مختارات من كتاب 21/7/2015 22:21 مختارات من كتاب "ليبيا التي لا نعرفها" للدكتور علي عبد اللطيف احميده (6)
د. علي عبد اللطيف أحميده بحث

(6) دولة  ما بعد الاستعمار والتحولات الاجتماعية في ليبيا

راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]


تحاول هذه الدراسة تفحّص  موضوع  الدّولة والتحوّلات  الاجتماعية  عقب  استقلال ليبيا سنة 1951، من خلال  تقييم بنية نظام الملكية السنوسية والنظام الذي أعقب الثورة العسكريّة عام 1969 وخصائصهما، دون الوقوع في فخَّ الأساطير التي نسجتها التقارير والتعليقات التي أعقبت الثورة الليبيّة عام 2011. وتوضح الدراسة أنّ الانظمة والأيديولوجيات التي  تعاقبت على الحكم في ليبيا كانت متحوّلة ومتغيرة بحسب تبدّل الظروف المحلية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافية من جهة، وتغير الوضع  الاقليمي من جهة أخرى ويتوصل الكاتب إلى أنّ انهيار نظام" الجماهيرية" كان سببه الأساس معاداة المأسسة، وتسلّط الأجهزة الأمنية  على البناء المؤسسيّ، وهما العاملان اللذان تسببا  في اغتراب الطبقتين الوسطى والدنيا، إضافة  إلى انشقاق عديد  من الاصلاحيين وضباط الجيش والدبلوماسيين الذين غدا بعضهم قادة الانتفاضة  الديمقراطية الآن.

إنّ هدفي من هذه الورقة، هو تفحصّ موضوع  الدّولة والتحوّلات الاجتماعية عقب استقلال ليبيا سنة 1951، وذلك من خلال التّركيز على النّظامين السّياسييْن الّليبيين، وهما: الملكية السنوسية (1951-1969) والثورة العسكرية بعد 1969 وحتى الوقت الحاضر. وستتناول هذه الورقة النظام السياسي الأول من خلال طرح القضايا التّالية: لماذا كانت ليبيا أوّل  دولة في المغرب تنال استقلالها من الحكم الاستعماري في 24 كانون الأول / ديسمبر 1951، وذلك قبل  المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا؟ ولماذا أصبحت مملكة اتحادية ثم دولة موحّدة  في 1963؟ وكيف يمكن تقييم  قاعدتها الاجتماعية،وسياستها وبرنامج التحديث السياسي فيها؟ وأخيراً، لماذا انهارت  الملكية في 1أيلول / سبتمبر 1969، بعد ثماني عشرة  سنة فقط من إقامتها؟

أما النظام الثاني، فسيقع  النظر فيه من خلال طرح  الأسئلة التالية: كيف  نظر المجتمع في ليبيا المستقلّة إلى حقبتي الاستعمار وما بعد الاستعمار؟ وما هي السّيرورات الاجتماعية والتاريخية التي ولدت الدّولة "الجماهيرية"؟ وأخيراً لماذا  آلت هذه التجربة السياسية إلى إقامة دولةٍ  متوطّنةٍ Indigenous إلى وهم، وتحولت - مع منتصف  ثمانينيات  القرن الماضي - إلى ديكتاتورية؟

ينصب بحثي على السياقين الاجتماعي والوطني للتاريخ الليبي وللعمليات السياسية. ولقد  ارتكزت في هذا البحث على ما تراكم  لديّ من جهد تنظيري ودراسات مقارنةٍ ووثائق، وتاريخ شفوي خلال  العقدين الأخيرين.

يقوم  طرحي للمسألة على فكرة أن الملكية السّنوسية كان يسيطر عليها نخبة من شيوخ القبائل والأعيان الحضريّين ذوي  الذهنية  الأبوية وهذه النخبة  هي التي  صاغت الدّستور، وسيطرت  على الدولة واستغل أفرادها  مواقعهم في إدارة الدّولة، بحثاً عن الثراء  لأنفسهم ولإفادة أتباعهم  وجهاتهم خصوصاً بعد اكتشاف  النفط سنة 1959. ابتدأت  الملكية ببرنامج  تحديثي لأنظمة التعليم  والصحة والضمان الاجتماعي، غير أنها لم تسمح بقيام  معارضةٍ منظمة علنية  لدى  الجيل  الاصغر  من الليبيين  الذين  تعلموا  في  مدارسها. وقد شعر موظفو الدولة  والعمال  والطلبة وضباط الجيش, الذين تحدوهم الآمال الكبيرة والمنقادون بتصور عن ليبيا يجعلها مجتمعا وطنيا, بالإغتراب عن المَلكية الفاسدة الموالية للغرب , وتزايد ذلك الشعور لديهم.

ويقوم  هذا  الطرح ثانياً على فكرة أن الدولة الليبية في بدايتها المبكرة  لم تكن  انحرافاً، وإنما  كانت  متجذرة  في التاريخ والثقافة الليبيين. فالجماهيرية على الرغم  من أنها "دولة تسلطية" Authoritarian شعبوية Populist ريعيةٌ Rentier إلا انها كانت تقدم حلولاً لأبرز المشاكل  السياسية  البنيوية في ليبيا الحديثة،  والمتمثلة  في الموروث الأليم  للدولة الاستعمارية (1911- 1943)، وضعف الدولة الاتحادية خلال فترة  الملكية  السنوسية (1951-1969)،  والهويات الجهوية المترسخة، وثقافة اللادولة Statelesness لقد قدم صغار الضباط العسكريين القوميين- الذين أطاحوا بالملكية  السنوسية سنة 1969 - بقيادة القذافي عدة إصلاحات اجتماعية  ومؤسساتية مبتكرة، كاللجان والمؤتمرات الشعبية. وقد زادت هذه الاصلاحات من الدعم الاجتماعي للنظام؛ ذاك الذي عزز من مستوى معيشة العديد من الطبقات  الاجتماعية  الوسطى  والدنيا  في ليبيا، خصوصا في الريف الليبي  في  ما بين 1969 و1975. وأياً كان الامر، فقد أدت الانشقاقات والانقلابات المضادة والتشاحن الداخلي ضد النظام إلى التطهير، وإلى إعدام 70 بعد اتهامهم  بالتخطيط  لانقلاب في سنة 1975، وهؤلاء  يمثلون نصف  التنظيم  الثوري الأصلي  الذي  قاد الثورة ضد الملكية.

وإثر ذلك، انبثق نظام بقيادة جناح العقيد القذافي وقد تكون من أعضاء مجلس قيادة الثورة: جلود ويونس  والخروبي  والحميدي  إضافة  إلى القذافي. وأصبح  النظام الجديد  عديم الرحمة في تركيز سلطته وأستخدم مركزيةً مفرطة، بتعزيز الأجهزة  الامنية  والمخابراتية على حساب المؤسسات الرسمية وحكم القانون, مدمراً بذلك الإصلاحات السابقة وقاد هذا الى ضمور التجربة المرتكزة على الشعبوية السّياسية المتوطنةIndigenous وإلى نهوض المعارضة الإسلامية، وقد تضافر مناخ العداء الدولي والاقتصاد المتأثر بانخفاض عائدات النفط في تشكيل  أزمة النظام وهو الأمر الذي أدى إلى ضعف المؤسسات العامة وتشوهها, مثل المحاكم والجامعات والاتحادات النقابية والمستشفيات  والمصارف.

وقد قامت السياسة الليبية  الجديدة التي  ابتغت التصالح مع المجتمع الدولي - والتي أدت  إلى رفع العقوبات - على الصراع بين الحرس القديم (كاللجان الثورية، والأجهزة الأمنية) والأجنحة  الإصلاحية داخل النخبة  الحاكمة، وكذلك  داخل  المجتمع  المدني الليبي بوجه عام.

 الملكية السنوسية  الليبية (1951- 1969)

إن هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية واحتلال الجيوش البريطانية والفرنسية ليبيا، بمعونة القوات الليبية في المنفى في مصر سنة 1943, قد خلق  نتائج غير مقصودة تتعلق بمستقبل  ليبيا، وهو ما حدث كذلك بفعل  إعادة  توطين الايطاليين وغيرهم من الجنسيات  الاستعمارية  الأخرى، وزيادة على ذلك، لم يتمكن الاربعة   المنتصرون - الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد السوفياتي، وفرنسا  وبريطانيا - من الاتفاق سنة 1945 بشأن  مصير ليبيا السياسي. وهو ما نقل القضية  الليبية الى هيئة الامم المتحدة سنة 1949، وأصبح  استقلال البلاد جذاباً بالنسبة إلى القوى الغربية، خصوصا بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية  ولاعتبارات  إستراتيجية  تتعلق بالحرب الباردة  قاد استقلال ليبيا الى نشوء تحالف بريطانيا راعي الدولة  الجديدة والقيادة السنوسية في المنطقة الشرقية من ليبيا  بزعامة  السيد إدريس السنوسي، وقد جاء هذا التحالف على حساب القيادات  الحضرية في إقليم طرابلس؛ تلك القيادات التي دافعت عن  نظام موَحّدٍ في الجامعة  العربية  في مصر.

• الحرب الباردة  وهيئة الامم المتحدة والقضية الليبية

إثر هزيمة ايطاليا في الحرب العالمية  الثانية, ظل مصير ليبيا غير محسوم فقد نوقشت  مقترحات بشأن وضع فزان تحت الوصاية الفرنسية، ووضع  بقية البلاد تحت الوصاية  البريطانية، غير أن الاتحاد السوفياتي والكتل  العربية والآسيوية، عارضت هذا المقترح، وتوصلت  الجمعية  العامّة  للأمم  المتحدة  الى قرار يجعل ليبيا  دولة مستقلة  في 21 تشرين / نوفمبر 1949 (القرار رقم 289). وعينت  الدكتور  ادريان بلت - مساعد الأمين  العام للأمم المتحدة - مفوضاً في ليبيا , ليقدم  مشورته  لليبيين  بشأن اعداد  مسودة  دستور وبناء  هيكل سياسيَّ. وصل  بلت الى ليبيا  في 18 كانون  الثاني / يناير 1950، وزار  الأقاليم الثلاثة، وهي طرابلس  وبرقة وفزان. وبعد  مناقشات ومشاورات  مطولة  مع الزعماء الليبيين  والجماعات  واللجان  المنظمة  المختلفة، قرر التخلي  عن الدعوة  الى انتخاب  أعضاء  الجمعية الوطنية. وبدلا  من ذلك طلب من زعماء  كل اقليم  من الاقاليم الثلاثة  اختيار عشرين  مندوباً , لتكوين جمعية  الستين التي ستكون  مهمتها  وضع دستور  جديد للبلاد. وبناءً على ذلك ، وقع تعيين  ممثّلي  برقة من جانب الأمير إدريس  السنوسي، وممثلي فزان من  جانب  احمد سيف النصر، وممثلي طرابلس من جانب مفتي  طرابلس الشيخ  محمد أبو الإسعاد العالم. كما  سُمح  للأقليات  الايطالية  واليهودية  والمالطية واليونانية، بأن يكون لها  ممثلوها.

شرعت الجمعية، في تشرين الثاني /نوفمبر 1950 في مناقشات معمَّقةٍ  بشأن الدّستور الذي فرغت منه في تشرين الأول / اكتوبر 1951. واستمرت الجمعية في إعمالها، حتى إعلان الاستقلال في 24 كانون الأول / ديسمبر 1951. وقد جرى تقرير طبيعة الاستقلال الليبي من جهة بريطانيا وأميركا، وفق اعتبارات إستراتيجية الحرب الباردة، والرغبة في خلق ملكية  محافظة وموالية  للغرب؛ وذلك لمواجهة  نهوض القومية  العربية الجذرية  في الشرق الأوسط وأفريقيا.

وقد حافظت الجماعات الليبية في المنفى، في كل  من مصر وسورية  وتونس وتشاد على قضية استقلال ليبيا حيةً، كانت من بين هذه الجماعات الكبرى في سورية وتونس، لجنة  دفاع طرابلس – برقة بقيادة الزعيم  الطرابلسي  بشير السعداوي  الذي  برز  كقائد  لحزب المؤتمر الوطني في طرابلس في 7 تموز / يوليو 1949. وانتبه الزعيم السنوسي المنفي البراغماتي الأمير السنوسي، إلى  ضرورة انتهاج الدبلوماسية، عقب الهزيمة العسكرية التي منيت بها المقاومة. ودخل في مفاوضات مع البريطانيين في مصر، حيث  كان يعيش منفياً  لمدة ثلاثين سنة. وكانت بريطانيا من جانبها، تتطلع إلى حماية وجودها في مصر، فرحبت بمساعدة  إدريس  وبتجهيز  القوات الليبية  في حربها  ضد القوات  الألمانية  والايطالية  في شرق  ليبيا وغربها، ومقابل ذلك وعدت الحكومة البريطانية  الأمير إدريس بعدم سماحها  بعودة  سيرانايكا ( برقة) الى الحكم  الايطالي  بعد نهاية  الحرب  العالمية الثانية.

خربت الحرب شرق ليبيا بأكثر من ألف غارةٍ، خصوصاً في مدينتي طبرق وبنغازي،  وأجبرت 30 ألف مستوطن  إيطالي على المغادرة الى طرابلس. وجنوباً  انضمت القبائل الليبية المنفية في تشاد بقيادة  أحمد سيف النصر (شيخ  صف قبائل أولاد سليمان) إلى القوات الفرنسية، في زحفها  نحو إقليم فزان. وعيّنه الفرنسيون مساعداً لحاكم الإقليم سنة 1945 (1).

جلبت بريطانيا الاستقلال لليبيا سنة 1951، وذلك بالتحالف مع الأمير السنوسي، وبعض الزعماء الطرابلسيين وبعض المنفيين في مصر، وكانت بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية  متفقتين  على عدم السماح للاتحاد السوفياتي  بأن  يكون له  نفوذ في ليبيا. وقد نظرتا الى ليبيا  المستقلة  كمشروع ملائم لمصلحتهما في المرحلة  المبكرة من الحرب الباردة. نظرت  السّياسة  الأنغلو- اميركية إلى ليبيا كدولة  موالية، يمكن  لها أن تؤدي وظيفة إستراتيجية  تتعلق بالقواعد العسكرية. وكانت  بريطانيا  تهدف  الى استخدام ليبيا كرصيد اساسي لضمان أمنها في الشرق الأوسط، وصد موجات القومية العربية.  من خلال دعم  السنوسية  في شرق  ليبيا  على حساب  الحراك القومي الحضري في اقليم طرابلس. وقد وافق الزعيم  السنوسي المنفي - الأمير محمد إدريس, حفيد مؤسس الحركة السنوسية - على رعاية المصالح البريطانية، مقابل استقلال  سياسي.  وإجمالا  أدت المصالح  الاميركية  والبريطانية  في بداية  الحرب الباردة، وخوف ليبيا من الوقوع  مجدداً تحت الحكم الاستعماري, إلى عقد تحالفات، والقيام  بمساومات قادت  إلى استقلال ليبيا سنة 1951 (2)  لكن السؤال الملح هو: لماذا أصبحت  البلاد مَلكّية  سنوسّيةً  اتحادية؟

في سنة 1951، كان سكان ليبيا مليون ومائة ألف نسمة منهم 750 نسمة  في طرابلس و300 ألف في برقة و60 ألف في فزان. وقد لاحظ الدكتور  بلت  حين وصل  إلى ليبيا في كانون الثاني /يناير 1950، أنه إذا ما وافق  غالبية  الليبيين على موضوع  الاستقلال, فإن خلافات سياسية كانت موجودة  بين اقاليم البلاد بخصوص  كيفية  تنظيم  هذا  الاستقلال. كان إقليما برقة وفزان  متخوفين من سيطرة إقليم طرابلس – الذي  يمثل  ثلثي عدد سكان البلاد - على النظام الموحد. وفي إقليم  برقة كانت غالبية  السكان – باستثناء أنصار  جمعية  عمر المختار في المدن الحضرية – تؤيد  النظام الاتحادي، واختيار الأمير إدريس ملكاً  للبلاد وقد دعم وفد فزان  الإقليم الشرقي، ولعل السبب الرئيس في ذلك ، هو  أن أحمد سيف النصر كان  من أتباع الحركة السنوسية. كان  النظام الفيدرالي تسوية لضمان انضواءِ إقليمي برقة وفزان تحت  النظام الجديد. أما المشكلة الأخرى فكانت  تتمثل في مسألة اختيار المدينة  التي ستكون عاصمة. وقد أراد وفدا إقليمي طرابلس  وفزان  أن تكون  طرابلس؛  في حين  أصر  وفد إقليم  برقة على أن تكون بنغازي. وانهى  الأمير إدريس الخلاف بأن  اقترح  أن تكون طرابلس وبنغازي  عاصمتين توأمين وأن تتناوب الحكومة سنوياً على العاصمتين(3) وفي 7 تشرين الأول/ أكتوبر 1951، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على الدستور، غير انه ينبغي  التذكير  بأنه كانت  هناك أصوات – داخل ليبيا  وخارجها-  تنتقد الدستور الجديد في الصحافة العربية. وقد أبرز المنتقدون  أن الجمعية  العامة  لم  تكن منتخبة  بل عين  أعضاؤها تعييناً، وأن الدستور يفتقر إلى المشروعية؛ لأنه  لم يجر بشأنه استفتاء عام (4).

في 27  كانون الأول / ديسمبر 1951 تُوج الأمير ادريس السنوسي - تحت أسم الملك  إدريس الأول - ملكا  للمملكة الليبية  المتحدة؛ بوصفها مملكة دستورية اتحادية  ذات عاصمتين وثلاث حكومات لأقاليمها الثلاثة: طرابلس وفزان وبرقة. وقد سيطرت عائلات الطبقة العليا  الحضرية  وشيوخ القبائل - وغالبيتهم من برقة، قاعدة الملك إدريس  والحركة السنوسية - على الحكومة. كانت الدولة  الجديدة  تشكو فقراً شديداً؛ إذ يبلغ  معدل دخل  الفرد فيها 35 دولار سنوياً, وهى  في حاجة  ماسة  إلى دخل  لميزانيتها. ولم يكن يوجد  أيامها سوى  ستة عشر شخصاً  متخرجاً في الجامعة، ولم يكن هناك مدارس  ثانوية، وكانت نسبة  الأمية 90% ولم يكن  يوجد في فزان سوى ثلاثة أطباء فرنسيين وثمانية  عشر طبيباً في برقة وثمانين في طرابلس, يقدمون خدماتهم أساساً لـ 40 ألف مستوطناً إيطالياً في إقليم طرابلس.

وفي سنة 1954، أجرًت  المملكة الليبية - بسبب  حاجتها إلى مزيد من الدخل - قاعدة  عسكرية  لبريطانيا  والولايات المتحدة  الأميركية، وتلقت في مقابل ذلك معونات اقتصادية. وفي 29 تموز/ يوليو 1953، وقعت المملكة الليبية المتحدة معاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا العظمى مدتها عشرون سنة. وهو الأمر الذي مكن بريطانيا من امتلاك  قاعدة عسكرية في العدم قرب طبرق، مقابل معونة اقتصادية وتدريب ومساعدة  عسكريين. ثم تبعت هذه الاتفاقية اتفاقية أخرى، أبرمت مع الولايات المتحدة الأميركية, منحت بمقتضاها الحكومة الأميركية حق إنشاء قاعدة ويلس wheelus الجوية قرب طرابلس (وهى أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة)، مقابل معونة اقتصاديةٍ.وقد جرى توقيع هذه الاتفاقية في 9 أيلول/ سبتمبر 1954(5).

كانت الدولة الليبية الجديدة واحدة من الدول الأشد فقراً في العالم؛ وكانت محتاجة إلى المعونة الخارجية، وإلى حليف يضمن أمنها وبقاءها في خضم  المدّ الناهض للحركة القومية  الإيرانية والعربية الجذرية المعادية للاستعمار، لاسيما عقب الثورة المصرية سنة 1952، وحرب السويس سنة 1956، وحرب التحرير الجزائرية، والثورة العراقية سنة 1958. وأكثر من كل ذلك، بدعم الرأي العام  العربي للقضية الفلسطينية. وقد تأثر الناشطون من جيل معمر القذافي بهذه الموجة من القومية العربية المعادية للاستعمار، وخرجوا إلى الشوارع في الستينيات من القرن العشرين؛  منتقدين الملكية  والنخبة القديمة، لخيانتهما النضال الوطني الليبي الطويل من أجل الاستقلال بسماحهما  للغرب بإقامة هذه القواعد العسكرية (6).

ثم اكتشف النفط في ليبيا سنة 1959، وتغيرت - تبعاً لذلك- البنية الاقتصادية والاجتماعية وحين بدأ تصدير النفط سنة 1961؛ انتقل دخله بالدولة  من كونها واحدة من أشد  الدول فقراً في العالم، إلى  واحدة  من أغنى  الدول في افريقيا. لقد  قفز معدل  دخل  الفرد من 35دولار سنة1951 إلى 2000 دولار سنة 1967. وأصبحت ليبيا رابع أكبر دولة  مصدرة  للنفط في العالم. كان هذا التغير  الجذري في الاقتصاد الليبي نتيجة القانون الليبي المبتكر الخاص  بالنفط, ذاك الذي منح حوافز ومكافآت للشركات النفطية المستقلة،إضافة  إلى الموقع الجغرافي القريب من اوروبا، والنوعية  الجيدة  للنفط؛ وهما ما مكنا ليبيا من أن تصبح في طليعة الدول المصدرة للنفط. وتبعاً  لذلك، فقد اصبحت ليبيا  مهمة  بالنسبة الى الولايات المتحدة، لاسيما بسبب الاستثمارات النفطية، الى جانب وظيفتها الاستراتيجية  بحكم كونها مقراً  لقاعدة عسكرية  جوية وحليفاً محافظاً(7).

• اكتشاف النفط وتعديل  الدستور سنة1963

يتمثل  العامل الأساسي الذي ساعد على إحداث التعديل  الدستوري، في اكتشاف النفط وإداراته كقطاع بعد سنة 1960. وبحلول سنة 1963، أدركت النخبة - بما فيها نخبة الاقليمين الشماليين- مدى الحاجة إلى نظام موحد، للتغلب على المشاكل العديدة المرتبطة بالنظام الاتحادي، ومنها نقص التخطيط  المركزي، وصنع القرار، والجدارة. وهكذا صوّت البرلمان الليبي في سنة1963، لصالح إقامة نظام موحد يحل محل النظام الاتحادي، وقد منح  الدستور الجديد المرأة  الليبية حق التصويت. وبعد اكتشاف النفط وتصديره سنة1961؛ شرعت الحكومة في القيام ببرامج تحديث في قطاعات التعليم والصحة والمواصلات والإسكان. وقدم إنشاء جامعة ليبية لها مقرّان في بنغازي وطرابلس فرصا ً جديدة في التعليم.وقد قادت السياسات التعليمية الجديدة في أواخر الستينات، إلى ظهور طبقة وسطى جديدة تعيش على مرتباتها، وحركة طلابية، وطبقة عمالية، ومثقفين حداثيين. وعلى سبيل المثال، تزايد عدد الطلاب من 33 ألف سنة 1952 إلى 300 ألف سنة 1970. وكانت فوزية غرغور أوّل ليبية تتخرج في الجامعة الليبية سنة 1952. ثم تلتها فتحية مأزق، ابنة رئيس الوزراء حسين مأزق، سنة1961. وفي سنة 1965، أسس الاتحاد النسائي الليبي، وصدر العدد الأول من مجلته ذات التأثير "المرأة" (8)

تحرز ليبيا اليوم مرتبة متقدمة في معدلات الذين يعرفون القراءة والكتابة في الشرق الأوسط وأفريقيا. كما أن نسبة النساء فيها في صفوف  التعليم العالي، هي أعلى من نسبة الرجال. وفي أقسام الإنسانيات وعلم الاجتماع بالجامعات الليبية، تمثل نسبة80% من مجمل عدد الطلاب. وهناك نساء طيارات، وضابطات وقاضيات وطبيبات، ومعلّمات، ووزيرات. لم يكن هذا التقدم  هبةّ  بل خاضت  من أجله القيادات  النسائية النشطة نضالاً طويلاً. وبعضهن قد تلقين  تعليمهن  في المنفى، في لبنان  وسورية ومصر، وقد  وجدن  دعماً من  السياسات  التي انتهجها نظاماً ما بعد الاستقلال  منذ سنة  1951. وليس  من  المفاجئ أن تركز الرائدات  النشطات في مجال حقوق المرأة - مثل حميدة العنيزي  وصالحة المدني، وخديجة عبد القادر، وخديجة  الجهمي - اهتماماتهن على قضية  تعليم المرأة منذ بداية  القرن العشرين. أما الجيل الثاني من الناشطات النسائيات, فقد ربطن بين الجنوسة Gender  والقومية، وشدّدن على قضايا  جديدة في المسار المهني Career والأسرة، منتقدات الوضع في الأسرة الليبية الأبوية، لقد عبرن  عن آرائهن في الصحافة وفي  الأجناس الادبية، وخصوصاً في القصة والرواية.

أدى توفر الوظائف التى  تدرّ أجراً ثابتاً في طرابلس وبنغازي والحقول النفطية إلى اجتذاب  العديد  من المقيمين في المناطق الزراعية، وانتقالهم شمالاً الى هذه المدن وتزايد - نتيجة لذلك - تعدد سكان طرابلس من 130 ألف نسمة سنة 1951 إلى 213 ألف نسمة  سنة 1964 والى 400 ألف نسمة سنة 1970، وارتفع عدد سكان بنغازي في السنوات نفسها من 70 ألف نسمة  الى 137 ألف ثم الى 300 ألف على الترتيب، غير انه ينبغي الانتباه الى أن آلافا من المهاجرين الفقراء من المناطق الريفية، قد سكنوا مدن الصفيح خارج هاتين المدينتين, مثل  باب عكارة، والبراريك، والكامبو خارج طرابلس، والصابري في بنغازي(9)  وإذا ما عاش ثمانون في المئة من السكان في الريف سنة 1951؛ فإن هذه  النسبة قد تغيرت بصورة  عكسية بحلول عام 1967، بأن صار ثمانون في المئة يعيشون في المناطق الحضرية. كما برزت طبقة عمالية صغيرة، ولكنها منظمة في المدن والحقول النفطية.

لم يتمكن النظام الملكي السنوسي ومستشاروه البريطانيون، من عزل المجتمع الليبي عن تيارات الحركات القومية الجذرية في المنطقة خصوصا في مصر، وذلك  بحكم أن معظم أفراد الجيل الاول، الذين تلقوا تعليماً عالياً قد تخرجوا في الجامعات المصرية. هذا  إلى جانب  أن الدولة قد اعتمدت في إدارة مؤسساتها الوليدة على الاخصائيين المصريين، وكان منهم القضاة والمدرسون كما أن المدارس الليبية قد اعتمدت  تدريس الكتب المدرسية المصرية. وكانت الصحف المصرية توزع  في البلاد، وإذاعة "صوت العرب" - ذات التأثير الكبير في الرأي العربي- تحظى بشهرة بالغة  في الشارع الليبي وعلى الرغم من البرامج التحديثية الاقتصادية والاجتماعية فإن الملكية الموالية للغرب، كانت معادية  للمؤسسات القومية والمعارضة العلنية  المنظمة. فقد واصلت حظرها  الذي فرضته على جميع الاحزاب السياسية عقب انتخابات 1953، ونزعت الجنسية  الليبية عن بشير السعداوي زعيم حزب المؤتمر الوطني، الحزب الأكثر شعبية في إقليم طرابلس - وحصل  الشيء نفسه  مع اخيه  وابنه ونائبه أحمد زارم، فاضطر  السعداوي الى اللجوء الى المنفى في العربية السعودية  مع أخيه  وابنه والتجأ زارم الى تونس.

ولما طالب اتحاد العمال - وهو اتحاد صغير  ولكنه  حسن التنظيم - بمعدل أعلى للأجور، وقع اعتقال أعضائه، ومنعوا من ممارسة نشاطهم في الاتحاد مع بداية سنة 1961(10). كما أصبحت الحركة الطلابية القوية جماعةً اجتماعية قائدةً، وطالبت بموقف حازم داعم للقومية العربية والحركة الفلسطينية والجامعة العربية، ودعت إلى اجلاء القواعد العسكرية الاميركية والبريطانية وقد نظم الطلبة احتجاجات ومظاهرات، من ضمنها مظاهرات قام بها تلاميذ المدارس الثانوية؛ مثل تلك التي قادها معمر القذافي في مدينة سبها بفزان سنة 1961، وكانت بغرض تأييد الوحدة العربية. وقد جرى اعتقاله وطرده من ولاية فزان الى مدينة مصراتة شرق طرابلس. وفي 13-14 كانون الثاني/ يناير سنة 1964، حدثت مظاهرة طلابية أكبر في بنغازي تأييداً لمؤتمر  قمة عربي في القاهرة دعا إليه جمال عبد الناصر. وكان الهدف من ذلك المؤتمر الإعداد لسياسة عربية في مواجهة خطة اسرائيل الهادفة الى تحويل مسار نهر الأردن، وقد اطلقت الشرطة النار على ثلاثة طلبة عرفوا في ما بعد بشهداء يناير وهم على الامين البيجو وصالح مسعود النقّاز ومفتاح بن حريز، وأحدث قتل  الطلبة الثلاثة أزمة سياسية، ادت الى استقالة رئيس الوزراء محي الدين فكيني، وحدثت أزمة أخرى في مدينة طرابلس بعيد حرب حزيران / يوليو 1967 حين قامت مظاهرة كبيرة، أحرق فيها المتظاهرون العلم الايطالي والمحلات التجارية اليهودية، وأدانوا ارتباطات النظام القوية بالغرب ووجود القواعد العسكرية الاميركية والبريطانية وانضم العمال الليبيون الى حركة الاحتجاج الاجتماعي  فنظم عمال الميناء وحقول النفط اضراباً وأوقفوا انتاج النفط (11).

وانخرط كثير من الشباب الليبي في التيارات السياسية القومية كالناصرية والبعث والقوميين العرب، وتفاقمت ازمة الملكية نظراً الى ان الملك كان شخصا معزولاً اجتماعياً، إذ كان يعيش في طبرق قرب القاعدة البريطانية الرئيسة في "العدم" موحياً بذلك بأنه  يفضل صحبة البريطانيين وحمايتهم.

وما زاد حال نظام الملك سوءاً، هو انتشار الفساد بين افراد النخبة، فعلى الرغم  من ارتفاع دخل البلاد  من عائدات النفط، ظل الكثير من الليبيين العاديين فقراء في المناطق الريفية لقد صارت الملكية ضحية برامجها التحديثية بما انها لم تحدث نفسها سياسيا ايضا ولم تمكن طبقتها الوسطى النامية من المشاركة السياسية، فكثير من الليبيين المنتمين الى الطبقة الوسطى وشريحتها الدنيا من المتعلمين قد وجدوا انفسهم مهمشين وخارج رعاية شيوخ القبائل التقليديين  وعائلات الأعيان ذات النفوذ، وكان الجناح العسكري  لهذه  الطبقة  الوسطى حديثة النشوء هو الأكثر تنظيما من بين الجماعات المعادية للملكية. وفي غياب الأحزاب السياسية، كان القوة الوحيدة المؤهلة لإزاحة النخبة القديمة بشكل فعال.

اثر حرب حزيران / يونيو 1967 التي هزم فيها الجيش  الإسرائيلي  الجيش المصري، وقعت  مظاهرات جماهيرية في طرابلس وبنغازي احتجاجاً على ما عد موقفاً رجعياً للنظام الموالي للغرب فاعتقل النظام اعضاء من الاحزاب السرية  المتهمين بعلاقتهم بهذه النشاطات. وبدا الملك العجوز المنعزل بائسا في مواجهة حركات الاحتجاج الاجتماعي وفساد النخبة واعتماده على أسرة  الشلحي المتحكمة في الديوان الملكي. في ما بين 1951- 1969 تعاقبت إحدى عشرة حكومة. وقد أفسحت  الملكية المجال في سلمها لبعض الاختصاصين مثل رئيس الوزراء عبد الحميد البكوش سنة 1968. ولكن في  المجمل كانت المستويات العليا من التعليم مغلقة وقد شرعت الجماعات الشابة - التي حظيت بالتعليم في ظل الملكية في المطالبة بالتغيير في الوقت الذي  لم يسمح النظام بقيام أي معارضة منظمة، وبدا متجاهلاً لأي مشاعر مرارةٍ تُعبِّر عنها الطبقة الوسطى وشريحتها الدّنيا الجديدة (12)، وقد فشلت الملكية في إجراء إصلاحات سياسية تُرضي القوى الاجتماعية الجديدة المُنبثِقة عن التّحديث الاقتصادي والاجتماعي، لم تكن أزمة الملكية ناشئةً عن نقص التّحديث, وإنّما عن الأسلوب الذي طُبِّق به ذلك التحديث.

في الوقت الذي حُظرت فيه الأحزاب السياسية وقُمعت, ظل الجيش أكثر مؤسّسات الدّولة تنظيماً. وجرى تدريبه بالاستعانة بالضّباط العراقيين والليبيين، أو أُرسل بعض أفراده للتدريب والتخرج ضباطاً في الأكاديميات العسكرية البريطانية والأميركية. وعلى الرغم من الإفتقار إلى الإصلاح السياسي والمؤسسات القوية, ورث النظام الجديد في سنة 1969 البلاد وهي على قدر من التطور. إذ كان لها قانونٌ نفطيٌّ مُبتكرٌ، ونظامان جديدان في التعليم والصحة العامة، وجمعيات مدنية نشطة, كالأندية الرياضية، والإتحادات العُمّالية، والكشافة، والمُنظمات الشبابية، والحركات الأدبية والنسائية. وفي الستّينيات, كان في سبها دار مسرح وعرض سينمائي، وأربعة أندية لكرة القدم، وثلاث مكتبات، وصحيفةٌ، وفرقة موسيقية لطلاب المدرسة الثانوية. وكان إقليم فزان في مجمله مرتعاً للحركة القومية العربية الجذرية المُعادية للإستعمار، تلك التي أذكتها ثورة 1952 في مصر وإعلامها القوي. وتبعاً لذلك، بدت الملَكية، وقد تجاوزها الزمن، وأصبحت تواجه تهديداً من مصر ومن الدّاخل.

• الملكيّة السنوسية والنظام الثوريّ

كانت القاعدة الاجتماعية لمجلس قيادة الثورة، المنبثق عن حركة الضّباط الوحدويين الأحرار، تتكون أساساً من الشريحة الدّنيا للطبقة الوسطى التي نشأت نتيجة لبرامج التّحديث الّتي قام بها النظام الملكي بعد سنة 1951. فمعظم أعضاء مجلس قيادة الثورة الإثنى عشر يتحدّرون من قبائل فقيرة وصغيرة من قبائل الداخل أو من الشرائح الإجتماعية الفقيرة في المدن الساحلية. وعضوان منهم فقط يتحدّران من قبيلتين كبيرتين ( المغاربة والعواقير )، وعضو آخر يتحدّر من عائلة بارزة في مدينة ساحلية. وباختصار، يمكن القول إن الثورة كانت تحت قيادة الشريحة الدنيا مـن الطبقة الوسطى المُنتمية إلى مدن المناطق الحضرية والبلدات الريفية والواحات الصحراوية في الداخل، في مواجهة سيطرة شيوخ القبائل والعائلات البارزة في المدن الكبرى. كان النظام الملكي يعتمد في ضمان أمنه على قوّة الشرطة جيّدة التجهيز أكثر من اعتماده على الجيش، وكان أفراد الشرطة يجنّدون من بين القبائل الموالية. مقابل ذلك، كان الجيش الليبي مفتوحاً للطلبة غير المتحدرين من عائلات النخبة، وكان من بينهم أعضاء حركة الضباط الوحدويين الأحرار ولجنتها المركزية.

ومثله مثل النظام الملكي قبله، حظر مجلس قيادة الثورة الأحزاب السياسية والإتحادات العمّالية المستقلة سنة 1970، متبنياً نظام الحزب الواحد على غرار مصر سنة 1971، وسُمّي هذا التنظيم الاتحاد الإشتراكي العربي. إلا أن هذه الصيغة جرى التخلي عنها بعد ذلك بسنتين، بسبب فشلها في تحميس وتعبئة غالبية الشعب الليبي. وفي مواجهة معارضة النخبة التقليدية وفشل الاتحاد الاشتراكي العربي، أعلن القذافي ما ادعى ثورته الشعبية ضد البيروقراطية القديمة في خطابه الشهير في زوارة 15 نيسان / أبريل 1973. وطلب من الشعب إحلال اللجان الشعبية المتكونة من الموظفين في مواقع العمل بدلاً من البيروقراطية العاجزة. ولكن اتضح أن الهدف لم يكن سوى وسيلة للتخلص من معارضيه وتعبئة أعوانه.

أدّى ابتكار القذافي إلى انقسام داخل مجلس قيادة الثورة بشأن دور اللجان الشعبية الجديدة وصلاحياتها. وقد عكس الانقسام داخل مجلس قيادة الثورة بسبب هذه القضايا خلافات أيديولوجية كبرى بين جناحين بشأن الاتجاه الذي تتخذه الثورة. واعترض الجناح التكنوقراطي الذي كان يقوده عمر المحيشي، وزير التخطيط بأن الأولوية ينبغي أن تُعطى للكفاءة المتمثلة في الخبراء والمختصين. في المقابل أصرّ القذافي على التعبئة الأيديولوجية والولاء السياسي. وقد عجز أعضاء المجلس عن حل النزاع الداخلي إلى محاولة أعضاء مجلس قيادة الثورة بقيادة المحيشي الانقلاب على القذافي فاستخدم القذافي تنظيمه المدني القديم ـ من سنواته الأولى في سبها ـ لتعبئة مؤيديه ضد خصومه. وحين وقف عبدالسلام جلود العضو الرئيس في مجلس قيادة الثورة، في صف القذافي فشل الانقلاب، وفر عمر المحيشي إلى تونس وظل في المنفى في ما بعد في مصر، بعدها رسّخ القذافي سلطته ولم يبق من أعضاء مجلس قيادة الثورة سوى أربعة أعضاء في السلطة إلى جانب القذافي، وجرى حلّ مجلس قيادة الثورة.

• الأسطورة وسياسة إعادة إنتاج القبليّة

تندرج التقارير والتعليقات الحالية المتعلقة بالانتفاضة الليبية ضمن ثلاث أساطير: تسليط الضوء على القذافي، وأن التجربة الليبية مع الاستعمار الهمجي مماثلة للتجربتين المصرية والتونسية، والنظر إلى المجتمع الليبي من خلال أيديولوجية القبلية Tribalism. لقد عانى الشعب الليبي من إحدى أكثر التجارب الاستعمارية وحشية في  أفريقيا، فقد توفي نصف مليون ليبي خلال الحقبة الاستعمارية بين سنتي 1922 و1943، بمن فيهم 60 ألف أسير في المعتقلات الجماعية، وجرى إسكات صدمة الاستعمار هذه وما خلّفته من ندوب خلال فترة الملكية السنوسية ما بين 1951 و1969، وعليه يمكن للمرء أن يحاجّ بأن شعبوية القذافي المعادية للاستعمار ليست هاجساً استحواذياً (Obsession) وإنما هي متأصلة في التجربة الاستعمارية الحديثة التي عاناها الشعب الليبي الذي كان يحس بأن عذاباته جرى تجاهلها.

يعيش 80% من الليبيين في المناطق الحضرية، أي المدن والبلدات، وقادة الانتفاضة الديمقراطية الحالية محامون وقضاة وصحفيون وكتّاب وأساتذة جامعيون وناشطات نسائيات وضباط جيش منشقون، وصار معنى القبيلة في الريف مختلفاً عن الماضي، فالليبيون جميعهم فاعلون في الاقتصاد، ومعدّل القراءة والكتابة في ليبيا هو بين الأعلى في أفريقيا، وهكذا، فإن الكلام عن القبيلة بالمعنى العضوي Generic هو محض تضليل، مع ذلك فإنّ نقص البحوث المتخصصة والمعرفة عن المجتمع الليبي الحديث ينبغي عزوهما إلى واقع أن ليبيا قد عُزلت وأصبحت غير متاحة للباحثين طوال العقود الثلاثة الأخيرة. إنّ قراءةً بديلة ستعيد المجتمع إلى دائرة الضوء بغرض الإجابة عن الأسئلة الرئيسة المتعلقة بجذور النظام ولماذا استطاع البقاء، ثم تجمّد، وفي النهاية فشل في المضيّ في عملية الإصلاح السياسي.

وصل الإصلاح إلى ذروة نجاحه بعد سنة 1998 عند حلّ أزمة لوكربي ورفع العقوبات المفروضة على ليبيا منذ سنة 1992، وما أسفر عنه من تطبيع للعلاقات مع أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية في ما بين 2003 و 2009، المفارقة، هي أنّ النظام كان يمكنه تجنّب الانتفاضة لو أنّ هذه الإصلاحات تمت بجدية وتوجّهت نحو معالجة المطالب الشعبية المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والسياسية وانتهاكات حقوق الإنسان.

وبدلاً من ذلك، وبإطلاق النار على المحتجين السلميين في بنغازي والبيضاء في 15 شباط / فبراير 2011، وقيام سيف الاسلام القذافي وأبيه بتوجيه ثلاثة خطابات يعلنان فيها الحرب على المحتجّين واصفين  إياهم  بأنهم "جرذان" و"مدمنو مخدرات" وأنهم تعرّضوا إلى غسل دماغ على يد بن لادن، نظر غالبية الليبيين إلى النظام على أنه ميؤوس منه وأنّه قد حان وقت زواله.

دعونا ننظر إلى الأصول الاجتماعية للنظام، لماذا تمكّن من البقاء، ثم تحوّل من كونه دولة شعبوية من دول العالم الثالث إلى ديكتاتورية.

الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية هي دولة تُعرِّف نفسها على أنها دولة ثورية تُحكم من خلال اللجان الشعبية المنظمة والمؤتمرات الشعبية. ومرتكزاً على اقتصاد غنيّ يمثّل النفط مصدره شبه الوحيد، وُلد النظام مع ما يسميه معظم الليبيين "ثورة الفاتح من سبتمبر" التي حدثت في 1 أيلول / سبتمبر 1969، في ذلك التاريخ أطاحت مجموعة مكوّنة من أثني عشر ضابطاً شاباً في الجيش الليبي ـ ينتمون إلى فكرة الوحدة العربية الشاملة الناصرية، ويقودهم ضابط ذو شخصية نافذة يدعى معمّر أبومنيار القذافي يبلغ من العمر 27 سنة ـ بملكية الملك محمد إدريس السنوسي في انقلاب غير دموي، حين كان الملك مسافراً خارج البلاد. كانت هذه المجموعة تُمثّل لجنة مركزية لتنظيم سري داخل الجيش الليبي يُسمى "حركة الضباط الوحدويين الأحرار"، الضباط الشباب الإثنا عشر الذين كانوا يتحدّرون من أقاليم البلاد الثلاثة، أعادوا تسمية أنفسهم "مجلس قيادة الثورة"، وأعلنوا قيام الجمهورية العربية الليبية، وألّفوا قيادة جماعية حتّى سنة 1976.

سيطر مجلس قيادة الثورة على كلّ السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وشرع في الإشارة إلى إجراءاته الاجتماعية والسياسية على أنها "ثورة" وعلى الرغم من مناهضته للاستعمار والشيوعية والفساد ودفاعه عن القومية العربية والإسلام فإن مجلس قيادة الثورة لم تكن له سياسات محدّدة الخطوط، وكان دليله المرشد ثورة 1952 المصرية.

لقد مرّ المجتمع الليبي بتحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية بعد سنة 1969، إلا أن الحكومة الجديدة نفّذت سياساتها من دون مشاركة شعبية تُذكر، وركز جناح القذافي في مجلس قيادة الثورة السلطات في يده في 1976، وأخذ يجرّب خلق "مجتمع اشتراكي" فطري أصيل socialist society Indigenous Pastoralist، مستفيداً من عائدات النفط الوفيرة وتوظيف العمالة غير الليبية التي كانت تضم ـ من بين من تضمّ ـ العديد من التونسيين والمصريين، إلا أنّه على المرء أن يتذكر أنّ المجتمع الليبي في عمومه معادٍ للاستعمار ومؤيد لحركات التحرر الوطني ومؤمن إيماناً قوياً بالعروبة والإسلام.

لابد من تذكّر بعض النقاط هنا، أولها أن ثورة 1969 بقيادة معمر القذافي لم تكن شذوذاً مثلما يعتقد الكثير من الصحفيين والباحثين الغربيين، ولكنها مُتجذرة بقوّة في مجتمع الداخل الليبي من خلال الحركة السنوسية والجمهورية الطرابلسية ضمن الإطار العام للثقافة الإسلامية والمؤسسات القَرابية المستقلّة استقلالاً ذاتياً، كان القذافي قادراً على توظيف التراث الثقافي التاريخي والتعبير عن مقاومة الاستعمار والحس الوطني لدى الليبيين وإيصاله للناس وترجمة هذه التركة إلى أيديولوجيا ثورية مستخدماً لغة بسيطة يفهمها الليبيون العاديون بسهولة. لقد استخدم القذافي نبوغه الكاريزمي لتعبئة الشعب ومهاجمة معارضيه وخصومه داخل البلاد وخارجها. كان يتحدث ويأكل ويلبس كرجل بدوي من الداخل، ويؤمّ المُصلين كإمام أو أمير للمؤمنين.

ولغرض إضعاف المعارضة الحضرية بين الطلبة والمثقفين والطبقة الوسطى الحضرية في المدن الكبرى، اتبع النظام الجديد سياسة ثقافية قوامها "البدونة Bedwanization" التي تعتمد الهجوم على الثقافة الحضرية وتشجيع الطقوس البدوية والريفية المرتكزة إلى القيم المُتعلقة باللباس والموسيقى والأعياد وهذا ـ دون شك ـ عودة إلى الماضي القديم، ونتيجة لسياسة تصفية التحضّر UrbanizationـDe ممنهجة فقدت مدينة طرابلس (أكثر مدن البلاد تحضّراً وكوزموبوليتية) طابعها السابق، ومع ذلك ظلت الجماهيرية دولة شعبوية حديثة، ونالت حكومة الجماهيرية تأييداً شعبياً واسعاً في الطبقات الدنيا والوسطى مكّن الحكومة من الانخراط في تغييرات اقتصادية كبرى، وكذلك في البنى السياسية والإجتماعية، وقد قادت المعارضة الداخلية والخارجية للحكومة إلى مزيد من أفعال القمع ضدّ المعارضين في عقد الثمانينيات.

قوّضت المركزية Centralization  المفرطة والاعتماد على الاجهزة غير الرسمية والأمنية ـ على حساب المؤسسات الرسمية وحكم القانون ـ الاصلاحات المبكرة، أدت إلى أفول هذه التجربة المتعلقة بالشعبوية السياسية الأصيلة، وتضافر المناخ العدائي العالمي وانخفاض عائدات النفط منذ أواخر السبعينيات من القرن العشرين لخلق أزمة النظام، وأكثر من ذلك، أُضعفت أو شوهتْ المؤسسات العامة مثل المحاكم والجامعات والاتحادات والمستشفيات والمصارف، وهكذا فإن ترافد الحراكين الداخلي والخارجي حوّل الأيديولوجيا من نمطها الشعبوي إلى نمط تسلطي لنظام اختُزل في عبادة شخصية القذافي. بدأ هذا التغيّر في فترة مبكرة بعد دخول القوات الليبية في حرب مباشرة مع نظام حسين حبري في تشاد في حزيران / يونيو 1983 والمواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية سنة 1988 التي توّجت بالقصف الجوّي الأميركي لطرابلس وبنغازي وأصبح واضحاً وضوحاً شديداً بعد سنة 1988، خصوصاً مع موافقة مجلس الأمن الدولي سنة 1992 (القرار 748 في 31 آذا / مارس 1992) على توقيع عقوبات على ليبيا إثر اكتشاف ما قيل إنه دليل يربط عُملاء ليبيين بحادثة تفجير طائرة " بان آم " الأميركية في رحلتها رقم 103 فوق بلدة لوكربي في اسكوتلاندا.

النظام الليبي مناظر للأنظمة الأخرى المسماة الأنظمة الريعية التسلّطية في الشرق الأوسط وأفريقيا، فالدول المنتجة للنفط كالجزائر والعراق وسورية (آنذاك) على سبيل المثال وليس الحصر، حاولت توزيع مؤسسات رسمية وغير رسمية لتلبية مطالب بعض المواطنين المادية والمعنوية مقابل قليل من الولاء والطاعة الجمّة.

بعد سنة 1986 استخدم النظام أيضاً العقوبات الجسدية والحبس والنفي الإجباري ضد الآلاف من المُنشقّين بهدف الحفاظ على سلطته وملأ القوى الأمنية بالأقارب الموثوقين والحلفاء التقليديين أولئك الذين ارتبطت مصالحهم المادية بديمومة حكم القذافي واستخدم النظام كذلك استراتيجيات الشّرعنة Legitimizing strateges بهدف التحكم في ما يعدّه بعض علماء الاجتماع البعد "المعياري" للخضوع The normativ dimension of compliance.

في الواقع، تآلف النظام الجديد من مؤسسات وقوى مثل الدائرة الداخلية المتكونة من رجال الخيمة واللجان الثورية والصفوف القبلية وتنظيم الرفاق الذي يضم معظم زملاء القذافي في الدراسة وأصدقائه قبل الثورة.

ابتكر القذافي "إعادة البناء القبلي Retribalization واستراتيجية فرِّق تسد المنتمية إلى المؤسسات البدوية والريفية التقليدية مثل "الميعاد" و"جبر الخواطر" و"الصفوف"، فمؤسسة "الميعاد" هي إلتقاء شيوخ القبائل من أجل تدارس قضية ما، و"جبر الخواطر" هي لقاء قبلي لتسوية الخلافات وجلب الوئام (13). كان في العادة يرسل ـ بصفة غير رسمية ـ قريبه ومستشاره لشؤون القبائل العقيد خليفة حنيش إلى هذه المؤسسات للحصول على تأييد القبائل أو إبرام المصالحات مع الخصوم، وقد كان الداخل الليبي ـ وبسبب ضعف الدولتين العثمانية والاستعمارية الإيطالية ـ قد شهد قيام التحالفات الفلاحية والبدوية المسماة بـ" الصفوف " مقام إستراتيجية دفاعية ضد الدولة المركزية والتحالفات الأخرى، وأحيى النظام مؤسسة الصفوف القديمة هذه في مواجهة المعارضة الداخلية في الجيش وفي الإقليمين الشرقي والجنوبي من ليبيا، فعلى سبيل المثال اعتمد النظام في ما بين 1975 و 1993 لتجنيد الضباط على ثلاث قبائل : القذاذفة، والمقارحة، وورفلة، وأُسقِطت ورفلة من هذا الاعتبار حين اكتُشِف سنة 1993 التحضير لمحاولة انقلابية قوامها الأساسي ضباط من ورفلة، وتنتمي زوجة القائد الثانية، صفية فركاش، إلى قبيلة قوية هي قبيلة البراعصة المنتمية إلى قبائل السعادي، وهذه القبيلة قدّمت له قدراً من الدّعم في مواطن الملكية السنوسية، ومع نهاية التسعينيات أخذ القذافي يعتمد على عائلته وأبناء عمومته على رأس الأجهزة الأمنية.

قام النظام بتطهير الجامعات مما سمّى الثورة المضادة 1976، وشمل الاستهداف الناشطين الإسلاميين والليبراليين واليساريين الذين أرادوا الحفاظ على اتحاد الطلبة مستقلاً بعد سنة 1964 مثلما كانت تحت الملكية، وقد قام أعوان النظام بالمهام القذرة ضد المعارضين ابتداءً بالتجنيد والإغراء وانتهاءٍ بالقتل مروراً بالتخويف. وقد كافأ القذافي العديد من هؤلاء الأعوان بضمهم إلى النخبة الحاكمة في النظام في مناصب مثل الوزراء والمديرين الرئيسين والسفراء ورؤساء الجامعات ورؤساء الأجهزة الأمنية. ومع ذلك حين واجه النظام غضب الرأي العام ضد الانتهاكات سنة 1988 دان القذافي اللجان الثورية على انحراف مسؤوليها عن الخط الثوري الصحيح، وتبين أن انتقاده هذه اللجان لم يكن سوى لفترة قصيرة، فقد ظلت هذه اللجان تُحافظ على دور في "تحريض" مؤتمر الشعب وتأطير جدول الأعمال الذي يحتوي القضايا المطروحة للنقاش.

لقد أصبحت اللجان الثورية بمقتضى الأمر الواقع حزباً سياسياً وهذا مناقض للفكرة المثالية عن ديمقراطية المشاركة المبنيّة على مؤتمر الشعب واللجان الشعبية ـ كما وردت في الكتاب الأخضر ـ خصوصاً في الوقت الذي كان فيه النظام يخشى من الانشقاق لما يعنيه من تهديدٍ لبقائه.

مع نهاية الثمانينيات سادت الاهتمامات غير الرسمية والأمنية النظام السياسي واستخدمت طقوس عبادة البطل بخصوص القذافي كلغة للسيطرة الاجتماعية، وأصبحت فيما بعد راسخة في النظام، وكانت أشد قوى معارضة الإصلاح بأساً، مخافة خسارة السلطة والمساءلة المحتملة عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان بما في ذلك التعذيب والقتل ضد جماعات المعارضة وأفراد من النظام في العقود الثلاثة الأخيرة.

وفي مواجهة التململ السياسي والعزلة، قرّر النظام تغيير أيديولوجيته بالاتجاه نحو أفريقيا ورضي بالتصالح مع المجتمع الدولي من خلال قبوله بشروط الأمم المتحدة، وفي ما بعد التخلي عن برنامج أسلحة الدمار الشامل من أجل بقائه (14)، وكإشارة على النزعة البراغماتية والإصلاح أصبحت السياسة في طرابلس مدفوعة باعتبارات المصالح الشخصية والوطنية، خصوصاً في ما يتعلق بدور موازن للمنافسين في مصر وإسرائيل وتونس والسودان والجزائر والمغرب، وينجم تغيير السياسة الليبية بين مرحلة وأخرى عن تغيّر في علاقات القوى في المنطقة والمواجهات مع الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا في أفريقيا، هذه العوامل مجتمعة، أجبرت النظام  على تغيير سياساته أو ابرام معاهدات تحالف  أو وحدة مع دول صحراوية  مختلفة في افريقيا.

وقادت هذه السياسة الليبية الجديدة ـ التي استهدفت التصالح مع المجتمع الدولي ـ إلى رفع العقوبات، إلا أنها قوّت الصراع السياسي في الداخل، وباختصار فإن السلوك الليبي إزاء الدول الأفريقية الأخرى تغيّر استجابةً لتغيرات سياسية داخلية وإقليمية ودولية.

جلبت العملية الثورية في ليبيا في العقدين الأولين من عمرها عدّة فوائد لليبيين العاديّين من قبيل العناية الصحية المجانية والتطوير الكبير للبنية التحتية للبلاد والتعليم المجاني تتجاوز بكثير تلك الإنجازات التي حققها النظام الملكي خصوصاً بالنسبة إلى المرأة الليبية التي أصبحت متعلمة وفاعلة، وكان من النساء الوزيرات والسفيرات والطيارات والقاضيات في مجتمع محافظ كان معدّل الأمية فيه 95 % سنة 1951 ومنذ سنة 1990 أسهمت الزراعة بـ 2 % فقط من الميزانية الوطنية، وارتفع معدّل البطالة إلى 30%، وأُضعِفت مؤسسات المجتمع المدني في ليبيا التي بدت أكثر ديمقراطية من عدّة دول خليجية في سبعينيّات القرن الماضي، أو تمّ الإجهاز عليها.

أين كان الخلل؟ ثمّة على الأقل ثلاث خطايا أصلية: سيادة المؤسسات الأمنية وغير الرسمية على حساب المؤسسات الرسمية، وغياب دستور وطني، ومعاداة المأسسة Institutionalization، كما أسهمت عبادة الشخصية والفساد، وإجهاض الإصلاحيات السياسية، وتسليط الأجهزة الأمنية على البناء المؤسسي، في اغتراب الطبقتين الوسطى والدنيا، إضافة إلى انشقاق العديد من الإصلاحيين وضباط الجيش والدبلوماسيين الذين منهم من أصبح من بين قادة الانتفاضة الديمقراطية الآن، وهكذا انتهت تجربة الجماهيرية، فنأمل أن القادة الشبان الشجعان الذين يقودون انتفاضة ليبيا الديمقراطية سيتعلمون من الاخطاء التي ارتكبها النظام الملكي ونظام القذافي، إن تحدي بناء ديمقراطية تعددية ومدنيّة مستقرة، هو تحدٍّ هائل، وخصوصاً إذا أُجِّل الموضوع الأكثر إلحاحاً، ألا وهو التسوية  السياسية وإنشاء هيئة إنصاف ومصالحة حقيقية.


راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]

 


1. For an over view of the literanure on the role of Libya an exiles see;A.Baldine.
2. M. Khadouri, Modern Libya: ASutdy in politfcan Derelopment (Baltmore: The John Hopkins Press,1963)PP-33-37.

3. I.R. Khalidi, Constitutional Development in Libya (Beirut-Lebanon: Khayyat’s College Books, 1963), pp 62-63, and for UN commissioner Adrian Pelt’s own account sees his book, Libyan Independence and the United Nations (New Haven: Yale University Press, 1970).

4. Khalidi, Op.cit., pp. 34-36.
5. Ibid.363-398.

6. للاطلاع على نقد للملكية من وجهة نظر  معارضه في طرابلس انظر: احمد زارم، مذكرات صراع الشعب الليبي مع مطامع الاستعمار(تونس- طرابلس(: الدار العربية  للكتاب 1988) معين بسيسو، عطر الناس والأرض في الشعر الليبي الحديث (طرابلس: دار الميدان 1968).

7. D vadewalle.AHistory of Modern Libya(Cambridge:The University Press,2006) PP:53-61.

8. أم العز الفارسي"السياق  المجتمعي وأثره على المشاركة  السياسية للمرأة في ليبيا" مجلة عراجين "عدد6" كانون الثاني/ يناير2007.

9. ياسين الكبير المهاجرون في طرابلس الغرب (بيروت- لبنان - معهد الانماء العربي 1982، ص 125-168، وايضا محمد زاهي المغيربي والمجتمع المدني في ليبيا( القاهرة: إصدارات مجلة عراجين2004) ص 26-27.

10. مختار كرفاغ. الحركات العمالية في ليبيا: 1943 -1969 ( طرابلس مركز الجهاد للدراسات التاريخية 2000 ) ص166-175.

11. For awell informed analysis of the royal elite see Salahedin Hasan ‘A New Syslem for aNew State; Libya an Experiment in Statehood”1951-1969”In A. Baldinetti ed,Modem and Contenmpory; Libya;Sowrces and Hfstorgraphies (Rome:Institano Per L”Af rica et Oriemete;2003 PP “179-194”

12. This period has not been research yet. See: J. Wright, Libya A Modern History (London: Croom Helm, 1983), pp. 102-107. For Libya Jewish Israeli view see: M. Romani “The Final Exodus of Libyan Jews in 1967”, Jewish Political Studies Review, Vol. 19, No. 3-4 (Fall 2007), pp. 1-15.

13. Salaheedin Hasan’Anew System for aNew Stale Liby an Experiment in Statehood”,OP Cit.
14. See j. Wright, Libya A Modern Hlstory, OP Cit

المصادر والمراجع (باللغـة العربيـة):

1- زارم، أحمد. مذكراتك صراع الشعب الليبي مع الاستعمار: 1943-1968 (ليبيا ـ تونس: الدار العربية للكتاب، 1988).
2- التير، مصطفى عمر. مسيرة التحديث للمجتمع الليبي (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1991).
3- المغيربي، محمد زاهي. الدولة والمجتمع المدني في ليبيا (القاهرة: إصدارات مجلة عراجين، 2004).
4- كرفاع، مختار. الحركات العمالية في ليبيا: 4319 ـ 1969 (طرابلس: مركز الجهاد للدراسات التاريخية، 2000).
5- الكبير، ياسين. المهاجرون في طرابلس الغرب (بيروت : معهد الإنماء العربي، 1982.
6- معين بسيسو، عطر الناس والأرض في الشعر الليبي الحديث (طرابلس: دار الميدان 1968).
7- الفارسي، أم العز. السياق المجتمعي وأثره على المشاركة السياسية للمرأة في ليبيا (القاهرة: إصدارات مجلة عراجين، 2007).

المصادر والمراجع (باللغة الأجنبية):

8. Anderson, L. The State and Social Transformation in Tunisia and Libya: 1830-1980, (Princeton: Princeton University Press, 1986)

9. Anderson, L. “States, Peasants and Tribes: Colonialism and Rural Politics in Tunisia and Libya”. Ph.D. diss. In political science, Colombia University, New York, 1980

10. Ahmida, A. The Making of Modern Libya: State Formation, Colonization, and Resistance (Albany: State University of New York Press. 2009)

11. Ahmida, A. Forgotten Voices: Power and Agency in Colonial and Postcolonial Libya (New York: Routledge, Taylor & Francis Group, 2009)

12. Ahmida, A. “Colonialism, State Formation and Civil Society in North Africa: Theoretical and Analytical Problems”, International Journal of Islamic and Arabic Studies. Vol. XI, No. 1 (1994)

13. Baldinetti, A. “Libya’s Refugees, their Places of Exile, and the Shaping of their National Idea”, The Journal of North African Studies, Vol. 8, No. 1 (2003)

14. Khadourim, M. Modern Libya: A Study in Political Development (Baltimore: The John Hopkins Press, 1963)

15. Khalidi, I.R. Constitutional Development in Libya (Beirut: Khayyat’s College, 1963)

16. Romani, M. “The Final Exodus of Libyan Jews in 1967”, Jewish Political Studies Review, Vol. 19, No. 3-4 (2007)

17. Pelt, A. Libyan Independence and the United National (New Haven: Yale University Press, 1970)

18. Al-Sury, S.H. “A New System for a New State: Libyan Experiment in Statehood, 1951-1969”, In: A. Baldinetti, (ed.), Modern and Contemporary Libya: Sources and Historiographies (ed.), (Rome: Insituto Italiano Per L’Africa et Orienete, 2003)

19. Vandewelle, D. A History of Modern Libya (Cambridge University Press, 2006).
20. Wright, J. Libya A Modern History (London: Croom Helm, 1983)

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
جحا بالعبر
تحليل موضوعي الى حد بعيد ....
التكملة