شُكْري السنكي: قصّة تكوي القلوب.. رصاصة طائشة تودي بحياة أنور نافو 18/8/2015 22:16 شُكْري السنكي: قصّة تكوي القلوب.. رصاصة طائشة تودي بحياة أنور نافو
الصادق شكري بحث

قصّة تكوي القلوب... رصاصة طائشة تودي بحياة أنور نافو
 


بالأمس ودعناه إِلى مثواه الأخير..

واليوم لم يتبق لنا إلاّ ذكراه المرير..

روحه المرحة الآن تحلق مِن حولنا..

تسرق فِي وجوم وصمت همسنا..

فادعوا معي له بالمغفرةِ مِن ربه..

وبحسن اللقاء والجوار بنبيه..

فهُو السّابق قبلنا إِلى رحمته..

ونحن اللاحقون، عند الموعد، به (1)

تلقيت يوم الجمعة الموافق العاشر مِن يوليو/ تموز 2015 رسالة على الفايبر مِن صديق، أخبرني بنبأ فاجع ومؤسف ومؤلم جدَّاً، وفاة  صديقي أنور نافو عصر يوم الثانى والعشرين مِن رمضان 1436 هجري الموافق التاسع مِن يوليو/ تموز 2015م أثر رصاصة طائشة. لم أستطع الكتابة فِي الأسابيع الأولى مِن هول الفاجعة وصدمة الحادثة فانتظرت قليلاً ثمّ أطلقت العنان لقلمي ليكتب عَن أنور ووجع الفراق وألمه.. ويسطر مَا يجولُ فِي خاطِري مِن مواقف وحكايّات وذكريّات.. ويقف عند مَا تمر به بلادنا مِن أحداث واضطرابات ونزعات، ومَا تتعرضُ له مِن أخطار ومخاطر وانقسامات. 

دخلت رصاصة طائشة إِلى حجرة نوم أنور فقتلته، والرصاص الطائش فِي بّنْغازي مدينتي المنكوبة قضى على أرواح بريئة كثيرة مُنذ انطلاق القتال الدّائر فِي المدينة مُنذ أكثر مِن عَام.. رصاص يطارد النَّاس فِي كلّ مكان، ويخترق الأجساد خارج البيوت وداخلها فيُخلف القتلة والجرحى ويترك وراءه العاهات والتشوهات.  

انتظرنا الثورة طويلاً وفرحنا كثيراً بقدومها.. والكلّ شارك فِي الثورة وساهم فِي إنجاحها لإسقاط النَّظام الدّكتاتوري المُتسلط المُستبد. الثورة أتي بها الشّعب بعْد اثنين وأربعين عاماً مِن حكم الفرد المُطلق.. حكم التخلف والتجهيل والقهر والاستبداد. فرح النَّاس بالثورة وشارك فيها كلّ واحد بطريقته ولا تستطيع أيّ جهة أو مجموعة إدعاء احتكارها لأنها ثورة جميع النَّاس وكلّ الشّعب. وبعْد شهور قليلة مِن نجاح الثورة، برزت مجموعات متطرفة.. وظهرت أجندات متصارعة.. وتصدرت بعض الشخصيّات ذات الأطماع والمآرب الخاصّة، وغدا الصّراع يتصاعد تدريجياً حتَّى أصبح الوطن مهدداً فِي كيانه ووحدته، وصار القتال والانفلات الأمني والفوضى والاضطراب يعم - وبصور متفاوتة - معظم ربوع الوطن، ولمدينتنا بّنْغازي النصيب الوافر الأسوأ منه.

يُطلق الرصاص فِي كلِّ اتجاه وأصوات القذائف فِي بّنْغازي تتواصل ولا تنقطع. رصاص طائش حصد أرواح الكبّار والصغار بما فيهم الأطفال الرضّع. ويبدو أن مدينتنا بّنْغازي مستهدفة وقد قيل عَن الدّائر فِيها:

".. يزداد الاضطراب فِي بّنْغازي ويشتد فيها الإقتتال، وليس مِن بادرة تفاؤل ولا مِن اتضاح رؤيّة تنبئ بانفراج فِي المدى القريب. تلاحق القذائف العشوائيّة أهل بّنْغازي فِي كل مكان.. فِي البيوت والميادين وأمام المساجد.. ولم يُعد الموت يلقى خبره اهتماماً أو يُعد مِن الكبائر.. الموت خبط عشواء يصيب مَنْ يصيب ويخطئ مَنْ لا يزال له بقية مِن عمر، ويخلف الجرحى والمعاقين.. إنّها بّنْغازي المُستهدفة المتقصدة أو المقصودة بالتخريب وشموليّة التدمير. نفوس أهل بّنْغازي النّضال وعاصمة الثورة حزينة ومعبأة بالاكتئاب.. بّنْغازي المدينة مخربة مدمرة وأهلها بين نازح ومُهجر.

مدينتنا بّنْغازي ليست بخير.. كنت أود أن أقول غير ذلك وأجد مَا يبعث فِي النفس البهجة والسرور، ولكن الدّائر فِي مدينتنا جد خطير ولا يحتمل المجاملة أو تجميل الواقع وإظهاره عكس صورته الحقيقيّة..".

هكذا وصف أحد مثقفي مدينة بّنْغازي وصحفييها الكبّار حال بّنْغازي فِي رسالة قصيرة استلمتها منه عبر الفايبر يوم 12 يونيه/ حزيران 2015م، وقبل ثلاثة أيّام مِن اتمام الشهر على استلامي لتلك الرسالة وصلني خبر وفاة  صديقي أنور نافو أثر إطلاق ناري طائش دخل إِلى غرفة نومه وهُو ساجد لصلاة العصر. قضت تلك الرصاصة اللعينة على حياة أنور الصديق الرَّائع الطيب البشوش الّذِي كان الوطن ينبض مع دمه فِي عروقه وأوردته وكان حبه لبّنْغازي يصل إِلى درجة العشق. 

ينتمي أنور نافو إِلى أسرة ليبيّة عريقة الأصل والمنشأ تربى فيها على الاحترام وتوقير الكبير وبشاشة الاستقبال والكلمة الطيبة وخفض الصّوت وسائر القيم الاجتماعيّة النبيلة (2). وعاش أنور المولود فِي 28 يناير/ كانون الثّاني 1961م، فِي بّنْغازي وترعرع فِي شوارعها وأزقتها. والده هُو عمران نافو (1926م - إبريل/ نيسان 1991م) الرجل الأصيل الّذِي عُرف بطيبته والتزامه، وشقيقه الأكبر هُو منصور المحامي المُعروف فِي بّنْغازي وأخوه الثّاني هُو سَعْد نافو (1948م - 14 يونيه/ حزيران 2015م) الكاتب والصّحفى والقائد الكشفي المعروف الّذِي تولّى فِي عَام 1970م مهمّة إصدار مجلّة: (جيل ورسالة) التي كانت تصدر عَن مفوضيّة كشافة بّنْغازى يرافقه عدد مِن قادة الكشافة آنذاك منهم رفيقه الإعلامي أحمَد أنور والقائد سَالم سويكر والقائد محَمّد عُمر البكّوش والدّكتور منصور محَمّد الكيخيّا. ولأنور نافو أربعة أخوة أشقاء هم:  منصور وعدنان وهشام وعلي.. وأخ واحد غير شقيق هُو: سَعْد، وله خمس أخوات شقيقات وأربع غير شقيقات.

كان أنور نافو رحمه الله جاري وصديقي وزميلي فِي الدّراسة.. وهُو مِن الجيل الّذِي دفع الثمن الأغلى والأعظم فِي مقاومة نظام معمّر القذّافي واستبداده، فاللَّهُمَّ تقبله عندك شهيداً، وأرزقه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء. 

تعود الذكريّات التي أحملها لأنور إِلى الطفولة والشباب.. الشّارع والمدرسة ومَا تحمله تلك السنوات مِن مواقف وحكايات وأحداث وطرائف لا تنسى.. الجامعة وبدايات تفتق الوعي ومعرفة الجريمة الكبرى التي ارتكبها معمّر القذّافي بحق الوطن ساعة انقلابه المشئوم على دولة المؤسسات والقانون.  

كُنت أنا وأنور نسكن فِي نفس المنطقة بالفويهات فِي مدينة الحدائق.. ودرسنا المرحلة الابتدائيّة فِي مدرسة خالد بِن الوليد بمدينة الحدائق ثمّ الإعداديّة فِي مدرسة التقدم فِي مدخل بوهديمة وبعدها الثانويّة فِي مدرسة صلاح الدّين بالبركة ثمّ دخلنا الجامعة ودرسنا سوياً بكليّة الاقتصاد والتجارة.

تعلم أنور العزف على آلة الكمان على يد الاستاذ المصري جاد الرب عازف آلة الكونترباص فِي فرقة الإذاعة الِلّيبيّة فِي بّنْغازي ومدرس الموسيقى فِي مدرسة التقدم ثمّ صلاح الدّين. لم يستمر أنور فِي الموسيقى طويلاً فتركها وانضم إِلى نادي النّصر ليلعب فِي صفوف فريقه فِي كرة السّلة التي أحبها وتعلق بها بشدة.

ذهبت أنا وأنور معاً إِلى المدرسة ولعبنا سوياً فِي شوارع المنطقة.. درسنا بنفس المدارس وبذات الفصل طيلة سنوات الدراسة وذاكرنا الدروس معاً قبل الامتحانات. كبرنا أكثر ودخلنا نفس الجامعة والتحقنا بذات الكلية وكنا نلتقي يومياً فِي كافتيريا كلية الاقتصاد وتجمعنا بعض المواد الدراسيّة فِي مدرج أو فصل واحد. 

جلسنا تحت سقف فصل دراسي واحد.. ولعبنا سويا كرة السّلة والطائرة فِي مدرسة صلاح الدّين وقبلها فِي مدرسة التقدم التي كان ناظرها المربي الفاضل المرحوم عبْدالرازق الشّيخي.

امتلك أنور الموهبة والطول المناسب والمرونة الكافية فكان مميزاً فِي لعبة كرة السّلة ولذا دعوته للانضمام لفريق كرة السّلة بنادي الهلال حيث أنني هلالي أو هيلاهوب كمَا يقول البنغازة وكنت أيْضاُ لاعباً فِي صفوف الأشبال لكرة الطائرة فِي الهلال، ولكن أنور اختار فريق النّصر فلعب فِي صفوف الأشبال ثمّ الدرجة الأولى واختير ليمثل بلاده فِي صفوف منتخب الأواسط ثمّ الدرجة الأولى. 

لعب أنور مع نادي النّصر فِي الدرجة الأولى إبّان قيادة أحمَد المقصبي لفريق كرة السّلة وضمّ الفريق إِلى جانبهما: مفتاح القطعاني وسعد موسى الخفيفي وخالد الفقي ورياض الثّلثي وأحمَد البرعصي وأحمَد العوامي وآخرين مِن اللاعبين الاحتياطي أو الجالسين على دكة البدلاء. وكان التونسي الكابتن كامل هُو مدرب الفريق ويساعده المدرب الِلّيبيّ الطيّب الخلوق المرحوم محمود بالة. ويُذكر أن شقيق قائد فريق النَّصر كان يلعب فِي صفوف الهلال وهُو حسن خليل المقصبي الّذِي كان لاعباَ متميزاً ومتألقاً ومشهوراً برمياته الثلاثيّة. 

كان أنور شاباً خلوقاً أمتلك الموهبة والروح الرياضيّة العاليّة وتميّز بأسلوبه الخاصّ فِي اللعبة خصوصاً فِي عمليّات الريبوند (متابعة الكرات تحت السّلة) دفاعاً وهجوماً. وقد تمّ اختياره كعضو بفريق الدّرجة الأولى لكرة السّلة بنادي النّصر فِي سن مبكرة جدَّاً مِن عمره، ولأنّ أنور كان لاعباً مميزاَ ومتميزاً تمّ اختياره في المنتخب الوطنيّ ثمّ واحداً مِن بين اللاعبين فِي المنتخب الِلّيبيّ للجامعات. 

ثمة شيء يشدني إِلى أيّام الدّراسة ومقاعدها وخاصّة فصل ثالثة أولى فِي المرحلة الثّانويّة الّذِي جمعني بأنور وكثيرين مِن الرائعين أمثاله.. إِلى النشاطات المدرسيّة الموسيقيّة والرياضيّة والثّقافيّة.. إِلى أولئك الأصدقاء وزملاء الدّراسة.. إِلى تلك الأيّام التي هي بحق أحلى أيّام وأجمل ذكريّات.

أعود بالذّاكرةِ إِلى تلك الأيّام، فتمر على شاشة ذاكرتي بعض المشاهد، وأتذكر كلما فاز فريق نادي النّصر للكرة الطائرة على فريق الهلال استغلها أنور فرصة للتعليق السّاخر متوعدني بمزيد مِن الهزائم والخسائر. وكان فريق نادي النّصر للكرة الطائرة فِي تلك الفترة يضم كلاً مِن: ميلود زكة ومحمود الأصفر وأحمَد الفقي ومحمّد الأصفر وشتوان وأرحومة الصّافي وإبراهيم طرينة ومُصْطفى الجوهري وانضم إليهم فيما بعد مُصْطفى ديقة وعوض زكة ووهبي زوبي الذين كانوا مِن الشباب الصاعد الواعد المتميز فِي اللعبة. بدأ فريق النصراويّة لكرة الطائرة يبرز فِي بدايات النّصف الثّاني مِن السبعينات فِي حين بدأ فريق الهلال يتراجع شيئاً فشيئاً بحكمِ اعتزال بعض اللاعبين كالمتألق فوزي الصقر والدّوليّ عُمر طافور والرَّائع ناجي عاشور واللاعب فهيم الحاسي وناجي بوحوية (1953م - 1982م) وسُليْمان خير، وسفر آخرين إِلى الخارج كالسّنوُسي كويدير ومحمّد عبيدة وميلاد حويو ومحَمّد شلوف وعودة السّوري عادل معد الفريق إِلى سوريا والروسي العملاق إِلى بلاده، ولكن وجود لاعب دّوليّ فِي قامة إدْريْس غيث وقتذاك بين بعض الشباب الصاعد كخليل أوريث وعادل نجم وصالح المجبري، واستمرار بعض اللاعبين إِلى جانبه كأبوبكر شتوان ومحَمّد خالد ثمّ قدوم عبدالله بِن حميد مِن الأهلي وفرج الشريدي مِن فريق التعاون، جعل فريق الهلال يستمر منافساً على البطولة بعضاً مِن الوقت رغم التفوق النصراوي حينئذ. ويذكر أن فريق الكرة الطائرة بنادي الهلال ظلّ فريقاً متألقاً في الصدارة على امتداد حقبة الستينات إِلى منتصف السبعينات، ونال العديد من البطولات، وكان فريق الأهلي والمروج والأبيار ومنافسين أقوياء لفريق الهلال، وذلك قبل بروز النصراويّة فِي بدايات النّصف الثّاني مِن السبعينات. 

ورُبّما أستطرد هُنا لأضيف بأن ميلود زكة لاعب النّصر كان مِن أفضل لاعبي ليبَيا وضارباً بارعاً يقود فريق منسجم ومتكامل يكمل بعضه البعض.. ودائماً متألق فِي مبارياته ضدَّ فريق الهلال، والمباراة بين الفريقين كانت تظاهرة رياضيّة تنافسيّة بكلِّ مَا تعني الكلمة مِن معنى مِن حيث جمال المباراة والجمهور الّذِي يملأ المدرجات، وكان نْوجي وتوفيق يقودا جمهور النَّصر كونهما الضاربان بالعصا على الطبل الذي كان يعلقاه على الكتف أحياناً وعلى العنق في أحيان أخرى أمّا جمهور الهلال فكان كلاي يقوده بنغمات طبله الجميلة والعصية على الوصف، وكان كلّ فريق يحثه جمهوره للفوز بالمباراة فِي جو حماسي مِن التصفيق الصاخب ودقات الطبول والأهازيج ذات الأوزان الغنائيّة العفويّة التي تُصاغ فِى اللحظة والتو وتصل إِلى اللاعبين فيتشجعون ويتألقون أكثر فأكثر.

وعودة إِلى كرة السّلة، كان فريق الهلال متفوقاً على النّصر فِي تلك السنوات ورُبّما الأكثر تتويجاً فِي المنطقة الشّرقيّة حينها، وكلما فاز الهلال أقبلت إِلى أنور قائلاً: "بالله عليك لا تزعل، وهذه الخسارة ضعْها في قائمة الخسائر التي سبقتها، وخذ هذه الخسارة بروح رياضيّة لأنكم ستخسرون أيْضاً فِي المباراة القادمة..".

كانت المنافسة بين الناديين محترمة وذات طابع خاصّ فِي مباريات الكرة الطائرة.. وكانت العلاقة بين لاعبي مختلف الأندية الِلّيبيّة طيبة ورائعة.. وكان أنور علامة مِن علامات كرة السّلة الِلّيبيّة ورُبّما رقم واحد فِي كرة السلة النصراويّة فِي وقت مِن الأوقات.  

كان أنور معجباً بلاعب كرة السّلة الأمريكي كريم عبْدالجبار أحد أفضل لاعبي كرة السّلة الأمريكيّة فِي سبعينات وثمانينات القرن المُنصرم، وأحد أبرز أبطال اللعبة فِي التّاريخ، والّذِي كان يلعب فِي مركز الوسط كسنتر (Center) مع فريق لوس أنجلوس ليكرز (Los Angeles Lakers) وأحرز معه البطولة (NBA) خمس مرَّات، وصاحب أعلى عدد نقاط فِي تاريخ اللعبة فِي الولايّات المتَّحدة حيث كان فِي رصيده يوم اعتزاله فِي عَام 1989م عدد (38,387) نقطة سجلها خلال مشواره الرياضي، ويأتي بعده فِي المركز الثاني اللاعب كارل مالون ثمّ مايكل جوردن فِي المركز الثالث. وَمِن شديد حبه لكريم عبْدالجبار، كان أنور يريد ارتداء رقم (33) نفس الرقم الذي كان يرتديه عبْدالجبار ولكن هذا الرقم لم يكن متوفراً في سارية أرقام قمصان الفريق يوم لعب أوّل مباراة رسميّة فِي حياته فِي صفوف أشبال نادي النَّصر، فاختار رقم (15) فالتصق هذا الرقم به طوال مسيرته الرياضيّة والتي لم تكن طويلة على أيّة حال. 

وبين عامي 1979م و1980م، توقفت المُنافسات الرّياضيّة والدوري العام، وأُلِغَيت مجالس إدارة النوادي وحلت محلها اللّجان الشّعبيّة المصعدة مِن قبل المحلات بعيداً عَن قاعات الأنديّة وأجوائها، وأُلِغَيت البعثات الرّياضيّة المشاركة فِي البطولات العربيّة والأفريقيّة والدّوليّة، وقبرت الرياضة تماماً تحت مُسمّى الرياضة الجماهيريّة !. توقف أنور نافو عَن التمرينات الرياضيّة المنتظمة نظراً لإلغاء الدوري العام، ووقف فِي ذهول ووجوم أمام هول مَا يحدث فِي ليبَيا ومَا يجرى فيها مِن تحولات خطيرة قلبت حياة الِلّيبيّين رأساً على عقب. ويُذكر أن مخطط القذّافي التدميري الّذِي وصل إِلى الرياضة فِي أواخر السبعينات كان قد وصل قبل ذلك إِلى الحريات العامّة والملكيّة الخاصّة ومؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني ففي عَام 1972م صدر قانون رقم (76) الخاصّ بالمطبوعات والقاضي بمصادرة الرَّأي الأخر وتأميم المؤسسات الصحفيّة.

وَفِي يوليو/ تموز 1972م صدر قانون (تجريم الحزبيّة) والّذِي نص على المعاقبة بالإعدام كلّ مَنْ دعا إِلى إقامة حزب أو تجمع أو تنظيم أو تشكيل محظور بموجب قانون 71 لسنة 1972م. وفِي عَام 1973م، أعلن القذافي الحرب على كيان الدولة تحت شعار (الحرب على الدولة الكلاسيكيّة ذات النمط الرجعي)، ودعا إلى تغيير الهيكلة الإداريّة لجميع أجهزة ومؤسسات الدولة تحت شعار (الإدارة الشّعبيّة) كذلك إِلى إلغاء كافة القوانين المعمول بها فِي البلاد تحت شعار (القضاء على البيروقراطيّة)، وكان ذلك فِي خطاب زوارة فِي 15 إبريل/ نيسان 1973م الخطاب الّذِي تبنى القذّافي فيه ما أسماه بـ(الثورة الثقافيّة).

وفِي عَام 1976م، تأسست حركة اللّجان الثّوريّة التي أعلنت فِي مؤتمراتها المتتاليّة التّصفية الجسديّة لأعداء نظام معمّر القذّافي فِي الدّاخل والخارج، وتشكيل محكمة ثوريّة مِن اللّجان الثّوريّة قانونها قانون الثّورة الّذِي يكتسب شرعيته مِن شرعيّة الثّورة نفسها !. وفِي عَام 1978م، صدر قانون رقم 4 لسنة 1978م الخاصّ بالملكيّة العقارية تحت شعار (البيت لساكنه) ثمّ القانون القاضي بتأميم التجارة تحت شعار (شركاء لا أجراء). مضاف إِلى هذه القوانين والسياسات الظالمة ما كانت تشهده البلاد من حملات تشديد الخناق على الكلمة والحركة.. والاعتقال لكلّ صاحب رأي أو مَنْ شك النّظام فِي ولائه له. ولعل ما كان يحدث فِي شهر إبريل/ نيسان مِن كلِّ عَام هُو أوضح دليل على ذلك فقد كان السفاكون السفاحون يحتفلون عند حلوله بممارسة هوايتهم علناً في القتل والتعذيب والتشّفي وإرهاب المواطنين. لم يكن شهر إبريل/ نيسان من الأشهر العاديّة بالنسبة للّيبيّين حيث أُعْدِم فيه أعداد مِن الشرفاء الوطنيين مِن الطلبة والعسكريين والشّيوخ والمثقفين فِي ساحات الجامعة والمدارس.. وداخل المعسكرات.. ووسط ميادين المدن الِلّيبيّة المختلفة.  

وَبَعْد هذَا الاسْتِطْراد، أَعُود إِلى الجامعة التي قضيت فيها مع أنور سنتين حيث سافرت بعد ذلك وتحديداً فِي مارس/ آذار 1981م إِلى مدينة براون شفايج فِي ألمانيا للدراسة وسافر بعدي أنور إِلى دبلن عاصمة ايرلندا لدراسة هندسة الطيران ضمن بعثة للخطوط الجويّة الِلّيبيّة، وقضيت في الغربة أكثر مِن ثلاثين عاماً ولم يجمعني بأنور لقاء ولم أره حتَّى بعْد عودتي إِلى بّنْغازي عقب ثورة السّابع عشر مِن فبراير، وَفِي العاشر مِن يوليو/ تموز أخبرني أحد الأصدقاء بوفاة أنور جراء إصابته برصاصة طائشة.

تخرج أنور فِي عَام 1987م مِن ايرلندا حيث حاز على إجازة فِي هندسة الطيران كمهندس أرضي فِي (تخصص راديو ورادار)، وإجازة أخرى فِي (تخصص الكهرباء). وبعْد تخرجه، عمل فِي شركة الخطوط الِلّيبيّة بمدينة بّنْغازي ثمّ التحق بمصلحه الطيران المدني (قسم السلامة)، وعمل أيْضاً كعضو فِي (لّجنة الرقابة) بمصرف المتوسط، ثمّ واصل دراسته العليا فنال الماجستير فِي هندسة الالكترونيات.

تزوج بنت المرحوم السّيَّد ونيس صوان، وعائلة (صوان) أحدى عائلات بّنْغازي المعروفة، وكان زواجه فِي عَام 1986م، ورزقه الله بخمسة أولاد وهم بالترتيب: طه وونيس وأحمَد ويُوسف وعبْدالحميد.

رحل أنور الّذِي عاش لحظة زوال كابوس الاستبداد وسقوط المستبد الأكبر الّذِي جثم على أنفاسه وأنفاس شعبه أربعة عقود مِن الزمان. وشارك فِي الثورة بقدر استطاعته وفرح بها فرحاً عظيماً، وكان حلمه أن تعود ثورة السّابع عشر مِن فبراير بالِلّيبيّين إِلى ميراث الجدود ويتحقق الاستقرار وتنهض ليبيانا نهضة عظيمة تصبح قدوة تُقتدى بها كل دول الربيع العربي. ولكنه رحل قبل أن يتحقق حلم النهضة والاستقرار فقد صعدت روحه الطاهرة إِلى بارئها والأحوال فِي بلادنا تزداد تدهوراً وانفلاتاً، والأوضاع فِي مدينتنا بّنْغازي تزداد تعقيداً وتشابكاً وينفجر الصدام مجدّداً كلما ظن النَّاس أنه انتهى أو على وشك الانتهاء فليس فِي الأفق مَا يدل على حل قريب ولا مِن اتضاح يلوح فِي مسار هذه السفينة التي تتقاذفها تيارات متباينّة مِن مسميات القائم مِن الصّراع. 

توافد النَّاس على بيت آل نافو وهم مصدومون وقلوبهم يملؤها الألم والأسى لفقدانهم لأنور برصاصة طائشة ولكثيرين مثله.. ويعتصرها الحزن الشديد لما يجري فِي الوطن مِن فرقة وانقسام وقتال، ولما يحدث فِي مدينتهم بّنْغازي التي تعيش ضائقة اقتصاديّة خانقة، وانقطاع فِي الماء والكهرباء لساعات طويلة، وتشهد توتراً أمنياً، وسقوطاً عشوائياً لقذائف الهاون وصواريخ الس فايف (C5). وأن هؤلاء جاءوا إِلى مجلس العزاء وكأنهم تواعدوا على اللقاء فِي هذا المكان ليواسي بعضهم البعض، وعيونهم تذرف الدموع حزناً وتطرح السؤال تلو السّؤال: لماذا ابتعدت الثورة عَن الهدف والمضمون!؟ لماذا هذه الفرقة والانقسام والحرب والدمار خصوصاً أن الثورة قامت مِن أجل الحريّة والسّلام ولأجل النهوض والإعمار!؟. هل العالم متآمر علينا أم نحن متآمرون على أنفسنا!؟. هل عدنا عشرات السنين إلى الوراء، ونحتاج إِلى وقت طويل جدًا للعودة شأننا فِي ذلك شأن كلّ الدول التي شهدت الصّراعات الدّاميّة والحروب!؟؟. كيف وصلنا إلى هذا الحال الّذِي وصلنا إليه؟. متى يتوقف القتال لنستقر ونشرع فِي البناء؟. ولماذا نطرح السّؤال تلو السّؤال ولا نجد الجواب !؟.. فهل ثمة خطأ!!؟  

وَأَخِيْراً، انتهى مشوار أنور برصاصة طائشة والله أسأل أن يتغمده بالرحمة والغفران، وأن يعمّ فِي القريب العاجل الأمن والاستقرار فِي ربوع بلادنا العزيزة التي طال عذابها وانتظارها. 

رحل أنور وستبقى سيرته الحسنة باقيّة بعده مخلدة ذكراه.. وسنبقى نحن أصدقاءه نتذكره ونترحم على روحه الطاهرة ونسعى لتحقيق حلمه وحلمنا جميعاً فِي أن تصبح ليبَيا دولة أمنة وناجحة ومزدهرة.

رحمك الله.. يا أبا يُوسف ودعائي أن ترقد روحك بسلام وقد ابتعدت عَن هُمُوم الدنيا وخيبات الأمل والقلق والحذر.. رحمك الله.. وجعل مستقرك ومثواك جنّات العُلا.. وسَلامٌ عليْك يوم وُلِدَت، ويوم رحلت، ويوم تُبْعثُ حَيّا. 

شُكْري السنكي
 

صُوَرَةُ لفريق نادي النّصر لكرة السّلة الموسم الرياضي 1977م1987م، وتضم كلاً مِن: اللاعب رياض الثّلثي رقم (9)، اللاعب
أحمَد البرعصي رقم (6)، اللاعب أنور نافو رقم (15)، اللاعب أحمَد الفقي رقم (10)، اللاعب أحمَد  خليل المقصبي
رقم (8)، اللاعب سعْد موسى الخفيفي رقم (4)، اللاعب مفتاح القطعاني رقم (5)

رحلة مدرسيّة ربيع عَام 1976م وتضم الصُوَرَةُ كلاً مِن: 
عبْدالحليم عبيدالله عامر وأبوبكر السّنوُسي  خريص وأنور عمران نافو

رحلة مدرسيّة ربيع عَام 1976م وتضم الصُوَرَةُ بعض زملاء أنور فِي الصف الدراسي أولى
ثانوي، وهم: زكريا الشّيخي وشكري السنكي وإبراهيم الهوني وعبداللطيف حامد جبريل. 

الصُّوَرَة الخَامِسَة: صُوَرَةُ تضم أنور نافو رقم (15) واللاعب رياض الثّلثي رقم (9)

صُوَرَةُ تضم أنور نافو رقم (15) واللاعب رياض الثّلثي رقم (9)

صُوَرَة تجمع بعض لاعبي منتخب المنطقة الشّرقيّة وهم: قدوره غيث مِن نادي الهلال
ويظهر برقم (4)، أحمَد البرعصي مِن نادي النَّصر ويظهر برقم (6)، حسن خليل
المقصبي مِن نادي الهلال ويظهر برقم (5)، أنور نافو مِن نادي النَّصر ويظهر برقم (6).   


مِرْفق الصُوَر

الصُوَرَة الأولى: صُوَرَةُ شخصيّة لأنور نافو. الصُوَرَة الثّانِيَة: صُوَرَةُ لفريق نادي النّصر لكرة السّلة الموسم الرياضي 1977م/ 1987م، وتضم كلاً مِن: اللاعب رياض الثّلثي رقم (9)، اللاعب أحمَد البرعصي رقم (6)، اللاعب أنور نافو رقم (15)، اللاعب أحمَد الفقي رقم (10)، اللاعب أحمَد  خليل المقصبي رقم (8)، اللاعب سعْد موسى الخفيفي رقم (4)، اللاعب مفتاح القطعاني رقم (5). الصُّوَرَة الثَّالِثَة: رحلة مدرسيّة ربيع عَام 1976م وتضم الصُوَرَةُ كلاً مِن: عبْدالحليم عبيدالله عامر وأبوبكر السّنوُسي  خريص وأنور عمران نافو. الصُّوَرَة الرَّابِعَة: رحلة مدرسيّة ربيع عَام 1976م وتضم الصُوَرَةُ بعض زملاء أنور فِي الصف الدراسي أولى ثانوي، وهم: زكريا الشّيخي وشكري السنكي وإبراهيم الهوني وعبداللطيف حامد جبريل. الصُّوَرَة الخَامِسَة: صُوَرَةُ تضم أنور نافو رقم (15) واللاعب رياض الثّلثي رقم (9). الصُّوَرَة السَّادِسَة: صُوَرَة تجمع بعض لاعبي منتخب المنطقة الشّرقيّة وهم: قدوره غيث مِن نادي الهلال ويظهر برقم (4)، أحمَد البرعصي مِن نادي النَّصر ويظهر برقم (6)، حسن خليل المقصبي مِن نادي الهلال ويظهر برقم (5)، أنور نافو مِن نادي النَّصر ويظهر برقم (6).      

مُلاحَظَات وَإِشَارَات:

1) أبيات الشعر: الأبيات أعلى الصفحة للشّاعر الدّكتور بنعيسى احسينات، ومنقولة عَن موقع: (الحوار المتمدن)، باب: (الأدب والفن) العدد رقم: (3263) بتاريخ 31 يناير/ كانون الثّاني 2011م.

2) سِيْرَة أنور نافو وحيَاته: المعلومات الواردة عَن حيَاة الرَّاحل أنور نافو ودراسته هي حصيلة مراسلات واتصالات أجريتها مع إبن المرحوم وشقيقه وأثنين مِن أصدقائه وزملائه فِي العمل. استلمت بعض المعلومات مِن يُوسف إبن المرحوم أنور نافو فِي إيميل وصلني يوم 31 يوليو/ تموز 2015م، ومعلومات أخرى حصلت عليها من اتصال أجريته يوم 4 أغسطس/ أب مع الأستاذ عدنان شقيق المرحوم. وحصلت على معلومات إضافيّة مِن اتصال ثاني أجريته يوم 7 أغسطس/ أب مع الصديقين أبوبكر السّنوُسي خريص ورياض الثّلثي.       

مصَادِر وَمَرَاجِع:  

1- موقع: (أحلام وضوء المنارة) - مفوضيّة كشاف بّنْغازي - شخصيّات كشفيّة (سعْد نافو) - منشورة بتاريخ 5 إبريل/ نيسان 2015م.

2- ويكيبيديا (الموسوعة الحرَّة) - المادة المنشورة عَن (كريم عبْدالجبار) - شبكة النت الدّوليّة. 

3- المؤلف - الحلقة الأولى من مقالة من حلقتين تحت عنوان: (حاشية صنعت الفرعون ومارست الطغيان.. الشّارع الِلّيبيّ فِي انتظار محاكمة أحمَد إبراهيم) - نُشرت في موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) و(شؤون ليبيّة) في شهر مايو/ أيار 2012م.

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
اسعد العقيلي
لقد اعدت النبض الى ذاكرة الزمن الجميل والوجوه الطيبة.. بنغازي الرائعة حين تراها في منافسات الاندية.. المهرجانات والبطولات الرياضية.. صخب الملاعب واصداء طبول المشجعين وصراخهم حين تعج بهم المدرجات.. فناء…...
التكملة
مختار المرتضي
شكرا للكاتب الصديق الوفي المحب للوطن ولأبناء الوطن السيد شكري السنكي على هذا المقال الذي انعكس فيه حبه ووفائه لصديق عمره الذي اغتالته رصاصات الحرب المجنونة العابثة الكارثية التي تتعرض…...
التكملة
زهو
رحم الله صديقك رحمة واسعة وبارك الله فيك على هذا الوفاء وربي يصبرك يكفي ان صديقك هذا قريب سعد نافو الذي امتعنا سنوات بمقالاته الرقيقة وخفة ظله خاصة في برنامج…...
التكملة
احمد يوسف بوهديمه
رحم الله اخونا أنور نافو رحمة واسعه واسكنه فسيح الجنات وخلف لك البركة اخي شكري وفرج الله علي بنغازي واهلها وفك كربتها وأجلي عنها الغم والهم ووفق مساعي اهل الخير…...
التكملة
محمود الفيتوري
إنا لله وإنا إليه راجعون.. عظم الله لكم الأجر جميعا والعزاء موصول لآل نافو.. ربنا يلطف بليبيا وأهلها....
التكملة
ابوبكر السنوسى أخريص
عزائنا فيه نعم الصديق و نعم الرفيق تقبله الله برحمته و انا لله و انا اليه راجعون...
التكملة
سهيل الباجقني
بارك الله فيك على هذا المقال الرائع. المرحوم واللذيً ندعو الله أن يتقبله من الشهداء يكون خال زوجتي ولقد قابلته مرة واحدة في بنغازي ولاحظت دماثة أخلاقه ولطفه وحسن مجلسه…...
التكملة
فتحى احفيظه
انا لله وانا اليه راجعون. عظم الله اجركم واحسن عزاكم اخى شكرى وكل عائلة نافو...
التكملة
صلاح بشير المرغني
انا لله وانا اليه راجعون. رحمه الله الفقيد واسكنه فسيج جناته ، تعازينا لآل نافو ولإصدارها واصدقاء وزملاء الشهيد والشكر موصول للسيد شكري السنكي الذي تعود على ان يتحفنا بكتاباته…...
التكملة
يوسف خليفة البركاوى
الله الله، يا شكرى ما أروعك وما اروع قلمك وما اروع وفائك، لقد عدت بى بهذه المقالة الى ايام الصبى، ايام بنغازي الحبيبة كنّا نعرفها والتى أعيش فيها الان ومنذ…...
التكملة
محمد خالد الكيلاني
إنا لله وإنا إليه راجعون  والله لقد كان صديقا قريبا جدا مني رأيته آخر مرة في معزى أخيه سعد نافو قبل شهر رمضان بأيام قليلة وتحدثنا طويلا ولربما كان ذلك…...
التكملة
عبدالقادر البرعصي
البقاء لله وعظم الله الاجر و لاحول و لاقوه الا بالله. مصيبتنا هي الغباء و ثقافه الفحل فهما بيت الداء عندنا...
التكملة