مختارات من كتاب 18/7/2015 11:10 مختارات من كتاب "ليبيا التي لا نعرفها" للدكتور علي عبد اللطيف احميده (4)
د. علي عبد اللطيف أحميده بحث

(4) الفصل الثاني: في التاريخ الاجتماعي وتكوين الدولة


الدولة والمجتمع  في القرن التاسع عشر - قراءة جديدة 
في الأصول والتحولات والاقتصاديات الجهوية

 

راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]

تهدف هذه الدراسة إلى إعادة قراءة أصل تكوين  الدولة، وردود فعل المجتمع الليبي، نحو تكوين الدولة في ولاية طرابلس الغرب خلال القرن التاسع عشر وبالذات مرحلة تكوين الدولة العثمانية بعد 1855 وحتى  1911.

الأسئلة الأساسية لهذه الدراسة تتعلق بأهم  الدراسات التاريخية  والسياسية عن الدولة والمجتمع في تلك الفترة وما هو منهج هذه الدراسة ؟ كيف نطبق منهجنا على القرن التاسع عشر؟ وما هو الجدل الأساسي لهذه الدراسة. ؟  وأخيراً كيف  نطبق  الجدل  الأساسي على علاقة الدولة  من وناحية وردود فعل المجتمع الليبي لضغوط ومشاريع  الدولة  العثمانية في الولاية. وما خلاصة هذه التجربة التاريخية وأهميتها لفهم المرحلة الاستعمارية في النصف الأول من القرن  العشرين؟

نقد الدراسات التاريخية عن القرن  التاسع عشر:

يمكن حصر أهم  تجارب تكوين الدولة في القرن  التاسع عشر في الدولة القرمانلية  1711- 1835م، ودولة أولاد محمد 1550 – 1812م، والدولة العثمانية في المرحلة ما بين 1855- 1911م، بالإضافة إلى ما  نزعم أنه مهم أيضاً وهو  تحول  الحركة السنوسية من مرحلة الإصلاح الديني، التعليمي والتجاري، إلى  بناء مؤسسات دولة فعلية برغم عدم إعلانها حتى بداية  القرن العشرين (1859-1932).

تكوين الدولة في النظريات السياسية المعاصرة يعني إما عملية داخلية في المجتمع أو نتيجة للغزو العسكري أي الإلحاق  بدولة موجودة أصلاً. الدولة في العرف القانوني تعني إقليماً وشعباً  وعقداً قانونياً وهوية، ولكن في التعريف الاجتماعي والنظري فالدولة هي مؤسسة تحتكر العنف المشروع مثل المحاكم والشرطة والسجون والضرائب والحماية وغيرها. أما المجتمع  فتعريفه في هذه الدراسة هو كل المؤسسات والتنظيمات الأهلية التي تتوسط بين الدولة  والعائلة.

لاشك بأن أهم مؤرخي القرن الثامن عشر هو ابن غلبون أما القرن التاسع  عشر فهو أحمد  النائب الانصاري، وما زلنا نحتاج إلى  العودة إلى أعمالهم، ولكنهما في نهاية  المطاف- شأنهما في ذلك  شأن أي مؤرخ – يعبران عن وجهة  نظر علماء الدين الذين ارتبطوا بالدولة المركزية القرمانلية والعثمانية في طرابلس الغرب.

ولكن أهم الدراسات المعاصرة عن الدولة والمجتمع الآن، وبلا شك هي أعمال الشيخ الطاهر احمد الزاوي وأطروحة الأكاديمي الليبي عبدالله إبراهيم والأكاديمية الأمريكية  المرموقة ليزا اندرسون  التي تخصصت  في موضوع  تكوين الدولة في ليبيا وتونس.

هذه الدراسات أضافت الجديد إلى موضوع  الدولة بتوثيق وتحليل  أصولها  وتطورها ونحن بلا شك  مدينون  لهذه  الاعمال في  تأسيس البدايات  العلمية لفهم موضوع  الدولة  في التاريخ السياسي والاجتماعي لليبيا خلال القرن التاسع عشر. ولكن هذه الدراسات شابتها بعض  المثالب. فالشيخ الطاهر الزاوي ركز على التاريخ  للدولة المركزية، تاريخ الولاة وكأنه يرى بأن التاريخ هو تاريخ النخبة والأسر الحاكمة على حساب التاريخ الاجتماعي للناس العاديين، الدكتور عبدالله إبراهيم  قدم تفاصيل  مهمة عن الدولة ولكنه تجاهل دينامية  الاقتصاد الجهوي  وتفاعله  مع الدولة  المركزية. أما  الدكتورة ليزا  أندرسون فيحمد لها  أنها درست كل الفترة من خلال منهج مقارن، والأهم أنها حاولت أن تطبق نظريات معاصرة على حالة ليبيا وتونس، وبالتالي تجاوزت المنهج التقليدي الذي ينظر الى ليبيا كحالة خاصة أو اعداد  قائمة من الاسماء  والتواريخ  من غير  فهم منهجي  مقارن ومتعدد لوضع تاريخ القرن التاسع عشر في طرابلس الغرب في إطار مقارن عالمي رحب. ولكن الدكتورة أندرسون  كما حاولنا في دراسة  نقدية  مفصلة عن دراستها طبقت منهج التحديث الأمريكي بالتركيز على تكوين  الدولة على حساب المجتمع الذي افترضت  بأنه تقليدي  وسكوني. (1)

منهجنا البديل يتجاوز بعض هذه المثالب التي تركز على الدولة وتتجاهل ديناميات المجتمع ليس فقط بأعيانه ونخبته ولكن أيضاً من خلال قبائله وحرفييه وفلاحيه وعبيده ومهمشيه، والأهم من ذلك الحذر من تطبيق مفهوم الدولة – الوطنية  الحديثة بحدودها  المعاصرة على القرن التاسع عشر، ولذلك  تنظر الى الحدود والاطراف والجهات المجاورة بشكل جدي لأنها تداخلت مع القبائل والجماعات الليبية سواء في بلاد السودان أو تونس والصحراء الغربية في مصر ووادي النيل. بعبارة  أخرى لابد من فهم القرن التاسع عشر من سياقه التاريخي، فيما يتعلق بالدولة والمجتمع، وتعريف مستويات الهوية سواء  بمفهومها الإسلامي، العثماني أو الجهوي أو القبلي، و كيف أن هذه  المستويات لفهم  الهوية لم تكن ساكنة ومتناقضة بل مكملة لبعضها ومتغيرة بتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية في الولاية.

منهجنا في هذه الدراسة هو الاقتصاد السياسي الذي يركز على مستويين في التحليل:

أولاً: الخطاب السياسي والايديولوجي للجماعات المختلفة في المجتمع والسياق الاقتصادي والاجتماعي التاريخي للخطابات والهويات والايديولوجيات السائدة  في المجتمع والدولة وهذا يعني بالتحديد الاهتمام بدراسة الجغرافيا والبيئة وعلاقات الملكية والإنتاج.

ثانياً: أن أساس التحليل هو الجهة والولاية والنظام التجاري العالمي، سواء في الصحراء أو  البحر المتوسط، كعوامل تؤثر في طبيعة الدولة والمجتمع، وعدم السقوط في فخ فهم الدولة الوطنية الحديثة وكأنها لها نفس الحدود والوجود في القرن التاسع عشر.

الجدل السياسي لهذه الدراسة يقوم على أن تكون الدولة العثمانية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، جوبه بردود فعل متباينة من المجتمع الذي بدوره تميز بتطور غير متكافئ في اقتصادياته الجهوية وتركيبته الاجتماعية. نجح المشروع العثماني  بعد مرحلة الغزو العسكري  في استقطاب الأعيان ونخب المدن والسواحل وبالذات  في المنطقة  الغربية  الأكثر  كثافة  في عدد السكان والأهمية  الاقتصادية.. ولكن دواخل برقة والقبلة وقبائل فزان، وبالذات تحالف الصف الفوقي، ظلت خارج مشروع الدولة. وهنا نحن لا نقول بأن  السيادة العثمانية كانت غير موجودة ولكن المقاومة الفعلية لسيادة الدولة ظلت موجودة  في هذه الدواخل. بعبارة أخرى الدولة العثمانية بالرغم من نجاحها العسكري في المرحلة ما بين 1835- 1860 ظلت ضعيفة  في البوادي والدواخل والأرياف، نظراً لقوة المجتمع المحلي وبالذات قدرته على حمل السلاح  والحروب في عمق الصحراء وأطرافها. وأهم الوسائل المنظمة لمقاومة الدولة العثمانية  في الدواخل كانت إما عن طريق الانسحاب أو التحالف الكبير عن طريق حركة الصفوف أو قدرة المجتمع على تكوين حركة  منظمة تحولت إلى دولة مهمة كما  في حالة الحركة السنوسية على الاقل في بدايتها المرتبطة بالمجتمع قبل ان  تتحول إلى نظام نخبوي  مهزوم.

هذا  الجدل السياسي يركز على رؤية وقراءة القرن التاسع عشر من خلال الردود الجهوية للمجتمع الليبي  للمشروع العثماني بالتركيز على العلاقات  التالية:

1- الطبيعة الجغرافية والاقتصادية لجهات الولاية طرابلس وفزان وبرقة.

2- علاقة المدن بالأرياف والبوادي كأسواق وهيمنة تجارية واجتماعية.

3- تأثير مشروع الدولة العثمانية والتحولات في البحر المتوسط والصحراء الكبرى وبلاد السودان على الاقتصاديات الجهوية والبناء الطبقي وردود فعل الفئات المختلفة  لفترة  المشاريع والضغوط، سواء تسجيل الأراضي، أو ازدهار وانهيار طرق القوافل التجارية، أو ازمات الحروب الاستعمارية والجفاف  والمجاعة.

الجغرافيا السياسية الليبية العثمانية تقول لنا إن اسم ليبيا جديد وطرح بعد الغزو الايطالي  وقبيل هذه المرحلة عُرِفَتّ ليبيا في المرحلة العثمانية بولاية طرابلس الغرب بثلاث  جهات  طرابلس برقة وفزان وهي  ولاية  بلا انهار أو مصادر مائية غنية  ولكنها ضخمة الحجم  وتمتد حتى أطراف بلاد السودان، ولأن  الصحراء تمتد حتى  تلتقي  بالبحر  كما في  منطقة سرت  نلاحظ  أن عدد السكان  كان قليلا  وإذا  نظرنا إلى معدل سقوط الأمطار سنوياً نجد في منطقة  الجبل الخضر أكبر كمية تسقط سنوياً ما بين 500: 600 مليمتر وفي المنطقة الغربية الساحلية والجبل حوالي 300 مليمتر. أما في فزان وداخل برقة أي بقية البلاد فالمطر غير منتظم  وإذا  سقط فهو  لا يزيد  عن 10  مليمترات فقط (2). ولا عجب إذن أن نجد 5% من أراضي الولاية صالحاً للزراعة معظمها في المنطقة الغربية ذات الأراضي الخصبة وأكثر كثافة  للسكان. بعبارة أخرى المنطقة الساحلية والجبل الغربي وسهل المرج والواحات في الصحراء هي الاستثناء وليست قاعدة لان معظم الولاية صحراء مترامية الأطراف. (3)

حقائق الجغرافيا وضعف التقنية وقدرة الدولة العثمانية المحدودة أدت إلى ضعف وجودها خارج المدن والمنطقة الغربية. كما أن الاقتصاد الرعوي والزراعي سيطر على الإنتاج وبالذات رعي الابل والغنم والماعز وزراعة الحبوب في السنين المطيرة، ولكن في ظل هذا الوضع البيئي  والجغرافي  أصبح  الاهتمام بالتجارة وبالذات القوافل عبر الصحراء أهم ملامح  اقتصاد الولاية  في القرن التاسع عشر، وبذلك يجب ان نصف التكوين العثماني بأنه تجاري ريعي وبشكل اقل رعوي زراعي. (4)

تجارة الترانزيت عبر الصحراء أساسها التوسط بين الاسواق وبالتحديد بين أسواق البحر المتوسط وبين غرب افريقيا وجنوب اوروبا. هذه التجارة التي اتقنها الليبيون  كتجار ادلاء للقوافل وحراس وأسواق وحماة اعطتهم مورداً دائما ومستقراً للعيش في بيئة صحراوية  محدودة الموارد  المالية  والزراعية. (5)

ساعد الموقع الجغرافي المتميز لولاية طرابلس الغرب كأقرب منطقة لغرب افريقيا على ازدهار تجارة القوافل ولذلك نجد أنه من أربع طرق  للقوافل الاساسية  بين البحر المتوسط وغرب افريقيا، ثلاث منها  مرت بليبيا  العثمانية : طريق طرابلس – فزان - كاواد إلى برنو، طريق طرابلس - غدامس وغات من أيد إلى  كانو، وأخيراً طريق بنغازي -  الكفرة إلى واداي. (6)

تجارة الترانزيت عبر الصحراء قديمة منذ فترة الحكم الامبراطوري الروماني. هي تجارة تركز على إنتاج الزينة والرفاهية مثل الملابس، والعاج، وريش النعام، والذهب، والجلود،  والأسلحة النارية، والعبيد من غرب أفريقيا. التجار الأوربيون كانوا يقدمون الملابس وبالذات البنادق، أما العائلات الارستقراطية الحاكمة في غرب افريقيا والتجار والقبائل والفلاحون الليبيون والدولة العثمانية فقد أفادوا من المشاركة في هذه التجارة كأدلاء أو مساهمين أو حماة لهذه القوافل وكبائعين للتمور والخبز والأكل لهذه القوافل، واستفادت الدولة العثمانية بولاتها وإدارييها الذين فرضوا  أتاوات ومكوسا على هذه التجارة مقابل الحماية.

هنا لابد  من الاشارة  إلى ان التحالف بين تجار القوافل  والقبائل  المسلحة  أفاد الطرفين، كما  أفاد دولة أولاد محمد  في فزان حتى 1812 والحركة السنوسية، فضلاً عن الدولة  القرمانلية  في بداية  القرن  وقبل  سقوطها  في 1835. (7)

وقد ازدهرت  تجارة الترانزيت كتجارة عالمية خلال القرن التاسع عشر، ولكنها مع بداية  1880 مرت بأزمات وتغييرات جديدة  أدت إلى تحولات مهمة بنهاية  القرن. فقد أدى التغلغل الاستعماري – الاوروبي وبالذات الإنجليزي والفرنسي في وسط وغرب أفريقيا أدى إلى تحويل  التجارة عن طريق السفن إلى غرب أفريقيا إلى مستعمرات فرنسا في تونس، والجزائر أو وادي النيل بالنسبة للاستعمار الانجليزي. الاستثناء الوحيد لتدهور طرق التجارة عبر طرابلس وفزان هو ازدهار طريق الكفرة واداي  في برقة. (8)

فضلا عن ان اقليم فزان ذا الموقع الحيوي  لتجارة  القوافل عبر الصحراء قد مر بأزمة تجارية حادة. وقد ازدهرت دولة أولاد محمد كمنظمة وحامية للتجارة عبر أسواق فزان بين 1551-1812، وحتى بعد سقوطها كرد فعل لقرار الدولة القرمانلية في طرابلس احتلال فزان وأخذ ضرائب التجارة مباشرة بعد الاتفاقيات الشديدة ضد هذه الدولة، فإن التجارة عبر فزان استمرت ولذلك نجد أن  واحات فزان الأكثر أهمية، وبالذات مرزق وغدامس وغات وسوكنة وزويلة، قطنها عدد  سكان كبير نسبياً ما بين 9.000  إلى 10.000 نسمة في 1880. (9)

وبالمقارنة نجد أن برقة  لم يكن بها مراكز حضرية متقدمة مثلاً بنغازي ودرنة  كان تعدادها السكاني قليلاً حوالي 5.000 نسمة حتى 1860. (10) ولكن ليس هذا غريباً فالأسواق  الأساسية لقبائل برقة لم تكن في بنغازي ودرنة ولكن في غرب مصر مثل الإسكندرية، السلوم وأم الحمام ومرسى مطروح. (11) في هذه  الاسواق وجدت القبائل والتجار البرقاويون مستهلكين قادرين على شراء اللحوم والالبان والطيور والعاج، وبالمقابل أمكنهم شراء الادوات والشاي والسكر والأسلحة. (12)

هذه التعددية الجهوية  ذات الطابع الجغرافي التجاري أدت إلى ظهور اندماج قوي بين الأرياف والبوادي من ناحية والأسواق الحضرية والدولة المركزية في طرابلس الغرب، ولكنها لم تغير  الاستقلال الفعلي النسبي لفزان وبرقة بنهاية القرن التاسع عشر.

هذا التعدد  الجهوي في نوعية الاقتصاد السياسي أثر في تعدد مفاهيم الهوية أيضا من مستويات متعددة وجهوية وقبائلية. فمثلا في بوادي وأرياف برقة استمر الاستقلال الفعلي للقبائل والواحات عن الدولة المركزية، حتى بعد الغزو العثماني العسكري في سنة 1835، وسبب هذا الوضع هو قدرة  القبائل  والفلاحين المسلحة على الانسحاب والمقاومة من فزان ولكن برقة شهدت ظهور حركة اجتماعية دينية منظمة عن طريق التجارة والتعليم أدت إلى تقوية قدرة القبائل على مقاومة  الدولة العثمانية في بنغازي وطرابلس  الغرب عاصمة الولاية. (13)

أيضاً فإن التكوين الاقتصادي والاجتماعي في طرابلس الغرب كان ذا طابع ريفي. وقد اعتمدت الدولة العثمانية على فرض ضرائب ومكوس في المدن والواحات والبوادي ولكن قدرة الدولة على جمع الريع  انحصرت في السواحل والمدن نظراً لمقاومة قبائل الداخل المسلحة من ناحية وظهور حركات اجتماعية منظمة مثل الحركة السنوسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولذلك لجأت الدولة إلى التحالف مع القبائل القوية مثل المحاميد في الجبل الغربي وأولاد سليمان في سرت وفزان أوالسعادي في برقة لجمع الضرائب أحياناً أواستخدام محلات عسكرية  لفرض السلطة.

هذه العلاقة المتغيرة  بين الدولة في طرابلس والجهات ليست  بجديدة فهي  استمرار لما حدث  من قبل في القرن الثامن عشر، حيث تصادمت الدولة القرمانلية مع دولة اولاد  محمد في فزان مرات عديدة  من أجل الحصول على عوائد من اقتصاد فزان  التجاري المزدهر نظرا لمرور العديد من القوافل خلاله. وعندما واجه  يوسف باشا القرمانلي  ضغوطاً إنجليزية  وفرنسية أدت  إلى تحطيم  اسطوله البحري وبالتالي  نضبت  العوائد الضريبية البحرية اضطر يوسف  باشا  إلى التحول إلى أفريقيا وتجارة القوافل لتعويض ما خسره في البحر المتوسط. (14) ومن هنا يجب  أن نفهم أسباب إرساله جيشه إلى فزان وتدمير دولة أولاد محمد  بدلا من التحالف معها كما حدث في الماضي ذلك لأن يوسف أراد الاستحواذ على موارد فزان الزراعية والتجارية مباشرة ومن غير مشاركة نخبة دولة أولاد محمد  في فزان سنة 1811.

ولكن هذه السياسة لم تنجح إلا لفترة محدودة لان  الضغوط الانجليزية والفرنسية  استمرت  على يوسف باشا الذي بدأ  الاقتراض من تجار اوربيين في عشرينيات القرن  التاسع عشر.(15) وفي ظل عدم اتساع القاعدة الاجتماعية للدولة القرمانلية افلس يوسف باشا. وأعلن عدم  قدرته على تسديد  ديونه كما حدث في بلدان الشمال الافريقي كمصر وتونس.

ومرة أخرى جاءت الاساطيل  الفرنسية والانجليزية  لطرابلس  من أجل الضغط على يوسف باشا لسداد ديونه في سنة 1820-1830. ضعيفاً ومعزولاً اضطر يوسف باشا أن يوقع اتفاقيتين لسداد ديونه، بل إنه أعطى التجار الاوربيين الحق في جباية الضرائب بأنفسهم  وبالحق في  المحاكمة أمام محاكمهم الخاصة  والاستثناء من ضرائب الدولة القرمانلية.

اضطر  يوسف باشا إلى  فرض ضرائب جديدة على الناس ولأول مرة فرض ضرائب على فئة  الكره غلية التي تمثل النخبة الحاكمة، أي النخبة العسكرية. (16) والكره غلية هم فئة ذات ثقافة  تركية  انحدر افرادها من اباء اتراك وأمهات ليبيات، وفي طرابلس الغرب كونوا القوة الأساسية للدولة القرمانلية كملاك اراضي، وشرطة قادت الحملات  العسكرية.

هذا الاجراء ضد الكره غلية  فجر كل التناقضات ضد يوسف  باشا حينما طلب الكره غلية  منه أن يتنحى عن السلطة لصالح  حفيده محمد. مسناً ومثقلاً  بالأعباء تنحى يوسف باشا عن الحكم لصالح ابنه على في سنة 1832 على عكس  ما أراد الكره غلية مما أدى إلى أزمة خلافة حادة وحرب أهلية  في المنطقة الغربية بين أنصار ابنه وحفيده تدخل فيها القناصل الاجانب وخاصة كل من القنصل الانجليزي والفرنسي. (17)

هذه الازمة السياسية للدولة القرمانلية أعطت الدولة العثمانية المركزية في اسطنبول فرصة الاستيلاء على الولاية: خاصة بعد ضياع نفوذها في الجزائر، وكان برأينا الاحتلال العثماني في هذه الفترة مختلفا نوعياً عن مجيء العثمانيين الى طرابلس الغرب في منتصف القرن السادس عشر, إذ في منتصف القرن السادس عشر بعثت مجموعة  من أهالي طرابلس الغرب مكتوباً للسلطان العثماني لإنقاذهم من الاحتلال  الأسباني، وكانت الدولة في تلك الفترة ذات طابع ريعي وأيديولوجية إسلامية. أما في سنة 1835 فالدولة ذات طابع شبه رأسمالي والاحتلال العثماني في المنطقة العربية كان دموياً ومدمراً ويشبه الاحتلال الاستعماري فيما بعد. فالعثمانيون في غزوهم الثاني المباشر للولاية اصطدموا بمقاومة الاهالي وبالذات تحالف القبائل والفلاحين في الجبل الغربي بقيادة المحاميد وزعيمهم (غومة) ومنطقة سرت وفزان،  أو ما يسمى بالصف الفوقي بقيادة عبد الجليل  سيف النصر.  نوعية الاحتلال أيضاً اختلفت لأن الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر كانت قد اختلفت في اقتصادها ونخبتها وبالتالي  غزت الولاية بأسلوب عسكري  دموي استعماري. (18)

ما يهمنا  هنا في هذه المرحلة ليس اسماء وتواريخ العهد العثماني الثاني ولكن السياسات المحلية وأثارها على بنية المجتمع في النصف الثاني  من القرن التاسع عشر بعد سيطرة الدولة على الولاية وبخاصة المنطقة الغربية ذات الأهمية الزراعية والتجارية والسكانية مقارنة بالجهات الأخرى طرفية الطابع.

السؤال الآن: ما طبيعة التكوين  الاقتصادي والاجتماعي في ولاية طرابلس الغرب خلال تلك الفترة؟

نعتقد بأن التكوين الاقتصادي في الولاية لم يكن إقطاعياً كما في غرب اوروبا أو أماكن شبيهة في مجتمعات أخرى مثل مصر في القرن التاسع عشر، والعراق في الاربعينيات من القرن العشرين. (19) ولكن ذلك التكوين الاقتصادي في الوقت نفسه لم يكن ذا طابع أسيوي كما حاول بعض المؤرخين الماركسيين أن ينظروا لحالات العالم العربي في القرن التاسع عشر. كما نجد مثلا في دراسات المؤرخ المصري " أحمد صادق سعد" حول  التكوين الاجتماعي المصري. أولاً لأن معلومات ماركس عن الشرق بما فيه الشرق الاسلامي كانت استشراقية وغير دقيقة. والأهم من ذلك أن الدولة لم تكن قوية  كما افترض ولكنها ضعيفة وواجهت مجتمعاً مستقلاً، ومسلحاً وقادراً على المقاومة في غياب وجود طبقة احتكرت استخدام السلاح.
في ولاية طرابلس الغرب كانت هناك تعددية اجتماعية  ضمن التكوين الريعي العثماني، الدولة ركزت على المنطقة الغربية، أما في فزان وبرقة فقد اقتصر وجود الدولة على محميات عسكرية صغيرة  في الواحات الأساسية أو مدن الساحل ولم توجد طبقة مالكة كبيرة للأراضي باستثناء بعض الحالات في واحات  فزان. القبائل المسلحة كانت دائما تستطيع الحرب والانسحاب إلى دواخل الصحراء. وقد توافرت الملكية الخاصة للأراضي بشكل واضح في  المدن والسواحل ولكنها لم تكن مستقرة في الدواخل، وامتلكت القبائل الأدوات والحيوانات بشكل قروي، ولكن الأرض خارج الواحات كانت ملكاً للقبيلة بشكل جماعي للحرث في السنوات  المطيرة والرعي للقطعان وأبار المياه.

ما نراه أيضاً هو وجود نمط الفلاحة الصغيرة الملكية في المنطقة الغربية وفزان حيث تملك الأسرة وتعمل في سوانيها ومزارعها، أو تعمل عقداً مع الخماسة الفلاحين من الجبادة الذين لا يملكون أراضي ويعملون في هذه السواني مقابل خٌمس أو ربع الانتاج السنوي حسب الاتفاق. برقة لم تعرف وجود الفلاحين بشكل كبير كما في المنطقة  الغربية وفزان. (20)

في الاقتصاد العثماني شكلت القبائل والفلاحون طرفين يكمل كل منهما الآخر. ولا نستطيع   القول بأن الاقتصاد القبلي والفلاحي ذو طبيعة منفصلة ومقفلة كما لاحظ بعض علماء الانثربولوجيا الاجتماعية في حالات أخرى في افريقيا والجزيرة العربية. أي  بعبارة  أخرى لا نجد دليلاً على وجود إنتاج رعوي ولكن ريعي تجاري يشمل التجار والقبائل والفلاحين. (21)

فالعديد من القبائل الليبية كانت مرتبطة اقتصادياً مع الدولة العثمانية من خلال دفع الضرائب والمكوس، ولكن القبيلة الليبية لم تكن ذات طابع  نمطي واحد، بل تعددت إلى اشكال مختلفة: قبائل تجارية كالمجابرة والزوية، وقبائل  ذات طابع اجتماعي عالٍ كالسعادي في القرن التاسع عشر. ثم قبائل اخرى كان لها اتباعها وعبيدها. وبالتأكيد من المهم عدم تبسيط البيئة الاجتماعية في القرن التاسع عشر وفهم مستويات التكوين الاجتماعي من النخبة العثمانية إلى الاعيان وكبار شيوخ  القبائل  في الكره غلية والقبائل التابعة والمهمشة، الجبادة والفلاحون المهمشون، العبيد والأسرى. (22)

ولكن كيف استطاعت الدولة العثمانية السيطرة على ولاية كبيرة متوغلة في الصحراء الكبرى كولاية طرابلس الغرب خلال القرن التاسع عشر؟ (23)

بلا شك أن وجود جيش عثماني وشرطة ومحلات في القرن التاسع عشر أعطى الدولة القدرة على جمع الضرائب والمكوس من الأهالي. بل إن الدولة استمرت في ربط سكان السواحل والمدن في نظامها الاداري والسياسي والتعليمي مما أدى إلى قيام طبقة جديدة (24) هى طبقة الأعيان في المنطقة الغربية، أصولها إما دينية كعلماء دين تعلموا في  الأزهر وجامع الزيتونة أو جامع احمد باشا في طرابلس. الكره غلية ذات الأصل الهجين التركي وشيوخ القبائل الذين استفادوا من نظام الأراضي العثماني الجديد الطابو من خلال تسجيل الأراضي القبلية والمشاعية بأسمائهم. أصبح هؤلاء الشيوخ الكره غلية وشيوخ القبائل اعضاء طبقة الأعيان التي ارتبطت بالدولة العثمانية في المنطقة الغربية كمديرين وقائمقامين ومتصرفين وقضاة وأئمة ومعلمي دين وإداريين ورجال شرطة بالإضافة إلى ضباط في الجيش التركي وأعضاء في مجلس المبعوثان العثماني فيما بعد. (25)

بنهاية القرن التاسع عشر استطاعت هذه السياسة الجديدة لبناء دولة وإدارة في المنطقة الغربية أن تنجح في بناء إداري قوي إضافة إلى نمو وازدهار مدينة طرابلس الغرب لا كمركز إداري سياسي ولكن أيضا كمركز تجاري مهيمن اعتمد على الانتاج الزراعي والرعوي واليدوي للعمال الذين فقدوا اراضيهم وهاجروا إلى المدينة طلباً للعمل في الادارة العثمانية أو الشركات  الاجنبية مثل شركات الحلفا الانجليزية والاستثمارات الايطالية التي هدفت  الى ترسيخ وجودها الاقتصادي في الولاية قبل الاحتلال العسكري، فقد ارتفع تعداد مدينة طرابلس مثلاً من 20.000 في سنة 1883 إلى 29.644 نسمة في سنة 1911.

أيضا من أهم النتائج الاجتماعية والاقتصادية للسياسة العثمانية في المنطقة الغربية للولاية كان استقرار العديد من القبائل في الاراضي كفلاحين وملاك أراضي. (26) وكما أسلفنا نجحت هذه السياسة لوجود عاملين.

أولا: سياسات الاستثمار الانجليزي والايطالي في الولاية  وبخاصة في تجمع الحلفا والحبوب  واللحوم، كما حدث في زيادة  الطلب الانجليزي على هذه المواد، ليس خلال الحروب النابليونية في بادية  القرن فقط، (27) ولكن استمرارها فيما بعد ايضا.

العامل الثاني: كان بلا شك هو انهيار تجارة القوافل عبر الصحراء وبالذات في إقليم فزان في الفترة بعد 1880. (28)

كما اسلفنا كانت تجارة القوافل عبر الصحراء عماد الاقتصاد العثماني للولاية لعدم انتظام الانتاج الزراعي، إذا استثنينا محصول التمور من فزان الذي اعتمد على الزراعة المتخصصة في الواحات. وقد اعتمد استمرار وازدهار تجارة القوافل على عوامل عديدة منها اتفاق تجار  غرب افريقيا وسلاطينها مع تجار البحر المتوسط من جنوب  أوروبا ومشاركة الدول القبائل على الافادة من هذه التجارة. (29)

كان الغزو الاستعماري الاوروبي وبخاصة الفرنسي والانجليزي لغرب افريقيا والسودان الاوسط والحروب مع رابح الزبير في منطقة بحيرة تشاد من الأسباب التي أدت إلى  الفوضى وعدم الاستقرار وبالتالي توقف التجارة. (30) اضطر بعدها  التجار الطرابلسيون إلى العودة الى مدن الولاية  وتونس حيث بدأت الدولة الاستعمارية  الفرنسية في بناء المناجم وزراعة ملايين من أشجار الزيتون (31) وقد وجد آلاف الطرابلسيين والفزانيين فرصاً للعمل في الزراعة والمناجم، ولكن هنا يجب الانتباه ايضاً إلى السياسة العثمانية الزراعية واستثمارات شركات الحلف الانجليزية وبنك روما.  (32)

فقد أعطت هذه  الاستثمارات للفلاحين ورجال القبائل العاديين أو المعدمين  فرصاً عديدة للعمل مما  أدى إلى قيام  طبقة عاملة أجيرة في المنطقة  الغربية  وفي تونس  الفرنسية وهي برأينا البداية الحقيقية لظهور طبقة عاملة وطبقة فلاحية في المنطقة  الغربية استقرت حديثاً في إطار الاصلاحات العثمانية في العقود الاخيرة قبيل الغزو الايطالي في 1911. (33)

باختصار فإن الاقتصاد الريعي العثماني بدأ في التغير بعوامل  داخلية وخارجية أدت  إلى قيام طبقة الأعيان وطبقة عمالية وطبقة فلاحية، وخاصة  في المنطقة  الغربية  للولاية، وكان من الأنسب أن نصف الاقتصاد السياسي  للمنطقة الغربية بأنه في مرحلة انتقالية من  المرحلة الريعية إلى الرأسمالية، ولكنها لم تحسم بعد لأن الانتاج الريعي استمر في الداخل بالإضافة إلى التغيرات في مدن الساحل الطرابلسي.

الاقتصاد السياسي  لفزان مر بأزمة  حادة أكثر من المنطقة  الغربية. ففزان تميزت بموقعها  كممر لتجارة القوافل إلى  السودان الأوسط  وغرب افريقيا فيما الحروب الاستعمارية وغزوات الزبير القادمة من السودان أدت لتوقف التجارة. وبالتالي تأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي بشكل عام، ووضع التجار والحرفيين بشكل  خاص في فزان، (34) فالعديد من التجار هاجروا إلى طرابلس ومدن الشمال أو تونس الفرنسية، كما أن تعداد واحات فزان مثل مرزق  وغات وغدامس وسوكنة تناقص بشكل واضح من 3.000 نسمة إلى 1.000 نسمة في بداية القرن العشرين.  (35)

أما برقـة، وهي الجهة الشرقية من الولاية،  وبالتحديد بوادي برقة، فلم تتأثر كثيراً بتكوين الدولة العثمانية في النصف الثاني للقرن التاسع عشر. هناك تفسيرات لهذه الاستقلالية الفعلية النسبية.

أولاً: البعد الجغرافي عن طرابلس، وأيضاً القوة العسكرية لقبائل السعادي وأحلافهم المرابطين، قللت من فرص فرض فعلي لسيطرة الدولة في الشرق، ولذا انحصر النفوذ السيادي للدولة في الجانب الرسمي وفي بعض المراكز العسكرية في الواحات، ولكن بغير قدرة على جمع الضرائب والمكوس بشكل شامل ومستديم.

ثانياً: التحالفات القبلية ارتبطت بغرب مصر كأسواق فائض الإنتاج من حيوانات  وجلود وألبان، وشراء احتياجاتها من الشاي والقهوة والملابس والأدوات. وحاولت الدولة العثمانية مد نفوذها خارج بنغازي والمرج، ولكن تم صدها عسكرياً أكثر من مرة، وخاصة بعد أن نجحت الحركة السنوسية في توحيد القبائل والأهالي عن طريق التجارة والتعليم بنهاية القرن التاسع عشر، وأصبحت السنوسية قوة اجتماعية ودينية وعسكرية لا يستهان بها. وبالتالي لم يكن من الصواب بالنسبة للدولة العثمانية الصدام مع هذه الحركة الاجتماعية الدينية. (36) أيضاً من المهم ذكر أن الحركة السنوسية بدأت وتمركزت في برقة، ولكنها استطاعت أن توحد وتبني زوايا وتضم أتباعاً لها في غرب مصر والسودان  وتشاد وتونس والحجاز. وبالتالي كان لها موارد مالية وعسكرية جعلت وجودها في برقة أكثر ثقلاً وهيبة. هذه الحركة سبق أن حللناها في كتابنا عن " المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا " ويكفي هنا أن نركز على بعض النقاط بإيجاز. بدأت السنوسية كحركة دينية اجتماعية، واستطاعت لعبقرية مؤسسيها الأوائل أن تُركز على بناء المجتمع من خلال التعليم والتجارة، (37) ما أدى بها إلى بناء مؤسسات دولة بنهاية القرن التاسع عشر، ولهذا نقول إن السنوسية في 1911 كانت دولة غير معلنة أي دولة فعلية في برقة لوجود نظام إداري تعليمي وتجاري وإيديولوجي ونخبة ملتزمة بهذه الحركة. إذن لم يبق إلا إعلان الدولة وحدث هذا فعلاً عندما انسحبت الدولة العثمانية من طرابلس الغرب. بعبارة أخرى السنوسية كان لها الأساس الاقتصادي، الاجتماعي، التعليمي، الطبقي والجغرافي في (برقة ) لتكوين دولة. (38)

الاستنتاجات:

تناولنا في هذه الدراسة النظرية موضوع الدولة والمجتمع في ولاية طرابلس الغرب خلال القرن التاسع عشر بمنهج جديد يركز على الخطاب الأيديولوجي من ناحية والاقتصاد السياسي من ناحية أخرى، أي السياق التاريخي لبنية الدولة والقوى الاجتماعية في جهات الولاية الأساسية : المنطقة الغربية  وفزان وبرقة.

وذكّرنا بأن أهم نقاط الضعف في أهم الدراسات عن موضوع الدولة والمجتمع في تلك الفترة هي المنهج الأسري أو النخبوي الذي يهتم أساساً بتاريخ الولاة، السلاطين، النخب من ناحية وأيضاً تجاهل طبيعة الدول في القرن التاسع عشر التي تختلف عن الدولة الوطنية / القومية التي ظهرت فيما يعرف بليبيا الحديثة بحدود معروفة الآن.

إذا أردنا أن نفهم ديناميكية وطبيعة الدولة في القرن التاسع عشر إذن لابد من فهم طبيعة المجتمع أو ما يسمى الآن بالتاريخ الاجتماعي للناس العاديين داخل ما نسميه الآن بليبيا الحديثة وخارجها.. وهنا لابد من فهم الطبيعة المتغيرة لمفهوم الهوية والانتماء من الإسلام إلى العثمانية إلى الجهوية والقبلية حسب المستويات المتعددة. ولكن بلا شك إذن أردنا أن نتحدث عن تكوين الدولة في القرن التاسع عشر، فلابد من ذكر تكوين الدولة بعد الغزو العثماني في القرن التاسع عشر وبخاصة 1835 وحتى السيطرة العسكرية على الولاية وبالذات المناطق الساحلية والغربية بهزيمة التحالفات القبلية الفلاحية في الجبل ومنطقة سرت، أما الجزء الثاني من تكوين الدولة العثمانية فقد تركز على خلق نظام تعليمي وأيديولوجي من خلال المساعدة على خلق طبقة الأعيان العثمانية، واستقرار القبائل الغربية الساحلية حتى سنة 1911. ولكن قبيل الغزو العثماني كانت هناك الدولة القرمانلية، وقبلها الدولة المجهولة في فزان، التي كانت رديفة للدولة في طرابلس، وأعني بها دولة أولاد محمد، التي قضى عليها القرمانليون في سنة 1812. بالإضافة إلى الدولة العثمانية والقرمانلية ودولة أولاد محمد، نحن نزعم بأن الحركة السنوسية تطورت في نهاية القرن التاسع عشر عن طريق فائض الإنتاج التجاري والنظام الإسلامي إلى بناء قاعدة اجتماعية واقتصادية وأيديولوجية يبرر الاعتراف بأنها أصبحت دولة فعلية من غير إعلان رسمي.

الدولة والمجتمع في القرن التاسع عشر بُنيا على اقتصاد سياسي ريعي تجاري من ناحية وإنتاج فلاحي/ رعوي من ناحية أخرى. هذا الاقتصاد الريعي العثماني كان يمر بمرحلة انتقالية نظراً لتعددية الاقتصاد السياسي الجهوي في طرابلس وفزان وبرقة، ونظراً لتغلغل رأسمال عثماني، إنجليزي  وفرنسي وإيطالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

أولاً: النفوذ الفعلي العثماني في الفترة ما بين 1835 ـ 1911 لم يصل أو يؤثر في بوادي برقة نظراً لتوحيد السنوسية لقبائل السعادي والمرابطين  في بنية الحركة ونظامها التجاري والتعليمي ولأن السنوسية كانت قوة عسكرية مرهوبة الجانب. ولكن الدولة العثمانية استطاعت أن تتغلغل في أرياف وبوادي المنطقة الغربية (طرابلس)، ما أدى إلى فرض النظام العسكري الأمني والضريبي عليها، ولكن الأهم من ذلك نجحت الإدارة العثمانية في استقطاب رجال الدين من العلماء، وبعض شيوخ القبائل والكره غلية الذين أيدوها في مقابل تسجيل الأراضي والعمل في مراكز إدارية مرموقة قضاةً ومتصرفين وقائمقامين ورجال شرطة وضباط جيش. ومن هنا استتب الأمن وبدأت الهجرة لمدينة طرابلس وبخاصة بعدما ازدادت الفرص للعمل في المدينة للفقراء، وهم رجال القبائل العاديون الذين فقدوا أراضيهم بعد تسجيلها باسم الشيوخ الكبار. بعبارة أخرى مدينة طرابلس أصبحت عاصمة سياسية للولاية، ولكن الأهم أنها مركز تجاري حضري في الولاية لتجارة القوافل عبر الصحراء، وبعد تكوين الدولة العثمانية واستقرارها أصبحت السوق الأساسي للقبائل والفلاحين لبيع فائض إنتاجهم ولشراء أدواتهم فيها والاقتراض من بنوكها، أي أن طرابلس أصبحت لها هيمنة سياسية واقتصادية وتجارية على معظم أرياف المنطقة الغربية، شأنها في ذلك شأن مدن مشابهة كتونس والقاهرة ودمشق، لأول مرة في القرن التاسع عشر. ومن المهم أيضاً أن نستوعب أن تكوين الدولة العثمانية لم يؤدِ فقط إلى ظهور طبقة أعيان مرتبطة بالدولة، بل وإلى استقرار العديد من القبائل، وهو ما تشكل معه أول ظهور لطبقة فلاحية وأيضاً بدايات تكوين طبقة عاملة في طرابلس.

أيضاً، فإن قبائل أخرى قد هاجرت إلى تونس للعمل في ظل الاقتصاد الرأسمالي الاستعماري الفرنسي المتقدم هناك. باختصار يمكن القول إن الاقتصاد الجهوي للمنطقة الغربية في نهاية القرن التاسع عشر كان في مرحلة انتقالية من النمط الريعي التجاري إلى النمط الرأسمالي، وهذا يفسر ظاهرة التصريحات والانشقاقات بين الزعامات التجارية والقبلية والجهوية لهذه الطبقة، ويفسر نزاعاتهم حول الأراضي والمناصب والتجارة. أما الخاسرون من هذه التحولات، فهم الفلاحون ورجال القبائل العاديون والمهمشون الذين فقدوا الأرض، ولم يتم تمليكهم إياها، بل فرضت عليهم الضرائب من قبل الدولة. (39)

أيضاً لابد من الإشارة إلى أن التحالفات القبلية التي ظلت خارج التأثيرات العثمانية الرأسمالية استمرت من خلال النظام الريعي التجاري والرعوي وخاصة في منطقة القبلة.

وإذا كان الاقتصاد الجهوي للمنطقة الغربية يمر بمرحلة انتقالية بين النمط الاجتماعي الريعي   والرأسمالي، فإن الاقتصاد الجهوي لفزان كان يعاني من أزمة انهيار مصدره الأساسي بعد إنتاج التمور وهو توقف تجار القوافل عبر الصحراء في الفترة بعد 1880. هذه الأزمة أدت إلى تغيير في النظام الطبقي نظراً لهجرة العديد من التجار إلى طرابلس وتونس، وانتقال العديد من الفلاحين إلى العمل في مناجم ومزارع الزيتون في تونس الفرنسية. ومن هنا تأتي أهمية تجاوز المفهوم الحديث لليبيا الحديثة في القرن العشرين والحذر من تطبيقه على القرن التاسع عشر لأن الارتباط الاقتصادي تجاوز الولاية وفي تونس الفرنسية نجد تجذيراً لتكوين طبقة عاملة ليبية في المناجم والمزارع الفرنسية. أيضاً أدت الأزمة التجارية لاقتصاد فزان إلى تناقص عدد السكان من 75.000 نسمة في بداية القرن إلى 36.000 نسمة سنة 1911. إذن فالاقتصاد الجهوي لفزان كان ذا طبيعة ريعية زراعية غلبت عليه سيطرة الملكية الزراعية الكبرى، للسواني والنخيل من ناحية والتحالفات القبلية الكبيرة وخاصة أولاد سليمان والطوارق على حساب الجبادة والفلاحين الخماسة الصغار والعبيد والأرقاء. الاقتصاد الجهوي لبرقة على عكس فزان كان يمر بمرحلة ازدهار نظراً لحماية الحركة السنوسية ذات الطابع التجاري للقوافل عبر الصحراء وتشريعها لبناء طريق جديد من بنغازي إلى واداي، مستغلة انهيار طرق المنطقة الغربية وفزان، ونجحت الحركة السنوسية في بناء هذا الطريق من خلال أتباعها وحلفائها في برقة ودارفور وواداي وتشاد.

زوايا ومراكز الحركة السنوسية ببرقة بالتحديد لعبت دور المدن إدارياً  وتجارياً وقضائياً بالرغم من هامشية مدن برقة مثل درنة وبنغازي والمرج، وأيضاً ربطت الحركة في برقة غرب مصر ومنطقة واداي وشمال تشاد بمركز الحركة في برقة. وهنا تجاوزت الهوية الإسلامية السنوسية برقة وليبيا العثمانية، ولكن بخصوصية محددة فيما يتعلق بالأسواق التجارية. فلقد عممت ارتباط الاقتصاد الجهوي في بوادي برقة بغرب مصر كسوق قديم لبيع الانتاج الحيواني والزراعي وشراء الأدوات. إن نجاح الحركة السنوسية خاصة في بداياتها كان في التركيز على التعليم والتجارة وطول النفس في بناء الأتباع مما جعلها تنجح في خلق ارتباط بين السعادي والمرابطين والجماعات الاثنية الأخرى من العالم العربي الإسلامي والإفريقي، ولكن السنوسية أيضاً كان لها كأي دولة جنينية نظام نخبوي، فعلي رأس الحركة كانت الأسرة والعلماء والتجار وهم الذين استحوذوا على الأعشار والزكاة والعوائد التجارية، وبالذات في القرن العشرين عندما تحولت الحركة من أصولها الإصلاحية إلى نظام اجتماعي محافظ، ما يعني بأن الاقتصاد السياسي لبرقة أيضاً كان يمر بمرحلة انتقالية من النمط الريعي التجاري إلى نمط رأسمالي، ولكنه غير مسيطر تماماً. هذا الجدل يعني أيضاً أن الرأسمالية ليست فقط ذات جذور أوروبية خارجية ولكنها نظام عالمي له جذوره المحلية الإسلامية والعربية.

خُلاصـة:

خلاصة القول إذا نظرنا إلى العلاقة بين المدن والأرياف نجد تعددية العلاقات في طرابلس ولاحظنا بروز صيغة تجارية واقتصادية لمدينة طرابلس على الأرياف الطرابلسية. ومن هنا يجب فهم تعاون الأعيان في المدن والأرياف من خلال تكوين الجمهورية الطرابلسية ومؤتمر غريان، بينما نجد غياب مركز حضري مهيمن في القرن التاسع عشر في برقة بل ضعف العلاقات التجارية بين البوادي والمدن الصغيرة وذلك لارتباط البوادي في برقة بغرب مصر كسوق طبيعي منذ قرون مضت.. بل إن الصحراء العربية هي الفضاء الاجتماعي لقبائل برقة، ولذلك نجد نمطاً للهجرة في حالات المجاعة والحروب الأهلية إلى الصحراء ووادي النيل، ومن ثم تكوين طبقي بطيء حيث استقطبت مثلاً دولة محمد علي في مصر شيوخ القبائل الليبية المهاجرين كملاك أراضي وضباط في الجيش، أما رجال القبائل العاديون فأصبحوا بمرور الزمن فلاحين مستقرين. هذا النمط التاريخي للهجرة نجده بفزان ودرجات متفاوتة أولاد عون والهنادي والجوازي، الذين هاجروا في القرن التاسع عشر وهم أكثر استقراراً، بينما قبائل أولاد علي فمازالت في مرحلة انتقالية بين النمط الرعوي والتجاري، ولكنها أيضاً بدأت الآن في الاندماج الاقتصادي في الدولة المصرية.

ولكن السنوسية نجحت في ربط ودمج العديد من القبائل والجماعات الإثنية خارج مدن برقة الهامشية.. ولذلك نجد التعاون بين سكان هذه المدن وبوادي برقة ضعيفاً بعد الغزو الإيطالي في 1911.

بهذه القوى الجهوية الاجتماعية المعقدة التكوين واجه المجتمع الليبي في القرن التاسع عشر إشكالية الدولة والتحولات الاجتماعية من ناحية والضغوط العسكرية والتجارية في تونس ومصر، وبلاد السودان مما يعني أهمية فهم الدولة في القرن التاسع عشر في سياق ذلك القرن وليس من خلال ما حدث في القرن العشرين.

أخيراً أدى هذا التعدد الجهوي والاقتصادي والاجتماعي إلى ردود فعل متباينة للغزو الإيطالي في سنة1911. المنطقة الغربية طرابلس، نظراً لأنها كانت تمر بمرحلة انتقالية بين النمط الريعي والرأسمالي، شاب رد فعل الأهالي فيها الانشقاق والصراعات بين فئات ذات مصالح متعددة برغم تعاون أعيان المدن والأرياف في البداية.  أما في فزان فقد أسهمت التحالفات القبلية الفلاحية في المقاومة لأنها ظلت خارج إطار الدولة والتحولات الرأسمالية. برقة كانت أكثر حظاً لنصف قرن من النظام التعليمي والتجاري السنوسي الذي جهز النفوس وعلمها،  وبنى مؤسسات قضائية  وتعليمية وتجارية وأيديولوجية أعدت الاتباع ووحدتهم باختلاف أصولهم وأعراقهم تحت ظل الأيديولوجية الإسلامية، وبالتالي كانت برقة صعبة المراس على الجيش الاستعماري الإيطالي برغم تخلي القيادة السياسية الرسمية وهجرتها إلى مصر، فلقد تمكن قادة الحركة الذين أنجبهم النظام التعليمي السنوسي، الذي لم يكن أساسه المحسوبية والأصل، بل التفوق والكفاءة، من المقاومة حتى سنة 1932. إذن النصف الثاني من القرن التاسع عشر يمثل مرحلة انتقالية مهمة لفهم الصدام الدموي الذي حدث فيما بعد في النصف الأول من القرن العشرين،  حيث كان المجتمع الليبي حيوياً ومتعدداً ومعقد التركيب.


راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]
 


المراجـع الإنجليزيـة:

1- An example for dynastic history is tahir Ahmad ALZawi Wulat Ta- rabulus algharb min bidyat al – fath alararabi ila nihayat al – ahd al – turki ( the governors of triboli from the beginningof the arab conquest until the end of  the Turkish era )، ( Beirut : 1970 )، as for modernization theory seeabdullah Ali lbrahim ’’ Evolution of Gov – ernment and Society in Tripolitania and Cyrenice ( Libya ) 1935 – “ PH. D. Dissertation، University of Utah، 1982، and lisa s. Anderson ’’ states ’’ Peasants and Tribes : Colonialiism and Rural Politics in Tunisia nd Libya ’’ PH.D.Dissertation، Columbia University، 1981.

2- Lbrahim Ahmad Rizqanah al – Maulakah al -  Libiyah ( The Libyan Mon – archy ) ( Cairo : Dar al _ Nahddah al – Arabiyah 1964 ) PP.32, 39, 73.

3- On the Hilaliconquest see J.Ponect ’’ le Mythe de La Catastopha hi – laienne’’ Annales Aconomics ASociieties، Ciivilizationa XXll (1967 ),  PP.1097-1120, rai Daghfus ’’ al – Awamil al – lqtisadiya Li – Hijarat Bani Hilalilal wa Bani Salim ll Afriqiiyah ’’ ( The Ec – onimc Factors behidnthe mirgration of Bani Hilalilal wa Bani Sa – lim of North Africa ’’ Awraq Madrid ( Apriiil، 1981 ) PP..147-163 ؛ andd agood summary of the debate over the llmpact of nomadism in Rhoadss Murphy، S essay ’’ Thedecline of North Africa since the Roma occupation : Climate or Human ? Association of American Ge – ographers 41 ( June 1951 ) PP.116-132.

4- Drought hit the regency in 1856، 1859، 1881-82 and 1901 – 1903.

5- Adu A. Boahen ’’ The Caraven Traven Trade Nitenteenth Centuy ’’ Journal of  AF Rican History 111:2( 1972 ) p.350، and Dennis D.Cordell ’’ Eastern Libya Wadai and the Sanusiya: Atarigo and a TTrade Route ’’ Journal of African History 18: 2 ( 1972 ) PP..25.

6- Cordell، lpid.

7- Ahmad Said al Fituiri : Tripolitania، Cyrenica، and ilad As – Sudan : Trade Relaion Durinfg the Second Half iof Niineteenth C entury ’’ Ph. D., University of Michigan، 1998 2 PP.45-56.

8- Ln 1911 Tripolii City,s population was 29، 664.for the role of the city as a commercial an urban market see Robert Harriison ’’Migrants iin the ity of Tripoli’ The Gegraphical Journal 57 (July 1967) PP.4065.

9- FOR EXAMPLE GHADAMIS HAD APOPULATIOPN WAS 12,000 IN 1804 DECLLINED TO 6,831 IN 1911 AND 3,000 IN 1965، MURZUQ HAD 5,000 POPULATION IN 1867 DECLOINED TO JUST، 000 IN 1911.

10- UP UNIT NOW THRER HAS BEEN NO MAJOR STUY OF LIBYAN SAHARAN STATE. WHAT WE KNOW IS DESCRIPTIONS BY THE  LIBYAN HISTORIAN LBN GHALLBUN AND SOME EUROPEAN TRAVELERS E. G., HORNEMANN (1789), BARTH (1849) AND LVACHIGAL (1869). AN IMPORTANT SOURCE IS RECENTLY DISCOVER. A MANUSCRIPT NOTAL AL – KHUJA IS CALLED TARIKH FEZZAN, ED. HABIBB WADAAH AL – HISNAWI (TRIPOLI: CENTER FOR LIBYAN STUDIIES 1929).

11- PAOLO DELLA CELLA NARRATIIIVE OF AN EPWDITION FROM TRIPOLOI IN BARBARY TO THE WESTERN FRONTIER OF EGYPT IN 1817 BY THE BEY OF TRIPOLI. TRANSLATED FROM LTALIAN BY ANTHONY AUFRER (LONDON: JOHN AND AR – THUR ACH, 1822) PP. 194, AND JAMES HAMILTON WANDERIINGS IN NORTH AFRICA (LONDON: JOHN MURRY, ALBBEMARIE ST, 185) PP…9.

12- HAMILTON, LLBID., PP. 56. AHMA ABUZID “TE SEDENTRALIZATION OF NOMADS IN THE WESTERN DESERT OF WGYPT“ INTERNATIONAL SOCIAL SCIENCE JOUR – NAL X 4 (1959) PP. 550 AND E. E. EVANS – PRITCHARD THE SANUSI OF CY – RENICA (OXFORD UNIVERSITY PRESS 1419) PP.. 44, 46.

13- EVANS – PRITCHARD THE SANUSI، PP… 10-11، 18, 69، 71.

14- MUHAMMMED KHALIL LBN GHA LBBUN AL TIIDHKAR FIMAN MALAKA TARABULUS WA MAKANA BIHA MIN AKHBR (A ERMIINDER OF TRIPOLI، SRULERS AND HER HISTORY )  ED. BY T. A. AL ZAWI، (ROIPOLI : MAKTABBAT AL – NUR، 2 ND EDI – TION، 1967 ) PP. 158.

15-  SE THE SCRIPT OF THREE TRIBES UMER LBN ISMAIL LNHIYAR HUKM AL – USRAH AL – QARAMANLIYAH FI LIBYA 1795 – 1835 (THE COLLAPSE OF THE QARA – MANLI DDYNASTY IN LIBYA ) (TRIPOLI : MAKTABT AL –FIRAJANE، 1866)_ PP. 448-452.478-479.

16- HASSAN AL –FAQIH HASAAN, AL – YAWIIMYAT AL LIPYAH (THE LIPYAN DAILY ) PART ONE (1551-1832) ADITED BY MUHAMMEDD AL USTAAND AMAR JHAYDIR,(TRIPOLI:CENTR FOR LIBYAN STUDIES, 198) PP. AND AHMAM (AL - NAIB AL - MANHAL AL - ABHD FI TARIK TARABULUS AL GHARB … (THE SWEET SOURCE FOR THE HISTORY OF TRIPOLI OF THE WEST) Y. L. (TRIPOLI : MAKTABAT AL – FIRJANI (?)) 235. THE DET OF YUSUF QARAMANLI WAS ES - TIMATED TO BE $ 500,000.00 ACCORDDING TO FRENCH COUNSEL CHARLES FERAUDD, ANNALES TRIPOLITANNES

17- (PARIIS : LIBRAIRIE VAIBERT، 1972 ) PP. 363.

18-  Al-Ansari, al Mauhal PP. 14-15 and Seton Deardon, A Nest of Corsaira (London: John Murry, 1976) PP. 299-342.

19- LNA, (Libyan National Archives) Malaf al-Arodi, land tenure file. \

20- On Libyan peasantry see Adolf Vischer “Triiipolli” The Geographical Journal XXX VII; 5 (Nov. 19911), PP… 487-488 and Jean Despois “Types of Native Life in Tripolitania” Geographical Review 35 (1944-1945), Alger: Institut de Recherches Sahariennes de L’ Universite D’ Alger: (Paris, 1946) PP. 29, 63.

21- Perry Anderson Passages ffrom Antiquiity to Feuddalism (London: Newlef Review 1974) PP. 217-228.

22- Yusuf Toni “Tribal Diistribution and Radical Relationships of the Ancient and Moddern Peoples of Cyrenica” Tumiat Ayn Shams. Ulliyat al-Aabb, Utawliyal Kulliyat al-Adab Itawkiyak Kulliyat al-Adab (1963) PP. 97. الجبادة والخماسة في الثقافة واللهجة الليبية: الجبادة هو جمع لمفرد جباد أي الفلاح الأجير الذي يروي مزرعة المالك مقابل نسبة من المحصول، أم الخماسة فهي جمع خماس وهو الفلاح الأجير الذي يقوم بزراعة أرض المالك مقابل خمس المحصول من المالك.

23- See for Overview of tribal political confederation Umar Said Baghni “Asun Harakat al Sufuf wa A tharuh ala Harakat al-Tihad al-Libi” (The genesis of Sufuf and its impact on Libyan Jihad) al-Shahid 4 (1983) PP. 97.

24- See Lisa Anderson “Nineteenth Century Reform in Ottoman Libya” International Journal of Middle East Studies, 16 (1984) PP. 325-348.

25- See Allen streicker “Government and Revolt in Tripoli Regency, 1795-1855” M.A. Thesis Northwestern University 1970, and Ibrahiim “The Rebellious Movement against The Ottoman 1835-58” iin “The Avolution ogf Government,” PP… 79-118.

26- Ali Mustafa al-Misurat” Sahafat Libya Fi Nisf Qarn (Libyan Journalism in Half a Centur) (Beirut: Dar al Kashar, (1960) PP. 18.

27- E.G.H. Joffe, “British Molta and the Qaramanliii DDynasty 1800-1835” Reviue D’ Histoire Maghrebine, 12 eme Annes: 37-39 (Jan. 1985) PP. 32.

28-  Tripolitanian Esparto, Ports, England began in 1885, and 20000 tons reached a peak of 210000 tons in 1888, but declined by 1905 to 99000 tons.. se G.B., PRO in 3919, Session 1908, Vol. 116.

29- Harrison “Migrants to the City of Tripoli” PP. 415.

30- Fituri “Tripolitania,” PP. 48.

31- Despois Geographie Hummaine PP. 182, and by the same author Le DDjabel Ne Fousa (Tripolitani): etude Geographique (Paris 1935) PP. 166-167. Duaing the 1920’s around 20000 Libyans lived in Tunisia.

32- The population f Tripolitanian Towns increased in the period between 1883-1911.

Town  1883  1911
Tripoli City  20000  29644
Zawiiya  8000  28842
Al-Aziziyah  9000  26899
Z;itan  20000  38042
Misurata  20000  39029

33- The Bank had a budget of 5000000 liira. Began iin 1907 investing in Liby, manily iin land and agriculture such as oil and esparto factories and bulit four miils and one ice factory. See R. Mori “La Penetrationi Pacifica Italiana in Libyia dal 1907 al 1911 eil Banco do Roma” Revista di Studi politici Internationali, 24 (1957) PP. 110-111.

34- Such as the Mayro of Tripoli Hassuna Qaramanli, the merchant Umr al-Muntasir and Jewish merchants. These notables Bought land for the Bank and after 1911 they collaborated with colonial administration. These notables had contact with Italian government since 1880’s. See Fransico Chspi Memoiirs v ll, translated by M. Princhard- Agnetti London: 1923 PP. 474-475.

35- In 1798 Horrenmann estimated the population of Fezzan around 75000 Nachtigal in 1869 appraisedd the number to be 50000, and De Agostini 1917 ercordded Fezzan’s population to be just 31600.

36- DDespois Geographie Humaiine, PP. 182-183.

37- Al-Sanusiyyah., (Cairo: 2nd edition, 1988. But no attempt to our knowledge has been made to study the political economy of the region and its impact on the Sanusiyah).

38- Nicola Ziiadeh, Sanusiyah a Study of a Revivalist Movement (Leiden: Brill 1958) PP. 48.

39- Evans – Priitchard estimated the number of Sanusi Lodges to be 146 in the 1920’s. The Sanusi PP. 24.

40- For a ddiscussion of the process of class formulation e.g., “Peasnatization” see ken Post “Peasnatization” and “Ruial Political Movement in Western Africa” Archiives Europeennes de Sociologie proletarization see Saliim Tamari “ Factionaliism and Class Formation in Recent Palestinian History “in Roger Owen (ed) Studies in Economic and Social History of Palestinian in the Nineteenth and Twentieth centuries… (Oxford: St. Anthony’s College 1982) PP. 193. 199. 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
NADIA
WELL DONE DR. ALI. THANK YOU...
التكملة