاساً للواقع بل هو إبداع للواقع.. هناك جوانب الشخصية وأوهام.. أحلام ورغبات وعواطف.. تخييل ومخاوف والانفعال بالحياة.. هل نفسر هذا الاهتمام للبعد الشخصي حيث نعلم بأنك بدأت شاعراً ومثقفاً أدبياً أم أنه اكتشاف منهجي لهذا الحقل ولما يضيفه من مدى أرحب إلى السؤال التاريخي؟

ـ هذا سؤال يحتاج إلى وقت طويل للحديث فيه.. ولكني سأحاول الاختصار.. أنا اعترف بحكم بدايتي في شبابي وفي الجامعة وما بعد الجامعة.. كان لاهتماماتي الثقافية والأدبية تأثير كبير على ولا تزال.. أيضاً تركيبتي الغريبة جداً التي لم تفقدني هذا الجانب برغم أنني لم أكتب نصاً إبداعياً منذ فترة طويلة من الصمت.. ولكن قراءاتي واهتماماتي الأدبية ظلت مستمرة من البداية وحتى الآن.

أيضاً ليست الأعمال الشعرية أو القصصية الروائية فقط ما يثيرني ولكن هناك جانب آخر قد لا تعرفونه عني هو اهتمامي الشديد بالسينما. كنت ومنذ ذهابي إلى القاهرة أرتاد نوادي السينما وتثقفت وتعلمت عن السينما المصرية  ثم السينما العالمية المعاصرة الكثير بل درست فصلين دراسيين لدرجة أن البعض من زملائي يعتبرونني من ذوي الدراية بالسينما.. وهناك جوانب ثقافية في تكويني بحكم بداياتي الثقافية الأدبية والفكرية في ليبيا حملتها دائماً معي وهذا جانب يدفعني للكتابة عن شخصيات أدبية وثقافية وأيضاً شعرية في دراساتي.

هناك خيوط متينة للتواصل مع الثقافة والمثقفين في بلدي الأصلي.. ولكنني اليوم أرتكز على قناعة أخرى.. أعتقد أن هناك توجها ضيقا سائدا في الكتابات العربية الأكاديمية والفكرية.. وهي القطيعة بين الحقول المعرفية.. أنا لا أؤمن بهذه القطيعة.. أنا أؤمن بأننا سواء كمجتمعات كلية وكبشر مفردين تركيبة كلية.. هناك الجانب الفني والجانب الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والنفسي وغيره.. نحن كل متكامل ولهذا من ناحية معرفية اعتقد أننا نكمل بعضنا ولسنا منفصلين كما نعتقد أحياناً.. هذا افتراض معرفي وقناعة معرفية بجانب العامل الشخصي.. ولذلك لابد من دراسة الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

• هكذا هو الإنسان وكما يقال يتحرك دفعة واحدة.

ـ لذلك أحرص في كل فصولي التي أدرسها بالجامعة على تعليم رواية أو مجموعة قصصية أو أفلام وطلابي يطبقونها على مستوى الواقع وليس على مستوى الكتابات فقط.. محاولتي الكتابة عن أحمد إبراهيم الفقيه.. بدأت عندما كنت قد شعرت بنوع من الاكتئاب من الكتابة التاريخية والفلسفية وأردت إشباع شيء من الحنين في قلبي ـ شيئا يثير فيّ البهجة ويملؤني إنفعالاً حيوياً بالحياة، فقرأت العمل وقررت أن أكتب عنه ليس كنقد أدبي ولا أدعي هذا ولكن هي محاولة لطرح نقد وقراءة مغايرة لم نعتد عليها في الكتابات النقدية والتحليل الاجتماعي والتاريخي للأدب.. ليس نقداً أدبياً وإنما محاولة وتجريب للمعرفة في المنهج المقارن والرؤى والهموم النظرية فربطت مدى إسهام هذا العمل الخاص بالعام من حيث البحث في ما مدى علاقة السياق الأشمل الكولونيالي بالمجتمع الليبي وأيضاً ما هي الاضافة الليبية للكتابات الأخرى كالطيب صالح وغيره في موضوعة الاتصال والتشابك بين المجتمعات والحضارات عبر علاقات الصراع والتعاون والتأثيرات الفاعلة بينها.. ما هي الاضافة والإسهام الليبي وأيضاً الإسهام الشخصي.. إسهام أحمد إبراهيم الفقيه والمثقفين الليبيين لمجتمعاتهم وللإشكاليات الحضارية في العالم الثالث.

• وأيضاً لأبعادك الخاصة باعتبارك مثقفاً ليبياً يعيش في الغرب.

ـ نعم نعم.. وهو الهدف الرابع : إشكالية هذه الشخصية.. إشكاليتي أنا المغترب والذي أحمل هذا المجتمع فوق أكتافي لمدة عشرين سنة.. إشكالية شخصية وأعترف لاعلاقة لها بالموضوعية ولا يحزنون ولا شيء من هذا.. هي في الحقيقة محاولة لمد جسوري وقراءة الآخر الذي ربما قد يكون (الأقرب) لي في غربتي ومنفاي الاختياري.

• طبعاً وموضوعياً.. دراسة الثقافة ـ الأدب والفن ـ باعتبارها صيغة أخرى للحياة تضيف إلى أدواتنا المنهجية وإلى معارفنا الكثير.. تضيف إلى وعينا أبعاداً نفسية واجتماعية لا يمكن استيعابها وفهمها إلا بالقراءة الواعية للأعمال الإبداعية وليس من المبالغة أن هذه الإضافة والتي قد لا نجدها متوفرة عند الكثيرين هي إضافة مهمة جداً للكتابة التاريخية والنفسية الاجتماعية.

ـ شكراً. وحتى في المجتمعات الغربية.. الكثير من زملائي أثنوا على هذه الدراسة وطلبوا تطوير الجديد والجميل فيها، وظللت لفترة أعيد مراجعتها وتنقيحها، وهي من أربع مستويات: أولاً المسألة الشخصية الثقافية التي أحملها معي كوني مثقفاً، وثانياً المسألة المنهجية التي تحترم تداخل مستويات التحليل، وكذلك النظر في مسألة الهوية الوطنية عبر طرح الأسئلة المتشابكة لمثقف من أصل ليبي يعيش في المنفى الاختياري، وأيضاً هناك محاولة للإجابة عن أسئلة من أنا وكيف أكون وما هي إشكالياتي وصراعاتي واجتهادي وما هي هويتي.. وأنا لا أريد أن أتصرف بشكل مرضي أو عصابي.. أنا أرى الهوية متجددة وأرض الله واسعة.. قال لي الاستاذ على مصطفى المصراتي كلمة أبهجتني وذلك عندما قابلته مرة بعد انقطاع وسألته هل تذكرتني يا أستاذ فأجابني نعم أنت الأستاذ البارز الذي يحمل ليبيا في قلبه.. ولكم أن تعلموا كم فرحت بذلك التوصيف.. والحقيقة وبرغم كل هذا التوازن إلا أنه ليس بوسعي الإفلات من فترات أمر فيها بشكل إنساني أعاني الشوق بصراعات الغربة والاكتئاب ولكن ليس بشكل عصابي بل على نحو واضح وهادئ كما يقول أستاذنا الكبير الذي فقدناه “إدوارد سعيد”خارج المكان.. أنا عندما سافرت إلى أمريكا استطعت أن أكون منتجاً، وأنا مدين لتعلمي في هذا البلد، ولكن وربما لأنني ذهبت إلى القاهرة أولاً وتخلصت من السلطة الأبوية في ودان وفي سبها واستطعت أن أتصعلك قليلاً وأمارس حرية الانطلاق والنضج والاحتكاك ثم.. إلى الولايات المتحدة حيث بدأت من الصفر بدراسة اللغة الإنجليزية واللغة الإيطالية والتعليم الحديث وبالذات في المنهج المقارن.

• في الشأن التاريخي الليبي.. الأسئلة متعددة. وقد نبدأ هذا الحوار بافتراض ـ ولا نزعم غير ذلك ـ افتراض أن التاريخ الليبي يتعرض لمحاولة استيلاء أو هيمنة. هل هذا الافتراض واضح عندما يطرح كسؤال؟

ـ لا هذا السؤال غير واضح.

• نعطي مثلاً ثم نترك لك البقية. مثلاً واحد كمفتاح.. عندما يقرأ لكاتب ما يطالب برأس كاتب آخر لأنه كتب عن شخصية تاريخية بما لا يتلاءم مع توجهات هذا الكاتب أو بما لا يتلاءم مع قبيلته ومنطقته.. عندما يقرأ مثل هذا الكلام هل يمكن القول أن التاريخ ممثلاً في حوادثه وفي شخصياته يتم الاستيلاء عليه وبمعنى آخر أكثر وضوحاً يتحول إلى ملكيات خاصة. هل هذا واضح؟.

ـ الشق الأخير هو الأكثر وضوحاً. هناك مستويات عديدة في كتابة التاريخ الليبي. هناك إنتاج أكاديمي وهناك إنتاج غير أكاديمي وهناك ما أسميه التاريخ القبلي أو الجهوي. هذه أنواع من مستويات الكتابة في التاريخ الليبي. الكتابات التاريخية الليبية ـ وللأسف الشديد ـ لم تصل حتى الآن على الأقل في المرحلة الحالية إلى نوع من العمق المنهجي لأسباب وعوامل تاريخية. الإجابة عن السؤال تتطلب تناول جانبيين : الأول هو السياق الذي وصلنا إليه في دراسة التاريخ وبعدها نحاول تقييم وفهم هذا الإنتاج الذي تطرح الأسئلة عنه.

• مداخلة: هل يمكن أثناء قراءتنا ومراجعتنا للجهود الليبية في الحقل التاريخي أو الكتابة الليبية للتاريخ أن نُشير أيضاً إلى كتابات الآخرين عن بلادنا حيث أنها من الممكن أن تفيدنا موضوعياً ومنهجياً عبر اضاءات مختلفة على التاريخ الليبي وحتى غير الليبي؟

ـ نجيب عن السؤال الأول ثم بعد ذلك نجيب عن السؤال الثاني.

أولاً: الكتابات الليبية عن ليبيا كانت جدلية لأنه وحتى في المرحلة الاستعمارية أيضاً.. المؤرخون الليبيون المحليون الوطنيون كان يكتبون التاريخ.. الشيخ الطاهر الزاوي، السيد أحمد الشريف، سليمان الباروني، عبدالرحمن عزام.. الصحف الوطنية: المرصاد، الرقيب وغيرها.. هذه كلها كانت تتناول الأحداث والوقائع، أيضاً صحف المنفى. هناك بشير السعداوي، وفي تونس السيد أحمد زارم، وفي مصر وسوريا والعراق وفي غيرها.. كذلك الكتابات في أوروبا في أوساط المنفيين والمهاجرين.

ومن الممكن رصد موضوعة مشتركة أو نوع من الملامح أو القضايا التي تميز الكتابات التاريخية عن ليبيا في القرن العشرين وهي مسألة الصراع حول الهوية ومن أجل برامج استقلالية. في الأربعينيات انتهت عندما تم ضرب بعض هذه المشاريع ولكن نجاح مشروع واحد أدى إلى تكوين الدولة الليبية التي كانت إنجازاً كبيراً للشعب الليبي، ولكن ولادتها كانت مليئة بالمتناقضات والأسئلة التي لم يستطع الشعب الليبي أو الدولة الليبية في ذلك الوقت أن يجيبا عنها، وبالتالي جمدت الأسئلة والقراءات، وفي فترة من الفترات بدأت تتنامى الكتابة المنهجية الحديثة عن ليبيا، ولكن أغلبه يندرج في إطار ما يسمى بالشرعية، شرعية الدولة، وهناك أصوات إما أنها أغفلت أو همشت في تلك الفترة.

الملاحظ على الكتابة التاريخية في ليبيا أن مشروع الدولة، مشروع ليبيا كبلد وكهوية أو ككيان، لم يحسم بعد وبالتالي كانت محاولة ترسيخ الإثنين معاً أدى في الحقيقة إلى نوع من التأجيل ومن الصعوبة في الولادة. عندما نأتي إلى المرحلة المعاصرة نجد أن الأسئلة التي دفنت أو لم تدرس دراسة عميقة أدت إلى نوع من تأجيل حسم كتابة تاريخ ليبيا كمجتمع وليبيا ككيان وكدولة، ولأن هذه المسألة لم تحسم بعد سواء من الناحية الأكاديمية أو من ناحية الدراسات المعمقة أو من ناحية المنهج أو الرؤية بدأت الصراعات من أجل إعادة كتابته وخاصة بالتركيز على المرحلة الاستعمارية لأنه في الحقيقة لابد أن نعترف بشدة عنف تلك المرحلة الاستعمارية الاستيطانية، ونعترف بأن كل التناقضات وكل القضايا الجادة التي كونت المجتمع الليبي كان لها جذورها  في المرحلة الاستعمارية.

وبالتالي يلاحظ  بأن الصراع الفكري والتاريخي والإيديولوجي الآن ما بين قوى وفئات المجتمع  الليبي يأخذ منحى إعادة كتابة المرحلة الاستعمارية،  ولهذا تجد الصراع من أجل إبراز هذه القبيلة أو تلك وإبراز زعمائها ورجالها في تلك المرحلة، او تجد الاتجاهات الجهوية الضيقة الرؤى، بل وتجد ايضاً الاتجاهات النخبوية، وكل تلك الصراعات أدت إلى تحالفات محددة سواء بالتعاون أو التهاون أو الصراع في الداخل أو في الهجرة. ولأن كل هذه الصراعات لم تحسم، ولم تطرح للقراءة الموضوعية والبحث العلمي شرعت الآن  في الظهور إلى السطح حاملة سلبيات  كثيرة.

والخلاصة التي أخرج  بها إننا لم نستطع بعد أن نرسخ كتابة الكيان الليبي أو التاريخ الليبي بشكل أفضل يشمل هذه الأسئلة المشروعة.

أيضا لازالت هناك كما يبدو إشكالية مواطنة وإشكالية هوية لم تحسم حتى الآن لو أننا قرأناها من الخارج ومن ناحية موضوعية. ولهذا  ترى العجب: هناك المشاشية  يقولون مثلا  أن محمد المشاي قائد عظيم، وهناك ورفله تقول إنه عبد النبي بلخير وهكذا دواليك. هذه مجرد أمثلة بسيطة عما يطرح عن دور أباضية الجبل وتحالف الزنتان والرجبان، حيث تجد في كل حالة تمجيدا لهذه  القبيلة وهذا الزعيم.. تقرأ كتابات عن حرب الجبل هذه التي لم تحسم موضوعيا إلى حد الآن. والحقيقة أنه رغم الاختلاف والتعدد في وجهات النظر أو التحيز لهذا  الجانب أو ذاك الجانب الآخر إلا أن المنهج غالبا غير علمي وغير موضوعي والرؤية ايضا رؤية جهوية قبلية في أغلب هذه الكتابات.

• ما البديل.. هل يكون بإلغاء التعدد والتناقضات؟

لا. ليس البديل أن نطمس التناقضات والتعددية التي هي من طبيعة كل مجتمع حي كالمجتمع الليبي, ولكن البديل هو كيف نقرأ الخاص والعام، المحلي والجهوي، الماضي والحاضر بروح موضوعية، حيث نجد هذه التعددية ومن خلالها ،لا تعني التمزق أو التشرذم او الخلاف بل تعني التعدد والتنوع والحيوية. وهذا هو الفشل  الذي نراه..  وهذا هو التمزق والخلاف احيانا وكل هذه الظواهر الغريبة السلبية التي تظهر لنا بين الفينة والأخرى.

• القصور في القراءة.. هل هو نتيجة الضعف المنهجي أو الرؤى الضيقة او الانحياز  الايديولوجي او الشوفيني أم لأن التاريخ يكتب وفقا لأهداف ووفقا لقضايا؟ على سبيل المثال هناك كتابات تحاول أن تزيل هذه الحجب وهذه العوائق في دراسة بعض الوقائع ذات الطابع الصراعي العنيف إلى حد الدعوة إلى التسامح الموضوعي.. هل توقعنا هذه الكتابات أحياناـــ كما ينتقدها البعض. في فخ الانتقائية من اجل تقريب وجهات النظر أو إيجاد مبررات لهذا الفعل أو ذاك. بدلا من كشف السلب وتعريته لتجاوزه. هل لابد من هدف للقراءة على عكس الدراسات ذات الطابع  الانثربولوجي التي من الممكن أن تشير إلى التشتت والصراع في مجتمعاتنا؟

ـ أولاً لابد من استيعاب  مسألة أن كل جيل في كل مكان من العالم يريد قراءة التاريخ من موقعه الزماني المتميز. هذه مسألة حيوية  وعالمية في كل المجتمعات وبالتالي ليس من الغرابة أن هناك  قراءات جديدة  لكل جيل  ولكل مرحلة. النقطة الأخرى التي يجب  أن  نستوعبها وأنا حاولت  في أطروحتي عن المجتمع والدولة والاستعمار في الفترة  ما بين 1830 و1932، التي طبعت بالعربية في كتابي الأول في بيروت وطبعا  كانت  قد طبعت في كتاب باللغة الانجليزية، الإشارة إليها وهى خصوصية  المجتمع  الليبي والتحديات التي واجهها ومعاناته القاسية وكفاح أهله وأسئلته المشروعة وإجاباته التاريخية. والفشل الذريع هو القفز على الواقع أو الصمت أو إنكار وجود التعددية  والتنوع وحق الاختلاف والخطر على المجتمع يكمن في قوة الهوية القبلية أو الهوية الجهوية  وخروجها على السطح على حساب  العام والوطني الأشمل.

 المشكلة في الكتابات الليبية الآن ليست في وجود كتابات متعددة ولكن في هامشية وغرابة موضوعاتها أحيانا وغالباً في ضعفها المنهجي وقلة مصادرها ومعاركها السطحية الطاحنة وغير المبررة.. وكيف نفسرها؟ ألاَ يؤكد هذا أن هناك نوعاً من التراجع في الرؤى والأهداف بالمقارنة مع فترة الخمسينيات والستينيات وحتى في السبعينيات، حيث كان يتوفر زخم وطني يحاول ان يبني كياناً واحداً؟ في الأول كان هناك صراع الفيدرالية والسعي  إلى بناء  كيان موحد ومشاركة أوسع ولكن  الضغوط الخارجية والتحولات الداخلية في المجتمع الليبي والدولة الليبية قد تجعل هذا المشروع يتخلخل.. وتشرع الهوية القبلية  الجهوية  في الظهور بقوة، وهذا  موضوع  آخر.. قد تضمر في وقت  ولكنها قد تزداد عنفا وقوة  من مرحلة إلى أخرى كانت هذه الصراعات موجودة في فترة ماضية ولكن جاءت فترة أخرى واختفت. الآن بدأت تظهر على السطح مرة أخرى من خلال كتابات التخوين أو التمجيد لقبيلة أو لجهة أو لقوى وغيرها.

 النقطة الأخيرة للإجابة عن هذا السؤال الذي حاولت أن أجيب عليه، هي ضرورة الإشارة إلى أن القراءة  النقدية الواعية متدنية أحياناً للأسف الشديد. هناك إشكالية الهروب إلى الأمام.. وهذه عادة عربية رديئة للغاية فبدلا من أن تبدأ من الواقع كما هو بتناقضاته بتعدديته وبتنوعه يتم الهروب إلى الأمنيات. المجتمع الليبي كيان كبير من ناحية الجغرافيا، رابع دولة في افريقيا، وتاريخيا وبحكم كبر المساحة تواجدت لدينا تعددية  جهوية جغرافية، وبدلا  من أن نفهمها كنوع من التنوع والتعدد والغنى، صرنا نراها- بحكم قصر مرحلة الدولة الليبية- خطرا: وأيضا هناك مسألة تأجيل استكمال  بناء الدولة الليبية ومؤسساتها الأساسية  التي أدت إلى أن هذه التوجهات الجهوية والقبلية  تظهر على السطح أكثر فأكثر.

قلة من المؤرخين الليبيين يعترفون بأن لدينا تعددية جهوية، ودائما عندما تطرح المسألة سياسيا، تعتبر مسألة خطيرة وإقليمية  وغيرها من التهم، ولكن هذه نظرة قاصرة كأننا نحن العرب متساوونَ على الصعيد الاجتماعي الثقافي الحضاري، وكأن ليس  لدينا  طبقات ولا تعددية جهوية إقليمية بدوية وريفية  وحضرية. هذه هي المنطقة وهذا هو المجتمع الليبي.. التعدد والتنوع. هذه هي التعددية الحيوية التي لم تستوعب بعد استيعاباً إيجابيا واقعيا يثري المجتمع ويجعله شريكاً فاعلا حضارياً. نعم لابد من أن نرى أنفسنا في المرآة كما نحن لنتجاوز السلب.

باختصار.. الكتابات التاريخية متنوعة كما ذكرت وذكرتم لان الكتابة التاريخية نتاج طبيعي مثلها مثل الإنتاج في الحقول السياسية والثقافية مشروط بمرحلة تاريخية محددة، أما لماذا ظهر في هذه المرحلة وليس في غيرها فهذا  سؤال آخر.

• يلاحظ في كثير من الكتابات الليبية التاريخية أن الباحث الليبي يغرق في الوقائع التاريخية في حدث كذا وكذا.. ولكنه لايطرح أسئلة لماذا حدث وما أسباب  ذلك بحيث نستطيع أن نتبين حركة ومساهمة مجمل العناصر الدافعة لحركة التاريخ. هل الباحث الليبي لايستهدف استنطاق الوقائع من أجل الوصول إلى مفاهيم علمية وقوانين اجتماعية ذات شأن. هل نفتقد السؤال.. هل ليس للباحث الليبي قضية؟!

- هناك نقطتان في هذا الإطار. الكتابة التاريخية.. أو كتابة التاريخ الليبي تقريبا وإلى حد كبير جاءت متأخرة. هناك طبعا المؤرخون الذين عاصروا المرحلة الاستعمارية في حركة المقاومة أو ارتبطوا بالدولة الاستعمارية. وبعد الاستقلال وفي بلد مدمر مهمش متعب ومجهد من خلال الفترة الاستعمارية الفاشية؛ بدأ المؤرخ الأكاديمي الحديث أيضا متأخرا ومن هذا الجيل الذي تعلم الأستاذ مصطفى بعيو والأستاذ محمد بازمة وكانا بعد الاستاذ محمد بن مسعود فشيكة والشيخ الطاهرالزاوي مؤرخنا الكبير وبعد السنوسي الغزالي والطيب الأشهب.. هؤلاء إما   كانوا رجال دين وفقهاء أو صحفيين: الأستاذ بعيو خريج جامعة الإسكندرية، أول مؤرخ  حديث هو الأستاذ فشيكة خريج دار العلوم.

 الجيل الثاني كان أفضل إعداداً، وتشكل من الطلاب النابهين الذين تعلموا في الجامعة الليبية ببنغازي ثم أرسل جلهم تقريبا إلى الولايات المتحدة وبعضهم الى فرنسا وهناك تعلموا في جامعات ذات تقاليد عريقة وعلمية متقدمة في دراسة التاريخ سواء في التاريخ العربي الإسلامي أو الإفريقي أو التاريخ بشكل عام ولم يكملوا دراساتهم ويرجعوا إلى ليبيا إلا في السبعينيات وبداية الثمانينيات، وعلى سبيل الذكر الدكتور محمد الجراري والدكتور عقيلة البربار والدكتور محمود ابوصوة والدكتور عبدالمولى الحريز والدكتور عبدالله ابراهيم والدكتور صلاح الدين السوري والدكتور حبيب وداعة والدكتور محمد عبد الكريم  الوافي.

هؤلاء اعتبرهم كبار مؤرخينا وإلى حد كبير ليس من الإنصاف القول بأنهم يغرقون في التفاصيل والهوامش. الدكتور حبيب وداعة مثلا كان له اسهامه في إنقاذ المصادر التاريخية  لدولة أولاد محمد، وهذا عمل مهم ومتميز كما ذكرت في أحد محاضراتي بطرابلس.. وهذا مثال فقط.

هؤلاء بدأوا تأسيس المدرسة الليبية الحديثة في كتابة التاريخ وكتبوا في المسائل نفسها التي تضمنتها أطروحاتهم وجهودهم جيدة من الناحية العلمية ولاشك ان اعمالهم  تقدر على مستوى عالمي معاصر، ولكن الاستمرارية في الكتابة التاريخية تحكمها الظروف الاجتماعية والسياسية والتعليمية في ليبيا وظروف الصراع والحصار وغيرها..

ولهذا اعتقد إن هؤلاء المؤرخين الليبيين الكبار من الجيل الثاني والذين أنا أقف على أكتافهم كما أقف على أكتاف من سبقهم مثل الشيخ  الطاهر وبازامه وغيرهم  لأنني أنتمي إلى الجيل الثالث في الواقع- ولظروف عديدة ربما، لم يستطيعوا أن يصلوا إلى أقصى نضجهم وعطائهم.

 النتاج الليبي العلمي التاريخي بدأ بزخم، لكن المؤرخ يحتاج إلى فترة من الزمن  حتى يستطيع  أن يصل  إلى أوج نضج الأدوات المنهجية والعلمية ،ولهذا ربما.. وهذا ليس من الانصاف ،ولكنني أريد أن  اجادل  وأقول بأنه لم يستطع هؤلاء المؤرخون الوصول  إلى إنتاج أفضل ما لديهم بعد. وأنا قرأت نتاجهم كل أطروحاتهم للدكتوراه في الجامعات الغربية والمحترمة جدا واعترف بأنني مدين لهم بالجميل فأعمالهم كانت في مجملها في مستوى علمي راق.

 السؤال الآخر لماذا لم يستطع هؤلاء المؤرخون الكبار الوصول إلى إنتاج أفضل أعمالهم كما تمكن زملاؤهم في تونس والجزائر ومصر وفلسطين ولبنان والعراق.. أو حتى السودان. هذا سؤال آخر يرجع إلى عوامل وظروف داخلية وظروف خارجية.. ظروف معيشية وظروف نظام التعليم والبحث العلمي الأكاديمي.. ووضع الجامعة الليبية إدارياً وتعليمياً أنتم أدرى به مني، والنتيجة وهذه الحقيقة انهم لم يصلوا. بالإضافة إلى هؤلاء هناك فريق كبير من المؤرخين الآخرين الذين درسوا وتخرجوا  خلال المرحلة التعليمية الحالية في ليبيا من غير إعداد وبناء علمي رصين  من غير أدوات منهجية نقدية من غير أسئلة كما ذكرت ومن غير معرفة بلغات  أخرى- وانتم تذكرون بأنني في محاضرة بطرابلس ذكرت بأنه في القرن 21 من غير معرفة لغة عالمية واحدة سيبقى الإنسان أمياً ولا يستطيع الباحث أن يقدم مساهمة فاعلة.. من الضروري أن يكون هناك إعداد منهجي علمي رصين  وإعداد معرفي واسع وعميق بالجهود الإنسانية في مجال دراسة التاريخ والمجتمع وإعداد لغوي، لأنه بدون هذه الأدوات ومن غير بناء مؤسسات تحترم وتعزز حرية البحث العلمي سيكون من الصعوبة وجود المناخات التي تضمن للمؤرخ القدرة على الإنتاج  والبحث العلمي. ولهذا وللأسف الشديد يظل الاستثناء الوحيد برأيي هو مركز الجهاد وهو موضوع  آخر نفضل الحديث عنه فيما بعد.

• يفتح قوس يخص مركز الجهاد.. نعود إليه فيما بعد

- أرجو أنني قد أحببت عن سؤال الكتابة الليبية..

• نريد أن نسأل عن الكتابة العربية والغربية ما هو تقييمكم لها - خاصة وأنتم تعنون بالاتجاه المقارن، فبقدر ما يهتم الباحث بالمادة التاريخية يهتم برأي ومنهج الباحثين الآخرين.

- هذا سؤال مهم للغاية. يلاحظ أن الكتابة الأكاديمية في ليبيا والكتابة التاريخية العربية بشكل عام هي كتابة نمطية، ومن ناحية التركيز تعكس الرؤية المحلية..

 الشائع أن التونسي يكتب عن تونس، والجزائري عن الجزائر، والمصري عن مصر، ولا يقرؤون بعضهم البعض، وربما نحن نقرأ مثلا كتابات المصريين لعوامل  تاريخية ولكن المصريين قد لا يقرؤون إلا نادراً عن أي أحد آخر. في ليبيا  وقعنا في نفس المطب القطري العربي وهو الكتابة عن الدولة نفسها أو المجتمع نفسه أو قراءة الكتابات  عن ليبيا فقط  وأشنع  منها مشكلة  اللغة نظراً لأن ما كتب  هو بالعربية فقط، ولذا تكون قد حصرت نفسك في اطار ضيق للغاية. هذه مشكلة. أجد أن جُل الكتابات الأكاديمية بما فيها التاريخية  تعاني من هذا المثلب الكبير.. من قصر هذه النظرة القطرية الضيقة، للأسف الشديد  القراءة عن المجتمعات المعاصرة في افريقيا وغيرها هي في الحقيقة غرائبية للغاية بالنسبة لنا نحن الليبيين  فما بالك  بالقراءة عن المجتمعات الأخرى.. قراءة التاريخ الاجتماعي لأوربا أو آسيا مثل  الهند أو بلدان امريكيا اللاتينية وبشكل  جدي ورصين. ستجد جل المعلومات في هذه الدراسات العربية قصيرة وشحيحة ومضحكة وهذا شيء مفجع ومخجل. أنا ربما كنت محظوظاً كوني تعلمت في الولايات المتحدة وأقوم بالتدريس هناك وأيضا ربما الانفتاح المبكر في شبابي وربما بركة الاشراف  التي تقودني من مكان إلى آخر أدت إلى ان انفتح على الاخرين والآخرون انفتحوا على كتاباتي ووجدت نفسي غير معزول.. ولكننا نحن الليبيون كبلد  مستعمر في النصف الاول  من القرن العشرين عانينا من العنف والتدمير المادي والنفسي والعزل والحصار وبالتالي لدينا كم كبير هائل من المستعمرين والمهمشين. نحن لم نعانِ من الاستعمار الاستيطاني فقط الذي دمر كل المؤسسات التي بنيت في العهد العثماني وبالتالي لم يبق لدينا تراكم مثمر مثل الذي حصل في تونس وفي مصر والمغرب وفي لبنان وسوريا والجزيرة العربية وحتى في العراق.

نحن عانينا ونعاني.. وبالتالي أحياناً البلادة الأكاديمية تغيظني لأن التدمير الذي حصل في ليبيا مختلف تماماً وطال كل المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع الاهلي التي بنيت في المرحلة العثمانية والنصف الثاني من القرن التاسع عشر.. جلها دُمر، وهذه تركة نحن نعاني منها وفيها حتى الآن في الدولة الحديثة. أيضا هناك التراكم لما بعد الاستقلال وإلى حد الان انتم أدرى به لظروف تاريخية عديدة.

 ومن هذه  الناحية الدراسات المتوفرة جلها دراسات ايطالية والدراسات الايطالية تعاني  من التحيز، طبعا هناك دراسات غير متحيزة لابد من الاعتراف بها  ولكن جلها  مبني على الرؤية  الاستعمارية محاولة لتقبل التجربة الاستعمارية بشكل عام. ولأن الباحثين الايطاليين المعاصرين لا يجيدون اللغة العربية، ما عدا القلة منهم، فـإن هذا ما يزال يخلق نوعاً من المشاكل في الفهم ويعيق البحث العلمي الموضوعي، وهناك الدراسات الفرنسية المتخصصة-رغم تحيزها- عن مصر وتونس والجزائر والدراسات الفرنسية والانجليزية على مصر.. هذه الجهود رغم ملاحظاتنا النقدية لم نجن ثمارها بعد كما جنى ثمارها غيرنا الذين عندما بدأوا وجدوا هناك تراكمات عديدة صحيح  تحتاج إلى نقد؟ نعم ولكنها تساعد في تقديم إضاءات وتكوين قاعدة للبحث على أية حال نحن بدأنا. وهذا ضروري- بهذا التراث الاكاديمي الاستعماري وبالدراسات الاخرى التي جاءت بشكل بسيط مثل كتابات الانثروبولوجبين الانجليز والأمريكان وغيرهم الذين جاءوا إلى ليبيا وزاروا أوجلة وسوكنة وبرقة وغيرها وقد يكون هؤلاء قدموا شيئا عن مجتمعنا بصرف النظر عن اهدافهم، واعترف بهذا. ولكن هناك ايضا قطيعة بسبب الصراع ما بين الدولة  الليبية والدولة الثورية التي نشأت بعد التسع والستين وأيضا بسبب الصراع  مع الدول الاوروبية وبالذات الولايات المتحدة وقد أدى هذا إلى الانقطاع في استمرار تراكمات الدراسات التاريخية عن ليبيا، ولكن هناك استثناءات مثل جهود الدكتورة “ليزا أندرسون”من جامعة كولومبيا وصديقي ديرج ماندلوبين وغيرهم.. هناك خمسة أو ستة أسماء لأساتذة  مهمين، ولكن هذه الدراسات قد لا تعنى الكثير. الدراسات شحيحة وإلى حد الان  الكتاب والدارسون الغربيون يعترفون بأنهم لا يعرفون الكثير عن ليبيا ومع ذلك فهذه الدراسات لابد من الالمام بها ولذا الامر يتطلب تعلم اللغة الانجليزية والفرنسية والايطالية لقراءتها ونقدها والتفاعل معها ولكن هذا للأسف الشديد غائب حتى الان، لان هناك تمجيدا للذات أو كما يقال في التعبير الامريكي أنك في حالة دفاعية.. واضعا تروسا وجسورا ومتقوقعا داخل أسوار.. وكأن هناك مؤامرة في كل جانب وفي كل زاوية.

• أنت تولي اهتماما كبيرا بل  وتشيد بما تسميه الجماعات المهمشة والناس العاديين.. أولا سنسأل من هم المهمشون اجتماعيا في التاريخ  الانساني وفي التاريخ الليبي؟هل هم الصعاليك في التاريخ العربي؟ أو الهيبز في أوربا أو الغجر؟ ايضا ما علاقة ذلك بنماذج المتمرد واللامنتمي و(الآوت سايدر الخارجي) إلخ.. هل هم المهمشون المغتربون طبقيا واجتماعيا،هل دراساتك تخص جماعات أم طبقات أم شعوبا؟ التهميش قد يكون حدث ويحدث في فترات تاريخية بسبب قوانين الصراع الاجتماعي بأشكاله المتعددة فيتهمش أفراد أو جماعات أو شعوب أو طبقات عن الفعل والحركة والمساهمة،ماذا يضيف المهمشون  إلى الحقل المعرفي او الدراسة العلمية؟

- أرى أن هناك اتجاها عاما سائدا هو اتجاه الفئات الوسطى والعليا في الكتابات التاريخية عموماً والعربية والليبية بشكل خاص.. مثلا مؤرخو المقاومة الليبية ومنهم الشيخ الطاهر الزاوي الذي اعتبره من أهم مؤرخي تلك الفترة الذين جاهدوا وكتبوا عن هذه التجربة بأنفسهم، كان راديكاليا بكل معنى الكلمة، رغم انه كان جهويا الى حد ما.. كتب كتابه عن القبائل والزعامات وعن التاريخ العثماني ولكنه كان تاريخ الولاة والسلاطين والباشاوات. وهذا هو الشائع في الكتابات التاريخية.

 دائما تذكر المناهج المدرسية الليبية الوالي الفلاني والملك والأمير والسلطان أو الأسرة الحاكمة إلخ.. هناك تحيز معرفي في كتابة التاريخ الاسلامي والتاريخ العربي والتاريخ الليبي هذه النقطة الاولى. النقطة الثانية أيضا دائما ندير ظهرنا لما يسمى بالمجتمع الاهلي او المدني الحديث، ودائما عندما نحكي عن المجتمع نحكي عن الشعب والجماهير والجموع بشكل عام وتجريدي ولا نجد فيه تفاصيل عن وجوه الناس بمختلف وتنوع فئاتهم وطبقاتهم وأعمالهم ونسائهم ورجالهم وغيرهم.

• يستخدم البعض كلمة جمهور

أعتقد ان هذا الكلام فيه الكثير من الديماغوجية لأنه  في نهاية الامر هو خيار أيديولوجي. هل تراهن على الدولة وبناء مؤسساتها بالارتباط بالناس بالمجتمع أم  تراهن على ماذا؟! اتمنى ان يكون  اسهامي في الكتابة التاريخية عن المجتمع  الليبي وعن منطقة شمال افريقيا اسهاماً معرفياً بشكل خاص، وفي  العلم اسهاما منهجيا بشكل عام. وأنا من قلائل الباحثين الاكاديميين الذين يرون تركيزا مهما وجدياً على التنظير، ليس على الدولة فقط، ولكن التنظير في  ماهية المجتمع الاهلي والمدني الآن، وإذا تذكرتم  المحاضرة التي غامرت بإلقائها في مركز الجهاد عن أصول المجتمع الاهلي في ليبيا كنت قد أردت  من خلالها جس نبض الجمهور الكريم لفهم شيء معرفي في منهجي   بغض النظر عن التحليل، هذه هي  النقطة الاولى.

النقطة الثانية للأسف الشديد نحن لم نول الاهتمام بالفئات الفقيرة.. مثلا الفقراء في التاريخ الليبي.. الفقر والفقراء والقبائل الفقيرة، الجبادة  الذين كانوا يعملون اثنى عشرة ساعة في اليوم.. فقراء الفلاحين في الواحات، لم نول الاهتمام بالقبائل الجائعة التي تغزو أماكن قبائل اخرى، ولم نول الاهتمام كما يجب بالحرفيين والبحارة والفئات الدنيا في المجتمع الليبي، كذلك لم نول  الاهتمام بالرقيق والعبيد والشواشنة بشكل شجاع.

أنا اعني المهمشين تماما الجبادة, النساء, الفقراء, الشحاذين, الشواشنة, العمال بمجال الموانئ وعمال الحلفاء وعمال  المزارع.. في الحقيقة لم نهتم بشكل أشمل بالمجتمع الاهلي.

 أرفض ان نتغاضى عن هذه  الاشياء وهذه الوقائع وهذه الفئات، وأن نعترف بما لنا وما علينا في الجوانب الايجابية والجوانب السلبية في مجتمعنا، أرفض أن أمشي مع تيار عدم النظر  لها وحاولت أن أنظر لها وادرسها أيضا  بشكل نقدي كما يجب على الباحث من حيث الأمانة  العلمية. إذا لاحظتم أنا أنظر إلى المجتمع بحب، لأنني جئت من عائلة تحب هذا المجتمع ووالدة حادة الذكاء وقوية  الشخصية وأب معلم متسامح.

 جئت من الطبقة الوسطى وكان تعليمي غير شوفيني، سواء في أسرتنا أو في  القاهرة أو في أمريكا، وأحاول أن أنظر منهجيا وفكريا بعين ناقدة لفهم المضامين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في هذا المجتمع وبما لا يغمط  لأي شيء حقه. هناك الكثير من الحب والتعاطف مع كل القبائل وكل  الفلاحين ومع الحضر ومع الارياف والبوادي مع كل الفئات، وهذا ما لاحظه أحد المراجعين لكتابي.. وللأسف الشديد دراساتي عن بلدي الاصلي ليبيا تثير الكثير من الاهتمام  النقدي والقيمي خارج ليبيا أكثر.

• أليس لهذا التهميش علاقة بنشوء الدولة - كدولة  نخبوية. إذا  عدنا  إلى تاريخ المجتمعات العربية الاسلامية؟

ـ  نعم نعم. ولكنني أزعم مع أنني، غير متخصص في التاريخ الإسلامي, أن التاريخ الإسلامي الحقيقي الواقعي لم يكتب بعد. نحن كتبنا التاريخ السلالي والأسرى. والسلطاني والتاريخ العقائدي الإيماني، لكن التاريخ الواقعي للمجتمعات الاسلامية لم يُكتب بعد، وهذا جزء من ورطة العيش في منطقتنا ككل بما فيها ليبيا لأن هناك تابوات كثيرة.. تابو ديني وتابو سياسي وإلخ يجب أن  نعترف بهذا ايضا.

• هل من الممكن اعتبار جماعات ثورة الزنج وحركة القرامطة من المهمشين؟

- طبعا هي فئات وجماعات مهمشة والأكثر تهميشاً من غيرها في  مجتمعات تلك الفترة وهى فئات مهمة فعلا في الحركة والإنتاج.. ولكن ما هي المجتمعات الأهلية، إنها ليست مجتمعات مسلمين وكفار، انها المجتمع بفئاته وطبقاته المتعددة والمتنوعة والمختلفة.. التجار والعمال والصناع والفلاحين.. المجتمع بفقهائه وجواريه وعبيده ورقيقه  وأسراه ومنبوذيه وأيضا ذوي القدرات الإبداعية فيه. ولهذا أرى أن الحداثة وهذا موضوع شأئك- لا تأتي من الخارج فقط.

• هل التاريخ الحقيقي هو البحث في قوانين الصراع  والتعاون والمساهمات المتنوعة للقوى والفئات التي تكون المجتمع كوحدة اجتماعية في فترة أو طور تاريخي عبر قضايا وأهداف وليس التاريخ المحض للحوادث  أو الوقائع المجردة؟

- تاريخ المجتمع  يبنى على الفعاليات والديناميات والمؤسسات، الأسماء والتواريخ للوقائع هي في الحقيقة أكثر الأشياء تبسيطاً وسهولة ولكن الأساس هو النظر في ما وراء الأحداث ووراء الأسماء وما وراء التفاصيل: وهي الآليات والقوانين والفعاليات والمؤسسات والطرق الابداعية والعلمية والحيوية في حل المشاكل وفي الصراع من اجل التطوير. هذا لم نكتبه بعد في التاريخ العربي الاسلامي وللأسف الشديد.. نقطة قبل أن أنساها: نحن الآن - ومع ظهور الحركات الاسلامية بتعدديتها التكفيرية منها وغير التكفيرية الابداعية والرصينة وبحكم الاخطار المحدقة بالمنطقة _ تقهقرنا بشكل شنيع في نقد الذات والفكر النقدي رغم أن الاشياء التي تمس عقيدتنا الاسلامية صارت أكثر تجذرا وتحتاج إلى النظر الحر العميق والجريء ولكن في الوقت نفسه  صار لدينا نوع من عدم  التسامح وعدم القدرة  على التفكير النقدي وهذه  كارثة كبرى.. إذا لم  نكن قادرين على ممارسة النقد الذاتي وتقبل النقد فلا مستقبل لنا جميعا.

• استدراك : نذكر مصطلح البروليتاريا الرثة في أدبيات الفكر الاشتراكي ونشير إلى ماركيوز والانتباه الى فئات الطلاب والزنوج والمهاجرين ثم دراسات كثيرة أضافت الحركات النسائية وغيرها والكتابة عن عمال التراحيل والمياومة. هذا وغيره  يؤكد أن لهذه الجماعات أو الفئات دور اجتماعي كبير في الحراك الاجتماعي والدفع باتجاه متغيرات.. ولذا تتوجب دراستهم بجدية لفهم الدور والفاعلية.

- هذا الاستدراك مهم. أنا درست هذه الفئات، ليس لأنني أحبها فقط، ولكن لكي أظهر كم هي فاعلة في التاريخ. هم فاعلون في التاريخ.. مهمشون اجتماعياً واقتصاديا وسياسيا وثقافيا في المجتمع، ولكن لهم ادوار مهمة  في حركة المجتمع الليبي وتاريخه بشكل عام.

 يجب أن نذكر  في التاريخ دور الجباد الذي يعمل 12 ساعة يوميا بأغانيه وبأحزانه، والجبادة هي عملية سكب المياه من الآبار كانت في منتهى الاستغلال للقوى  العاملة في تاريخنا. هؤلاء الجبادة كانوا في قاع  المجتمع الليبي من  كتب عنهم: لقد  وجدت كتباً فرنسية تبحث في مسائل وأغراض أخرى تهتم بالجبادة وبرعاة الإبل الذين لا يملكون إبلاً ويرعى إبل وقطعان شيوخ القبيلة ذوي المكانة بالقبيلة.. المغارسة أو عملية التخميس.. هذه الفئات لم تدرس وهؤلاء شرائح  مهمة جداً في النسيج الاجتماعي.

ولكن اسمحوا لي أن أقول  شيئا مهما في دراساتي وهو  هم أساس. أنا أركز كثيرا  على المرأة الليبية وليس بشكل أبوي لأنني أعتقد  أن لها دورا لم يدرس  بشكل علمي وجدي.

المجتمع الليبي مجتمع  أبوي مجتمع رجولي أو رجالي وإذا لم نستطع الانصات الى المرأة الليبية وهمومها  وانشغالاتها، وليس الكلام عنها فقط، فإننا لن نكتشف دورها المهم الذي لعبته كل هذه القرون وكل هذه الفترة التاريخية الطويلة.. وسنظل على السطح  إذا لم  تنل  الحركات النسائية في بلادنا وكل القوى الطليعية غير الرسمية حقوقها المشروعة لتفعيلها فلا مستقبل للمجتمع الليبي.

• قبل نهاية اللقاء -  الحوار سنتوقف في محطتين أو ثلاث... في المحطة الاولى نتوقف عند كتابكم  المعنون بالمجتمع والدولة والاستعمار  في ليبيا الذي تم سحبه من معرض الكتاب منذ سنوات ولا ندري من المسؤول عن ذلك ولمصلحة من. طبعاً أحدث هذا الإجراء انزعاجا في الوسط الثقافي وخاصة أنه كان في الوقت نفسه موجودا ومقروءا ومدروسا في الكثير من جامعات العالم بل ومرحبا به من كثير من المؤرخين ومن قبل الجامعات. صورة متناقضة.. موقف متناقض ما كنا نتمنى  أن يحدث. ننتهز هذه الفرصة لنستطلع أحاسيس  الدكتور(علي) ومشاعره عندما يعرف أن كتابه قد قوبل بالصد والمنع.. وهو موضوع يمس الموضوعة التاريخية الليبية العلمية الثقافية، ويتوجب الإشارة إلى أن هذا الكتاب قد تم تناوله وعرضه لأول مرة في مجلة (لا) من قبل الأستاذ الشاعر والكاتب (محمد الفقيه صالح) وكان عرضا طيبا وحافزاً للبحث عن الكتاب ودراسته وقراءته وكان هناك عنوان صغير فرعي لتلك المقالة: (كتاب غير متداول في الأسواق الليبية)

- في الواقع.. كان رد فعلي عفوياً وهو الشعور بالأسى والحيرة لأن بلدي الأصلي بلدي ليبيا لا يسمح بتداول هذا الكتاب الذي  يتناول مرحلة تاريخية مهمة تنتهي باستشهاد عمر المختار.. المرحلة التي ربما نحن الليبيون  يجب ان نتفق عليها.

 وأيضا شعرت بنوع من الانزعاج وخيبة الأمل والمرارة وخاصة  أن هذا الكتاب كان مرشحا لأهم جائزة علمية في الولايات المتحدة ويدرس في افضل جامعات العالم بما فيها استراليا وغرب أوربا والولايات المتحدة وغيرها. لم أجد أية إجابة على هذا السؤال، ولازلت أبحث وألقي الأسئلة لأنني الكاتب والأكاديمي الليبي الوحيد الذي نشر له مركز دراسات الوحدة العربية في ذلك الوقت هذه الأطروحة، ولأن الكثير من زملائي في ليبيا سواء في أجهزة الدولة أو قراء أكاديميين وغير أكاديميين، ذكروا لي بأنهم أعجبوا بالكتاب وتعلموا منه شيئا جديدا. ولكن الناشر  في بيروت ذكر لي أن الكتاب من الناحية الرسمية ممنوع في ليبيا. وانأ لا أدري لماذا ولازلت أطرح هذا السؤال وأرجو أن  يفرج عنه لأنه ليس هناك تبرير لمنعه.

• المحطة الثانية: تخص مركز دراسات جهاد الليبيين الذي يكاد أن يكون المؤسسة الوحيدة، علمياً وثقافياً- التي ما فَتِئَت منذ إنشائها وهى تنجز مهامها وتحاول بإمكانياتها - رغم وجود صعوبات - أن تقدم التاريخ الليبي توثيقا مقروءا ومسموعا ومصورا إلخ. كيف ترى هذه المؤسسة ودورها المتميز وما هو توقعاتكم لهذه المؤسسة التي نقدر دورها الكبير؟

ـ أنا أتفق معكما.. وأضيف أن مركز  الجهاد هو أهم المؤسسات العلمية الرائعة التي انشئت  بعد الثورة، والدكتور محمد الطاهر الحراري المدير والمؤسس للمركز يستحق  الكثير من التقدير والامتنان لإدارته لهذا الصرح العلمي  المهم ليس في ليبيا فقط  وشمال افريقيا ولكن في مجمل المنطقة العربية والإفريقية. أقدر كثيرا هذه الجهود في إعادة كتابه التاريخ الوطني وبالخصوص التاريخ الشفهي الذي ضاع من الكثير من  الشعوب والمجتمعات  والدول. ولهذا  أعتبر نفسي عضوا  فيه ورغم بعد الجغرافيا فقد ساهمت لاحقا في إغناء هذه التجربة الوطنية بزيارة المركز كل عام وإلقاء  المحاضرات وصار لدى الكثير من الاصدقاء والزملاء في هذا المركز وأنا فخور بهذا  الانتماء وهذا الدور العلمي المتمكن والواعي لكتابة  التاريخ الليبي الشفهي. ولكن وبعد هذا الانجاز كما ذكرت  لصديقي وأخي الدكتور محمد الجراري وزملائه – هناك تحد يظهر الآن: وهو أن ينتقل المركز من مرحلة الكم في تجميع التاريخ غير الرسمي وتاريخ  الناس المستعمرين والتاريخ  الشفهي الى مرحلة  الكيف والتركيز على الدراسات ذات الطابع التحليلي  والمقارن وأيضا الدراسات التي تطرح الأسئلة الصعبة مثل التي طرحت في هذا اللقاء. هذا التحدي هو القفزة النوعية وربما هي أجندة للمستقبل لابد من الشروع  في إنجازها الآن. أتمنى ان يحدث هذا. وانأ الآن قد صرت جزءا من حوار علمي مفتوح عبر التعاون مع الباحثين في المركز، واعتقد أننا بدأنا في قفزة نوعية كيفية في التحليل التاريخي  وأرجو ان تستمر في السنوات القادمة ليس في ليبيا فحسب بل وبالتعاون مع  الباحثين من بلدان أخرى وخاصة أوربا وأمريكا والجامعات المرموقة في العالم التي لها اهتمام بالتاريخ الليبي الذي اهمل كثيراً وهمش كثيراً والذي لم يعرف حتى الان بشكل علمي نقدي وبشكل جدير بالاحترام والتقدير.

• أشياء كثيرة مؤجلة , لكن هذا لايمنع  من توجيه سؤال عن ما هو  المطلوب في كتابة تاريخنا ما هي الوسيلة ما هي الاداة وبأية مؤسسات وبأية  رؤيا؟

- الأفراد لا يستطيعون وحدهم كتابة التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي ولذا أعتقد ان الوسيلة تكمن في المؤسسة العلمية والموضوعية الجادة التي تستطيع أن تبني جسورا للباحثين وتقدم لهم العون. وهذا ما قام  به مركز الجهاد حتى الآن. الصعوبة تكمن في القدرة على الاستمرارية.. أن تبدأ قوياً وجميلاً وبشكل نقدي هذا مهم ولكن الاستمرارية هي الاهم.

سؤال أخر مشروع: لماذا مركز الجهاد فحسب؟ أين الجامعة ومراكز البحوث؟ أين التعليم الليبي التعليم الذي بدأ ينحدر؟ نحن عندما تخرجنا كأوائل الطلبة من المدارس الليبية في بداية السبعينيات ارسلنا الى افضل كلية  في مصر كلية الاقتصاد والعلوم  السياسية، وكنا من المتفوقين فيها، وبعثنا بعدها  الى الولايات المتحدة، واستطعنا ان ننافس هناك وان نتعلم في أفضل الجامعات في العالم، ليس لأننا عباقرة، ولكن لأننا تخرجنا من مؤسسات علمية  وتعليمية في ليبيا كانت قادرة  على أعداد جيل من الليبيين القادرين على المنافسة والتفوق  والاستمرار.

 المعضلة التي نعاني منها الآن ليست تطوير مركز الجهاد، بل هى  انحدار وتدهور المؤسسات الأخرى كالتعليم وغيره وانتم أدرى بها. أين يتعلم  النشء الليبي الان وماذا يتعلم؟ أنا لا أعتقد أن  الشبيبة  الذين  يتخرجون الآن من  الجامعات الليبية قادرون على التقدم  على نحو علمي منهجي سليم.

 خلاصة القول نحن لا نريد كاتبا واحدا او مؤرخا واحداً او اثنين او ثلاثة نريد تنوعا واستمرارية للعديد  من شبابنا وشاباتنا الذين  يستطيعون مواصلة التعليم عبر إعدادهم وتأهيلهم  لممارسة وإنتاج شيء جيد ومفيد قادر على المنافسة وينال التقدير,

إنا في الحقيقة لا أعلم الكثير عن التفاصيل، ولكنني أعتقد أن تأجيل بناء المؤسسات ليس مسألة خيار أو مسألة حوار بل هى موضوع أساس وحيوي، وربما ذكرت هذا في كتاباتي ولقاءاتي في العديد من المرات. نحن الليبيون لم نحسم بعد بناء الدولة او مؤسساتها حتى الآن وإن تأجيل هذا السؤال يضعنا في وضع شديد الفداحة حيال المستقبل وأمام الأجيال القادمة.. ففي نهاية الامر نحن لا نريد فقط  مركز الجهاد، ولكن نريد مؤسسات اخرى تقوم بدورها الفاعل في المجتمع، وهذا هو التحدي الأكبر.

• في سياق إعداد كوادر لها  القدرة على قراءة واستبطان التاريخ.. هل من الممكن القول أنه من الضروري فتح الحوار  لمراجعة نقدية للكتابات التاريخية الليبية.. مراجعة المناهج التعليمية أو منهج التعليم  بشكل عام في مختلف المراحل وما يقدم فيه عن وقائع تاريخنا ورموزه وأعلامه وقضاياه؟ فهناك ضعف كبير جداً  في المادة التاريخية بل وتقدم بأساليب إنشائية وغير موضوعية. هل حان زمن النقد؟

- هناك مشكلتان: الأولى استمرارية وتراكم المؤسسات الاجتماعية والسياسية، التي لم نفلح - نحن الليبيين- في القرن 21 في إنجازها بعد منذ بداية الغزو الايطالي وربما حتى الآن، ولهذا فإن ظهور كتابات تحاول  إبراز التاريخ القبلي والتاريخ الجهوي  ليس غريباً لأن هناك بدائل مؤسسية وتعليمية قوية  في المجتمع وعندما ننظر الى جيراننا الأقربين قد نجد  لديهم مشاكل ولكن تظل هناك استمرارية في مؤسساتهم وفي أسماء شوارعهم وفي جامعاتهم وفي ميادينهم وصروحهم وفي أشياء أخرى.. نحن لدينا الكثير ولكن  لم نكتسب معرفة  اهمية التراكمات. أنا أعتقد ان هذه مسألة مهمة جدا.

- المشكلة الاخرى ان التعليم العربي بدرجات مختلفة لا يزال تعليما متخلفاً بالمقارنة مع التعليم في بلدان اخرى، بمعنى أنني أعلم في جامعة بالولايات المتحدة وعلى دراية بأهمية اعداد النشء في الدراسات الاساسية والعليا وما بعدها. فلنأخذ مثالا بسيطا جدا: طلاب الجامعة الليبية أو العربية لا يتعلمون المناهج الحديثة، التحليل النقدي. هناك شيء  أكثر  أهمية من الكتابة وهو كيف يقرأ هؤلاء  النشء.. ماذا وكيف يقرأون.. كيف يتعلمون ان يكونوا قراء نقديين تحليليين.. هذه من الأشياء المهمة ومن المقومات الأساسية في التعليم الحديث الآن القدرة على القراءة النقدية الواعية.. النقد ليس  بتوضيح او تبيان الأشياء الناقصة في الكتابة , بل النقد بمعنى ما هو الجدل ماهي الافتراضات ماذا ولماذا وكيف  وغيرها من الأسئلة ما هي القراءة الموضوعية علميا ومنهجيا لموضوع البحث والدراسة وأيضا فهم المادة  احداثا ووقائع وقضايا  لغرض استيعابها، هناك مشكلة استيعاب ولهذا وللأسف الشديد ان كتابي الذي  ترجم الى اللغة العربية لم يتم استيعابه على النحو الصحيح، حيث ان الكثير من القراء في ليبيا اهتموا بمناقشة مسألة القبيلة الفلانية  أو الزعيم الفلاني وغيره. هؤلاء في نظري لم يفهموا مضامين وحيوية الاسئلة والمسارات الفاعلة الموجودة في المجتمع  الليبي والتي حاولت طرحها.

- التعليم العربي في الحقيقة تعليم رديء ولابد من الاعتراف بهذا الواقع ولايمكن ان نغطي عين الشمس بالغربال.. في ليبيا الان التعليم رديء ومن غير تعليم قوي  وحديث ومعاصر وكفء لن يكون بوسع الاجيال الجديدة ان تنافس الشبيبة في المجتمعات الاخرى.

• المحطة الجديدة: سمعنا عن انتاجك الجديد الذي يشغلك الآن والذي  نأمل ان يكون متميزا خاصة وانك تعد له منذ حوالي سبع أو عشر سنوات.. ما هو هذا العمل؟

- الحقيقة  بدأت منذ عشر سنوات في البحث والتنقيب في الارشيف وفي المقابلات الشفهية وفي الدراسات المقارنة عن المرحلة التي ما بعد كتابي الاول وهى المرحلة ما بين العام 1931 بعد استشهاد عمر المختار الى الاستقلال 1951، واكتشفت ان هذه المرحلة هي أكثر المراحل غموضا وتعقيدا وصعوبة ولهذا حتى الآن لم  افلح في اتمام الكتابة، نجحت  فقط في الحصول على 80% من  المادة الارشيفية الاصلية لهذه المرحلة وآمل ان تمنحني الجامعة تفرغاً لمدة سنة حتى أبدأ فعليا في الكتابة. وأتوقع ان يظهر هذا الكتاب ويرى الضوء في غضون سنتين. وللمصادفة  انه بعد ان كرمتني جامعة لندن بإلقاء كلمة  الافتتاح الرئيسة في مؤتمر عن الموروث الاستعماري الايطالي والقيت محاضرة عن السرد التاريخي الليبي او كتابات التاريخ الشفهي وعن اغاني وأشعار المعتقلين الليبيين في المعتقلات الفاشية الايطالية ما بين 1929 و1933 طلب مني الكثير من زملائي في الجامعات الأوربية والأمريكية وبإلحاح ان اكتب كتابا مع ترجمة لبعض الأشعار والملاحم التي كتبت في تلك الفترة وعبرت عن المعاناة التي كابدها الليبيون وعن المعارك التي خاضوها ببطولة لان هناك تجاهلا كاملا وغيابا للذاكرة عن هذا الموضوع في أوربا والولايات المتحدة، وألححتُ بدوري على مركز الجهاد أن يصحح هذا الإهمال بالتركيز على عقد ندوات ومؤتمرات في هذا الشأن إلى جانب الجهود المبذولة في تجميع وتوثيق الروايات الموجودة الشفهية.

 وأخيرا فلحنا في  إنجاز مؤتمر عن  المعتقلات الفاشية الذي جئت بسببه هذه الأيام الى طرابلس ونجح هذا المؤتمر في دعوة  باحثين من أوربا ومن أمريكا ومن بلادنا وهذه هي  البداية.

 أيضا سوف أكتب كتابا أخر بعد نشر كتابي (الأصوات المنسية) الذي  نشرته دار نشر دادرج  وهى من أهم الدور الأكاديمية عالميا وسأنشر كتابا عنوانه سيكون قريبا من هذا العنوان بالتركيز على المعتقلات من المصادر الشفهية والوثائق الأجنبية والذي آمل أن يؤدي الى  تغُير طبيعة الدراسات العربية عن الفاشية الايطالية بشكل عام.

بعدها أعتقد أنني سأعود الى إتمام هذا الكتاب الثاني الذي أرهقني ولكنه كما أعتقد ربما سيكون في منتهى الأهمية لنا جميعا وليس لدي إجابات جاهزة. أنا أحقق  في مجاهل التاريخ وأرشيف التاريخ وذاكرة رواة التاريخ الشفهي ألقي الأسئلة وأبحث عن إجابات واترك الحقيقة الموضوعية تقودني الى كتابة هذا التاريخ وهذا هو  التحدي الكبير.


راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]

 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع