مختارات من كتاب 2/8/2015 11:56 مختارات من كتاب "ليبيا التي لا نعرفها" للدكتور علي عبد اللطيف احميده (9) والأخيرة
د. علي عبد اللطيف أحميده بحث

الفصل الرابع/ لماذا سقط القذافي لامحالة؟

راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]


انتهت المعركة. وسواء هزم العقيد معمر القذافي المتمردين بشرق ليبيا أم لا، فقد انتهت أي شرعية كان يتمتع بها من قبل. لديه أسلحة ودبابات وطائرات، ولكنه خسر عناصر المجتمع الليبي التي كانت مستعدة في السابق لأن تنتظر مع الأمل بأن يحدث إصلاح سياسي. وتقتصر دائرة دعمه حاليا على حلفاء متعصبين ومرتزقة أجانب. ربما يفوزون في الميدان، ولكنهم يخسرون في نهاية المطاف.

لقد كانت الانتفاضات داخل تونس ومصر أحداثا مشجعة على ذلك، ولكن حصلت المقاومة على محفزها الرئيسي من تجربة الاستعمار القاسية الليبية. الشيء الأكثر وضوحا في لغة التمرد هو أن كيف الفكرة المناهضة للاستعمار التي استخدمها العقيد القذافي تحولت حاليا ضده، وتُستخدم حاليا على موقعي "تويتر" و"فيس بوك". وحتى مع تعرضهم للهجوم من جانب قوات العقيد القذافي، إلا أن الثوار عارضوا الدعوة لتدخل غربي قوي على الرغم من دعمهم لفرض حظر جوي.

ويوضح تاريخ ليبيا السبب وراء ذلك، في الفترة من عام 1911 حتى 1943، مات نصف مليون ليبي تحت الحكم الإيطالي، ومن بينهم 60 ألفا في معسكرات اعتقال يديرها الفاشيون. ويعود المنحى الشعبوي القومي الذي اعتمد عليه العقيد القذافي إلى صدمات الحقبة الاستعمارية، وتم إخفاؤها خلال الملكية التي حكمت في الفترة من 1951 حتى 1969.

وقاد النظام، الذي ظهر بعد انقلاب أبيض عام 1969، ضباط، من بيئات أدنى الطبقة المتوسطية، مثلوا جميع المناطق الليبية الثلاث، وحظوا بدعم مواطنين الكثير منهم يعيش في الريف. وعلى الرغم من أنه كان مناهضا للاستعمار ومناهضا للشيوعية ودعا إلى قومية عربية وهوية ثقافية إسلامية، فإن الحكومة الجديدة لم يكن لديها أجندة سياسية لها شكل واضح. وبدلا من ذلك كانت تبحث في دليل، يوضح الطريق، في ثورة 1952 المصرية. وأضاف فصيل القذافي، الذي عزز السلطة عام 1979، إلى هذا المزيج الأيديولوجي تصوراته عن مجتمع اشتراكي رعوي يعتمد على السكان الأصليين وتدعمه عوائد النفط وعمال من الخارج.

وأساء محللون غربيون، ركزوا على شخصية الزعيم الليبي وأسلوبه الغريب، تفسير نظامه، وقالوا إنه انحراف تاريخي. وفي الواقع، فإنه نظام متجذر في ليبيا الجنوبية الوسطى، بثقافتها الإسلامية وشبكاتها العائلية وخوفها من دولة مركزية وعدم الثقة في الغرب. لقد حول العقيد القذافي المنحى المعادي للاستعمار والقومية الليبية إلى ايديولوجيا ثورية، مستخدما لغة يفهمها الليبيون العاديون. واستخدم كاريزمته من أجل حشد الليبيين والهجوم على خصومه. يتحدث ويأكل ويلبس مثل رجل قبلي ريفي بدوي.

ولكن "القبلية"، التي تذكر كثيرا في تغطية الثورة، ليست سمة سرمدية في المجتمع الليبي. لكنها كانت مجرد صورة لأسلوب العقيد القذافي في الحكم القائم على بث الفرقة والغزو. ومن أجل إضعاف المعارضة من الطلبة والمثقفين والطبقة المتوسطة، استخدم النظام الحاكم سياسة "البدونة"، مهاجما ثقافة حضرية، وروج لطقوس واحتفالات وموسيقى وثياب ريفية، وقام بإحياء مؤسسات مثل مجالس القيادة القبلية. وخسرت العاصمة طرابلس الكثير من طابعها الحضري مع نموها.

وعلى مدار عقديها الأولين، أحضرت الثورة الكثير من المكاسب إلى الليبيين العاديين: تعليم واسع النطاق ورعاية صحية مجانية وتحسين في الظروف المعيشية. واستفادت النساء على وجه الخصوص من ذلك، وأصبحن وزيرات وسفيرات وقائدات لطائرات وقاضيات وطبيبات. وحصلت الحكومة على دعم واسع من الطبقات الأدنى والمتوسطة.

ولكن بدءا من الثمانينات، قوضت المركزية المبالغ فيها والقمع من جانب القوات الأمنية وانهيار حكم القانون من تجربة الشعبوية المحلية. وضعفت مؤسسات مثل المحاكم والجامعات والاتحادات والمستشفيات. كما ذبلت أو اختفت بعض الروابط المدنية التي جعلت المجتمع الليبي يبدوا أكثر ديمقراطيا من دول الخليج العربي خلال السبعينات. ومثل المناخ الدولي العدائي والتقلبات في عوائد النفط ضغوطا إضافية على النظام الحاكم.

وردا على ذلك من خلال تحويل طقوسه الخاصة بعبادة البطل إلى كلام عن الايديولوجيا الأفريقية. كما تحول أيضا إلى أعمال العنف. وبعد محاولات انقلاب متكررة، قام بالإجهاز على معارضين وسجنهم ونفيهم. وعين في القوات الأمنية أقارب وحلفاء يثق فيهم من وسط وجنوب ليبيا. وخلال التسعينات، ومع تأثير العقوبات الاقتصادية وتدهور التعليم بدرجة أكبر على الصحة وارتفاع معدلات البطالة، أصبح الاقتصاد معتمدا بدرجة أكبر على النفط وأصبح النظام الحاكم فاسدا بقدر أكبر.

ولكن ما لم يحظ بالاهتمام منذ بدء الثورة في منتصف فبراير (شباط) هو التحول الديموغرافي الذي جعل ذلك ممكنا، حيث يعيش 80 في المائة من الليبيين حاليا داخل مناطق حضرية ومدن صغيرة وكبيرة. ولدى ليبيا اليوم اقتصاد عصري وارتفع معدل القادرين على القراءة والكتابة. ويضم قادة الانتفاضة محامين وقضاة وصحافيين كتابا وأكاديميين ونشطاء مهتمين بحقوق الإنسان وضباط جيش سابقين ودبلوماسيين – نخبة كبيرة عانت من الاضطهاد ونفذ صبرها.

ولو رد العقيد القذافي بانفتاح على دعوات الإصلاح ولم يبالغ في الرد على الانتفاضات داخل تونس ومصر، ربما تم استرضاء النخبة الحاكمة وتجنب التمرد العنيف. ولكنه فجره. وبمجرد أن قام الجيش والشرطة التابعان له بإطلاق النيران على المحتجين، أطلق العنان لحالة السخط داخل المجتمع الليبي، وقد تأخر الوقت ولم يعد في مقدور النظام الحاكم السيطرة عليه. وخلال الأسابيع الأخيرة حظيت الثورة بدعم من أماكن ريفية كانت موالية للقذافي تاريخيا. وبغض النظر عن كمية الدماء التي تسقط حاليا، فإن الانتفاضة لن تتوقف. ولكن عبء حكم نظام القذافي ثقيل وكبير. وأيضا هناك مخاوف من سرقة الثورة لأجندات الدول.


السياق الاقليمي والدولي لثورة 17 فبراير في ليبيا


المعارك الطاحنة الدائرة الآن بين شباب ثورة 17 فبراير ونظام العقيد معمر القذافي في وسط وغرب ليبيا لها دلائل واضحة تعني، برغم عناد النظام القائم وتملكه كتائب أمنية وأسلحة أقوى من أسلحة الثوار الشباب، أولا خسارة القذافي ونظامه الشرعية الاجتماعية والأخلاقية. بالذات خسر النظام دعم عناصر عديدة داخل المجتمع الليبي التي – هذه المفارقة التي يجب استيعابها – كانت مستعدة حتى أشهر قليلة ماضية لأن تنتظر مع الأمل بأن يحدث إصلاح سياسي حقيقي يلبي رغبات الناس في مواجهة الاستبداد والفساد، وإصلاح المؤسسات الأساسية في الدولة والحصول على دستور جديد للمرة الأولى بعد 1969.

وبدل هذا الإصلاح المفقود وجد النظام نفسه في مأزق تاريخي غير قادر على مواجهته برغم كتائبه الأمنية، دباباته، طائراته، ولجانه الثورية ولذا اضطر للجوء لشراء خدمات مرتزقة من دول عربية أفريقية وأوروبية شرقية ومن أمريكيا الجنوبية.

بإيجاز النظام فقد الشرعية في الداخل، المحيط العربي والدولي، ولكن الأهم هو خسارته للشرعية العقدية والأخلاقية داخل المجتمع الليبي بانطلاق ثورة شباب 17 فبراير والذين أبهروا العالم العربي والدولي بجرأتهم وشجاعتهم في مواجهة نظام متآكل ومفلس وغير قادر على إقناع ملايين الليبيين الذين صبروا طويلا أملا في الإصلاح السياسي الدستوري الاجتماعي. وعندما قفلت الأبواب في وجهه هذه المطالب انفجر بركان الغضب الاجتماعي للإطاحة بالنظام الذي يرأسه الآن ملك ملوك أفريقيا وأبناؤه وأبناء عمومته وقلة من الأعوان والمرتزقة.

لقد كانت الانتفاضات الديمقراطية داخل تونس ومصر أحداث مشجعة على الثورة في ليبيا ولكن العوامل الأساسية لثورة 17 فبراير جاءت من داخل التجربة التاريخية والسياسية للمجتمع الليبي الذي للأسف الشديد لم يدرس ولم يفهم حتى داخل العالم العربي وحتى من قبل الاكاديميين والمثقفين العرب الذين لازالوا يرون في ليبيا – الملك ادريس، القبائل، النفط، العقيد القذافي وربما شيخ الشهداء عمر المختار، وحتى معرفة عمر المختار جاءت بفضل فلم المخرج العربي الراحل "مصطفى العقاد" وليس بناء على معرفة عميقة للتاريخ الاجتماعي والاستعماري لليبيا.

التجربة الاستعمارية في ليبيا ليست مثل التجارب المصرية والتونسية والمغربية وبقية الدول العربية – بل هي أكثر دموية ووحشية ولا يشابهها إلا التجربة الجزائرية مع الاستعمار الاستيطاني الفرنسي.

ثورة 17 فبراير في ليبيا حصلت على محفزها الرئيسي من تجربة الاستعمار القاسية الليبية. العلم الليبي الآن هو علم الاستقلال وصور أبطال الجهاد والمقاومة للاستعمار ترفع في كل أنحاء ليبيا من قبل الثوار – هنا المفارقة الأخرى – ثورة الفاتح من سبتمبر.. العقيد القذافي فيما بعد استخدم لغة التمرد المناهضة للاستعمار. ولكن لغة هذا الخطاب المعارض للاستعمار الذي وظفه العقيد القذافي تحولت ضده الآن وبدأت تستخدم حاليا في مواقع "تويتر" و "فيس بوك" وصورة شيخ الشهداء عمر المختار صارت أداة في أيدي شباب الثورة بعد عقود من توظيفها الرمزي والسياسي من قبل النظام في صور النقود والاعلانات والطوابع البريدية.


ثورة 17 فبراير في السياق الإقليمي والدولي


لا يمكن النظر لثورة 17 فبراير نظرة محلية داخلية مغلقة، إذ إن لهذه الثورة بعداً إستراتيجياً وإقليمياً ودولياً بحكم الجغرافيا والاندماج الاقتصادي والدولي، وبالتالي السؤال الذي يجب الإجابة عليه: ما هو تأثير البعدين الإقليمي والدولي في ثورة 17 فبراير .. ولكن قبل الإجابة على هذا السؤال هناك حاجة لتحليل الواقع السياسي قبل الثورة ولذلك سنركز في هذه الورقة على الوضع قبل الثورة، والتدخل الإقليمي والدولي، والثورة المضادة، وأخيراً التداعيات.

• أولاً: الوضع العربي قبل ثورة 17 فبراير:

الوضع العربي قبيل 2010 يتلخص في انعدام الفعالية في إعقاب تخلي مصر عن دورها الإقليمي (1977) وهزيمة نظام البعث في العراق بعد حرب الخليج الثانية (1991) وفشل الاتحاد المغاربي بسبب الصراع الجزائري المغربي حول الصحراء الغربية، وتهلهل وعزلة النظام الدكتاتوري في ليبيا برغم حله أزمة لوكربي مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة. وعلى الرغم من هيمنة الولايات المتحدة دولياً، من خلال تحالفها مع دول الخليج والسعودية ونظام مبارك وبن علي في مصر وتونس، إلا أنها خرجت مثقلة بالديون والهزائم في العراق وأفغانستان، أما روسيا والصين فبرغم معارضتهما للنفوذ الأمريكي ألا أن هذه المعارضة لا تتعدى الجانب الرمزي، نظرا للمشاكل المزمنة في روسيا التي لازالت تحاول النهوض بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وتركيز الصين على مراكز قوتها المالية والاقتصادية أكثر من لعب دور سياسي واستراتيجي دولي على الأقل حتى الآن.

في هذا الوضع العربي الضعيف برز الدور الإيراني والتركي والإسرائيلي في المنطقة، حيث    استطاعت الجمهورية الإسلامية في إيران أن تستعيد أنفاسها لتوريط الولايات المتحدة في العراق وهزيمة عدوها اللدود نظام البعث العراقي بقيادة (صدام حسين) عام 2003م، بحيث أسفر ذلك عن بروز نظام متحالف مع إيران في العراق تحت قيادة حزب الدعوة والسيد نوري المالكي، وأيضاً تعميق التحالف الإيراني السوري بحكم المصالح الإقليمية أولاً، وإلى حدة  التعاطف الشيعي العلوي الذي بدأ يبرز أكثر في الحالة السورية / اللبنانية.

برز هذا التحالف الإيراني السوري وحزب الله اللبناني ـــ وإلى حد ما المقاومة الفلسطينية حماس الأكثر معارضة للمشروع الأمريكي في المنطقة، مقابل تحالف الولايات المتحدة مع دول التعاون الخليجي يقيادة السعودية، ومصر مبارك والمملكة الأردنية وبن علي في تونس والمملكة المغربية، فيما اعتمدت إيران على قوتها الاقتصادية والديمغرافية والعسكرية، وبالذات المشروع النووي، بالإضافة إلى القوة الدعائية ذات الخطاب الإسلامي الجمهوري الثوري.(1)

تركيا أيضا برزت كاحد الدول المؤثرة في المنطقة العربية وبالذات بعد فوز ووصول حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان للحكم وتغيير السياسة التركية تجاه العالم العربي والإسلامي ولكن هذا الاتجاه الجديد ظهر بسبب هزيمة نظام البعث في العراق والخوف التركي من تداعياته على الوضع الاستراتيجي داخل تركيا نفسها فيما يتعلق بالنفوذ الإيراني والقضية الكردية التي تمثل لهم الأمن وبالذات  الأخذ في الاعتبار انفصال شمال العراق وبروز نظام موال لإيران ذي توجه شيعي، منافس تاريخياً للمصالح التركية ذات التراث العثماني السني. وقد تحالف الموقف التركي مع نظام القذافي في البداية ونظام البعث السوري ولكن بعد ثورات الربيع العربي اتجه للتحالف مع قطر، ويريد أن يعود إلى ليبيا للحفاظ على استثماراته بعد الثورة، و يجب أن نتذكر أن النظام التركي هو عضو فاعل في حلف الناتو وله علاقات عسكرية قوية مع اسرائيل. وبلا شك استفادت تركيا من ضعف النظام الإقليمي العربي بقيادة مصر والدول العربية القوية منذ هزيمة 1967م ومعاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة وخروج مصر من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي واستفراد اسرائيل بالمقاومة الفلسطينية، كما أن هزيمة نظام البعث في العراق أخرج دولة عربية وإقليمية فاعلة تاريخيا في مواجهة إسرائيل منذ حرب 1948م.(2)

إن انتخاب الرئيس الأمريكي الديمقراطي باراك أوباما في نهاية عام 2008م جاء في فترة تراجع نسبي للولايات المتحدة، لاسيما قدرتها على التدخل العسكري، ومن ثم ظهرت سياسة إعطاء أدوار لحلفاء الولايات المتحدة مثل الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، ومصر مبارك، والمملكة العربية السعودية، وإمارة قطر، للقيام بأدوار محلية بالنيابة عن الولايات المتحدة سواء من خلال التأثير الإعلامي، وتسليح المقاومة والدعم المالي وأيضا التدريب العسكري، ناهيك عن إرسال جنود وضباط للمشاركة، كما حدث فيما بعد أثناء ثورة الشعب الليبي ضد نظام القذافي بعد أن أطلق الرصاص على المحتجين ورفض مطالب الإصلاح، وفي أعقاب ثورة الشعب التونسي ضد حكومة زين العابدين بن علي في تونس.

ولكن هنا لابد من توثيق الحقائق قبيل ثورة 17 فبراير. فلقد نجح نظام العقيد معمر القذافي في تسوية أزمة لوكربي والقبول بالشروط الأوروبية الأمريكية الغربية، وأيضا باستخدام الإغراءات المالية والمشاريع الاستثمارية للضغط على المملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا لإعادة تأهيل ليبيا ورفع الحصار الدولي عن النظام.

لابد من الاعتراف هنا بأن النظام الليبي نجح في هذه السياسة واستطاع الدكتاتور السابق أن يزور إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة، بل أنه نصب خيمته الاستعراضية في بعض هذه العواصم وخطب في البرلمان الايطالي والفرنسي والجمعية العامة للأمم المتحدة، ووصل هذا الانبطاح بالنظام الليبي السابق إلى حد إعطائه رسائل لإسرائيل بالتسوية من خلال نجل القذافي سيف الاسلام الذي صار يُعد لتأهيله للرئاسة من خلال التوريث عبر الترويج لذلك في وسائل الأعلام الليبية والدولية أيضا، ومن خلال اغراء الكثير من الأكاديميين العرب والغربيين لاِخراج مشروع الإصلاح السياسي ورمزه سيف القذافي. ويندرج في إطار الدور الدولي ما قام به حلف الناتو في الثورة الليبية، وأيضا الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن تحت التأثير الأمريكي القوي.

أما الاتحاد الأفريقي ومنظمة ودول الساحل والصحراء فقد كانا مرتبطين ومتأثرين، بالدعم المالي وخاصة أنهما ثمرة نظام العقيد القذافي وسياسته الأفريقية في أعقاب أزمة لوكربي، وأساس هذه السياسة الأفريقية أمني استراتيجي، بني على الدعم المالي من جانب، وتسليح وتشجيع أنظمة موالية في النيجر ومالي وتشاد، هذا السخاء الاقتصادي الليبي دعم مشاريع اقتصادية واجتماعية في تلك البلدان، مثل المدارس والمساجد والفنادق، بالإضافة للخطاب الإيديولوجي والقوة الناعمة من خلال جمعية الدعوة الإسلامية التي لعبت دوراً إيديولوجيا وسياسياً بارزاً في منطقة الساحل والصحراء، في مواجهة النفوذ الفرنسي ذي الجذور القديمة منذ الفترة الاستعمارية والذي استمر من خلال الاستثمارات والتدريب وبالذات التعليم والتركيز على اللغة الفرنسية رمز الهيمنة والتأثير الفرنسي في أفريقيا بما فيها دول المغرب العربي، تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.(3)

أيضا من المهم أن نذكر دور المنظمات الأممية خارج نظام الدول، مثل تنظيم القاعدة وفرعها تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، والحركات الاحتجاجية مثل حركة الطوارق في شمال مالي ودار فور في غرب السودان وعلاقتها المعقدة مع نظام العقيد القذافي الذي حاول الاستفادة منها كأداة لتدعيم أمن النظام السياسي في ليبيا خلال فترة "الهوية الأفريقية" أثناء أزمة لوكربي وما أسميه السياسة الجنوبية الصحراوية الليبية. يضاف إلى ذلك دور الشبكة التلفزيونية وأدوات التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك والصحافة الإلكترونية للمعارضة الليبية في الداخل والخارج.

• ثانياً: التغيرات الإستراتيجية أثناء ثورة 17 فبراير:

ثمة غياب لعاملين أساسيين في فهم الوضع الإقليمي الاستراتيجي: 

أولاً: توقيت انفجار هذه الثورات في تونس ومصر وبعدها في ليبيا ساعد على نجاحها في كل هذه الدول، بعبارة أخرى التضامن الشعبي ساعد على إنجاحها، بالإضافة إلى مساندة وتدخل دول إقليمية ودولية، ناهيك عن الدعم الدبلوماسي والقانوني للجامعة العربية، ومجلس الأمن الذي برر التدخل العسكري ضد نظام العقيد القذافي في ليبيا.

أدى القمع الدموي للمحتجين في ليبيا، وتغطيته من خلال الأعلام العربي والدولي، إلى تعاطف الرأي العربي والغربي مع ثورة 17 فبراير، وساعد على تجاوز إشكالية تبرير التدخل الغربي في ليبيا إلى حد ما. ولكن لا مفر من الاعتراف بأن هذا التدخل لازال يمثل إشكالية كبيرة حتى داخل الرأي العام الغربي وخاصة بين شرائح القوى اليسارية والمعادية للتوسع الغربي في دول العالم الثالث.

ثانياً: التدخل العربي والأوروبي والأمريكي من الناحية الفعلية له مبرراته ودوافعه الإستراتيجية والدولية، وليس بالضرورة كما في حالة الرأي العام العربي من أجل الدعوة لقضية الكرامة والمواطنة والديمقراطية وإنعتاق الشعوب.

نظام العقيد القذافي كان له علاقات سياسية واقتصادية قوية توسعت بعد حل مشكلة لوكربي، وبالذات الاستثمارات النفطية وعطاءات إعادة بناء البنية التحتية الكبيرة، ولهذا فإن تدخل حلف الناتو من الزاوية الاستشارية كان لحماية هذه الاستثمارات، كما في حالة بريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة وتركيا، أو من أجل الحصول على "حصتها " والتخلص من منافس قوي لسياستها في دول الساحل والصحراء وغرب أفريقيا، كما نجد في حالة السياسة الفرنسية برئاسة ساركوزيي.

داخل هذا السياق الإقليمي للثورات العربية، ومنها ثورة 17 فبراير، يبرز الصراع على مستقبل هذه الثورات. وهنا لابد من فهم طبيعة الدوافع الإستراتيجية ضد الأنظمة الاستبدادية من جانب القوى الإقليمية والدولية، بعبارة أخرى، أزعم بأن للصراع ثلاثة أوجه، أولها بين الشعب والدولة الاستبدادية كما في حالة نظام القذافي، ولكن هناك أيضاً ثانياً صراع بين التحالف الثوري وقيادات ومؤيدي النظام السابق في الداخل وفي المنفى. والصراع الثالث يتمثل في دور اللاعبين الإقليميين والدوليين ومحاولتهم توظيف الثورة لمصالحهم ونفوذهم وأمنهم القومي من خلال مساعدة وتقوية الحلفاء الليبيين في بناء الدولة والنظام الجديد الذي سوف يبرز في ليبيا بعد سقوط الدكتاتورية.(4)

• ثالثاً: الثورة المضادة في السياق الإقليمي والدولي: 

ثورة 17 فبراير والثورات العربية الأخرى ليست فقط شأناً محلياً داخلياً، بل الصورة معقدة ومتداخلة، فهناك ثورة مضادة وادوار إقليمية ودولية تحاول أن تؤثر في نتيجة هذه الثورة بما يخدم مصالحها ونفوذها، ساعد على هذا التأثير الخارجي عدم وجود تنظيمات قوية للثوار وغياب قيادة كاريزمية، وأيضا عدم وضوح برنامج ثوري لبناء الدولة الحديثة يعطي خارطة طريق وأجندة متفق عليها بين الشرائح الاساسية لتحالف ثورة 17 فبراير من إسلاميين وليبراليين، ونساء وأقليات. وقد أفضى هذا الغياب للمؤسسات والقيادة والبرنامج الأساسي التوافقي إلى فراغ سياسي لازالت تعاني منه عملية التحول السياسي الانتقالي من الثورة إلى بناء الدولة، ما أعطى دورا رمزياً مُبالغاً فيه للهويات الجهوية والمناطقية وأيضا العشائرية، بالرغم من أن المجتمع الليبي اليوم هو مجتمع حضري وحديث، يتمتع بأعلى نسبة تعليم في القارة الأفريقية كلها.

التوازن الاستراتيجي الإقليمي والدولي لمنطقة الشرق الأوسط والعالم العربي في حالة تحول وتغيير: هل ستظل سوريا متحالفة مع إيران ؟ هل ستخرج البحرين من التحالف مع السعودية ؟ هل تفقد تركيا والعراق استقرارهما ؟ ساعد حلف الناتو على إسقاط القذافي ونظامه، والرئيس ساركوزي اليميني المعروف بعنصريته تجاه الأقليات، وبالذات المسلمة، لم يتدخل في ليبيا منن أجل الديمقراطية، ولكن من أجل النفوذ الفرنسي في ليبيا وشمال أفريقيا. بل أن السياسة الفرنسية تاريخياً تصارعت مع نظام القذافي لفترة طويلة في منطقة شمال أفريقيا وغربها. ولم تستطع هذه السياسة أن تعرف ماذا يجري داخل ليبيا، واعتمدت على بعض الأكاديميين التونسيين لدراسة المجتمع والتركيبة الاجتماعية الليبية، مثلما أرسلت الحكومة الاستعمارية الفرنسية في تونس المؤرخ التونسي محمد بن علي الحشائشي إلى ليبيا طرابلس الغرب في بداية القرن العشرين.    

إيران والمملكة العربية السعودية الآن يتصارعان على النفوذ في اليمن والبحرين وسوريا، إمارة قطر أيضا تلعب دورا كبيرا وبالذات في الحالة الليبية. الآن في الحالة المصرية، تتنافس السياسة القطرية المؤيدة للإخوان المسلمين، مع السياسة السعودية والأمارتية المعارضة لهم، لكن كلها تدور في إطار الأمن الاستراتيجي الأمريكي الحامي الأكبر لوجود هذه الأنظمة الملكية الوراثية.

ما هو طبيعة هذا الدور القطري وكيف نستطيع فهمه من خلال السياق الإقليمي والدولي، والصراع الاستراتيجي على النفوذ؟

أمارة قطر تحمست لإعطاء دعم للثورة الليبية في الجامعة العربية، وأرسلت طائراتها وبعض جنودها لليبيا، ودعمت الثوار بإعطائهم 400 مليون دولار، وساعدتهم ببيع النفط الليبي، وأعطتهم محطة تلفزيونية في الدوحة، وساعدت في تدريب الثوار ببنغازي وجبل نفوسة. لدى قطر جيش صغير (11.000) دُرب من قِبل الفرنسيين والأمريكان، ولكن الأهم أنها من خلال قناة الجزيرة ساعدت على شن الحرب الإعلامية والدعائية ضد النظام، ودعمت الثورة عليه. كما صارت هذه القناة الآن أداة للسياسة القطرية في الحالتين السورية والمصرية، مما أدى لاستقالة (22) مذيع ومعلق بالقناة في 11 يوليو 2013م، ناهيك عن استقالة أهم المعلقين والمذيعين البارزين في عام 2011، ومن تم فقدت هذه القناة المصداقية وخسرت ملايين المشاهدين العرب.

السؤال البديهي الذي يجب أن يطرح. ما هي قطر وما هو حقيقة ودوافع دورها الكبير في الثورات العربية؟ الإجابة على هذا السؤال يتطلب الهدوء والموضوعية.

قطر إمارة وراثية، بلا برلمان أو مجلس منتخب والأحزاب السياسية غير مسموح بها، وأيضا هي الدولة الوحيدة بعد السعودية التي تتبنى المذهب الوهابي المحافظ، و85% من سكان قطر (مليون وسبعمائة الف) من الأجانب، إذ أن عدد السكان لا يتجاوز 225.000، وتملك قطر ثالث إحتياطي غاز في العالم، وهي المصّدر الأول في العالم للغاز المسيل. والأهم قطر هي أغنى دولة في العالم بمتوسط دخل 779000 للفرد، بل أن 29000 من مواطنيها مليونيرات أي 10% من عدد السكان.(5)

من الإنصاف أن نقول إن إمارة قطر استفادت من ثروتها الهائلة في التعليم، كما استفادت من الكفاءات العربية والدولية المتميزة، قطر إذن دولة غنية استفادت من ثروتها كثيرا وبالذات الاستثمار العصري والبارع لقناة الجزيرة قبل أن تصبح خلال السنوات الخيرة أداة للسياسة الخارجية القطرية، قطر أيضا، بالرغم من السياسة العربية لقناة الجزيرة في بداياتها، بها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الخليج. ومنطقة الشرق الأوسط. أما البحرين فهي قاعدة للأسطول الأمريكي البحري الخامس. بعبارة أخرى هذه الأمارة تلعب دوراً كبيراً اكبر من حجمها بالاستغلال الخفيف لثروتها، وهي في ذلك لا تخرج عن المظلة الإستراتيجية الأمريكية التي أعطتها هذا الدور.

الدور القطري والسعودي، سواء في الثورة الليبية، أو الآن في سوريا، دوافعه محاولة طبيعية للتأثير في النظام العربي وتأكيد مصالح هذه الدول غير الديمقراطية، وبالدرجة الأولى سياسة هذه الملكيات والأمارات هجومية من أجل هذه المصالح. وهذا ليس غريباً ولا يجب أن يكون مستهجناً. أزعم بأن أصول هذه السياسة ترجع لفترة الخمسينات والسبعينات بالنسبة للسعودية، وقطر في السبعينات بعد الاستقلال من بريطانيا. كان كلاهما في حالة دفاع وتحديث، ولكن الآن السياسة القطرية السعودية، وهما دولتان غير ديمقراطيتين، تدخلت من أجل مصالحهما بالتأثير في نتيجة هذه الثورات، وليس بالضرورة من أجل المصالح المحلية في بلدان الثورة. كما أنه من المهم أن نستوعب توزيع الأدوار من خلال الرؤية الأمريكية لحلفائها في قطر والسعودية والمغرب والأردن. هنا ترى المصلحة القطرية والسعودية في تأييد حلفائهما من الإسلاميين السياسيين في البلدان العربية سياسة متسقة مع مصالحها. وهذا ليس أمراً غريباً، ولكنه منطق استراتيجي لمصالح الدول، كما حدث في الفترات السابقة إبان الحرب الباردة في فترة الخمسينات بين النظام الناصري في مصر وخصومه وبالذات السعودية، والحرب غير المباشرة في اليمن. الجديد في هذه السياسات الخارجية هو استخدام سياسة الهجوم بدل الدفاع، وتعلم إدارة الأزمات لحالات مزمنة من أجل إعادة ترتيب النظام الإقليمي العربي بما يخدم وجود هذه الملكيات والإمارات في ظل التحالف مع الولايات المتحدة، وأيضا توظيف الآلة الإعلامية والدعوية الدينية النفسية، بالتركيز على إيران كخطر شيعي فارسي بدل إسرائيل في المنطقة العربية وهذا يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في نهاية المطاف. (6)  

• موقف المملكة العربية السعودية من ثورة 17 فبراير:

الموقف الرسمي السعودي كان متعاطفاً جداً وهذا ليس بالغريب، فلقد تخلصت السعودية من خصم كبير وعدو لها، وصلت العداوة لديه إلى درجة محاولة النظام الليبي إغتيال الملك عبد الله بن سعود، ولكن الموقف السعودي لم يكن مؤيداً للثورات. ولهذا وقفت السعودية مع نظام مبارك حتى النهاية، وأعطت اللجوء السياسي للجنرال زين العابدين بن علي، ولكنها الآن تدعم سياستها من خلال شيوخها ودُعاتها والآلة الإعلامية الكبيرة المهيمنة على الإعلام العربي، مثل صحيفة الحياة والشرق الأوسط، وقنوات العربية وMBC ومجلات مثل المجلة، ناهيك عن مراكز الدراسات والأبحاث والعديد من الصحفيين العرب والأجانب الذين يعملون في فلكها.(7)

باختصار أهم الفاعلين الإقليميين والدوليين في الثورة الليبية وحتى الآن هم الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، و تركيا، والاتحاد الأوروبي، والأردن، وقطر، والسعودية، والأمارات العربية.

أما عن بلدان الجوار والمغرب العربي، فقد تفاعلت الجزائر والمغرب مع الحدث الليبي بدرجات مختلفة، فالجزائر كانت متحالفة مع نظام القذافي بحكم التوازن الاستراتيجي لبلدان المغرب العربي  لمواجهة المغرب الذي حاول الالتفاف من خلال التحالف مع تونس في الماضي، ولذلك كان موقف الحكومة الجزائرية منذ البداية متعاطفاً مع النظام ومتحفضا حيال الثورة الشعبية في ليبيا.

وقد منحت الحكومة الجزائرية اللجوء السياسي لعائلة القذافي ولم تتحمس للتغيير في ليبيا، وهنا لابد من فهم المخاوف الجزائرية التاريخية، وبالذات الحساسية ضد التدخل الأجنبي وخاصة فرنسا في الحرب أثناء الثورة من ناحية، ومن ناحية أخرى يبدو النظام الجزائري منهمكاً ومعزولاً عن عمق الثورات بما فيها ثورة 17 فبراير.

المملكة المغربية تاريخيا متحالفة مع فرنسا والولايات المتحدة، ولم تكن على علاقة قوية مع نظام القذافي، وبالتالي رحبت بالتغيير في ليبيا، ولكن أيضا انطلاقا من مصالحها لإضعاف الخصم الجزائري الذي تقارعه لعقود، وخاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية. إذن ليس غريبا أن تقف المملكة المغربية مع الدول الغربية وتصوت من أجل إسقاط النظام وتسهل لطائرات حلف الأطلسي الطيران في سماء التراب المغربي إبان عملية حلف الناتو في ليبيا.

دول الجوار في الجنوب لعبت دوراً متعاطفاً مع نظام القذافي، فالنخب الحاكمة في النيجر وتشاد وإلى حد ما مالي، هم حلفاء للنظام الليبي السابق من خلال الدعم المالي والعسكري الذي كان يقدمه لهم، وبالتالي ليس غريباً أن تستطيع عائلة القذافي، ونخبته، والكثير من قياداته الهروب إلى هذه الدول بعد هزيمة النظام والحصول على حق اللجوء السياسي.(8)

• رابعاً: تداعيات الثورة الليبية على الوضع الإقليمي والدولي:

بالنسبة للوضع الإقليمي، أدى سقوط جماهيرية القذافي إلى ضعف مراقبة الحدود ورخاوتها، وهذا بدوره أدى إلى تقوية بعض الجماعات السياسية داخل ليبيا، وأيضا مجموعات في الجنوب والغرب الليبي. التهريب استفحل أكثر مما قبل، سواء تهريب السلاح أو المخدرات أو المشروبات الكحولية أو التبغ، ناهيك عن تهريب البشر أو ما يسمى بالهجرة غير الشرعية، بل أن جماعات أثنية متداخلة مثل الطوارق والتبو صارت أقدر على الحركة، إذا نظرنا إلى إعداد كلتيهما في البلدان المجاورة. الطوارق الليبيون، وهم جزء مندمج في الجنوب الليبي، مثل بقية شرائح الشعب الليبي، كانوا أجزاء من جيش النظام السابق الذي تعاطف مع مطالبهم في مالي، وبعد هزيمة النظام رجع العديد، من طوارق مالي والنيجر إلى شمال مالي، وكانوا جزءاً من تحالف يشمل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، وجل أعضائه من الجزائر، أو ما كان يسمى الجماعة الإسلامية المقاتلة، وأنصار الدين. هذا التحالف استفاد من تهريب السلاح من ليبيا، وفتح الحدود من غير رقابة، وأيضا انضمام جهاديين من ليبيا وتونس ومصر وبلدان أخرى لمنطقة شمال مالي، مما أدى إلى إعلان دولة ازواد في تلك المنطقة وأيضا أدى هذا الإعلان لتدخل فرنسي مدعومٍ من الولايات المتحدة وحلف الناتو.

التبو يعتبرون أقلية صغيرة في منطقة الكفرة ومنطقة تجرهي والقطرون وأوزو، ولكن غالبيتهم يعيشون في شمال تشاد، وهنا يكمن التعقيد السياسي للتبو. عقد نظام القذافي تحالفاً مع قيادات التبو وقام بتسليحهم، مثلما فعلت النخبة الملكية خلال مرحلة الاستقلال، وهو تصرف طبيعي واستراتيجي، فتشاد ملجأ تاريخي وحليف استراتيجي للشعب الليبي منذ القرن التاسع عشر، حيث هاجر إليها آلاف الليبيين بحثا عن العيش والتجارة، وهرباً من عسف الدولة العثمانية ووحشية الاستعمار الإيطالي بعد هزيمة المقاومة في عام 1931. تداخل الشعب التشادي مع الشعب الليبي قديم وإيجابي لحد كبير، ولازالت هناك جالية ليبية كبيرة في تشاد، ومعظم سكان شمال تشاد، وبالذات التبو، يتبعون الحركة السنوسية السنية. بل لابد من التذكير بأن الجنرال مسعود عبد الحفيظ القذافي، الحاكم العسكري في الجنوب الليبي، تزوج من أخت كاكوني واداي الزعيم التشادي السابق وقام بتسليح العديد من جماعات التبو اثناء الثورة، وهم الذين ساعدوه وغيره من أسرة القذافي على الهروب إلى النيجر ومالي والجزائر، ولكن التبو أيضا انضموا للثورة وحصلوا على السلاح والمال من المجلس الانتقالي الليبي، أي ـأنهم حصلوا على السلاح من الجانبين، برغم هذا لا بد من الإنصاف والاعتراف بأن انضمام العديد منهم للثورة كان عاملاً حاسما لتحرير الجنوب الليبي. وهم الآن بحكم سقوط الدولة الليبية يسيطرون على العديد من المدن في الجنوب مثل تراغن وزويلة والقطرون وتجرهي، بما فيها مرزق، هذا صحيح ولكن الالتباس يأتي عندما ننظر للتبو غير الليبيين وهم ملايين في شمال تشاد.

التداعيات الأخرى أهمها تهريب السلاح الليبي، الذي يُعد بملايين القطع، إلى مصر وغزه وتونس ومالي، مما أذكى مخاوف دول الجوار، ليس فقط مصر والجزائر ومالي، ولكن الآن تشاد ورئيسها السيد/ إدريس ديبي الذي دعمته الحكومة الليبية السابقة، ناهيك عن حكومة النيجر الضعيفة التي أعطتها حكومة القذافي مساعدات مالية وساهمت في تدعيم حكومة الرئيس محمد يوسفو الحالية. أزمة مالي ليست وليدة تداعيات الثورة الليبية فقط، ولكنها خلقت أزمة إستراتيجية، ليس فقط للحكومات في هذه المنطقة من ناحية التدخل الفرنسي، ولكنها اعطت الولايات المتحدة فرصة لإعادة تقييم سياستها في المنطقة. وعلى هذا الأساس قامت الولايات المتحدة بتدريب الجيش المالي، وبنت قاعدة عسكرية في النيجر في بداية عام 2013. ولئن كان الهم التاريخي للولايات المتحدة هو التركيز على مصادر الطاقة، وبالذات النفط في ليبيا والجزائر، ومساندة حلفاء تقليديين مثل تونس والمملكة المغربية إبان الحرب الباردة، فإن هذه السياسة الجديدة أضافت بعداً جديداً هو محاربة الإرهاب في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، وهجمات تنظيم القاعدة في كينيا، وبروز تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. وبالتالي هناك اهتمام أمريكي جديد بما يسمى الإرهاب الإسلامي في السياسة العالمية الأمريكية. إذن فالسياسة الأمريكية أصبحت تركز على محاربة تنظيم القاعدة وإيجاد حلفاء محليين يدعمون هذه السياسة ـــ هنا يأتي إنشاء قيادة عسكرية أمريكية لأفريقيا تسمى افروكام، ولكن حتى الآن لم نجد لها حليفاً إفريقياً ماعدا جيبوتي والقاعدة العسكرية الحديثة في النيجر التي اشرت لأهميتها من خلال استخدام الطائرات بلا طيار ومراقبة الحدود بعد أزمة مالي التي يراها صانعو الهيمنة الأمريكية كخطر جديد ربما يؤدى إلى أفغانستان أخرى في الصحراء الكبرى.(9)

هناك تداعيات سياسية على دول منطقة شمال أفريقيا، فالثورة في تونس وليبيا ومصر أثرت في الجزائر والمغرب، ذلك أن الإصلاحات الدستورية السياسية في هذين البلدين هي محاولة إستباقية لامتصاص الغليان الشعبي وتفادي حدوث ثورات في هذين البلدين ـــ هنا لابد من التوقف أمام اقتراح دولي للتعاون الخليجي في العمل على نفس المنوال، إما عن طريق السياسية الإستباقية للتدخل في هذه الثورات، بما فيها الثورة الليبية، أو اقتراح ضم المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية لمجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى تأجيج الصراع في المنطقة وكأنه صراع طائفي مع إيران، أي بين سنة وشيعة، أو فارسي وعربي، وليس بين شعوب ثائرة ضد دول أمنية استبدادية من أجل الديمقراطية وحكم القانون، وهو لا يتعارض مع رؤية العرب لإسرائيل كعدو استعماري استيطاني. بعبارة أخرى هناك حرب نفسية دعائية إستراتيجية لإعادة ترتيب المنطقة استراتيجياً من وجة نظر مصالح هذه الأنظمة الملكية الوراثية.  

الاتحاد الأوروبي  أيضا تفاعل مع تداعيات الثورة في ليبيا وحاول الاستفادة من تدخل دول الناتو، وهي 9 دول، بالإضافة إلى ثلاث دول عربية، هي الأردن وقطر ودولة الأمارات العربية، في عملية "الحامي الموحد" بناء على قراري مجلس الأمن 1970 و 1973 عام 2011. هذان القراران أعطيا الأساس القانوني الدولي للتدخل، بالإضافة لحماية الأرصدة الليبية وحظر الطيران وحماية المدنيين، وفسر قرار حماية المدنيين كأساس لضرب كتائب القذافي وأعوانه، أي التدخل العسكري.

الاتحاد الأوربي، ماعدا ألمانيا وبالذات المملكة المتحدة وفرنسا وايطاليا ومن ورائهم الولايات المتحدة، استغل هذه الحالة لتأكيد هوية الاتحاد الأوروبي والاستفادة من الإطاحة بالنظام في الاستثمارات والنفوذ، ولكن أيضا في تقوية مواقف دوله تجاه حليفهم القديم والمتشكك، الولايات المتحدة، هنا لابد من الإشارة إلى أن الأزمة الاقتصادية المالية في دول جنوب أوروبا، وعدم مراقبة الحدود الليبية بعد الثورة، زادت من مخاوف دول الاتحاد الأوروبي من ازدياد الهجرة غير الشرعية، إذا ما أخذ في الاعتبار تأثير هذه الأزمة الاقتصادية الكبيرة على زيادة البطالة حتى بالنسبة للأوروبيين أنفسهم، وهنا يأتي الاهتمام الأوروبي بمخاطر الهجرة غير الشرعية القادمة عبر ليبيا، وأيضا التلويح الأوروبي بإمكانية التدخل العسكري في ليبيا لحل مشكلة تهريب السلاح، ولكن أيضا لتأكيد النفوذ الاستراتيجي والسياسي.(10)

سياسة روسيا والصين، الدولتين الفاعلتين في النظام الدولي، تأثرت بسبب تداعيات الثورة الليبية، وتفرد حلف الناتو ومن ورائه الولايات المتحدة وحلفائهم بتوزيع الأدوار، ما أدى إلى تصلب السياسات الروسية والصينية حيال سوريا كما نراها الآن، بل والإعلان عن أنهما خُدعا في مفاوضات مجلس الأمن إبان شهر مارس عام 2011، قُبيل إصدار قراري مجلس الأمن 1970 و1973.

روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي فقدت الوزن الكبير الذي كان لها إبان الحرب الباردة، ومن ثم ليس غريباً أن يكون الهم الأساسي للنخبة الحاكمة الجديدة فيها أن تحاول تدعيم وتقوية دورها الإقليمي والدولي، مع التركيز بشكل كبير على دعم دورها في العالم الإسلامي، ببيع سلاح للحلفاء القدامى، والتنسيق مع الدول المصدرة للنفط والغاز، مثل إيران وقطر والجزائر وليبيا.

ويبدو أن النخبة الروسية الحاكمة انقسمت على نفسها إبان الثورة الليبية، فكان هُناك رأي في البداية يعتبر أن التغيير مسألة طبيعية في البلدان العربية ومنها ليبيا، ولهذا امتنعت روسيا والصين عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 1973، الذي فسر بإعطاء دعم للتدخل العسكري، وهنا لابد من ان نذكر بأن جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي كلها كانت أعضاء في مجموعة الاتصال الخاصة بليبيا.

هناك هم إستراتيجي جديد لروسيا " بالذات في اعقاب قمعها للمقاومة الاستقلالية في الشيشان (1992 ـــ 1996) وقتل 90.000 مواطن هناك . لقد صار الاهتمام بالعالم الإسلامي ومحاولة إيجاد تنسيق مع هذه الدول مسألة حيوية، بل نجد هنا أيضا تفسيراً للاتصال الروسي السعودي، والمطالبة بالانضمام للمؤتمر الإسلامي، بدعوى أن روسيا لديها أقاليم مسلمة كبيرة، أما مسألة الغاز فهي تعد أساسية وبدأت في التنسيق مع الدول المصدرة للغاز، ولكن أهم تداعيات الثورة الليبية هو التصور بأن روسيا والصين خدعا في الحالة الليبية، لأن القرار من مجلس الأمن، حسب التفسير الروسي لم يعط دول حلف الناتو الإذن القانوني بالتدخل العسكري، وهذا بيت القصيد، وأهم دليل على تداعيات هذا الموقف هو تصلب الموقفين الروسي والصيني في الحالة السورية. كانت روسيا الحليف القوي للنظام السوري منذ فترة الحرب الباردة، ولديها علاقات قوية اقتصادية وعسكرية وقاعدة روسية في طرطوس، أيضا هناك 20.000 مواطنة روسية متزوجة من مواطنين سوريين. القيادة الروسية في أعقاب قمع حركة الشيشان الاستقلالية ترى أن المتشددين الإسلاميين سوف يجدون موقفاً جديداً في سوريا ويؤدي هذا إلى خطر أمني كبير على روسيا وأقليتها المسلمة.(11)

أما عن تداعيات الثورة الليبية على السياسة الصينية، فيبدو واضحاً في تشدد هذه الأخيرة تجاه الحالة السورية أيضا، وبشكل أقل حدة من السياسة الروسية، لأن السياسة الصينية تركز على الاستثمارات الاقتصادية وإيجاد مصادر للطاقة والمعادن أكثر من التحالفات السياسية ومسألة التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان، وهي سياسة إستراتيجية متناسقة مع النمو الاقتصادي الصيني وضعف سجل حقوق الإنسان والتعبير داخل الصين نفسها، وعلى سبيل المثال استثمرت الصين حوالي 40 بليون دولار في الزراعة و،المعادن والمناجم والجسور في القارة الأفريقية.(12)

• احتمالات لمستقبل الوضع الإقليمي والدولي:

ثورة 17 فبراير تواجه تحديات إستراتيجية كبيرة، سواء في الداخل أو الخارج الإقليمي والدولي المتداخل والمترابط، أهمها ضعف السلطة المركزية وقوة الجماعات المسلحة الذي يبطئ عملية بناء مؤسسات الدولة والأمن الليبي، وخاصة إعادة بناء أجهزة  الشرطة والجيش في تأكيد السلطة المركزية والسيادة وحماية الحدود والمصالح الإستراتيجية للدولة الليبية. بعبارة أخرى الأمن الداخلي والخارجي مترابطان، فالأمن الوطني الليبي والاستراتيجي في خطر محدق لان التوافق والمصالحة الوطنية على هذا الأمن لم تتحقق حتى الآن، بل هي مؤجلة، والحدود السياسية الليبية مفتوحة ومنتهكة، وخاصة في الجنوب والغرب. خبرة التاريخ الليبي الحديث تعطي حكمة إستراتيجية أساسية، مؤداها ضرورة حماية الحدود الجنوبية والتحالف مع أنظمة دول الجوار لتدعيم المصالح الليبية كما حدث في العهد العثماني، ودولة الاستقلال، بل حتى نظام القذافي الشمولي استوعب هذه الحجة برغم توظيفه لها من أجل أمن النظام والزعيم الأوحد.

الأمن الوطني الليبي يتطلب الوعي العميق بحدود ليبيا المفتوحة، وأيضا وجود ملايين الجوعى من شعوب دول الجوار وخاصة الجنوبية، ناهيك عن المصالح الغربية في موارد النفط والغاز، هذه المصالح والأدوار ليست غريبة، ولا يجب أن نستهجنها، ولكن في غياب توافق وطني ومصالحة سياسية واتفاق على تسوية تعطي حق المواطنة وسلطة القانون للجميع، بمن فيهم أنصار النظام السابق، وبالذات المليون من اللاجئين الليبيين في مصر وتونس والدول الأفريقية، سوف يؤدي إلى إضعاف الدولة الليبية، وربما الهيمنة عليها، ليس فقط من اللاعبين الدوليين، ولكن الإقليميين أيضا. بعبارة أخرى، بعد إشكالية انتشار السلاح، هناك خطوة أساسية هي التوافق السياسي بين مكونات الشعب الليبي وأطيافه على حد أدنى من المصالح الإستراتيجية والأمنية، بحيث يكون ذلك أساساً للتعامل الاستراتيجي مع القوى والمصالح الإقليمية والدول المحيطة. أما إذا استمرت مشكلة العنف والسلاح خارج سلطة الدولة والقانون وازداد التشرذم السياسي والاجتماعي، فسوف تزداد المخاطر وإمكانية التدخل الأجنبي والإقليمي، وهذا الاحتمال وارد إذا نظرنا لما حدث في العراق والصومال وسوريا الآن. والرؤية النقدية الإستراتيجية تعني أن نعي العالم كما هو، ونحاول أن نبني الدولة والبيت الليبي لمواجهة الوضع الإقليمي ومداواته، وهذا يتطلب تعميق الوعي المعرفي بالوضع الإقليمي والاستراتيجي كأمر لا هروب منه في عالم اليوم المتداخل المتشابك . المصالحة الوطنية تتطلب تسوية سياسية لأنها قضية أمن وطني، و بالمقابل فإن الوعي الاستراتيجي بأهمية بناء الدولة، وحماية الحدود، والتعامل مع الوضع العربي، ودول الجوار، والمصالح الدولية، مسألة حيوية إذا أرادت النخبة الليبية الحفاظ على السيادة الوطنية والكيان السياسي الليبي في القرن الواحد والعشرين.
 


Endnotes

1. Curtis Ryan ”The New Arab Cold War and the Struggle over Syria”, The Middel East Report,  262:42 (Spring, 2012).

2. Cihan Turgal, “ Democratic Janissaries? Turkish Role in the Arab Spring” New Left Review, 76 (Julu-August, 2012).

3. "African View point: Coloniel’s Continent?" BBC News, (Febraury 25, 2011).

4. Hussein Agha and Robert Malley, “The Arab Counter Revolution” The New York Review of Books, Spetmber 29, 2011).

5. Hugh Eakin, “ The Strange Power of Qatar” The New York Review of Books, October 27, 2011), and “Aljazeera must do better”, The Economist, (January 12, 2013).

6. Toby Jones, Embracing Crisis in The Gulf”, Middle East Report, 264:42 (Fall 2012).

7. C.J. Chivers, and Eric Schmitt, “ In shift, Saudis are Said to aram Rebels in Syria” The New york Times, (February 26, 2013).

8. Steven Erlanger, “French Relish Cycle of Scandals Featuring Sarkozy- era officials”, The New York Times, (June 23, 2013), and “Jihad in the Sahara” The Economist, (January 19, 2013).

9. Michael Boyle “Obama: Leading from Behind on Libya”, The Guardian, (August 27, 2011), Jeremiah Gertler “operation Odyssey Down (Libya): Background and Issues for Congress” Congressional Research Service, (March 30, 2011), Christopher Blanchard “Libya: Unrest and U.S. Policy” Congressional Research Service, (April 25, 2011), and by the same author”Libya: Transitions and U.S. Policy” Congressional Research Service, (December 8, 2011).

10.  Ivo H. Daalev and James G. Stauridis, “Nato’s Victory in Libya” Foreign Policy (March-April, 2012), Nicole KoeMig, “The EU and the Libyan Crisis – In Quest of Coherence” The International Spectator: Italian Journal of International Affairs, (January 5, 2012) and Greg Feldman, “Europe Border control witha Humanitarain face”, Middle East Report, (Winter, 2011).

11. Marion Kaczrski, “ Russia’s Middel East Policy after the Arab Spring Revolutions” Centre of European Studies, ( July 26, 2011),  Thomas Goltz, “ The Chechen Connection” Tha Nation, (May 13, 2013), and Stephen Weissman, “ Away Forward in Syria: The Lessons of Libya”, In These Times, (June, 2013).

12. ”Chinese Trade with Africa keeps grwoing” The Economist, (March 23, 2013).


خاتمة: بعد الثورة


إشكالية وتحديات الانصاف والمصالحة الوطنية في ليبيا


• مقدمة

يواجه المجتمع الليبي بعد ثورة 17 فبراير وسقوط النظام الديكتاتوري إشكاليات صعبة مثل العديد من المجتمعات التي واجهت الديكتاتوريات، والحروب الأهلية والدول التسلطية والشمولية سواء في أمريكا اللاتينية أو شرق أوربا أو العالم العربي. الآن لا بد من التفكير الجاد المنهجي في المعوقات والعقبات التي تراكمت فيما أسميه عبء تاريخ الدولة التسلطية بعنفها وقمعها وتدميرها، ليس فقط للمؤسسات الاجتماعية والأهلية ولكن أيضا تشويه القيم المدنية وغرس الغبن والأحقاد وإحياء النعرات الجهوية والقبلية، ما يدعو قبل أي شيء آخر إلى ضرورة الوعي والاستيعاب لهذا العبء، وأيضا الكفاءة الاخلاقية المهنية من اجل بدء حوار وطني جاد. هذا الهدف لن يتحقق الا بالتفكير في تسوية سياسية وتطبيق العدالة الانتقالية من خلال لجنة انصاف تعمل لإظهار الحقيقة وبعدها المصالحة الوطنية بالكشف عن الحقائق واظهار التاريخ وتوثيق المنسي للمظلومين والمهمشين و المساجين و المنفيين والمعذبين خلال المرحلة التسلطية الدكتاتورية، هذا المقال  يتبنى منهج ما بعد الاستعمار وما بعد الصراع التاريخي.

السؤال الاساسي الذي يواجه المجتمع الليبي هو كيف نفكر في المصالحة الوطنية من غير ان نسقط في تيار الانتقام والثأر والعنف الاهلي بين شرائح المجتمع التي ايدت النظام وساهمت في استمراره وقوى المجتمع المناضلة ضد الاستبداد والأغلبية الصابرة الصامتة التي قاومت بطرق عديدة ضد هذا النظام الذي أفلس أخلاقيا وسياسيا، وأعلن الحرب على المجتمع عندما قام شباب 17 فبراير بالاحتجاج السلمي من اجل مطالب عادلة، ما نوجهه هو كيف نوافق او نوازن بين مطالب العدالة وإظهار الحقيقة وفي نفس الوقت انجاز او وضع الاساس للمصالحة الوطنية لبناء دولة مدنية وديمقراطية. نقترح في هذا البحث ثلاث افكار اساسية:

اولا: ضرورة القيام بتسوية سياسية مع مؤيدي النظام السابق الذين لم يقترفوا جرائم إنسانية ومالية.

ثانيا: ضرورة التفكير في لجنة انصاف و حقيقة ومصالحة وطنية. بعبارة اخرى اظهار الحقيقة هو نوع من الانصاف أولاً، بعدها تأتي المصالحة من خلال الاعترافات والتوثيق الاعلامي التاريخي والتعليمي.

ثالثا: معرفة ودراسة التجارب المقارنة للمجتمعات الاخرى التي واجهت تحديات مشابهة لنا بعد سقوط الدكتاتوريات، وخاصة تجربة جنوب افريقيا التي اعطتنا اهم تجربة في تطبيق مفهوم هيئة او لجنة تحقيق المصالحة، والتجربة المغربية وهي الاولى في العالم العربي برغم كل الانتقادات التي حدثت لها.

رابعا: اعادة فهم واستيعاب عبء التاريخ الليبي في القرن العشرين من دولة استعمارية استيطانية عنيفة الى دولة ما بعد الاستقلال، بهدف التأثير والتفاعل، وأيضا للاستفادة من تراثنا التاريخي والديني والثقافي عند إنشاء لجنة حقيقة وإنصاف ومصالحة كما أدعو في هذا البحث.

 افتراضات ومفاهيم منهجية

ولكن السؤال الملح تاريخيا وفلسفيا هو ماذا نعني بالمصالحة؟

المصالحة تعني معالجة العلاقات الممزقة والمتصارعة، والتي تشمل تطوير رؤية عملية وشاملة للمجتمع الاهلي والمدني، والاعتراف والتعامل بعبء التاريخ والماضي القريب أو بناء علاقة ايجابية مشتركة تركز علي الحد الادنى من التراضي والتوافق في المجتمع أو تغيير ثقافي وقيمي مبني على فكرة المساواة والمواطنة، وأخيرا حل العقبات الملحة وبالذات البطالة والاجور والتعليم والاعلام من خلال الشفافية في ظل المساواة القانونية والمواطنة للناس جميعا عدا الجلادين والقتلة.

أزعم في هذا البحث أن لجنة حقيقة وإنصاف ومصالحة 1)هي مسألة امن قومي ليبي وهي حجر الاساس في انهاء الصراع الاهلي والعنف المسلح، ومن ثم الاعداد لبناء دولة مدنية وديمقراطية في ليبيا. هذه الخطوة الاولى، كما اعتقد، ستساعد على أن يكون الصراع الاجتماعي سلميا من خلال المؤسسات الاهلية والمدنية التي تضمن شرعية الاختلاف والحق في التعبير من خلال سلطة القانون التي تكفل لليبيين رجالا ونساء باختلاف مناطقهم وجهاتهم المساواة والشفافية القانونية، ولكن قبيل القيام بتفصيل هذه اللجنة، هناك شرط اساسي ومحوري وهو القبول بتسوية سياسية مع ملايين الليبيين الذين لم يقترفوا جرائم سياسية ومالية ولازالوا إما خارج ليبيا في بلدان الجوار (مليون ونصف) أو تم محاكمتهم داخل ليبيا كالأزلام أو الفلول أو مجرمين. ايضا لابد من التأكيد الحديث عن معالجة وطنية يظل ناقصاً من غير الإصرار على الإنصاف وإظهار الحقيقة من خلال الاعترافات والتوثيق.

سوف احلل في هذا المقال العلمي النقاط التالية: السياق التاريخي لمفهوم المصالحة والإنصاف، كيفية التفكير في اللجنة وطبيعتها، اختيار الاسم ومدلولاته، نماذج لجنة المصالحة والإنصاف وتجربتا جنوب إفريقيا والمغرب وأوجه الاتفاق والنقد لهما.

ولكن لابد من الاعتراف بأن التحدي الأكبر الذي يواجهنا الآن هي كيف نبدأ في طور مدني وثقافة جديدة بديلة لثقافة الماضي ثقافة التسلط والفساد والوساطة والتحايل علي القانون والنظر للمال العام والدولة كغنيمة – الخطوة الأولى هي مواجهة الماضي بقمعه وتسلطه ومؤسساته وتاريخه . لجنة ليبية للحقيقة والإنصاف والمصالحة لن تحل كل الإشكاليات والتحديات ولكنها ليست سوى بداية صحيحة ستساعد في بناء ما نصبو إليه، وهو دولة المساواة المدنية والديمقراطية، ازعم أن هذا الهدف سوف يحقق الوحدة الوطنية من اجل بناء كيان وثقافة جديدة في العقد القادم.

 السياق التاريخي لمفهوم الحقيقة والإنصاف والمصالحة

بعد الحرب العالمية الثانية نذكر لجنة نورميرج لمحاكمة جرائم الحرب النازية التي تعتبر أهم إدانة لجرائمهم ضد الإنسانية بعد حرب الإبادة لليهود و الاشتراكيين و الغجر والأوروبيين الشرقيين (2). ولكن السياق التاريخي لانتشار لجان التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان من اجل المصالحة الوطنية انتشرت بعد سنة 1994 كيف نفسر هذا؟

لابد من الأخذ في الاعتبار سقوط الدكتاتوريات العسكرية، نظام الحزب الواحد، ونهاية الحرب الباردة بفعل الثورات ضد الأنظمة الشمولية في شرق أوروبا ودكتاتوريات أمريكا اللاتينية، وهاهي شعوبنا الآن بثورات الربيع العربي تشدّ اهتمام العالم اجمع بما فيها ثورتنا، ثورة 17 فبراير. وأستطيع أن اعلق على هذا الموضوع لأنني كنت فاعلا أساسيا خلال هذه السنة في التعليق و الحديث و الكتابة للرأي العام الأمريكي والغربي، وأيضا الأمم المتحدة 3) العالم الآن ينظر لنا باهتمام وبتعاطف لم أشاهده خلال تجربتي في المنفى منذ ثمانينيات القرن الماضي، هذا يعني أيضا تحديا لنا لانجاز الثورة من خلال بناء الدولة المدنية الديمقراطية، ولهذا أرى أن الثورة نجحت في المرحلة الأولى وهي إسقاط النظام الدكتاتوري ولكن كما يعلمنا تاريخ الثورات في العالم إذا لم نكن يقظين، فإن الثورات تسرق والثورة المضادة في الداخل والقوى الطامعة في الخارج قد تنجح في سرقة الثورات بما فيها ثورتنا نحن في ليبيا.

هناك ثلاثة افتراضات قانونية وفلسفية يتفق عليها جل المختصين في دراسة هذه اللجان أولها لابد من دراسة وفهم تاريخ العنف والتسلط سياسيا واجتماعيا، وثانيها الاعتراف بالظلم وجراحه التاريخية في رفع الغبن والتوتر والرغبة في الإنصاف، وأخيرا الاعتراف بالمسئولية الأخلاقية للتسلط والظلم وانتهاك حقوق الإنسان.

الدراسات المقارنة والتاريخية للتسلط والعنف، تتفق أيضا على أهمية المصالحة والتسوية السياسية قبيل عملية بناء الدولة، وبالتالي الاعتراف بجرائم الماضي وتسجيلها وتعويض الضحايا هو جوهري في التمهيد للصلح الماضي وبناء نظام بديل وديمقراطي.

 ماهي لجنة الحقيقة، والإنصاف والمصالحة

شهد العالم ظهور 20 لجنة إنصاف ومصالحة مابين 1994 و 2004، بعضها أنشئت من قبل الدول، والأخرى من قبل الأمم المتحدة في حالة السلفادور وجواتيمالا، وأخرى أنشأتها منظمة دولية غير حكومية (هاييتي ورواندا )4.

بشكل عام لجان الحقيقة والإنصاف والمصالحة هي هيئات بنيت للتحقيق في تاريخ انتهاكات حقوق الإنسان. هذه اللجان عادة تتضمن أربعة أهداف:

أولا: تحديد من المسئول عن العنف وانتهاك حقوق الإنسان.
ثانيا: القيام بنشر وإذاعة الشهادات وتاريخ العنف من قبل الضحايا والمنتهكين.
ثالثا: القيام بإعلان توصيات قانونية واجتماعية لمنع حدوث هذه الانتهاكات في المستقبل.
رابعا: نشر هذه الوقائع وتقارير اللجان كمصدر وشهادة للتاريخ وتضميد جراح المجتمع المدني.

• اسم الهيئة والنماذج المطروحة

ليس هناك اتفاق على اسم الهيئة أو اللجنة. في التشيلي والسلفادور وهاييتي ذكر اسم الحقيقة، ولكن في الأرجنتين والأورجواي وبوليفيا كان التركيز علي تاريخ المختفين في جنوب إفريقيا اسم اللجنة الحقيقة والمصالحة، إما في المغرب فأعطي اسم هيئة الإنصاف والمصالحة، ولكن جل هذه اللجان تتفق علي الأقل في الاعتراف كخطوة أولى لبداية المصالحة، وأيضا وضع الموارد المالية والإجرائية لتمويل الهيئة وتعويض الضحايا5).

 نماذج اللجان وهيئات الحقيقة والإنصاف: جنوب إفريقيا

تبرز تجربة جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام الابارتهيد العنصري الأهم حتى الآن في العالم والأكثر دراسة ونقاش في الأوساط القانونية والأكاديمية بشكل عام. شكلت اللجنة التي سميت الحقيقة والمصالحة في عام 1995 وانتهت مهمتها في عام 1998، رئيس هذه اللجنة القس المحترم دزموند تودو رجل الدين البارز في النضال ضد النظام العنصري، اللجنة أساسها هو تسوية سياسية شكلت كحل سلمي للصراع السياسي في جنوب إفريقيا وانطلقت من مبدأين أساسيين: التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في الفترة ما بين 1960 – 1994، وإعطاء عفو عام للجلادين ورجال الأمن والجيش مقابل الاعتراف بالجرائم والقبول بالعفو والغفران، وتحديدا بدأت اللجنة بالخطوات التالية كخارطة طريق للعمل:

1- تسجيل مفصل لانتهاكات حقوق الإنسان في الفترة المحددة.
2- ذكر أسماء الأشخاص والمؤسسات المسئولة عن الانتهاكات.
3- إعطاء ضحايا حقوق الإنسان منبرا علنيا للتعبير عما حدث لهم.
4- إصدار توصيات لتعويض الضحايا ماديا ومعنويا من ميزانية الدولة.
5- إصدار توصيات لمنع انتهاك حقوق الإنسان في المستقبل.
6- إصدار عفو عام عن الأشخاص المتورطين في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان مقابل اعترافهم الكامل بجرائمهم.

من الواضح أن اللجنة كانت تهدف أساسا لتضميد جراح المجتمع المدني في جنوب إفريقيا، وكان المثل الأعلى للجنة هو الرئيس لينسون مانديلا الذي أصر على عدم شعوره بالمرارة وعدم رغبته في الانتقام من رجال النظام العنصري وبالتالي أدى هذا الموقف إلى تسوية سياسية وعفو عام، ولكن مقابل الاعتراف بجرائم نظام التمييز العنصري، أي المراهنة على المستقبل في نهاية المطاف. ما ميز عمل اللجنة هو التحقيق في الاعترافات التي أعطت مصداقية لعمل اللجنة، وفي عام 1998 أصدرت اللجنة تقريرها الضخم من أربعة أجزاء 6).

ولكن لابد من الإشارة بأن عمل اللجنة تعرض لبعض الانتقادات أهمها بأنها ركزت على مرحلة ما بعد 1960، ولم تحقق في العدالة الأخلاقية، وتركيزها على بعض الرجال البارزين في النظام العنصري، أي أنها تجاهلت العنف ضد الأغلبية السوداء في نزع الأراضي والاقتلاع والتهجير، وأيضا جرائم البانتوستان وسكتت عن دور الذين استفادوا من النظام من خلال الامتيازات الوظيفية والتعليمية والاقتصادية 7).

المغرب: لجنة الإنصاف والمصالحة

أنشئت لجنة الإنصاف والمصالحة في المغرب في يناير 2004 بقرار ملكي من قبل الملك محمد السادس وعين السيد إدريس بن زكري، السجين السياسي السابق رئيسا للجنة، وتكونت اللجنة من (16) عضوا، وكان الهدف الأساسي للجنة هو التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان ضد المواطنين من قبل أجهزة الدولة في الفترة مابين 1956-1999 وبالذات ما يسمى في المغرب بالسنوات السوداء أو " سنوات الرصاص " وتحديدا تاريخ وأسماء المختفين الذين عذبوا و سجنوا أو اعدموا، انتهت اللجنة من مهمتها في 13 فبراير 2004. قامت هذه اللجنة خلال هذه الفترة بقبول ومراجعة 22,000 طلب للتعويض وكانت الاعترافات علنية في أجهزة الإذاعة المرئية والمسموعة 8).

لابد من الاعتراف بأن هذه اللجنة هي الأولى في العالم العربي، وأعطت الملك الجديد والمخزن بعض الرصيد السياسي في تصحيح الماضي القمعي للعرش المغربي خلال فترة حكم والده الملك الحسن الثاني، ولكن هذه اللجنة تعرضت أيضا للانتقاد من داخل وخارج المغرب.

أولا: اللجنة لم تذكر أو تطلب أسماء الجلادين والمتهمين بانتهاك حقوق الإنسان، فمثلا المناضل مصطفى العمراني احد قادة جيش التحرير ذكر بأنه عذب من قبل أعضاء في حزب الاستقلال، ولكن لم تؤد هذه الشهادة لاستدعائهم.

ثانيا: تجاهلت اللجنة القانون المغربي ضد الإرهاب، وأكثر من ذلك دور الدولة المغربية في تعذيب وسجن الجماعات الإسلامية المعارضة داخل المغرب والتي أرسلتها الولايات المتحدة للمغرب للتحقيق والتعذيب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

ثالثا: اللجنة لم تحقق مع لجان المخابرات والأمن في قضايا قديمة مثل قضية المناضل المهدي بن بركة، أو حديثة مثل الصحفي علي المرابط الذي سجن بتهمة قذف الذات الملكية.

رابعا: اللجنة لم تتعرض للمسئول الأكبر الملك حسن الثاني ودوره الدموي في القمع، والإقصاء والتعذيب.

ولكن اللجنة أوصت بالتعويض وبنشر التقرير للتوثيق التاريخي، بلا شك اللجنة المغربية بها الكثير من النقائص ولكنها الأولى في منطقتنا والأكثر أهمية، اللجنة تجاهلت العنف الاجتماعي في بلاد تعاني أسوأ درجات التفاوت الاجتماعي والتعليمي في المنطقة كلها 3).

خلاصة

اقترح أن تنشأ لجنة حقيقة وإنصاف ومصالحة للأسباب التالية:

أولا: لمعرفة الحقيقة وإعطاء الضحايا فرصة للشهادة للتاريخ وأيضا سماع رؤية رجال المخابرات و اللجان الثورية والكتائب للاعتراف بجرائمهم وأيضا سراق المال العام.

ثانيا: باستثناء القادة والمجرمين والجلادين الكبار، لابد من تسوية سياسية في ليبيا تتطلب الاعتراف بالجرائم كما في حالة جنوب إفريقيا ولكن تعفو علي الأشخاص، لابد من تخفيف خطر الانزلاق في مأزق الانتقام. والثأر كما في حالة الصومال والعراق، هذا الطريق مدمر وخطير سيزيد من العنف والطحن الأهلي.

ثالثا: نحن نحتاج إلى لجنة إنصاف وحقيقة مكونة من رجال ونساء وقيادات ذات مصداقية أخلاقية ومؤهلة، ونحن اقرب للجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا من النموذج المغربي، الذي لا أراه مناسبا في حالة ليبيا.

رابعا: اقترح أن نهتم بالجانب القانوني والتاريخي في تكوين اللجنة، كمبدأ أولى أن نستفيد من تراثنا الديني والثقافي في إحياء فكرة التسامح والعفو عند المقدرة، وأيضا جبر الخواطر التي تمثل أهم الجوانب الحضارية في المجتمع الليبي، وخاصة في القيادات التي لم تتلوث في العمل مع النظام، أو فقدت مصداقيتها كما في حالة الكثير من الليبيين العائدين من الخارج، والذين تعاملوا مع أجهزة المخابرات الغربية، ولابد من إعطاء النساء مشاركة فعالة في الهيئة والاستفادة من الأمم المتحدة في هذا المجال.

وأخيرا هذه اللجنة ليست شأنا فرعيا أو ترفا أكاديميا، المصالحة الوطنية هي التحدي الأساسي للسلم الأهلي، ولجنة الحقيقة والمصالحة هي اللبنة الأولى لتضميد جراح الليبيين من غير تجاهل الماضي.

المجتمع الليبي اليوم أمام تحد حقيقي وتاريخي لبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، وهي الفرصة الثانية بعد الاستقلال، المسئولية كبيرة وإذا تم التهاون في معرفتها أو لا سامح الله انزلق المجتمع لمفهوم الثأر والانتقام والصراع المسلح فلن يجد الشعب فرصة أخرى، وخاصة أن الأطماع الإقليمية والدولية تحدق من كل جانب، ولا يجب أن يلام الآخر على هذا، ولكن في النهاية الأمل الكبير هو في شجاعة وسماحة وحيوية الشعب وقيادات المجتمع في استيعاب عبء التاريخ وجسامة التحديات الصعبة القادمة كما يحدث الآن وأيضا من تجارب الطحن الأهلي في العراق والصومال وسوريا


راجع الحلقات: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
Ghoma
It's becoming like chicken-egg thing between building the state or healing the sore social wounds. Commode she would say you need a state to carry the healing process but social…...
التكملة
امرأة ليبية
إن قولك المتسرع بأن ثورة القذافي قد حققت " الكثير من المكاسب إلى الليبيين العاديين: تعليم واسع النطاق ورعاية صحية مجانية وتحسين في الظروف المعيشية. واستفادت النساء على وجه الخصوص…...
التكملة