مختارات من كتاب 20/7/2015 02:00 مختارات من كتاب "ليبيا التي لا نعرفها" للدكتور علي عبد اللطيف احميده (5)
د. علي عبد اللطيف أحميده بحث

(5) الاستعمار وتكوين  الدولة في تونس وليبيا (1830-1980)


راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]

 

من أهم الظواهر الايجابية في الوطن العربي خلال الفترة الأخيرة، بداية الاهتمام الفكري والعلمي بموضوع تكوين الدولة ودورها وعلاقتها بالمجتمع المدني. فالدراسات التي أشرف عليها مركز دراسات الوحدة العربية ضمن مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي الذي أنجزه المركز يعتبر من أهم الانجازات في هذا المضمار(1). إن الاهتمام بهذا الموضوع يعدّ خطوة صحيحة لفهم دور الدولة والتحولات الاجتماعية وكذلك، فبروز الأزمات في الوطن العربي تفرض تحديات جديدة على الباحثين العرب لفهم جدليات الدولة القطرية وجذورها بأدوات منهجية صادقة وجدية قادرة على تفسير ما يجري في المنطقة بشكل عام. لا يسمح المجال في هذه الدراسة الموجزة تناول الدراسات العربية في موضوع الدولة وعرضها لأنها تهدف إلى مراجعة نظرية لأهم المناهج الغربية وخاصة الأمريكية في موضوع تكوين الدولة والمجتمع المدني في منطقة المغرب العربي لفرض استيعاب الانجازات وإظهار جوانب القصور في هذه المناهج. من هنا سيتناول هذا المقال ثلاثة أجزاء: الجزء الأول سيعرض لنماذج من المناهج الغربية القديمة خاصة النماذج الأمريكية في تحليل موضوع الدولة ودورها في تونس وليبيا من خلال عرض أهم الكتب في هذا الموضوع، وهو كتاب ليزا أندرسون المعنون الدولة والتحولات الاجتماعية في تونس وليبيا، 1830-1980. وأخيراً نختتم الموضوع باقتراح بعض الآراء المنهجية لدراسات مستقبلية.

أولاً: الاستشراق ومدرسة التحديث

شكى الباحث السوسيولوجي الانكليزي بريان ترنر بأسى في مراجعة له لأدبيات منطقة الشرق الأوسط في الغرب من فقر هذه الأدبيات وتخلفها مقارنة بالدراسات الأخرى عن العالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. فقد رأى أن هذه الدراسات تتميز بسطحيتها وتركيزها المستمر على مواضيع ثابتة مثل الإسلام، بشكل غير تاريخي والقبيلة والشخصية العربية الجامدة. ونادراً ما تدرس جدلية الطبقات الاجتماعية  أو تكوين الدولة أو دور النظام الرأسمالي العالمي في ذلك من خلال التجارة أو الاستعمار المباشر وخلق دول في المستعمرات(2). ونحن نتفق مع ترنر حول فقر أدبيات الشرق الأوسط في الغرب مقارنة بالمناطق الأخرى، ولكن من المهم مراجعة نماذج منهجية في دراسة الشرق الأوسط والوطن العربي. فدراسة الاستشراق ومدرسة التحديث الأمريكية عملية ضرورية لفهم الأسباب وراء تخلّف أدبيات الشرق الأوسط لأنهما تمثّلان الخلفية المعرفية والنظرية لغالبية الكتابات عن الشرق الأوسط في الولايات المتحدة حتى نهاية السبعينيات. بل حتى اليوم، فلو نظرنا، مثلاً، إلى كتاب المجتمع الإسلامي والغرب الذي يعتبر من أهم كتب الاستشراق عن العالم الإسلامي لغب وهارولد باورن، لوجدنا أنه يقدّم الإسلام على أنه نظام جوهري مغلق ونظام قيمي تقليدي ظهر في القرن السابع وغير قادر على مواجهة تحديات التحديث المعاصرة. لذا فمصير هذا النظام القيمي هو التدهور والانحطاط، ولا يمكنه مواجهة الغرب العقلاني؛ والوسيلة الوحيدة أمام العالم الإسلامي هي التحديث بمعنى التغريب(3). ويركز الكاتبان أيضاً على العوامل الأيديولوجية والثقافية والدين الإسلامي، بغضّ النظر عن التحولات والعوامل الاقتصادية الاجتماعية لأنها غير مهمة. فإذا عرفت الجوهر الثقافي الإسلامي في القرن السابع الميلادي تستطيع أن تفسّر ما جاء بعده(4). هذا التركيز المنهجي على دور العقيدة الدينية كعامل أزلي جوهري في تفسير التاريخ ساهم في التأثير في العديد من العلماء الأمريكيين الذين يدرسون منطقة الشرق الأوسط وكذلك في الصحافيين والكتّاب. فمنذ ما بعد الثورة الإيرانية واغتيال أنور السادات تمت إعادة إنتاج للتفسيرات الاستشراقية عن عودة الإسلامي الأصولي(5). والآن، وفي خلال أزمة الخليج، نجد العديد من الكتابات حول "الغضب الإسلامي" وعداء الإسلام الأزلي للغرب. هذا النوع من التحليلات في رأينا غير قادر على تفسير تعددية الحركات الاجتماعية والدينية في المنطقة، فهناك الإسلام المحافظ المؤيد للسلطة كما في السعودية كدولة ملكية مطلقة، أو الإسلام الثوري في جمهورية إيران، أو حركات معارضة شعبية إسلامية كما في مصر وسوريا، وتونس والجزائر. فالإسلام كأي دين آخر هو نتاج واقع جغرافي واجتماعي اقتصادي. ولا يمكن تفسير هذه التعددية الواقعية من غير رفض ما يسمى العقل الإسلامي اللاتاريخي.

رغم أن المنهج الاستشراقي التقليدي هو التيار الغالب في الغرب طوال عقود عديدة. إلا أنه ليس كل المستشرقين أسرى هذا التيار، فمكسيم رودنسون، المستشرق الفرنسي، له منهج تاريخي مغاير، فهو يربط بين الأيديولوجيا الإسلامية والعوامل التاريخية والاجتماعية. وفي الولايات المتحدة ما زال التيار التقليدي قوياً لتأثيره الكبير في منهجية مدرسة التحديث، التي برزت في الأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن. لقد شملت مدرسة التحديث الأمريكية العديد من الكتابات في مجالات العلوم السياسية، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع في الكثير من الجامعات الأمريكية بهدف تفسير كيفية تحديث مجتمعات العالم الثالث التقليدية ومن أبرز الكتابات التي تعبّر عن هذه المدرسة كتاب دانيال ليرنر انحسار المجتمع التقليدي: التحديث في الشرق الأوسط (1958). ففي هذا الكتاب يصف ليرنر مجتمعات الشرق الأوسط التقليدية بأنها ما زالت على تقليديتها، ولكنها في مرحلة انتقال نتيجة لتقبّل الأفكار التحديثية العقلانية الغربية من خلال الطبقة المتعلمة الوسطى التي استوعبت الأفكار التحديثية، ومن خلال المعونة التقنية والتعليمية الأمريكية والمؤسسات الليبرالية. وهذا سيؤدي على الأمد البعيد، إلى التحديث والعصرنة اقتصادياً وثقافياً(6). بعبارة أخرى، اعتبر ليرنر أن اندمادج مجتمعات الشرق الأوسط في النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي وتقبّل قيمه ومؤسساته هو الحل. وأن المرحلة الاستعمارية رغم مشاكلها هي بداية عملية التحديث، وأن الحركات القومية المعادية للاستعمار غير إيجابية وغير عقلانية وتشكّل عقبة أمام عمليات التحديث والتطور(7).

يتفق ليرنر هنا مع المستشرقين التقليديين ويشاركهم الرؤية غير التاريخية لمنطقة الشرق الأوسط  كما يتجاهل العوامل الخارجية في عرقلة تطور المنطقة. كما أنه عمل على تبرير الاستعمار ورفض حق المستعمَرين في مقاومة الاحتلال. ففي النهاية هو متحيز للنموذج الحضاري الغربي، باعتباره الطريق الوحيد للتحديث والذي مفر منه. إن مثل هذه المثالب المنهجية ليست عجرفة ثقافية فحسب، بل هي مرتبطة بأهداف سياسية تعكسها العلاقات الحميمة بين هؤلاء الباحثين ودوائر صنع القرار السياسي داخل الحكومة الأمريكية كما بينتها الباحثة جوديث تكرْ في مقالة هامة ظهرت في منتصف السبعينيات(8). فالاهتمام بأهداف السياسة الخارجية الأمريكية جعل الكثير من الباحثين سواء من مدرسة الاستشراق أو من مدرسة التحديث منحازين بشكل جلي إلى الأهداف السياسية.

إن أطروحات مدرسة التحديث كما في سابقتها مدرسة الاستشراق التقليدي، غير قادرة على تفسير الواقع خلال الأربعين عاماً الماضية، فبرغم النخب المتعلمة، والمعونة الثقافية والتقنية الأمريكية، ورغم بناء أنظمة ليبرالية في المنطقة، لم تستطع هذه المدرسة فهم الواقع العربي والإفريقي، ولا زالت المنطقة تعاني التبعية الاقتصادية والحكم العائلي والعشائري والعسكري.
لقد تعرضت هذه المدرسة لنقد قاس في السبعينيات لفشلها في تفسير غياب التحديث واستمرارية التبعية والتخلف في العالم الثالث حتى أن كاتباً كبيراً من كتّاب مدرسة التحديث، ليونارد بايندر، اعترف في كتاب له بعنوان دراسة الشرق الأوسط صدر عام 1976، بأن الأدبيات الأمريكية عن منطقة الشرق الأوسط سطحية وغير قادرة على تفسير التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة(9). وما يثير الدهشة والأسف أن العديد من الباحثين العرب الذين تلقّوا تعليمهم في الولايات المتحدة تقبّلوا بشكل غير نقدي أطروحات هذه المدرسة كوسيلة لتحليل شؤون المنطقة، ولا يسمح المجال هنا بتناول ذلك بشكل مفصّل.

وكردّ فعل على فشل مدرسة التحديث في التنبؤ وتفسير التغيرات السياسية في المنطقة رغم التحديث والتعليم وتبنّي النموذج الغربي، ظهر في الأوساط الأكاديمية الأمريكية نوع من الإجماع حول ضرورة تجاوز مثالب مناهج التحديث السابقة واستيعابها. وجاء نقد هذه المناهج من قبل باحثين ليبراليين أمثال روجر أوين في بريطانيا ومايكل هدسون وديل إيكلمان في الولايات المتحدة(10). وبجانب هؤلاء كان أهم نقد لمدرسة التحديث قد جاء من قبل باحثين شباب تأثروا بتيارات الماركسية الجديدة. إذ ظهرت الإضافات أو المساهمات الماركسية الجديدة في مجلتين علميتين واحدة في بريطانيا وهي Review of Middle East Studies والثانية في الولايات المتحدة وهي Middle East Report (MERIP). هاتان المجلتان ظهرتا في منتصف السبعينيات وأصبحتا منبرين لتوجّه نقدي مشابه لمجلة العلماء الدارسين لآسيا Bulletin of Concerned Asian Scholars. هذه المجلة الأخيرة ظهرت سنة 1969 كامتداد للتيار التقدمي لحركة الإسلام المعادية للتورط الأمريكي في جنوب شرق آسيا. وقد أصبحت مع نهاية السبعينيات منبراً لتيار نقدي للسياسة الأمريكية الخارجية و متعاطفا في الوقت نفسه مع ثقافات المجتمعات الآسيوية.

إن هاتين المجلتين اللتان برزتا كتيار نقدي لمدرسة التحديث في دراسة الشرق الأوسط، تركزان على ضرورة طرح مناهج جديدة تتجاوز المركزية الأوروبية والأمريكية وادماج دور العوامل التاريخية والاقتصادية في دراسات المنطقة. ولكن مع كل ذلك، فإن أهم حدث في المحاولات النقدية المنهجية هو بلا شك ظهور دراسة إدوارد سعيد الاستشراق الصادرة عام 1978. فإدوارد سعيد رغم أنه ليس أول باحث يتناول مسألة الاستشراق، إلا أنه قدّم دراسة متكاملة ورصينة عن مدرسة الاستشراق التقليدية، وكان أهم إنجازات هذه الدراسة إثارة الحوار حول الموضوع بطريقة جديدة أدت إلى إبراز جوانب القصور في هذه الكتابات(11).

ربما قد تؤدي هذه التيارات النقدية بغضّ النظر عن الجدل حولها إلى تغيير الخلفية المعرفية لدراسة الشرق الأوسط، مثلما حصل في الدراسات الآسيوية ودراسات أمريكا اللاتينية وحتى نهاية السبعينيات بسيطرة منهج مدرسة التحديث الأمريكية، كما هو الحال في دراسات الشرق الأوسط. فالتخلف الاقتصادي والاجتماعي والتسلط السياسي فُسّر من قبل كتّاب التحديث على انه نتيجة (كما هو الحال في الوطن العربي) لـ "العقل اللاتيني"، مثل ذلك كمثل النظرة اللاتاريخية لما يسمى العقل الإسلامي أو العربي. ولكن هذه النظرة في الدراسات المتعلقة بأمريكا اللاتينية بدأت بالتحوّل بعد بروز مدرسة لاتينية عُرفت باسم مدرسة التبعية في نهاية الستينيات. فكتّاب هذه المدرسة ومنظّروها ركزوا في دراستهم على تفسير استمرارية التخلف الاقتصادي والاجتماعي والتسلط السياسي، رغم أن دول القارة نالت استقلالها في نهاية القرن الماضي، فوجدوا أن ذلك ليس راجعاً إلى عوامل داخلية فحسب، كما ادعت مدرسة التحديث، ولكنه نتاج عوامل خارجية مرتبطة بالنظام الرأسمالي العالمي الذي نهب ثروات القارة وخلق اقتصادات مرتبطة باحتياجاته من مواد خام ومحاصيل زراعية، بالإضافة إلى الأيدي العاملة الرخيصة وجعل هذه الدول سوقاً للمنتجات الصناعية الرأسمالية من خلال التحالف مع فئات النخبة في هذه المجتمعات مثل طبقة ملاّك الأراضي والرأسمال المحلي وتسليحها لقمع أية محاولة شعبية للتغيير. بعبارة أخرى، إن مدرسة التبعية من خلال تيار التنمية – التخلف كما في كتابات غندر فرانك(12)، أو من خلال تيار التنمية التابعة  كما في كتابات كروسو(13)، قد قدمت تفسيراً مقنعاً لإشكالية أمريكا اللاتينية، وهي كيفية فهم استمرار التخلف الاقتصادي والقمع السياسي رغم الاستقلال السياسي المبكر لدول القارة وفشل ما يسمّى عملية التحديث. إن مدرسة التبعية برغم النقد الموجه إليها الآن وخصوصاً على تركيزها على العوامل الخارجية على حساب الداخلية في تفسير التغيّر السياسي، نجحت في رأينا، في تجاوز مدرسة التحديث عندما ركزت على العوامل الاقتصادية والاجتماعية داخل أمريكا اللاتينية من خلال اكتشاف حتمية النظر إلى دور النظام الرأسمالي العالمي من خلال تشكيل بنية الاقتصاد المحلي.

إن الذي واجه باحثي أمريكا اللاتينية في حل إشكالية التفسير وفهم التخلف في بلدانهم يتشابه إلى حد كبير مع الإشكالية التي تواجه الباحثين العرب، فكيف نتجاوز الشعارات في تفسير التبعية الاقتصادية وسيطرة النظم التسلطية بشكليها العائلي و العسكري؟ فالمسألة، كما نرى، ليست وجود الدولة القطرية بحدّ ذاتها، ولكن كيف نستطيع تفسير استمراريتها بشكل علمي صارم لنستطيع بناء رؤية للمستقبل. وهذا يتطلب الدراسة والتركيز على العوامل التاريخية والاقتصادية والاجتماعية لجذور تكوين الدولة، وتكوين الطبقات والحركات الاجتماعية في المجتمع المدني.

يبرز الآن تيار نقدي جديد يبشّر بالخير في دراسة المنطقة لشموله مناهج عديدة كمنهج التاريخ الاجتماعي ونمط الإنتاج والاقتصاد الريعي والتبعية. تشترك هذه النماذج في تجاوزها التحليلات الأيديولوجية وتنظر إلى جدليات التاريخ من منطلق جديد. يضم هذا التيار باحثين عرباً وغربيين، فمثلاً في دراسات التاريخ الاجتماعي للمغرب العربي يبرز اسم عبد الله العروي في مراجعاته الكتابات التاريخية عن المغرب العربي، وادموند بيرك وديفيد صيدون في أبحاثهما عن المغرب وخاصة قبيل الاستعمار ودور الفلاحين. كذلك تبرز أسماء مثل مغنية الأزرق ومحفوظ بنون، وعبد القادر جغلول في دراساتهم حول تأثير الاستعمار الفرنسي في ظهور الطبقات في الجزائر، وكذلك لوسيت فالنسي في كتابها الهام عن التاريخ الاجتماعي للفلاحين التونسيين، ومحمود أبو صوه وعبد المولى الحرير في كتاباتهم عن أسلمة وتعريب المغرب العربي والنظام التعليمي في برقه في ظل الحركة السنوسية. وأخيراً دراسات بيتر غران وروجر أوين وإريك دافيز عن جذور الرأسمالية المحلية، وتأثير الرأسمالية العالمية في المجتمع المصري ودور البرجوازية المحلية في التحولات السياسية والاقتصادية(14). هذه الدراسات وغيرها تحاول النظر إلى العوامل الاقتصادية والاجتماعية وتأخذ بشكل جدي أهمية رؤية التاريخ من منطلق جديد.

ومن أهم الدراسات الغربية التي حاولت تجاوز مثالب المنهجية القديمة وقصورها وتقديم تفسير جديد للتحولات الاجتماعية والاقتصادية ودورها في قيام الدولة القطرية، دراسة ليزا أندرسون عن تكوين الدولة في المغرب العربي وبالذات تونس وليبيا خلال قرن ونصف من الزمن 1830-1980) في كتابها الدولة والتحول الاجتماعي في تونس وليبيا 1830-1980. ونظراً لأهميته وقدرته على التفسير، فإننا في الجزء اللاحق سنراجع هذا الكتاب كنموذج جديد للدراسات الغربية في دراسة دول المنطقة.

Lisa S. Anderson - The State and Social Transformation in Tunisia and Libya, 1830-1980 - (Princeton, N.J: Princeton University Press, c1986. (Princeton Studies on the Near East)


ثانياً: الاستعمار وتكوين الدولة في تونس وليبيا

صدر كتاب ليزا أندرسون المشار إليه سابقاً عام 1986، ويقع في خمسة أجزاء: مقدمة نظرية عن نظريات تكوين الدولة، دولة ما قبل الاستعمار، تونس تحت الحماية الفرنسية (1881)، و ليبيا تحت الاحتلال الإيطالي (1911) ثم مرحلة الاستقلال السياسي(15).

على عكس الاتجاه الاستشراقي، تبدأ الباحثة بافتراض أن الدولة في العالم الثالث تقوم بدور مستقل أو شبه مستقل عن البناء الاجتماعي (ص 11، 27) خلافاً لدور الدولة في غرب أوروبا من غير أن تبرر هذا الافتراض، ثم تطرح الجدل الأساسي للكتاب كما يلي: أولاً، بناء الدولة، وجود بيروقراطية قوية وجيش أو عدم وجودهما عامل أساسي في تفسير مسار التحولات الاجتماعية. ثانياً، حاول الكتاب تطبيق هذا الجدل على تاريخ دور الدولة في تونس وليبيا من منتصف القرن الماضي وحتى سنة 1980، وتبرر الكاتبة أهمية بناء الدولة على أساس وجود بيروقراطية قوية مدعومة بجيش هو العامل الأساسي في توطين القبائل وربطها باقتصاد السوق وبيروقراطية الدولة (ص 78). من هنا تكمن أهمية استمرارية دور الدولة كما في حالة تونس أو عدم استمراريتها كما في حالة ليبيا لتفسير التعارض الأساسي بين الدولتين في مرحلة ما بعد الاستعمار مقارنة بالتشابه الاجتماعي والاقتصادي في مرحلة ما قبل الاستعمار.

تبدأ الباحثة الكتاب بمرحلة ما قبل الاستعمار وحتى بداية المرحلة الاقتصادية (تونس 1881 وليبيا 1911) وتعترف بوجود محاولة عثمانية في ليبيا لبناء الدولة عن طريق الجيش العثماني الذي ضرب شيوخ القبائل في المنطقة الغربية وكوّن إدارة قوية وحاول تشجيع التعليم والزراعة، وتوطين القبائل عن طريق فرض تسجيل الأراضي فردياً كما صار في القانون العثماني سنة 1858. و بدأت كذلك الأسرة الحسينية الحاكمة في تونس بشكل شبه مستقل عن الإمبراطورية العثمانية، في اتخاذ إجراءات مشابهة لما حدث في ليبيا لمواجهة التغلغل الاقتصادي الأوروبي من خلال تنظيم جمع الضرائب وتسجيل الأراضي القبلية بأسماء مالكين من الأعيان والشيوخ. و باختصار ففي هذه الفترة كان هناك تشابه كبير بين الدولتين: اقتصاد ريعي مبني على الاكتفاء الذاتي والتجارة. لقد عاشت الدولة على جمع الضرائب والريع المفروض على التجارة والزراعة. كما أن الفئات الحاكمة أساساً أرستقراطية عسكرية تركية يساعدها مجموعة من أعيان المدن بينما تمتعت القبائل في الداخل باستقلالية اقتصادية و سياسية. لهذا اقتصر دور الدولة في الداخل على جمع الضرائب، ولكن في نهاية القرن الماضي، بدأ الرأسمال الأوروبي في التغلغل في المدن مما أدى إلى اضطرار النخبة الحاكمة للاستفادة من التجار الأوروبيين، خاصة بعد اضمحلال تجارة القوافل عبر الصحراء. وأدى هذا التطور إلى إدماج المدن في الاقتصاد الرأسمالي الأوروبي، وفي هذه المرحلة أيضاً تماثل عدد سكان الدولتين إذ بلغ مليون نسمة في كل منهما.

هذا التشابه في البنية الاقتصادية والسياسية والديمغرافية تغيّر بشكل جذري في المرحلة الاستعمارية. لقد الاستعمار الفرنسي بدأ مبكراً سنة 1881، عندما أعلنت الدولة الحسينية إفلاسها بسبب الديون سنة 1869 (ص 70). فاحتل الفرنسيون تونس لحماية الجزائر خوفاً من أطماع الانكليز والإيطاليين. ولم تتعرض الكاتبة إلى أهداف السياسة الفرنسية في تونس، ولكنها ركّزت على نتائج هذه السياسة. و السياسة الفرنسية، خلافاً لتجربتها في الجزائر، أبقت على دولة ما قبل الاستعمار، وحكمت من خلال بيروقراطية الدولة الحسينية، لذلك دُعمت هذه الدولة بتكوين جيش قوي بقيادة ضباط فرنسيين ومجندين تونسيين (ص 142)، وتقوية الإدارة المحلية بالتعاون مع طبقة الأعيان، وضرب المقاومة في الجنوب التونسي، وفرض تسجيل الأراضي بشكل فردي مما أدى إلى تقوية الملكية الخاصة، وتقنين علاقات التبعية بين الفلاحين الخماسة وملاّك الأراضي بفرض حد أدنى من الأجر للفلاحين (ص 221). وقد أدت هذه الإجراءات إلى فرض اقتصاد تجاري، وتوطين القبائل، وتكوّن طبقة فلاحية لزراعة الزيتون والحبوب (ص 151)، واشترطت الدولة أيضاً على جميع الموظفين معرفة القراءة والكتابة (ص 137).

باختصار،  واصلت الدولة  التونسية  دورها في الفترة الاستعمارية على حساب القبائل. وقد أدى هذا التحول إلى متغيرات هامة في المجتمع التونسي أهمها اندماج الاقتصاد الريعي المبني على الاكتفاء الذاتي في العلاقات القبلية و في الاقتصاد الرأسمالي الأوروبي. الفرنسيون حكموا تونس من خلال الدولة الحسينية وأعيانها؛ و هذه السياسة الاستعمارية أدت إلى تغيّرات كبيرة على الأمد البعيد وتقوية مركز أعيان المدن الذين سيطروا على البيروقراطية، وجمع الضرائب وملكية الأرض. و أصبح الفلاحون تابعين للملاّك عن طريق قوانين التخميس في الأرض. باختصار، قوي دور الدولة بعد ضرب القبائل في الجنوب، وساعد هذا على تطبيق قوانين تسجيل الأراضي بشكل فردي (ص 84). نتيجة لتدعيم الملكية الخاصة ظهرت طبقة فلاحية عملت في زراعة الزيتون الذي أصبح سلعة التصدير الزراعي الأولى. كذلك فرضت معرفة القراءة والكتابة لتولي منصب في الإدارة، ودعم النخب المحلية لأنها هي التي استغلت هذه الفرص. بعبارة أخرى، الاقتصاد ما قبل الرأسمالي اختفى وحلّ محله اقتصاد رأسمالي مبني على التبادل بالنقد والتصدير إلى الخارج. كل هذه التغيرات أدت إلى ضعف العلاقات القبلية وظهور الطبقات في المجتمع التونسي: طبقة فلاحية وطبقة عاملة نظراً لزيادة الهجرة إلى المدن للبحث عن عمل، وطبقة برجوازية محلية متعلمة وخبيرة. لهذا نجد ظهور حركة استقلالية وعمالية بارزة منذ نهاية العشرينيات: الاتحاد العام التونسي للشغل وحزب الدستور الجديد بقيادة الحبيب بورقيبة (ص 162، 167). ولكن الباحثة تستخدم علاقات النخبة والجماهير أحياناً، والطبقة الاجتماعية، وعلاقات التبعية بين الأعيان والفلاحين في وصف العلاقات السياسية من ناحية والحركة الاستقلالية والجماهير في منتصف الأربعينيات من ناحية أخرى (ص 249).

إن ليبيا أو طرابلس الغرب، كما كانت تُعرف حتى سنة 1911، لم تمرّ بالظروف الاستعمارية نفسها كما في حالة تونس، فتعداد سكان تونس كان في نهاية المرحلة الاستعمارية بلغ المليونين، بينما تعداد سكان ليبيا بقي مليوناً كما في نهاية القرن الماضي. تقول الكاتبة إن الإيطاليين لم يكن لديهم خبرة استعمارية طويلة، لذا لم يحافظوا على الدولة المحلية بل "حكموها". وتحطيم الدولة يُقصد به عدم إشراك النخبة البيروقراطية المحلية في إدارة الدولة الاستعمارية وتدعيمها اقتصادياً وعسكرياً، من خلال تدعيم الملكية الخاصة وتكوين اقتصاد زراعي رأسمالي، ونشر التعليم كما في حالة تونس. على العكس، فقد رفض الإيطاليون هذه السياسة، وبعد سنة 1922 فرضوا دولة إيطالية على الليبيين في المنطقة الغربية، وفي نهاية سنة 1931 – بعد شنق عمر المختار – فرضوها على برقة وفزّان. فأصبح الليبيون يلاحقون للمشاركة أو الإدارة لكن كعمال بالأجرة وقبائل تحت الحصار. وأدت هذه السياسة إلى قتل حوالي نصف الشعب الليبي إما مباشرة عن طريق الحرب والشنق، أو عن طريق غير مباشرة، الموت جوعاً في الصحراء، والمعتقلات، وبانتشار الأوبئة، لهذا انخفض تعداد سكان طرابلس وفزان من 650.000 وبرقة من 300.000 سنة 1911 إلى 250.000 و120.000 على التوالي في سنة 1915 (ص 215). كذلك انخفض عدد الماشية في برقة ما بين سنة 1910 وسنة 1933 من 713.000 رأس غنم، و546.000 ماعز، و83.000 جمل إلى 98.000 و25.000 و 2.600 على التوالي (الصفحة نفسها)، ناهيك عن هجرة الآلاف إلى مصر، وتونس، وسوريا، وتركيا والتشاد. أما النخبة المتعلمة إما قتلت في الحرب أو اضطرت للهجرة. هنا نجد أن أندرسون وضحت مدى وحشية الاستعمار الإيطالي على عكس بعض كتابات مدرسة التحديث.

باختصار، في بداية الاستقلال أدت السياسة الاستعمارية الإيطالية إلى نتائج معاكسة للسياسة الفرنسية في تونس، فليبيا لم تكن فيها طبقة متعلمة بل حفنة من المتعلمين وبلد مدمر أدى إلى تقوية دور العلاقات القبلية وليس إلى تحطيمها، خاصة أن المقاومة الليبية استمرت فترة عشرين عاماً نتيجة السياسة الإيطالية التي رفضت مشاركة الليبيين – المقاومة الليبية المعتمدة على العلاقات القبلية لمواجهة الاستعمار. ولكن العلاقات القبلية استمرت كنوع من إبراز الهوية لأنها حتى في ليبيا تغيرت نظراً لربط الليبيين بالاقتصاد الاستعماري (ص 221). و تصرّ الباحثة على فرضيتها الأساسية عبر الكتاب وحتى على أهمية دور الدولة واستمراريتها من خلال دور البيروقراطية في تفسير اختلاف التغير السياسي والاجتماعي في تونس وليبيا.

تزعم الباحثة أن دور الدولة الاستعمارية كان المحرك الأساسي في التأثير على المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي حصلت في النصف الأول من القرن العشرين. فرغم تشابه البنية الاقتصادية والسياسية في ولايتي تونس وليبيا في مطلع القرن، نجد أن هناك تحولات جذرية في البنية الاقتصادية والاجتماعية مع انقطاع هذا التغير في حالة ليبيا. الدولة المعاصرة على أساس هذا التحليل إذن ما هي إلا نتاج لتغييرات تمّت تحت حكم دولة استعمارية مختلفة. فالاستعمار الفرنسي، من خلال تحالفه مع النخبة الحسينية وأعيانها، أدى إلى ظهور برجوازية وطنية متطورة ذات اتجاه ليبرالي يحكم عن طريق حزب بيروقراطي ذي توجه تحديثي فرنسي. ولكن، في الوقت نفسه، ظهرت طبقة عمالية متماسكة ومنظمة في المدن كتلك الموجودة في فرنسا نتيجة لربط الاقتصاد التونسي بالسوق الرأسمالي الأوروبي، ولكن الحالة في ليبيا اختلفت نظراً لضرب الدولة العثمانية وطبقة الأعيان المتعلمة مما أدى إلى حرب طويلة بين الدولة الاستعمارية والقبائل والفلاحين. لهذا، لم تكن هناك بيروقراطية محلية ولا تكوين طبقي متقدم على عكس التحولات في تونس، فالقبائل في ليبيا ركّزت على علاقات الدم والدين كوسيلة لمقاومة الضغوط الاستعمارية (ص 221).

وتحلل الباحثة العلاقات القبلية وكأنها أزلية ولها الوظيفة نفسها في كل جزء من ليبيا بغضّ النظر عن الأقاليم والفترة التاريخية. فالعلاقات القبلية مرّت بتحولات متعددة مثلاً، التنظيمات القبلية في شرق طرابلس ليست العلاقات نفسها في منطقة القبلة، وسرت وبرقة. فقد تعاملت أندرسون مع مفهوم القبلية وكأنه لم يتغير لمدة قرن من الزمان. هذا الفهم غير تاريخي رغم شيوعه في دراسات الانثروبولوجيا الاجتماعية. وحسب تحليلها الخلفية التاريخية، تستنتج وتفسّر وجود معارضة إسلامية قوية ومنظمة في تونس لبروز طبقات اجتماعية أكثر وعياً وأقوى في تونس. أما في ليبيا، فوجود النظام الجماهيري هو امتداد لمقاومة القبائل الطويلة والمريرة للاستعمار الإيطالي، وهذا في رأيها كان وراء شعبية النظام السياسي في السبعينيات، وكذلك عدم وجود بيروقراطية تقليدية يعكس أيضاً ريبة القبائل وخوفها من بيروقراطية الدولة الاستعمارية (ص 267). وبعبارة أخرى فبيروقراطية الدولة في ليبيا محدودة لأنها تعكس طبيعة النظام السياسي القائم. وتستنتج أن ذلك هو السبب وراء تشرذم المعارضة الليبية لعدم اتساق التركيبة الطبقية في ليبيا، ولكن نظرة فاحصة لطبيعة الدولة في ليبيا الآن تقود إلى ملاحظة أن الدولة ليست ضعيفة، كما تزعم أندرسون، بل هي أكثر مركزية لو قورنت بالنظام الملكي السابق (1951 – 1969). هنا مرة أخرى ركّزت أندرسون على الدولة وتجاهلت المجتمع المدني. فمثلاً الأنثروبولوجي الانكليزي جون ديفس في كتابه عن القبلية والثورة في ليبيا يُبيّن كيف استخدمت القبائل والفئات الاجتماعية الأخرى في منطقة أجدابيا والكفرة شعار اللجان الشعبية والديمقراطية المباشر بشكل يدعم مصالحها وبصورة مغايرة للنظرية المطروحة في الكتاب الأخضر(16).

هذه بإيجاز أهم أطروحات الكتاب الذي يعتبر بلا شك إضافة هامة إلى دراسة تكوين الدولة العربية وجذورها الاجتماعية، ولكن لا بد لنا من مناقشة بعض الجوانب المنهجية والتحليلية للباحثة.

أولاً: أثارت الباحثة أسئلة هامة عن تكوين الدولة وتفسير معضلة كون المجتمع الليبي والتونسي متشابهة سياسياً واجتماعياً في نهاية القرن التاسع عشر، ولكنهما اختلفا من نواحٍ عديدة في بداية الاستقلال في الخمسينيات. فأندرسون في رأينا، رغم إبرازها العوامل التاريخية والاجتماعية، لم تستطع إعطاء الدليل الكافي لتفسير المعضلة التاريخية للكتاب. بعبارة أخرى، ظلت الباحثة أسيرة مدرسة التحديث الأمريكية وخاصة كتابات صمويل هنتنغتون وأطروحته المحافظة حول علاقة الاستقرار السياسي بوجود مؤسسات سياسية واجتماعية قوية، أي بيروقراطية فعّالة(17). ولكن هذا الجدل عن دور البيروقراطية والمؤسسات يتناسى أن البيروقراطية نفسها هي نتاج التركيب الاجتماعي والاقتصادي.

تركز الكاتبة أيضاً مثل سائر كتّاب مدرسة التحديث، على مفهوم الدولة – الأمة الذي ظهر في أوروبا في القرن السابع عشر وكأنه النموذج الوحيد والنهائي لتكوين الدولة، وقد تجاهلت تكوين الدولة العثمانية، الذي له، رغم أنه متأثر بالنموذج الأوروبي، ديناميته الخاصة، ولم تستوعب النموذج السنوسي ودولة أولاد محمد في فزّان كمحاولات لبناء الدولة، ولكن كنماذج مختلفة عن نظام الدولة القومية الأوروبي(18).

الكاتبة أيضاً تصورت، كما هو شائع لدى العديد من كتّاب مدرسة التحديث وأنصار الدولة القطرية العربية، أن الدولة القطرية التي خلفتها المرحلة الاستعمارية وجدت منذ أمد بعيد، وبالتالي نجد أنصاراً للقوميات المحلية كالقومية اللبنانية والقومية العراقية والتونسية وغيرها. هذا الاعتقاد يحاول بشكل قسري خلق الماضي أو إسقاطه على الماضي. فمثلاً، القبائل والفلاحون في مرحلة ما قبل الاستعمار، ارتبطوا بتجمعات أخرى وفي اقتصادات إقليمية. فمن خلال دراسة عن التاريخ الاجتماعي في ليبيا لكاتب هذه المقالة، تم اكتشاف أن إقليم برقة ارتبط بغرب مصر كسوق تجاري، وطرابلس مع جنوب تونس، وفزّان مع بلاد السودان. لذلك فمحاولة فهم التاريخ الاجتماعي للقرن التاسع عشر وكأنه داخل حدود الدولة القطرية الحالية مخالفة للدليل العلمي وفرض خرافات الدولة – القطرية القومية على الواقع التاريخي(19).

ثانياً: اعتمدت الباحثة كذلك في تأكيدها دور الدولة على المصادر الأوروبية، خاصة القناصل والسفراء. هذه المصادر تعطي صورة محددة عن المجتمع كما يراه هؤلاء القناصل الذين يعملون في حدود مصالحهم التجارية والسياسية. فعملية كتابة التاريخ من خلال رؤية المجتمع المدني تدعو إلى الرجوع إلى المراجع المحلية المكتوبة باللغة العربية وإلى الروايات الشفوية خاصة أن غالبية الشعب في القرون الماضية اعتمدت على الروايات غير المكتوبة كالقصص والشعر والأغاني والأمثال والسير الذاتية. من هنا تكتسب المبادرة الليبية بإنشاء مركز دراسات جهاد الليبيين للدراسات التاريخية لتجميع التراث الشفوي أهمية كبيرة؛ فهي محاولة رائدة في كل منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. إن تقرير القناصل هي لا شك متحيزة، وإذا لم يكن هناك وعي بذلك فمن السهولة الوقوع ضحية لها. فأندرسون اعتمدت على تقارير القناصل الانكليز والإيطاليين في تحليل الحركة السنوسية سنة 1902، و ذكرت أن السيد أحمد الشريف، قائد المقاومة في ذلك الوقت، تسلّم معونات عسكرية واقتصادية من الانكليز والإيطاليين خلال حربه ضد التوسع الفرنسي في تشاد (ص 76) من غير أن تعلّق على هذا الخبر بالقول أن أحمد الشريف لم يرَ أية مشكلة في ذلك لأنه في حالة حرب، وأنه يتعاون مع أعداء أعدائه خاصة و هو في أمسّ الحاجة إلى سلاح. في الواقع، توضح أوراق السيد أحمد الشريف التي نُشرت من قبل جامعة الكويت أنه كان على درجة عالية من الوعي الكامل بالسياسة الدولية ومصالح الإيطاليين والانكليز في مساعدته(20).

ثالثاً: استخدمت الباحثة مفاهيم تحليلية متعارضة بشكل يدعو إلى الحيرة في العلاقة بينها. فهي تركز أحياناً على دور النخبة – الجماهير، والطبقات، والزعيم – الرديف من غير توضيح لحقيقة تعارضها وانتمائها إلى مناهج نظرية مختلفة. فمنهج النخبة – الجماهير ينتمي إلى مدرسة التحديث، والطبقات إلى المنهجية الماركسية، والزعيم – الرديف إلى التحليل الوظيفي الأنثروبولوجي. فمفهوم الزعيم والرديف يُفترض أن يعكس علاقة الاعتماد المتبادل والمصلحة المشتركة بين ملاّك الأراضي أو الزعماء السياسيين وتابعيهم من خلال عطايا مادية وبيروقراطية مقابل التأييد السياسي. وهذا المفهوم نفسه تعرّض للنقد من قبل العديد من الباحثين لأنه يعكس الأيديولوجيا الرسمية ويغلف علاقات الاستغلال والنفوذ(21).

إنه مرتبط بهذا المفهوم الشائع الذي أخذت به أندرسون وهو تقبّل النموذج الاستعماري الفرنسي للمجتمع في المغرب العربي دون أي نقد. فالنموذج الفرنسي يصور المجتمع وكأنه نتاج عملية الصراع بين الدولة المخزنية أو بلاد المخزن والقبائل المتمردة أو البلاد السائبة(22). بيد أن هذا النموذج بلاد المخزن – البلاد السائبة ليس مفهوماً جامداً فحسب، بل غير قادر على تفسير التركيبات الاجتماعية المتداخلة سواء في الحضر أو في الدواخل. وفي النهاية، استخدمت هذه التصورات كنوع من التبرير لضرب القبائل المتمردة على الدولة كما كان حال السياسة الفرنسية الاستعمارية في المغرب. ولو نظرنا إلى بنية الاقتصاد السياسي في ليبيا في القرن التاسع عشر، لوجدنا إقليم برقة مرتبطاً اقتصادياً بغرب مصر وبلاد السودان، وإقليم فزّان في تشاد والنيجر التي عرفت ببلاد السودان خاصة تحت ظل دولة أولاد محمد حتى سنة 1812. إن هذه التعددية الإقليمية تناقض بلا شك نموذج بلاد المخزن – البلاد السائبة(23).

رابعاً: في ما يتعلق بجدل أندرسون حول الاستمرارية والانقطاع في بناء الدولة، فإنه غير مقنع تجاهلها لدور المجتمع المدني وأنماط الإنتاج السائدة في تونس وليبيا طيلة قرن ونصف، وهي الفترة التي تغطّيها في دراستها. معلوم أن الاستمرار التاريخي للدولة التونسية في الفترة الاستعمارية و"تحطيم" دولة ما قبل الاستعمار في ليبيا، مهم لتفسير الاختلافات السياسية في الدولتين بعد انتهاء مرحلة الاستعمار. أياً كان هذا الجدل الذي يبدو مقنعاً للوهلة الأولى، فإنه سيظهر مهلهلاً لو وسّعنا مجال المقارنة بين تونس وليبيا لتشمل حالات أخرى في المغرب العربي وأفريقيا.

فالمقارنة التاريخية بين حالتين فحسب لا تكفي للوصول إلى خلاصة نهائية أو نتائج يمكن تطبيقها على حالات أخرى ما لم تُدرس الحالات الأخرى(24). ولتوضيح ذلك عنا نأخذ الحالة الجزائرية. فالفرنسيون في الجزائر فعلوا ما فعله الإيطاليون في ليبيا حيث "حطّموا" دولة ما قبل الاستعمار، فضربوا النخبة المحلية الحاكمة ولم يُشركوها في الحكم والإدارة أو في المجالس المحلية، وحرموها من التعليم أيضاً. ولكن رغم تشابه الحالتين، فقد اختفت العلاقات الريعية والقبلية التي سادت قبل الاستعمار، وظهرت طبقات جديدة عمالية وفلاحية مثلها مثل تونس على أنقاض العلاقات السابقة(25). وقد أبقى الفرنسيون، في المغرب، على الدولة المحلية كما فعلوا في تونس، ومع هذا فليس كل أجزاء المغرب اندمجت في العلاقات الرأسمالية كما في تونس(26). ويمكن أن نأخذ مثالاً آخر من غرب أفريقيا، فقد مرّت غانا بمثل التجربة التونسية، وكان فيها عند الاستقلال اقتصاد زراعي وتجاري رأسمالي وطبقة برجوازية مثقفة، ولكن ذلك لم يمنع من قيام حركة جذرية بقيادة نكروما سنة 1957. فالباحثة لم تستطع رؤية هذه النماذج لأنها رغم رؤيتها النقدية لا زالت أسيرة المدرسة التحديثية. فإصرارها على دور البيروقراطية والحقائق الوضعية من غير ربط هذه الحقائق مع التغيرات الكيفية في المجتمع. لهذا، وحتى تستطيع تجاوز إشكالية هذا المنهج، وحتى تعطي إجابات وتفسيرات أكثر إقناعاً، فنحن نقترح استخدام منهجية الاقتصاد السياسي. فالفهم الاقتصادي مثلاً لمرحلة ما قبل الاستعمار من خلال علاقة الدولة بالطبقات الحضرية والتشكيلات القبلية، وعدم وضوح التشكيل القبلي يجب ألا ينسينا أن هذه القبائل مرتبطة اقتصادياً من خلال التجارة ودفع الضرائب للدولة وفي بعض الأحيان بفرض ريع على الفلاحين والقبائل الصغيرة. هنا تكمن أهمية فهم دور الملكية الفردية لتوضيح العلاقات الاجتماعية. هذا الدور تجاهلته الباحثة وركزت على دور الدولة، وتجاهلت أيضاً الاقتصادات الإقليمية كالساحل والشمال والجنوب التونسي، وإقليم طرابلس وفزّان وبرقة واختلافهما في الأسواق وظهور المدن، ومن حيث مستوى الفائض الزراعي الرعوي.

خامساً: إن اختلاف السياسات الاستعمارية الفرنسية والإيطالية لا يرتبط بمسألة الإلمام بالأوضاع الداخلية في كل من تونس وليبيا أو عدمه. ولكن الاختلاف يرجع إلى طبيعة التطور الرأسمالي في البلدين؛ فالاستعمار الفرنسي في تونس كان استعماراً رأسمالياً متطوراً مكّنه من الاستثمار في مستعمراته من خلال فتح أسواق جديدة والحصول على المواد الأولية باستخدام عمالة رخيصة. أما الاستعمار الإيطالي، فهو استعمار مختلف عن الاستعمار الفرنسي، فإيطاليا لم تكن دولة رأسمالية، بل كانت المشكلة الأساسية التي توجه الدولة الإيطالية في نهاية القرن الماضي هي الانفجار السكاني ومحاولة البحث عن مستعمرات لتوطين الزارعين الإيطاليين في الجنوب لتخفيف حدة الصراع الاجتماعي(27).

ثالثاً: البحث عن بديل - اكتشاف المجتمع المدني

درست في أطروحتي للدكتوراه(28) جزءاً من الفترة نفسها التي غطتها أندرسون ولكن باستخدام مناهج ومصادر مختلفة، مما أدى إلى نتائج مختلفة أيضاً. انصبّ تركيزي المنهجي على فهم الاقتصاد السياسي لولاية طرابلس الغرب حتى سنة 1911 لفهم كيف كان رد فعل القبائل والفلاحين والأعيان على الغزو الإيطالي. فبدلاً من تحليل دور الدولة كأساس لفهم التحولات التاريخية، استُخدم في الأطروحة رد فعل الفلاحين والقبائل تجاه الدولة المركزية، بمعنى آخر، رؤية رد فعل المجتمع المدني على الضغوط الداخلية والخارجية. وكانت هناك محاولة لفهم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي ربطت هذه الفئات الاجتماعية بغرب مصر وشرق تونس وبلاد السودان. ومن مزايا هذا المنهج بالنسبة إلى التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، القدرة على رؤية المجتمع المدني نفسه وطريقة تفاعله مع الدولة والقوى الخارجية، وتوضيح مدى ارتباط منطقة المغرب العربي ببعضها على عكس تحليلات مدرسة التحديث والمؤرخين المحليين الذين يحاولون فرض قوميات محلية وكأنها وجدت قبل الفترة الاستعمارية.

وركزت الأطروحة كذلك على تقديم فهم جديد للقبلية ليس كنظام اجتماعي مطلق، ولكن كجزء مرتبط بدولة ريعية وتجارة دولية قبيل المرحلة الاستعمارية. فالتنظيم القبلي ليس خالياً من الفوارق الاجتماعية، فبعضها مثّل ارستقراطية قبلية، وبعضها تابع، والبعض رقيق. وبعض شيوخ القبائل كانوا معفيين من الضرائب مثل بعض السعاوى في برقة وعشيرة نوير من المحاميد في الجبل الغربي. إن هذه التعددية في التنظيمات الاجتماعية للقبائل والفلاحين ضرورية لفهم تعدد ردود الفعل تجاه الغزو الاستعماري في ما بعد سنة 1911. فالدولة العثمانية نجحت، مثلاً، في خلق نوع من التعاون مع الأعيان في المنطقة الغربية في ليبيا وضربت الحركات الانفصالية كحركة غومة المحمودي وعبد الجليل سيف النصر. نجح هذا التعاون مع الأعيان من خلال ربطهم بأجهزة الدولة كجامعي ضرائب، وملاّكي أراضٍ، وقضاة، ومعلمين، وضباط في الجيش حتى سنة 1911. ولكن برقة حافظت على استقلاليتها خلال تلك الفترة. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر ظهرت الحركة السنوسية التي عبّرت عن مصالح المجتمع للقبائل والأعيان والفلاحين. و قد ارتبطت برقة من الناحية الاقتصادية بغرب مصر كسوق تجاري لها، و كذلك تشاد في نهاية القرن التاسع عشر. أما فزّان، الإقليم الجنوبي، فقد ظلت معقلاً للقبائل والفلاحين الذين حافظوا على استقلالهم عن  الدولة المركزية. لهذا، فتفسير عمليات المقاومة والتعاون مع الدولة الاستعمارية بسبب المصالح الشخصية للأعيان وشيوخ القبائل والعون العثماني، يبدو تفسيراً سطحياً وغير مقنع. فالانشقاق والخلافات بين الأعيان في منطقة طرابلس والجبل هو نتيجة التغلغل الرأسمالي للدولة العثمانية والشركات الإيطالية والانكليزية. فالأعيان وشيوخ القبائل كانوا في صراع مع حلفائهم حول الموارد المالية والامتيازات، أما قبائل الداخل التي ظلت بعيدة عن هذه التحولات فقد قاومت الاستعمار بضراوة. ولكن في النهاية لا بد من النظر إلى التحولات الاقتصادية قبيل الاستعمار لفهم رد فعل الفئات الاجتماعية على هذا الغزو وتجاوز النظرة الاطلاقية التي تركز على قوة شخصية الأعيان أو القادة المحليين. إن الانشقاقات والحرب الأهلية بين الأعيان لم تكن سوى انعكاسات للتغيرات غير المتكافئة بين طبقة الأعيان التي ارتبطت برأسمال إيطالي وانكليزي وأخرى مرتبطة بالدولة العثمانية وبقية الدواخل التي لم تمسها العلاقات الرأسمالية.

أما برقة، فخلافاً للمنطقة الغربية التي سقطت في سنة 1922 أمام الإيطاليين، فقد قاومت حتى سنة 1932 تحت قيادة حركة اجتماعية دينية معبّرة عن مصالح القبائل والفلاحين، وأسست دولة محلية على أساس النموذج الإسلامي الإصلاحي الإسلام السنوسي. وهذه الحركة تحتاج إلى إعادة تفسير جديد لا يعتمد فقط على شخصية محمد بن علي السنوسي التي كانت بلا شك شخصية فذة، بل التركيز على قدرة المجتمع المدني نفسه على تكوين حركة محلية متماسكة عبّرت عن مصالح غالبية السكان وأوجدت مصادر ومؤسسات مستقلة ساعدت على استمرار المقاومة مدة عشرين عاماً وحتى شنق عمر المختار سنة 1931. في إقليم فزّان أيضاً أدى تحالف القبائل أو ما عُرف بالصنوف إلى استمرار المقاومة حتى سنة 1930. فماذا إذا وُجدت فئات قاومت الاستعمار وأخرى تعاونت معه، وأخرى تعاونت وقاومت في فترات مختلفة؟

إن منهج نمط الإنتاج إذا أُخذ به بشكل مرن وبحسية للخلفية الأيديولوجية والثقافية، لهو قادر على ربط التحولات الاجتماعية بالرؤيا الأيديولوجية، وسيؤدي إلى فهم دينامية التحول التاريخي ليس من منطلق مركزي أوروبي ولكن من خلال فهم الخطابات المحلية الإسلامية وتعدّدها في إبراز رؤى الفئات الشعبية ومصالحها. إن ربط علاقات الإنتاج بالأيديولوجيا من ناحية، والأخذ في الاعتبار العوامل الداخلية وربطها بالعوامل الخارجية يعطيان القدرة على تفسير لماذا لا يؤدي التغلغل الرأسمالي في بعض الحالات بالضرورة إلى تحطيم العلاقات ما قبل الرأسمالية. كل ذلك بسبب خصوصية التجربة الاستعمارية وقدرة المجتمع المحلي على مقاومة التغلغل الرأسمالي. فالمجتمع المحلي في المغرب العربي واجه حكومات استعمارية متعددة السياسات وقوى محلية مختلفة أيضاً. وهذه القوى المحلية لم تكن دائماً محدودة بردود فعل، ولكنها في الكثير من الحالات كانت قادرة على الإبداع في خلق الحركات الاجتماعية وتكوين الدولة وأيديولوجيا المقاومة. إن تشبّع الفئات الشعبية بتقاليد إسلامية صوفية، إصلاحية، ومحافظة قادرة على تطوير وسائلها الخاصة. و قد مثّلت هذه التقاليد والوسائل دوراً هاماً في التعبير عن مصالح هذه الفئات.

وفي الختام، لا بد من القول إننا في الوطن العربي في أمسّ الحاجة إلى اكتشاف المجتمع المدني العربي. ونقصد بالمجتمع المدني العربي هنا التنظيمات الأهلية غير الحكومية الخاصة التي ظهرت بشكل عفوي من صلب المجتمع للموازنة بين العائلة والدولة، وهي تشمل العديد من التنظيمات الاجتماعية: مثل نقابات العمال غير الحكومية، والجماعات والروابط المهنية، والمسجد، والكنيسة، والأحزاب السياسية، والأندية، والمدارس، والجماعات الصوفية... إلخ. فاكتشاف هذا المجتمع سيؤدي إلى فتح آفاق جديدة. لقد آن الأوان لفهم ديناميات هذا المجتمع وتعدديته والخروج من دائرة التركيز على الدولة فقط، فالدولة في النهاية هي نتاج المجتمع المدني خاصة في المرحلة المعاصرة. إن الباحثين العرب مطالبون ليس بالبحث فقط عن كون الدولة القطرية قد خُلقت قبل الاستعمار، ولكن ببحث كيف خُلقت وكيف نفسر دولة ما بعد الاستعمار. إن اكتشاف المجتمع المدني نقطة البداية لفهم المجتمع العربي المعاصر، وهو أساس بناء بدائل ديمقراطية ووحدوية في المستقبل.


راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع