مختارات من كتاب 24/7/2015 10:23 مختارات من كتاب "ليبيا التي لا نعرفها" للدكتور علي عبد اللطيف احميده (7)
د. علي عبد اللطيف أحميده بحث

(7) الفصل الثالث: هل كانت الفاشية أقل شرا؟


الشعر الشعبي الليبي كسلاح ثقافي للمقاومة

ترجمة: عمر أبوالقاسم الككلي


راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]


 "كانت دكتاتورية موسوليني أرحم، بكثير، من دكتاتورية صدام حسين" (سيلفيوبيرلوسكوني Silvio berlusconi. رئيس الوزراء الإيطالي)... "لم تكن [فاشية موسوليني] حتى سنة 1938 شمولية، بل كانت مجرد ديكتاتورية قومية عادية مثلت تطورا منطقيا لنظام حزبي تعددي" (حنا آرندت Hanna Arendt. أصول الحكم الشمولي)... "كنا نحصي، يوميا، حوالي خمسين جثة تُؤخذ من المعتقل الجماعي للدفن. كانوا إما أنهم قد شنقوا، أوقضوا بسبب الجوع والمرض" (سالم عمران أبوشابور، أحد الناجين من معتقل العقيلة الاستعماري الجماعي، 1928- 1933. أورده: إرِك ساليرنوEric Salerno في: الإبادة في ليبيا)...

*****

باستثناء قلة قليلة من الباحثين الشجعان، فإن أعمال الإبادة التي تمت على أيدي الفاشيين الإيطاليين ضد المواطنين الليبيين مازالت مجهولة من قبل الجميع، فيماعدا الشعب الليبي. وبذلك أدى هذا الصمت من قبل غالبية الباحثين المحترمين المتخصصين في الفاشية المقارنة عما جرى في ليبيا إلى تعزيز الفكرة السائدة التي مفادها أن الفاشية الإيطالية كانت، على نحوما، معتدلة أو" حميدة". وهذا الفصل يدحض الرأي السائد في الكتابة التاريخية المؤسس على الأسطورة الزاعمة بأن الفاشية الإيطالية لم تقترف أعمال إبادة جماعية أوقتل جماعي، وعليه فهي أقل شرا من الفاشية التي مورست من قبل النظام النازي الألماني. كما يعارض، ثانيا،  استخدام مفهوم الدولة القومية والإقليم كوحدة تحليل، حيث أعتقد أن الأكثر كشفا هواستخدام التحليل المقارن الذي يدخل المستعمرات الأوربية في إطار النظام الرأسمالي العالمي، خصوصا بعد القرن الثامن عشر.

أعتقد أنه لا يمكن للمرء كتابة تاريخ إيطاليا دون دراسة تاريخ مستعمراتها، وخصوصا ليبيا. ولا يمكن للمرء، في نفس الوقت، كتابة التاريخ الليبي بدون دراسة تاريخ إيطاليا. ستكون الكتابات التاريخية، الإيطالية الاستعمارية والليبية الوطنية، قاصرة، إن لم تكن مشوهة، إذا ما اتخذ من الدولة القومية وحدة للتحليل في البحوث الأكاديمية.

 يعالج هذا الفصل ثلاثة أسئلة:

1. لماذا استمرت صورة الفاشية الإيطالية باعتبارها حميدة في الظهور في وسائط الإعلام العامة والدراسات الأكاديمية عند مقارنتها بالنموذج الفاشي لألمانيا النازية.

2. ما هي بعض العيوب الأخلاقية والأخطاء الأكاديمية الناشئة عن هذه الأسطورة المتعلقة بالفاشية الإيطالية؟.

3. إلى أي مدى تقوض الأدلة المعلنة عن أعمال الإبادة الجماعية فيما بين سنتي 1929 و1933، إلى جانب الروايات الشفهية لعدد من الـ 100,000 ضحية في المعتقلات الجماعية الإيطالية في ليبيا، التصور المغلوط حول طبيعة الطبعة الإيطالية للفاشية؟.

وعلى الرغم من أنه قد لا تتم الإجابة على أي من هذه الأسئلة بشكل قاطع هنا، إلا أن المواد المعروضة في هذا الفصل تسلط الضوء على سجل الفاشية الإيطالية الحقيقي بشكل يعيد توجيه وجهات نظر الكتابة التاريخية. وتتمثل محاججتي الرئيسية في أن وحشية الفاشية الإيطالية ليست مجرد حوادث حربية، وإنما هي إبادة تعرضت لها كائنات بشرية حقيقية بمقدورها أن تخبرنا، بتعابيرها هي وقصائدها، عن معاناتها. ولقد كان لهذه الإبادة تأثير عميق على المجتمع الليبي اليوم. تتضمن محاججتي أمثلة من التصورات الشعبية والأكاديمية، وسياق هذه التصورات والأسباب المتعلقة بها، ونقدا أكاديميا بديلا، وتأريخا لأعمال الإبادة الفاشية في ليبيا مبنيا على  رواية أحد الليبيين الناجين من المعتقلات الجماعية التي أقيمت فيما بين سنتي 1929 و1933. كما تتضمن هذه المحاججة اقتراحات بشأن مهام بحثية جديدة مؤسسة على نموذج نقدي للفاشية الإيطالية.

• تأثير المركزية الأوربية

أسهمت النماذج الثقافية، مثلها في ذلك مثل الكتابة التاريخية القائمة على فكرة المركزية الأوربية والكتابة التاريخية الاستعمارية، في تغذية الأسطورة القائلة بأن الفاشية الإيطالية كانت حميدة. فالبحوث الأكاديمية المنبنية على فكرة المركزية الأوربية تتجاهل السياسات الفاشية في المستعمرات، في حين تنظر البحوث الأكاديمية الاستعمارية إلى الفاشية باعتبارها مكونا تاريخيا من مكونات مرحلة التحديث. إن غض النظر عن طبيعة الفاشية الإيطالية عزز، ليس فقط، الرفض الرسمي لفتح المحفوظات الوطنية الإيطالية، خصوصا الملفات المتعلقة بالمعتقلات الجماعية في ليبيا، بل ورفض إجراء محاكمات جرائم حرب للأشخاص الذين قاموا بتنفيذ سياسات الحكومة بصفتهم ضباطا تابعين للإدارة الاستعمارية. يضاف إلى ذلك أن الحزب الإيطالي الفاشي الجديد قام بحملة علاقات عامة قوية دفاعا عن الفاشية منذ عودته إلى الانضمام إلى الجسم السياسي الإيطالي بداية سنة 1990.(1)

سنة 1972 نشر المؤرخ جون دغنز John Diggins من جامعة برنستون كتابا شاملا حول التصورات الشعبية والرسمية عن الفاشية الإيطالية في الولايات المتحدة. وقد أوضح أن الأمريكيين في القرن التاسع عشر كانوا يعتبرون إيطاليا مثالا رومانسيا إيجابيا positive romantic ideal، من جهة، وبلدا همجيا negative nativist country، من جهة أخرى. فالرحالة والكتاب المهاجرون الذين نظروا إلىإيطاليا كمصدر تقليدي للقيم الثقافية صاغوا الصورة الرومانسية مشكلين، بالتالي، تصورات الباحثين الذين يركزون على الشخصية القومية والثقافة السياسية. وإن المرء ليتساءل عما إذا كانت الاختلافات الثقافية تستدعي التمييز بين القتلى. فالنازيون الألمان أثاروا سخط غيرهم من الأوربيين، لأنهم قاموا بقتل أوربيين، في حين أن الفاشيين الإيطاليين قتلوا مسلمي شمال أفريقيا متلاعبين بالأوهام عن الشرق وآيديولوجيات العنصرية الاستعمارية والحداثية بتعلة تخلف ولا إنسانية المواطنين الأصليين وضريبة الحداثة. هذه التصورات هي المسؤولة عن خلق السياقات التي تم النظر فيها إلىالفاشية الإيطالية باعتبارها شيئا ملطفا- وربما انحرافا مؤقتا-. في حين شاع النظر إلىالشخصية الألمانية على أنها شخصية عسكرية النزعة، كان طبيعيا أن يصدر عنها مثل هذه البشاعات النازية.

نشأت صورة الإيطالي الهمجي في مطلع القرن العشرين، في الولايات المتحدة، عن الخوف من مهاجري الطبقة العاملة الإيطالية الذين نظر إليهم باعتبارهم جهلة وفقراء ومضطهدين. وحتى مع صعود الفاشية سنة 1922 كانت ردة الفعل الأمريكية الرسمية والشعبية، في الغالب، إيجابية لتركيزها أساسا على موسوليني الذي صور، حسب دغنز، باعتباره تجسيدا للحل المطلوب، على نحو ماس، لبلد يفتقر إلى الانضباط وأخلاقيات العمل أفسدته النخبة المنقسمة على ذاتها. كما مثل موسوليني، من وجهة نظر العامة، فضائل عدة. إذ نظر إليه ككاتب مجيد وعازف كمان ورجل دولة قوي وعنصر تحديث" جعل القطارات تنطلق في مواعيدها.". ولقد أصبحت هذه الصورة لموسيليني شعبية في الأفلام الروائية والوثائقية التي تدور في حقبة الثلاثينيات.(3)

لابد للمرء ألا ينسى السياق التاريخي الأوسع الواقع بين سنتي 1922 و1938. فالفاشية الإيطالية ليس لم تكن تمثل تهديدا للمصالح الأمريكية، فحسب، بل إن الولايات المتحدة رحبت بالآيديولوجيا المعادية للشيوعية المنتهجة من قبل بلد به أكبر حزب شيوعي في أوروبا الغربية. وحتى منتقدوموسوليني صوروه على أساس أنه مجرد مهرج أوديكتاتور عادي.(4)

كما لعبت السينما دورا هائلا في شعبية موسوليني. ففي سنة 1931 أنتجت شركة ستوديوكولمبيا فلم "موسوليني يتكلم" المبني على خطبة الديكتاتور في الذكرى العاشرة لاستيلائه على السلطة في نابلس Naples. وقد قدم هذا الفلم صورة إيجابية للدوتشي Il Duce. في العشرينيات فتحت الحكومة الإيطالية أبوابها أمام صناعة السينما الأمريكية في محاولة لاستخدام الأفلام كوسائل لتعزيز العلاقة مع جمهور الشعب.(5) هذه الصورة الرومانسية عن إيطاليا والفاشية الإيطالية المعتدلة مازالت حاضرة في الثقافة الشعبية مثلما أوضح الفلم الذي ظهر في سنة 1999 بعنوان: " كوب شاي مع موسوليني". يدعي هذا الفلم أنه أكثر واقعية. وباعتباره فلما سيرويا biographical film من قبل مخرج أفلام محنك هو فرانكو زِفريللي Franko Zeffirelli فإنه يجسد، فنيا، بعدين من أبعاد الحقبة الاستعمارية الإيطالية- التصورات الرومانسية البريطانية والأمريكية، ونهوض معاداة السامية - من خلال حياة أربعة منفيين وحدث إيطالي (وهوزفريللي نفسه عندما كان فتى) في فلورنسا عند نهاية الثلاثينيات. ولقد التقط ستانلي كوفمان Stanley Kauffmann بألمعية مغزى هذا الفلم:

منذ زمن طويل وإيطاليا تتجسد في الخيال الإنغليزي، خصوصا لدى الكتاب. فكثير من مسرحيات شكسبير تدور أحداثها في إيطاليا أكثر من أي بلد آخر، فيما عدا بريطانيا. ولكن لعل روبرت  Robert وإليزابيث  Elizabethبراوننغ Browning هما اللذان أسسا لهذه العلاقة التي مازالت سائدة حتى الآن. فحين ماتت إليزابث في فلورنسا سنة 1861، وضعت البلدية لوحا على بيتها نقشت عليه بضعة أسطر لأحد الشعراء الإيطاليين تقول: "هنا كتبت وماتت إليزابث بارِتْ براوننغ... التي جعلت من شعرها خاتما ذهبيا يعلن قران إيطاليا وبريطانيا." ومنذ ذلك الحين ظل خيط متصل من الجالية البريطانية في فلورنسا يحافظ على ذلك الخاتم ملمعا. وإذن، فعلى قبر إليزبث يبدأ: كوب الشاي مع موسوليني.(6)

تركن السينما إلى الصمت حين يتعلق الأمر بالبشاعات التي ارتكبها الاستعمار الفاشي الإيطالي في ليبيا، على الرغم من أن هذه البشاعات وقعت في وقت مبكر بين 1929 و1934.

ومازال ثمة باحثون إلى يومنا هذا يدعمون فكرة اعتدال الفاشية الإيطالية وقيمة موسوليني. كما أن النهوض الحالي للحزب الفاشي في إيطاليا، التحالف الجديد، يضيف إلى رصيد النظرية الزاعمة بأن الفاشية الإيطالية ساعدت على تحديث إيطاليا، خصوصا بعد نيله 14 % من الأصوات أو100 كرسي من أصل 630 في البرلمان الإيطالي ومشاركته في الحكومة كحزب شرعي سنة 1994. وفي سنة 2001 أصبح جانفرانكو فيني Gianfranco Fini ، قائد الحزب، نائبا لرئيس الوزراء في حكومة السيد بيرلسكوني، وفي العشرين من نوفمبر 2004 أصبح وزير خارجية إيطاليا الجديد. وقد وصفته النيويورك تايمز New York Times بأنه زعيم إصلاحي شجب معاداة السامية وزار إسرائيل مرتين.(7) شجب معاداة السامية الموجهة نحواليهود توجه إيجابي، ولكن ماذا بشأن غيرهم من الساميين، المسلمين الليبيين الذين عانوا من الأعمال الوحشية الفاشية؟. استغل الحزب الجديد واحدا من أكثر أعضائه جاذبية، ألِّساندرا Allesandra حفيدة موسوليني كي تخاطب الجمهور الأمريكي. صورها التي ظهرت في مجلة بيبل People[ الشعب] عدد 29 أبريل 1992، ذات دلالة. ففي إحداها ترفع أليساندرا موسوليني يدها بالتحية الفاشية، تماما مثلما فعل جدها من على الشرفة في مدينة بنغازي بشرق ليبيا. المقال المنشور في مجلة بيبل يحدد المكان لكنه يخطيء في تهجي مدينة بنغازي Benghazi بحيث تتحول إلى بنغالي Bangali ولا يحددها باعتبارها جزءا من متملكات holdings استعمارية إيطالية.(8)

تمثل الساندرا موسوليني الشابة الحركة الاجتماعية الإيطالية اليمينية المتطرفة Movemento Sociale Italiano أو(MSI). وتظهر كامرأة عصرية مثابرة تعد الناس بإطلاعهم على ما يستطيع شخص مثل موسوليني فعله. أسس أتباع جدها الـ( MSI) سنة 1946 ولكنه ظل قوة هامشية حتى وقت قريب، حين أصبح شريكا في الحكومة الائتلافية بقيادة سيلفيوبيرلسكوني. لقد أصبحت الفاشية محترمة مجددا، ليس لأنها أقل شرا، بل لأننا نسينا ما تعنيه.

يؤسس المدافعون عن أسطورة أن الفاشية الإيطالية كانت معتدلة إذا ما قورنت بنظيرتها الألمانية قضيتهم على حجتين: (1) أن الأسلوب الإيطالي في معاداة السامية كان ألين، و(2) أنه لم تحدث عمليات قتل جماعي أوأعمال إبادة عرقية كتلك التي تمت على أيدي النازية الألمانية. وهنا يتجه الباحثون في الفاشية إلى التركيز على معاملة النظام للأقليات اليهودية الأوربية. وقد دعمت هذه الأطروحة بمعلومات من مثل أن الحزب الفاشي كان مفتوحا أمام اليهود، وأن أكثر من عشرين يهوديا انضموا إلى زحف الحزب الفاشي على روما سنة 1922. أكثر من ذلك، ضمت المناصب العليا في الدولة إيطاليين يهودا من مثل آلدوفنتسي Aldo Finzi الذي كان عضوا في المجلس الفاشي الأول، وغويدو يونغ Guido Jung وزير المالية من 1932 إلى 1935، وماوريتسورافا Maurizio Rava حاكم أرض الصومال والجنرال في المليشيا الفاشية. وتحاجج الفيلسوفة حنا آرندت، صاحبة الكتاب الأكثر تأثيرا حول أصول الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، بأنه لم يكن ثمة وجود للمسألة اليهودية في إيطاليا، وأنه فقط بعد الضغط الذي مارسته الدولة النازية الألمانية، قامت إيطاليا بإرسال سبعة آلاف يهودي إلى المعتقلات الجماعية الألمانية. إذ أن الفاشية الإيطالية، بالنسبة إليها، مجرد دكتاتورية عادية. ولقد أسهم مدخلها المنطلق من نزعة المركزية الأوربية في الأسطورة التي مافتئت حية والقائلة بأن الفاشية الإيطالية أقل شرا، بل ومعتدلة.(9)

من جهة أخرى توضح فكتوريا دى غراتسيا Victoria de Grazia أن" القوانين العنصرية الصادرة سنة 1938 صيغت على غرار قوانين نيرمبيرغ Nuremburg الألمانية الصادرة سنة 1935 التي تحرم الزواج بين الجنس الإيطالي والجنس اليهودي. حرمت على الخدم (الآرييين Aryan) العمل في بيوت اليهود، وأبعدت اليهود عن المناصب المؤثرة في الدولة، والتعليم والقطاع المصرفي."(10) تركز دى غراتسيا، الباحثة في الفاشية المقارنة، اهتمامها على أوروبا، ولذا فهي تستنتج أن المحرقة holocaust كانت فريدة من حيث حجم القتل الجماعي لليهود وغيرهم من الأقليات العرقية الأخرى. وعليه فإن منظورها، على الرغم من انتقاده للاتجاه البحثي السائد في بعض الجوانب، يظل مماثلا لتلك المنظورات التي صاغها التوجه approach الأوربي.

• منهج بحثي بديل

عارض أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci ومثقفوما بعد الاستعمار من مثل إيمي سيزير Aime Ceasaire وفرانز فانون Franz Fanon، وعالم الاقتصاد السياسي سمير أمين تأويلات المركزية الأوربية للتاريخ موضحين أنه ينبغي الاعتراف بالاستعمار وتاريخ الشعوب المستعمرة.(11)  ولقد كان غرامشي واعيا بالحروب الاستعمارية الفاشية الوحشية ومنتقدا لها، على الرغم من أنه كان حبيس السجن الفاشي معظم حياته الراشدة.(12) أما فانون فقد جادل في كتابه الشهير: معذبوالأرض (1961) قائلا: "حولت النازية أوروبا إلى مستعمرة حقيقية."(13) ووضع الباحث المختص في اللغات والثقافات الأفريقية محمود ممدني النقاش حول الفاشية والاستعمار والإبادة في سياق جلي بقوله: "ولدت المحرقة في نقطة التقاء تقليدين وسما الحضارة الغربية الحديثة: التقليد المعادي للسامية وتقليد إبادة الشعوب المستعمرة. الفارق في المصير الذي لاقاه الشعب اليهودي هوأنه تمت محاولة تصفيتهم بشكل مبرم. وبهذا الاعتبار كانت حالتهم فريدة- ولكن في أوروبا فقط.".(14) إذا ما آمن المرء بالمبدأ الأخلاقي القاضي بأن جميع الناس، بغض النظر عن أصولهم وتعدادهم، يحظون بنفس الاحترام الجوهري، فينبغي، عندئذ، الاعتراف بجميع أعمال الإبادة وإحصاء جميع الضحايا.

حين ألفت كتابي حول تكوين ليبيا الحديثة منذ عشر سنوات مضت، اكتشفت أن معظم الباحثين في الفاشية والشمولية نظروا إلىالفاشية الإيطالية باعتبارها أقل شرا. ولأن دراساتي- التي انبنت على البحث في المحفوظات والمقابلات الشفوية مع الليبيين الطاعنيين في السن ممن قاتلوا الاستعمار الإيطالي- كشفت عن مدى شناعة هذه الفاشية، فقد شعرت بالإحباط لهذه الحالة المؤلمة من فقدان الذاكرة التاريخي.(15) شرعت، منذ خمس سنوات مضت، في جمع مواد أولية حول المعتقلات الجماعية في ليبيا، وقد وجدت أنه ثمة، فعلا، عدد من الباحثين وصحفي واحد على الأقل كانوا روادا في دراسة أعمال الإبادة في ليبيا وهم: إي. إي. إيفانز برتشارد E.E. Evans-Pritchard، جورجيو روشات Giorgio Roshat، آنجلودِل بوكا Angelo Del Boca، إرك ساليرنو (صحفي)، نيكولا لابانكا Nicla Labanca، روث بن غايت Ruth Ben Ghait، ويوسف سالم البرغثي(16). وعلى الرغم من الفوارق في العمر والخلفيات الثقافية، والمنهج، ومجالات التخصص فيما بين هذه المجموعة، إلا أن القاسم المشترك الوحيد فيما بينها هوتركيزها على أعمال الوحشية الفاشية في ليبيا، خصوصا تلك المتعلقة بالمعتقلات الجماعية فيما بين 1929 و1934.

وكانت أعمال ثلاثة مؤرخين من هذه المجموعة متميزة في هذا المجال: جورجيو روشات ويوسف سالم البرغوثي وروث بن غايت. فقد دحض روشات، المؤرخ الإيطالي الرئيسي، بشجاعة وجهات النظر الرسمية من خلال بحثه في السجلات الاستعمارية حول الإبادة في المعتقلات الجماعية منذ بداية السبعينيات. وكتب البرغثي، مجمعا مقابلات شفوية مع ليبيين ناجين من المعتقل، كتابا ضخما بناء على هذه التواريخ الشخصية. وأصدرت بن غايت، المؤرخة للفاشية الإيطالية، مؤخرا  دراسة نظرية نقدية لافتة لفكرة انخفاض معدل الشر في الفاشية الإيطالية.(17) يقدم هؤلاء الباحثون منظورا مقارنا يضع التجربة الليبية في سياق دراسة أوسع للفاشية الإيطالية يتيح إمكانية تعرية أسطورة اعتدال الفاشية الإيطالية.

• المقاومة الليبية

سنة 1922 استولى الحزب الفاشي الإيطالي على السلطة في روما، واعتبر الممارسة الاستعمارية (المتبعة منذ سنة 1911)، المتمثلة في التعاون مع النخب الليبية المحلية، سياسة فاشلة معتمدا مبدأ رفضها كمكون أساسي من مكونات سياساته. وبذا حض الفاشيون على استخدام القوة العسكرية قصد" تهدئة" سكان المستعمرات الإيطالية. وكانت سياسة الفاشيين الإيطاليين مبنية، مثلها في ذلك مثل الميز العنصري في جنوب أفريقيا والتفوق الآري لدى النازيين الألمان، على التفوق العنصري. فقد شددت هذه السياسة على التراتبية معتبرة أنه يجب على الإيطاليين، من حيث هم جنس متفوق، استعمار الأجناس الأدنى التي تضم، من وجهة نظرهم، الأفارقة. فكانت خطة موسوليني توطين ما بين عشرة إلى خمسة عشر مليون إيطالي في إريتريا والصومال وليبيا، ليسكنوا ما أعلنه" الإمبراطورية الرومانية الثانية."

كانت السياسة الاستعمارية الفاشية في ليبيا تعني أخضاع الليبيين بالقوة. لذا تم إلغاء الحقوق التي كانت معترفا بها قبل 1922 من قبل الحكومة السابقة. تغيرت السياسات التعليمية حسب وجهة نظر التفوق العنصري: فبينما كان المسؤولون الاستعماريون السابقون يتصرفون على أساس" طلينة" الليبيين من خلال التوسع في التعليم، فإن الفاشيين منعوا الثقافة الإيطالية عن أهل البلاد، محلين اللغة العربية مكان الإيطالية في فصول الدراسة، محرمين التعليم على الليبيين بعد الصف السادس، وبهذا المستوى الدراسي لا يمكن لليبيين أن يشتغلوا إلا كعمال.

عهد موسوليني بمهمة "تهدئة" ليبيا إلى مهندس عملية إعادة احتلال جهة طرابلس والجهة الشرقية والمناطق الجنوبية من جهة فزان، الجنرال المتوحش رودولفو غراتسياني Rodolfo Grazian. ورغم نجاحه في أماكن أخرى، اكتشف غراتسياني أن برقة، القسم الشرقي من ليبيا، مثلت التحدي الأقوى للغزوالإيطالي لليبيا، فلقد واجه هذا الجنرال قوة متلاحمة من رجال القبائل والتجار تكونت عبر سبعين سنة من التعليم والتعبئة من قبل الحركة السنوسية بوصفها حركة دينية اجتماعية. إذ بذل السنوسيون جهودهم لتوحيد القبائل العديدة في دولة موحدة ثقافيا وقابلة للحياة اقتصاديا. إذ كان السنوسيون يجبون ضرائب العشر عن الحبوب والأنعام وعن كل قافلة، في تجارة الصحراءالكبرى، تعبر برقة للاتجار في مصر. ومن المهم الإشارة إلى أن أهالي برقة كانوا موحدين بآيديولوجيا الجامعة الإسلامية المعادية للاستعمار. هذه القوى الثقافية والاقتصادية مثلت الملاط اللاحم للوحدة في الجهة الشرقية، الأمر الذي سمح لرجال قبائل برقة أن يقاوموا بنجاح الاستعمار الإيطالي حتى سنة 1932.

قاد الشيخ عمر المختار- الشخصية غير الاعتيادية، ذات التأثير النافذ، البالغ من العمرتسعة وستين عاما- حركة المقاومة المحلية الطوعية التي تصدت للجنرال غراتسياني. ولقد ضم جمهور المقاومة حسنة التنظيم شبكات من العيون حتى داخل البلدات الواقعة تحت سيطرة الإيطاليين. قدر غراتسياني عدد رجال حرب العصابات بحوالي ثلاثة آلاف رجل، وعدد البنادق الموجودة بحوزة رجال قبائل برقة بحوالي 20,000 بندقية. وعلىخلاف الغزاة الإيطاليين، كان البرقاويون على معرفة تامة بأودية وكهوف وشعاب الجبل الأخضر. فخلال سنة 1931 وحدها انخرط رجال حرب العصابات في 250 هجوما وكمينا ضد الجيش الإيطالي. حاول المسؤولون الإيطاليون في البداية رشوة عمر المختار عارضين عليه مرتبا مجزيا ووضعا مريحا، وحين رفض العرض تحرك غراتسياني لسحق المقاومة. وقد تبنى الجيش الإيطالي بقيادة غراتسياني سياسة الأرض المحروقة، وتضمن ذلك قطع التموين عن رجال حرب العصابات من خلال إقامة سياج بطول 300 كيلومتر على الحدود الليبية-المصرية، ليجهز بعد ذلك حملة لاحتلال الكفرة عاصمة التنظيم السنوسي في أعماق الصحراء. إلا أن جيش غراتسياني المجهز بعشرين طائرة وخمسة آلاف جمل جابه مقاومة ضارية من قبل قبيلة الزوية، ولكنه نجح في احتلال الكفرة في 20 فبراير 1931.(18)

نجاح البرقاويين في التصدي لاعتداءات غراتسياني يشكل السياق الذي يمكن أن يفهم من خلاله لماذا أمر موسوليني بييتروبادوليوPietro Badoglio، الحاكم الاستعماري لليبيا، والجنرال غراتسياني بإخماد المقاومة بأي وسيلة تكون ضرورية. وتوضح سجلات المحفوظات أن ستراتيجيا الدولة الفاشية كانت جلية فيما يتعلق بسحق المقاومة، حتى ولو اقتضى ذلك إبادة قاعدتها الاجتماعية المدنية. وقد كانت ردة فعل السلطات الفاشية القيام بتطويق ما يقارب ثلثي السكان المدنيين بشرق ليبيا – وهوما يقدر بـ 110,832 نسمة من الرجال والنساء والأطفال- وترحيلهم بحرا، وسيرا على الأقدام برا، إلى المعتقلات خلال شتاء 1929 القاسي. وهكذا أدى ترحيل السكان إلى إفراغ بوادي برقة وعزل المقاومة فعليا عن قاعدتها الاجتماعية. وحين وجد الثوار أنفسهم معزولين بالكامل ومفتقرين إلى الإمدادات اضطروا إلى التسليم بالأمر الواقع، خصوصا بعد أسر وشنق قائدهم عمر المختار في 16 سبتمبر 1931، واعتقال وقتل معظم مساعديه في 24 سبتمبر 1932.(19)

• المعتقلات الجماعية

كانت سياسات الحكومة الفاشية الإيطالية غير مسبوقة في التاريخ الاستعماري في أفريقيا، إلا أن الباحثين الغربيين لم يعترفوا بالترحيل القسري لسكان بوادي برقة وحشرهم في معتقلات جماعية فيما بين سنتي 1929 و1934، إلا مؤخرا. فالمؤرخ جورجيوروشات اكتشف دليلا على أن الإيطاليين كانوا يحضرون لقتل واسع النطاق في أوساط المدنيين من خلال رسالة كتبت من قبل  الحاكم بادوليو إلى الجنرال غراتسياني في 20 يونيو1930 يقول فيها: "علينا، قبل كل شيء، خلق فجوة جغرافية واسعة ومحددة بشكل جيد بين المتمردين والسكان رعايانا."(20)

صرفت الدولة الاستعمارية ثلاث عشرة مليون ليرة إيطالية على بناء المعتقلات، التي أحيطت بصف مزدوج من الأسلاك الشائكة، كما تم تحصيص الطعام وتقليص المراعي ومراقبتها بواسطة الدوريات. وفي المعتقل الأكبر لم يكن يسمح لأحد بالخروج إلا بإذن مقيد. كانت أعمال السخرة معتادة ولم تكن توجد أية عناية طبية جادة. وفي خارج المعتقلات أمر غراتسياني بمصادرة جميع المواشي. أقيم ستة عشر معتقلا تختلف في أحجامها ودرجة وحشيتها بحيث تتنوع من المعتقلات المحاطة بالأسلاك الشائكة (الشبردق) خارج بلدات مثل دريانة وسوسة والمرج والأبيار وبنغازي وسيدي خليفة وسواني الطيارية والنوفلية والكويفية وإجدابيا، إلى المعتقلات الأوسع والأقسى في سلوق وسيدي حمد المقرون والبريقة. أما معتقل العقيلة، معتقل العقاب الرهيب، فقد أقيم خصيصا لأسر المتمردين (المجاهدين) وأقاربهم.(21)

كانت الأوضاع مدمرة بالنسبة للسكان شبه البدو، وكالعادة كان المرضى والمسنون والأطفال الضحايا الأكثر تأثرا بهذه الظروف، خصوصا نفوق معظم المواشي الذي جعل موت السكان محتما، بسبب زحف المجاعة. وبهذا الصدد كتب عالم الآنثوبولوجيا البريطاني، الخبير بقبائل برقة، إي.إي. إيفانز-برتشارد:

في هذا البلد البائس سيق، في صيف سنة 1930، إلى معتقلات من أضيق ما يمكن 80,000 من الرجال والنساء والأطفال، و600,000 حيوان. وقد نال الجوع والمرض، وكرب القلوب النصيب الأكبر من السكان المعتقلين. مات البدوفي القفص. كان الفاقد في المواشي عظيما أيضا، لعدم إيفاء المراعي الموجودة قرب المعتقلات بما يقيم أود هذه الحيوانات. والقطعان، التي أتى القتال على غالبيتها، كسحتها المعتقلات.(22)

ومع استمرار فرض القيود على المحفوظات الاستعمارية، لم يتوفر لنا سوى القليل من الوثائق عن الحياة اليومية في المعتقلات، إلا إذا لجأنا إلى التاريخ الشفوي الذي رواه بضعة من الليبيين ممن لم تقض عليهم المعتقلات. يوافق معظم الباحثين، بمن فيهم إيفانز برتشاردو روشات ودل بوكا ولابانكا، على أن المعتقلات قضت على القسم الأعظم من السكان. فروشات يلخص بحثه في المصادر الإيطالية كالتالي: " يمثل إسهام العمليات الحربية في تدني عدد السكان نسبة بسيطة، أما القسم الأعظم فقد كان نتيجة الظروف التي أحدثها القمع الإيطالي (المجاعة، والفقر، والأوبئة) والترحيل القسري للناس (التسفير مشيا، الموت بسبب نقص التغذية في المعتقلات، الأوبئة، وعدم القدرة على التكيف مع الظروف الجديدة المرعبة)".(23) ويتفق جميع هؤلاء الباحثين على أن ما لا يقل عن 40,000 نسمة توفيوا في المعتقلات ما بين الإعدام بالرصاص أوشنقا، ونتيجة المرض والجوع، إلا أن البرغثي المؤرخ اللليبي يرفع إجمالي عدد الموتى إلى ما بين 50,000 و70,000. وهويؤسس تقديراته على المحفوظات الليبية والمقابلات الشفوية. يوافق البرغثي على أن العدد الإجمالي للمرحلين يبلغ 110,832 وهورقم أعلى بكثير من التقديرات السابقة لدى برتشارد (80,000) وروشات (100,000).(24) ويلفت دل بوكا الانتباه إلى واقعة تم تجاهلها من قبل معظم المؤرخين، وهي أن عددا مرتفعا من المسنين والكهول والأطفال قد ماتوا أثناء عمليات الترحيل من المرج والبطنان في منطقة الجبل الأخضر في شرق ليبيا إلى صحراء سرت في مسيرة مرهقة تمتد مسافة 657 ميلا. إجمالي عدد القتلى بما فيه قتلى الترحيل القسري والجوع والمرض داخل المعتقل بلغ على الأقل 60,000. ويقدر روشات أن ما تتراوح نسبته فيما بين 90 و95 % من الضأن والماعز والخيول وربما ما نسبته 80 % من الأبقار والإبل نفقت سنة 1934. وقد أسهم هذا النفوق في المواشي في المجاعة والموت بين السكان شبه البدو.(25)

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها إيطاليا بترحيل الليبيين منذ استيلائها على ليبيا سنة 1911 واعتبارها مستعمرة إيطالية. ففيما بين 1911 و1928 تم نفي حوالي 1500 ليبي من المتعاطفين مع حركة المقاومة ضد الاستعمار إلى الجزر الإيطالية. كما تم ترحيل سكان واحة هون كافة إلى البلدتين الساحليتين مصراته والخمس عقب معركة عافية في 31 أوكتوبر 1928. إلا أن ترحيل معظم سكان برقة كان أمرا غير مسبوق. ولقد ترك الكرب الذي كابده هؤلاء في المعتقلات، إضافة إلى افتقاد الكرامة والاستقلالية لفترة طويلة، جروحا نفسية غائرة في الذاكرة الوطنية الليبية.(26) فتجربتهم تحت الاستعمار لا نظير لها، فيما عدا، ربما، التجربة الجزائرية تحت الاستعمار الفرنسي والكونغولية تحت الاستعمار البلجيكي. وفي هذا السياق لابد من ملاحظة أن أول مواجهة كبرى للشعب الليبي مع الغرب كانت حين أصبحت بلادهم مستعمرة خاضعة للحكم الفاشي الإيطالي. وواقع أن معاناتهم التي تضمنت تعرضهم للإبادة لم تدرس جيدا أويعترف بها ولم تجر محاكمة أي مسؤولين استعماريين عسكريين أومدنيين لم يساعد على إزالة ندوب التاريخ.(27)

سنة 1998 أصدرت الحكومة الإيطالية بيانا مشتركا مع الحكومة الليبية يقر ببعض المسؤوليات الإيطالية عن الانتهاكات التي ارتكبت في ليبيا خلال الفترة الاستعمارية فيما بين 1911 و1943.(28) ورغم الترحيب بهذا البيان إلا أن صياغته الغامضة والعامة لا ترقى إلى مواجهة التاريخ الوحشي المعتم عليه لأعمال الإبادة التي جرت في ليبيا تحت الاستعمار الإيطالي. لقد ارتكب الفاشيون الإيطاليون الجرائم داخل إيطاليا وخارجها، والحالة الليبية هي أشد هذه الجرائم وحشية، رغم معاناة شعوب أخرى في يوغوسلافيا وإثيوبيا واليونان من العسف والاعتقال. إن البادرة الإيجابية الإيطالية الأخيرة بخصوص الإقرار رسميا ببعض المسؤوليات عما وقع في ليبيا ينبغي أن تتبع بفتح كامل للمحفوظات الفاشية. عندها، وعندها فقط ، يمكن للمرء الحديث عن اعتراف ومصالحة تاريخيين historical truth and reconciliation.

• إحياء التاريخ الشفهي للإبادة: ميراث الشعر الشعبي

الإحصائيات المسجلة للإبادة بالغة الترويع، والأكثر دلالة من ذلك، ولكنه غائب عن البحوث الأكاديمية الحالية، الطريقة التي صور بها ملايين الليبيين ذكرياتهم عن هذه الإبادة. انشغلت في السنوات الخمس الأخيرة بالبحث عن توثيقات لأناس ممن كابدوا الترحيل أوالمعتقلات الجماعية. هل تركوا يوميات؟. مذكرات؟. وإذا كان منهم من مازال على قيد الحياة فكيف يمكنني الوصول إليهم؟. عثرت فقط على بعض المذكرات المطبوعة، ولكن تم، بفضل مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية في طرابلس، إجراء مقابلات مع عديد من الناجين جمعت في كتاب بعنوان: "موسوعة روايات الجهاد". وحيث أن معظم الليبيين كانوا أثناء الفترة الاستعمارية أميين وكانوا يعتمدون على الذاكرة في مواجهة تاريخ الدولة الرسمي، يكون من غيرالمبالغ فيه وصف بعض المسنين بأنهم مكتبات تمشي على قدمين.(29)  وفي هذا السياق يعد الشعر الشعبي المصدر الأساسي لمعرفة وجهة نظر الليبيين وثقافتهم. وينبغي ألا يمثل هذا مفاجأة، لأن التراث الشفهي والشعر الشعبي[ الشفهي] يحظيان بتقدير بالغ في ثقافة المجتمعات الريفية والبدوية الليبية بسبب كون معظم الناس كانوا أميين في النصف الأول من القرن الأخير(30).

كنت واعيا بأهمية الشعر بالنسبة للمعتقدات الثقافية والأخلاقية، ولكن  بعد قراءتي للكتب التي جمعت الشعر الشعبي الليبي الذي قيل أثناء الفترة الاستعمارية أدركت أنه قد يمثل، أكثر من سواه، أغنى المصادر وأكثرها تجسيدا لتاريخ ليبيا تحت الاستعمار، وخصوصا فيما يتعلق بسنوات الاحتجاز الجماعي من سنة 1929 وحتى سنة 1934. ومن أبرز الأعمال في هذا المجال مذكرات إبراهيم العربي الغماري الميموني الذي كتب عن حياته في معتقل العقيلة( أشد المعتقلات الجماعية سوءا) وسعد محمد أبوشعالة الذي كتب هوالآخر عن الحياة داخل المعتقلات. يقدم هذان العملان شهادة بليغة، إلى جانب ما تقدمه أعمال أخرى للشاعر البارز آنذاك رجب حامد أبوحويش الْمِنِفي الذي اعتقل في معتقل العقيلة وألف قصيدته الملحمية الشهيرة" ما بي مرض". وتعد هذه القصيدة المعروفة من قبل غالبية الليبيين ردة فعل نابضة ومستنكرة لبشاعة المعتقل تسجل تأثير أعمال القتل والمعاناة على شبه البدوالأحرار. لقد كان من دواعي سعادتي أنني اكتشفت وجود نساء شاعرات، من مثل فاطمة عثمان(*) من هون صاحبة قصيدة "خرابين يا وطن" وأم الخير محمد عبدالدايم التي اعتقلت في معتقل البريقة. (31) يقدم هؤلاء الشعراء شهادة بليغة فيما يتعلق بآراء الرجال والنساء الذين عانوا الاقتلاع والنفي والتشريد. فهم يرون أن ما واجهوه هوحرب دينية وتطهير عرقي.

والتلخيص التالي هوإعادة بناء أصيلة وجديدة لتاريخ الترحيل والمعتقلات الجماعية من خلال عيون الليبيين ممن عانوهما مباشرة. وتركز الروايات على موضوعات تجربة الترحيل والحياة اليومية في المعتقلات، والأكل والملبس والسخرة والجوع والمرض، والعقاب والغم والموت والحداد والنضال من أجل البقاء.

السير الإجباري، أوشحن الناس في السفن مع قطعانهم من بوادي برقة، امتد من درنة في الشرق إلى المعتقلات في الصحراء المعزولة بسرت في وسط شمال ليبيا. ولقد وصف الطاهر الزاوي، مؤرخ تلك الفترة، ترحيل أهالي برقة بأنه يوم الحشر الموصوف في القرآن(32). كتب الغماري الميموني: "وأما [أفراد] عائلتي فمنذ صعودهم على ظهر المركب وهم في شبه غيبوبة كاملة متحملين أوساخ سطح المركب وحرارة الشمس نهارا والبرد ليلا".

وفي مساء اليوم الثاني وصل المركب إلى مرسى العقيلة وكانت الريح عاتية فرجعت بنا إلى جزيرة صغيرة للاحتماء بها إلى الصباح، وكانت طيلة الليل وهي تموج يمينا ويسارا فكانت ليلة مرعبة لا تسمع إلا خضيض النساء وصراخ الأطفال، والكل يتقايء [كذا] ولا تجد أحد [كذا] إلا وعلى أكتافه وظهره كل أنواع الأوساخ ولا في استطاعتك أن تمد رجلك أويدك. (33)

لم يكن سالم مفتاح بورواق الشلوي قد تجاوز الثالثة عشرمن عمره حين رُحلت أسرته، على متن سفينة، من درنة إلى بنغازي، ومن ثم إلى معتقل الزويتينة. قال: "بمجرد (*) أن وصلنا الزويتينة أخذ الحراس يدفعوننا نحو الشاطيء. الآمر العسكري البغيض لمعتقل العقيلة العقيد باريلا خطب في المرحلين قائلا: "يا قبيلة العبيدات، ستحتجزون في معتقلي العقيلة والبريقة إلى أن تموتوا، وبذلك يكون لنا حكم إيطالي مستقر في ليبيا." ، ثم توجه إلى شابة ليبية ولامس خدها قائلا:" خدك أبيض الآن ولكنه سرعان ما سيسود ويصبح كوجه الخادمة السوداء."(34)

وثائق السير الذاتية هذه وهذا التاريخ الشفهي، يشيران إلى أن هدف السياسة الفاشية كان تدمير الثقافة وليس الأفراد فقط.

• الحياة اليومية في المعتقلات

كان حراس المعتقلات جنودا إيطاليين استعماريين من إريتيريا وليبيا. كان العسكريون الإريتيريون رعايا إيطاليين جندوا باعتبارهم عمالة عسكرية رخيصة للخدمة مع الجيش الإيطالي في ليبيا منذ بداية الغزوفي سنة 1911. وبحلول سنة 1929 تمكنت الحكومة الاستعمارية الإيطالية من إيجاد متعاونين ليبيين اشتغلوا كأدلاء وحراس وجواسيس ومستشارين وجنود(35). وقد اختزلوا الحياة اليومية لسجنائهم المدنيين إلى مجرد التنظيف وشحن البضائع وتفريغها وجمع الحطب والعمل سخرة في المشاريع الكبرى والاهتمام بالمرضى والموتى. كان على المعتقلين جميعهم تحية العلم الإيطالي وحضور عمليات إعدام أولئك المتهمين بالتعاون، بأي شكل من الأشكال، مع المقاومة ضد الاستعمار. وكل أمارة من أمارات عدم الرضى أوالامتناع عن تحية الآمر أوالعلم الإيطالي كانت تجر على صاحبها الإهانة اللفظية والعقاب الجسدي المتمثل في الجلد بالسوط والحبس الانفرادي، ولقد وصفت الشاعرة أم الخير الحراس بكونهم أقرباء الشيطان.(36) ويحكي سالم الشلوي عن الزمن الذي كان يتم فيه، في معتقل العقيلة، جلد الرجل الذي لا يؤدي التحية للآمر مئة جلدة بالسوط. وحين يرفض القول:" عاش ملك إيطاليا." يجلد سبعمئة جلدة أخرى.(37)

• الطعام واللباس

كان الطعام شحيحا. ويذكر الناجون أنه كان يقدم لهم الأرز أحيانا ولكنهم غالبا ما كانوا يتقوتون برطل من الشعير ذي النوعية الرديئة يمنح لهم أسبوعيا، وبمصادرة أوموت قطعانهم عانى المعتقلون سوء التغذية والموت. يقول سالم الشلوي:" أكل(**) الكثيرون منا في معتقل العقيلة الأعشاب والفئران والحشرات[ في حين] فتش آخرون في روث الحيوانات بحثا عن الحبوب من أجل البقاء على قيد الحياة.". (38)

وأفاد علي محمد سعد العبيدي قائلا:" أحصينا(*) مرة حوالي 150 جثمانا( معظمهم من المسنين والأطفال) والمقبرة تشهد على ذلك."(39). أما محمد مفتاح عثمان فقد ذكر بأن قبيلة العبادلة وحدها فقدت خمسمئة شخص جراء المجاعة.(40)

ومع انعدام القدرة على شراء الملابس اضطر كثير من المحتجزين إلى الاستمرار في ارتداء نفس الملابس التي كانوا يرتدونها لمدة ثلاث سنوات، فتحولت ثيابهم إلى أسمال، وهوما يمثل إمعانا في إهانة نساء البوادي اللاتي يقمن اعتبارا كبيرا للملابس المحتشمة.(41) وقد رصد الشاعر محمد ياسين ضاوي المغربي عن افتقاد الكرامة هذا في قصيدته" شفت شيخ" التي يصف فيها حالة شيخ مسن محترم وحسن اللباس ينتهي به الحال في المعتقل مرتديا ملابس ممزقة متسخة، وكيف كان إحساسه بالاتضاع منعكسا على وجهه وحركاته.(42) أحد الناجين من المعتقلات قال بأنه في حالات الزواج القليلة التي كانت تعقد في المعتقل كان المهر ربع رطل(**) من السكر.(43)

يرصد الشاعر رجب أبوحويش المنفي هذا الإذلال وهذه الخشونة إزاء النساء، اللاتي يفترض في رجالهن البدوالشجعان أن يحموهن، بالقول:

ما بي مرض غير شغل الطريق... وحالي رقيق
ونروح وما طاق البيت ريق
وسواطنا قبال النسا في الفريق... وقبينا زطيله
ما طاقنا عود يشعل فتيله

ما بي مرض غير ضرب الصبايا ز... وجلودهن عرايا
ولا يقعدن يوم ساعة هنايا
ولا يختشوا من بنات السمايا... بقول يا رزيله
وعيب قبح ما يرتضى للعويله

ما بي مرض غيرسمع السوايا... ومنع الغوايا
وفسدة الِّي قبل كانوا سمايا
وربط النساوين طرحى عرايا... بسبله قليله
يديروا لهن جرم ما فيه قيله.
ما بي مرض غير قولة اضربوهم... ولا تصنعوهم
وبالسيف في كل شيء خدموهم
ومقعد مع ناس ما نعرفوهم... حياة عويله
إلا مغير ماعاد باليد حيله.

ما بي مرض غير زمط العلايل... وديما نخايل
على خيلنا والغلم والشوايل
وخدمه بلا قوت والسوط عايل... معيشه رزيله
على اثر الدباويش جوا للعويله.(44)

 السخرة

كانت السخرة جانبا آخرمن جوانب الحياة في المعتقل. فلقد أجبر المعتقلون الليبيون على العمل في بناء سياج بين ليبيا ومصر، وفي تعبيد طريق ساحلي جديد فيما بين سرت وبنغازي. ولقد تضافرت عوامل العقاب والجوع وعدم توفر مستلزمات الصحة العامة وغياب الحد الأدنى من الرعاية الصحية على نشر الأمراض التي قادت، في النهاية، إلى معدلات الوفيات العالية. أصيب البعض بالجنون ووقع البعض الآخر فريسة الاكتئاب.(45) لقد توسلت الشاعرة أم الخير من الله أن ينهي معاناة المسلمين إما بتعجيل وفاتهم أوبتمكينهم من دحر المستعمرين الإيطاليين. وعلى حين قضى، في النهاية، معظم المعتقلين في المعتقلات جراء الجوع والمرض، حمل الناجون منهم معهم خسارتهم كرامتهم الإنسانية واستقلالهم وأساهم وحزنهم.(46)

ولقد عبر الشاعر رجب بوحويش المنفي، الناجي من معتقل العقيلة، عن هذه الخسارة للكرامة والاستقلالية ربما بأسلوب أبلغ من سواه من الشعراء الآخرين في فترة الاستعمار. وقصيدته الملحمية" دار العقيلة"( التي قيلت في تلك الظروف) تستحق الترجمة وإيلاءها عناية خاصة. فهوينتمي إلى نفس القبيلة التي ينتمي إليها قائد المقاومة عمر المختار، ولفهم قصيدته على المرء عدم إغفال هذه الخلفية. لقد كان ينتمي إلى قبيلة كانت مستقلة ذاتيا قبل الغزوالإيطالي في سنة 1911. لم يتكلم عن الفردانية والخلاص الشخصي وإنما عبر عن ردة فعله كعضو في مجتمع قرابي متضافر collective kinship community متمسك بقيم الفروسية والحرية والكرم والكرامة وفضاء حياة البداوة الرحيب. ينتمي المنفي إلى ثقافة ابتدعت نظاما يعارض  التعاون مع المستعمر كان قد ازدهر تحت الحركة الاجتماعية السنوسية منذ زمن طويل قبل الغزوالإيطالي لليبيا، وكذلك بعده. ولقد كان أيضا رجلا متعلما، فقيها[ معلما دينيا في الكتاب] تلقى تعليمه في الزاوية السنوسية ومعهد الجغبوب.(47) يبدأ قصيدته بالإعلان عن أن مرضه الوحيد هوعيشه في معتقل العقيلة وما جره عليه من مآس، خصوصا فقده لأقاربه الأحباء من الرجال والنساء:

ما بي مرض غير طولة لجالي... وضيعة دلالي
وفقدة أجاويد هم راس مالي

يونس الِّي كيف صيت الهلالي... كرسي القبيلة
امحمد وعبد الكريم العزيلة
وبوحسين سمح الوجاب الموالي... والعود ومثيله
راحوا بلا يوم ذايب ثقيلة
ما بي مرض غيرفقد الصغار... أسياد العشار
الِّي لقطوا كيف تمر النهار
الضرابين للعايب صدار... نواوير عيله
ما ينظروا بقول ناسا ذليله

ما بي مرض غير غيبة أفكاري... وبينة اغراري
وفقدة ضنا السيد خيوة مطاري
موسى وجبريل سمح السهاري... اسياد الخويله
ما ينطروا بقول داروا عويله

ما بي مرض غير بعد العمالة... وحبس الرزاله
وقلة الِّي م الخطا ينشكاله
وغيبة الِّي يحكموا بالعداله... النصفه قليلة
والباطل على الحق واخذ الميله

ما بي مرض غير خدمة بناتي... وقلة هناتي
وفقدة الِّي من تريسي مواتي
وريحة غزير النصي بوعتاتي... العايز مثيله
يهون على القلب ساعة جفيله

ما بي مرض غير فقدة نواجع... ونا ما نراجع
والِّي لقاهن لا جفا لا مواجع
ولا ينظروا غير حكم الفواجع... وريقه طويله
ولسان مرشَّر من ضرب الثقيلة

ما بي مرض غير قل المحامي... ولينة كلامي
وهونة أجاويد روس المسامي
وريحة الِّي خايلة باللجامي... غريمة الهميله
منقودة التناسيب نقدة الريله
لا حيل لا قدرة لا جهد... لشيل الثقيله
زاهدين في العمر لوجا وكيله

ما بي مرض غير برمة أفلاكي... وهلبة أملاكي
وضيقة دار واشون قاعد متاكي

الفارس الِّ كان يوم الدعاكي... ذرا للعويله
يساسي ورا قرد مقطوع ذيله
وكل يوم الظلم نا نوض شاكي... ونفسي ذليله
وكيف المرا مانفك العقيله

ما بي مرض غير ميلة زماني... وقصة لساني
وما نحمل العيب والعيب جاني.

وفي نهاية القصيدة يطلب الشاعر اللطف من الله:

الدايم الله راح راعي المجم... طغى ضي ظلم
العاصي علىطول ما يوم سلم
لولا الخطر فيه باش نتكلم... ونعرف نشيله
ونعرف نبين ثناه وجميله.

ترشح هذه القصيدة الملحمية، أكثر من أية قصيدة أخرى، بآثار الاحتجاز والاقتلاع، المرض، وتحمل المعاناة التي تشكل موضوعة مشتركة بين قصائد عديدة. وهي تباده القارئ باعتبارها بديلا مهما للموت-" الحل الأخير"- مجسدة روح المقاومة والكرب. النظير الوحيد لقصيدة المنفي الباهرة هوقصيدة فاطمة عثمان" خرابين يا وطن" التي ألفتها بعد أن شاهدت تسعة عشر رجلا مشنوقين من قبل الجيش الإيطالي في بلدتها هون، عقابا لهم على تعاونهم مع المقاومة ضد الاستعمار سنة 1929. أما بقية الأهالي في بلدتها فقد هجروا إلى البلدتين الساحليتين مصراتة والخمس.

• بيان شخصي

أحب أن أشير هنا إلى صلتي الشخصية بأعمال الإبادة في المعتقلات الجماعية والسياق الأشمل لضحايا الاستعمار الإيطالي عموما. فلقد عايش جدودي الحقبة الاستعمارية وشهد أبواي مرحلتها الأخيرة في أربعينيات القرن العشرين. أنفق جدي سنوات مراهقته مقاتلا في سبيل الحرية ضمن المقاومة ضد الاستعمار وقضت جدتي في المنفى- بعيدة عن موطنها- في تشاد قبل ولادتي. وعندما قدمت إلى الولايات المتحدة كطالب دراسات عليا كنت أحمل معي كرب عائلتي الناجم عن تشريدهم ونضالهم في سبيل البقاء، كما كنت أحمل أيضا حبهم للتاريخ الشفهي والشعر الشعبي. حين كنت طالبا في جامعة القاهرة نشرت، على مدى ثلاث سنوات، قصائد في الأركان الأدبية في أبرز صحيفتين ليبيتين آنذاك، هما الفجر الجديد الأسبوع والثقافي. وكأستاذ وعالم علوم سياسية وتاريخ سياسي، في الولايات المتحدة، عملت على الإدلاء بحكايات متفرقة عن أسرتي والتاريخ الإنساني المهمش للشعب الليبي كما عبر عنه الشعر الشعبي الليبي في المعتقلات.(48) منذ ثلاثينيات القرن العشرين نقل الليبيون الشباب، مشافهة، ذاكرتهم من جيل إلى الذي يليه. وفي ضوء هذه الاحداث نما لدى الليبيين شعور عميق بعدم الثقة بالاستعمار والسياسات الغربية عموما. يركز منتقدوالفاشية الجديدة على قوانين النظام الفاشي( 1922-1945) المعادية للسامية، إلا أن عدة معلقين يلاحظون أن القوانين المعادية للسامية ظهرت في زمن متأخر من الحقبة الفاشية وبفعل الضغط الذي مارسته ألمانيا النازية. وهذه الواقعة هي التي أنتجت الأسطورة الزاعمة بأن الفاشية الإيطالية كانت صورة ملطفة كثيرا من الفاشية [ مقارنة بالصورة الألمانية] وهي أسطورة، لأنها تنظر إلى الفاشية الإيطالية فقط على ضوء ممارساتها في أوروبا، متجاهلة البشاعات التي قترفت في كل من ليبيا وأثيوبيا. كان تعداد الليبيين يقدر بـ: 1.5 مليون نسمة عند بداية الغزوالإيطالي سنة 1911، توفي منهم نصف مليون في المعارك أوبسبب الأمراض والجوع والعطش، وأجبر 25,000 آخرون على اللجوء إلى مصر وتشاد وتونس وتركيا وفلسطين وسوريا والجزائر. سنة 1935 انتقت الحكومة الاستعمارية الفاشية 20,000 شاب ليبي، من ضمنهم بعض الشباب الذين كانوا محتجزين مع أسرهم في المعتقلات الجماعية، ليحاربوا، كعمالة حربية رخيصة، في غزوأثيوبيا. ولا تعد هذه سياسة جديدة. فمنذ البداية، سنة 1911، جندت الحكومة الاستعمارية أكثر من 20,000 إرتيري لاستخدامهم في غزوليبيا.

علينا ألا ننسى الأفعال الفاشية الشريرة في كل من أوروبا وليبيا. إن فكرة" الفاشية الإصلاحية"- المتزامنة مع ظهور الحزب الفاشي الجديد في إيطاليا- لهي أسطورة جديدة خطرة ينبغي عدم التسامح معها. لقد آن الآوان لظهور دراسات نقدية للفاشية الإيطالية تنبذ وجهة نظر المركزية الأوربية تجاه الفاشية، وذلك بالالتفات إلى أعمال الإبادة في المستعمرات غير الأوربية والإلحاح على المسؤوليات الأخلاقية والسياسية للدولة الإيطالية إزاء فتح المحفوظات، كي نعرف كم هيكلا عظميا يوجد، في مخدع الفاشية.(49)


راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]

 


الهوامش

(1) Ruth Ben-Gait, "A Lesser Evil? Italian Fascism in the Totalitarian Equation," in The Lesser Evil: Moral Approach to Genocide, eds. Helmut Dubiel and Gabriel Motzkin( New York: Routledge, 2004) 137-53; Adrian Lyttelton, " What Is Fascism?"The New York Review of books, October 21, 2004, 33-36; and R. J. B. Bosworth, Italian Dictatorship (London: Arnold, 1998), 3-4.

(2) John P. Diggins, Mussolini and Fascism: The View from America (Princeton, nJ: Princeton University Press, 1972),6.

(3) Diggins, 241.

(4) Gregory Dale Black, "The United States and Italy 1943-1946: The Drift Toward Containment" ( Ph. D. diss., University of Kansas, 1973), 13-14

(5) On Italian historiography, see Peter Gran, beyond Eurocentrism: A New World View of Modern History (Syracuse University Press, 1996), 88-121. Also on Italian orientalism, see Anna Baldinetti, Orientalismo e Colonialismo La ricerca di cousenso in Egitto P L'impesadi Libia (Roma: Insitituutio per L'oriente"C. A. nallino," 1977)

(6) Diggins, 243; Stanley Kauffmann, " Under Florentine Skies, New Republic 2 220, no. 23 (June 7, 1999): 30

(7) Alan Cowell, "The Ghost of Mussilini Keeps Rattling His Chains," New York Times, June 1, 1994, 3; James O. Jackson, " Fascism Lives," Time, June 6, 1994; and Ian Fisher, " New Italian Minister Sheds Far-Right Image," New York Times, November 19, 2004. For a sympathetic view of fascism, see Renzo De Felice, Interpretations of Fascism (Cambridge: Harvard University Press, 1977). On the historiography of Nazism, see Ian Kershaw, The Nazi Dictatorship (London: Edward Arnold, 1993).

(8) "Duce with the Laughing Face," People, April 27, 1992, 70.

(9) Hanna Arendt, Eichman in Jerusalem ( London: Penguin Books, 1994), 178-80, and her other book, The Origins of Totalitarianism ( New York: Harcourt, Brace and Jovanovich, 1973), 2, 5, 7, 8.

(10) Victoria de Grazia, "Will Il Duce's Successers Make the Facts Run on Time?" New York Times, May 14, 1994, 21.

(11) For a critique of Eurocentrism, see Samir Amin, Eurocentrism (New York: Monthly Review Press, 1980). Carl Levy recently wrote a comprehensive review of the comparative analysis of fascist movements still centered on Europe:"Fascism, National Socialism and Conservatives in Europe, 1914-1945," Contemporary European History, 8, no. 1 (1999): 97-126.

(12) See David Forgacs, ed. The Antonio Gramsci Reader (New York:New York University Press, 2000), 112-13, 149.

(13) Franz Fanon, The Wretched of the Earth ( London: Penguin, 1967), 75; and Aime Ceasaire, Discourse on Colonialism (New York: Pantheon 1988), 12.

(14) Mahmood Mamdani, Good Muslim, Bad Muslim (New York: pantheon Books, 2004), 7.

(15) See my book, The Making of Modern Libya: State Formation, Colonialism, and resistance, 1830-1932 (Albany: State University of New York Press, 1994), 135.

[ كتاب المؤلف، ترجم إلى العربية تحت عنوان: المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا. دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لحركات وسياسات التواطؤ ومقاومة الاستعمار 1830-1932. مركز دراسات الوحدة العربية. سلسلة أطروحات الدكتوراه (26). بيروت1995.]

(16) An early analytical analysis of the brutal fascist policies in Cyrenaica is made by E. E. Evans-Pritchard, who was writing intelligence reports for the British army in 1945. See his book: The Sanosi of Cyrenaica ( Oxford: Oxford University Press, 1949),160-89. For an overview of the critical Italian scholarship on fascism, see Nicola Labanca, "Intramento Coloniale Italiano," in I campi di Concentratamento in Italia, ed. Colstantino Di Sante (Milan: Franco angeli, 2001), 40-67.

(17) For a recent study of modern genocide, see Robert Gellately and Ben Kiernin, eds., The Spector of Genocide: Mass Murder in Historical Perspective (Cambridge: Cambridge University Press, 2003). For the earliest analysis of genocide( in Libya) in Italian scholarship, see G. Shohat, Il Colonialismo Italiano (Turin: Loescher, 1973); Angelo Del Boca, Gli Italiani in Libia: Dal Fascismo a Gheddafi ( Roma-Barie: Lateraza, 1988); and Eric Salerno, Genocido in libia (Milan: SugarCo, 1979).

(18) I dealt with this question ten years ago in chapter 5 of my book The making of Modern Libya, 103-40. For a detailed record of the atrocities of Italian colonialism in Libya, see the book by the exiled Libyan Anti-fascist Committee, هيئة تحرير ليبيا، الفادي الحمر السود: من صفحات الاستعمار الإيطالي في ليبيا. ط2 (القاهرة: مطبعة الكرنك، 1933، 1948).

(19) See the collection of essays on the repression of the Libyan resistance and the concentration camps of 1929 to 1939 by Enzo Santarelli et al., eds. Omar al-Mukhtar, trans. John Gilbert (London: Darf Publishers LTD., 1986).

(20) See G. Shohat's seminal study, "The Repression of Resistance in Cyrenaica (1927-1931)," in Santarelli et al., 73.

(21) Enzo Santarelli, "The Idiology of the Libyan 'Reconquest," and Shohat, "The Repression," both in Santarelli, Omar al-Mukhtar, 11-34 and 72-79.

(22) Evans-Pretchard, The Sanusi, 189.

(23) Roshat, "The Repression," Santarelli, Omar al-Mukhtar, 96-7, and his earlier article"Il genocide Cirenaica," Belfagor 35, no. 4 91980); 449-54.

(24) يوسف سالم البرغثي" المعتقلات والأضرار الناجمة عن الغزوالإيطالي"، في: عمر المختار، تحرير، عقيلة البربار.( مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية:1983)، 146—47.

(25) Angelo Del boca, Gli Italiani in Libia II, 175-232.

(26)  للاطلاع على سيرة فاطمة عثمان والنص الكامل لقصيدتها، ينظر: عبدالله زاقوب، " شهادات المرأة زمن الحرب"، مجلة الثقافة العربية( 1980): 85-117.

(27) Ben Ghait, "A lesser Evil," 140.

(28) خالص امتناني للدكتور محمد الجراري الذي أفادني سنة 1998 عن البيان الرسمي الحكومي الإيطالي المتضمن الاعتراف ببعض المسؤوليات عن الجرائم الاستعمارية الإيطالية. كان البيان عاما ومتكونا من صفحة واحدة. انظر"البيان الليبي-الإيطالي" BBC News, July 10, 1998.

(29)  قام مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية بجمع الروايات الشفهية عن الحقبة الاستعمارية عملا بنصيحة المؤرخ Jan Vansina من جامعة Wisconson,Madison سنة 1977. ولقد كان من حظي أن تمكنت من الاطلاع على هذه الروايات التاريخية الشفهية في روايات التاريخ الشفهي بالمركز في طرابلس، ليبيا.

(30) For an introduction to the method of oral traditions and history, see Jan Vansina, Oral Traditions: A Study in Historical Methodology (Chicago, IL: Aldine Publishing Company, 1956). And Oral Traditions and History (Madison: University of Winsconson press, 1985).

(31) الميموني، ذكريات معتقل العقيلة( مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 1995) وسعد محمد أبوشعالة، من داخل المعتقلات (المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، 1984).

(32) الطاهر الزاوي، عمر المختار( مكتبة الفرجاني، طرابلس، 1970)، 166.
(33) الميموني، 68.

(34) سالم مفتاح بورواق الشلوي، مقابلة أجراها معه يوسف سالم البرغثي، 25 يونيو، 1981، موسوعة روايات الجهاد (مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، طرابلس).

(35) نفسه.
(36) عبد العالي أبوعجيلة، أم الخير: شاعرة معتقل البريقة (المكتبة الوطنية، بنغازي، د. ت.)،73.
(37) سالم مفتاح بورواق الشلوي، مقابلة أجريت معه سنة 1981.
(38) سالم مفتاح بورواق الشلوي، مقابلة أجريت معه سنة 1981.
(39) البرغثي، المعتقلات،" 146، الميموني، ذكريات، 71. وانظر كذلك: سالم مفتاح بورواق الشلوي، مقابلة أجريت معه سنة 1981.

(40) عثمان عبدالسلام العبار، رباب أدهم، محرران، في: التاريخ الشفهي، ج، 29 (مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، طرابلس، 1991)، 228؛ ومحمد عبدالقادر العبدلي في: أبوشعالة، من داخل، 43.

(41) سالم مفتاح بورواق الشلوي، مقابلة أجريت معه سنة 1981.
(42) سعد عبد الرحمن الحنديري وسالم حسين، محرران، قصائد الجهاد، ج 1. (مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، طرابلس، 1984)، 180-81.
(43) خليفة جاد الله مدرود، مقابلة أجراها معه يوسف سالم البرغثي، 24 يونيو1981، موسوعة روايات الجهاد (مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية).
(44) انظر: حسين نصيب المالكي، شاعر معتقل العقيلة( بنغازي. د. ت.)
(45) محمد عبدالقادرالعبدلي، في: أبوشعالة، من داخل، 48.
(46) انظر: أبوعجيلة، أم الخير، 26-27.
(47) للاطلاع على سيرة الشاعر رجب المنفي، انظر: المالكي، شاعر معتقل، 4، 10، 41-51.
(48) للاطلاع على النص الكامل لهذه القصيدة الملحمية، انظر: المالكي، شاعر، 41-51.

(49) أحد التطورات الإيجابية التي تمت بعد إعلان إيطاليا (سنة 1998) إقرارها ببعض المسؤوليات عن آثار استعمارها لليبيا، هوالتعاون الذي نشأ بين الباحثين الليبيين والإيطاليين بـمركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية) في طرابلس والمعهد الإيطالي للدراسات الأفريقية والشرقية. Instituto Italiano per L'Africa e L'Oriente وقد تمثل هذا التعاون في ثلاثة مؤتمرات بحثية، نشرت أعمال اثنين منهما مؤخراـــ انظر: F. Sulpizi and S. H. Sury, eds., Primo Convegno su gli Esaliate Libici nel Periodo Coloniale 28-29 Otobre 2000 (Roma: Centro Libico per gli Studi Storici, 2002); and Anna Baladinetti, ed., Moden and Contemporary Libya: Sources and Historiographies (Roma: Instituto Italiano per L'Africa e L'Oriente, 2003). ) ولقد وعدت الحكومة الإيطالية أيضا بتزويد ليبيا بخرائط مواقع الألغام الأرضية ومعلومات حول المصير الذي آل إليه عديد المنفيين الليبيين المجهولين الذين نفيوا فيما بين عامي 1911و1943.


 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع