شُكْري السنكي: رحيلُ اهتزَّت له بّنْغازي ... صاروخُ يُودي بحيَاةِ لحويج وشقيقته 19/11/2015 20:12 شُكْري السنكي: رحيلُ اهتزَّت له بّنْغازي ... صاروخُ يُودي بحيَاةِ لحويج وشقيقته
الصادق شكري بحث


رحيلُ اهتزَّت له بّنْغازي ... صاروخُ يُودي بحيَاةِ لحويج وشقيقته
 

       
لئن واراكَ عنا الموتُ خَطْفاً *** فماْ زلنا على العهدِ العهيدِ
(1)

 المُقدِّمَة:

أظهرت ثورة السّابع عشر مِن فبراير روح التحدي لدى الِلّيبيّين، والتسابق للتضحيّة والفداء مِن أجل تحرير الوطن وإسقاط حكم الاستبداد. وصاحبت الثورة روح وطنيّة عاليّة تجاوزت كل مَا زرعه القذّافي ونظامه، خلال اثنين وأربعين عاماً، مِن فتن ودسائس بين مناطق ليبَيا المتعددة وقبائلها المختلفة، وأتذكر حينما كانت تأتي شحنات خارِجِيّة مِن الوقود والتموين إِلى المنطقة الشّرقيّة أثناء الثورة - والشّرق كان محرّراً وقتئذ -  كان أهل الشّرق يطلبون مِن قادتهم - وهم فِي أَمَسِّ الحاجَةِ لتلك الشحنات - إرسالها إِلى غرب البلاد حيث يحاصر القذّافي مصراتة والزاوية والزنتان، وأتذكر وقوف الغرب والجنوب مع مدينة بّنْغازي وتضامنهم معها ومناصرتهم القويّة التي جسدها هتافهم القائل: (بالروح ِوبالدّمّ نفديك يا بّنْغازي). وأتذكر كيف توحدت كل مدن ليبَيا وقراها وأريافها برفعها لعلم الاستقلال، وترديدهم لنفس النشيد، وإصرارهم على رحيل القذّافي وإسقاط نظامه، أيْضاً التفافهم حول قيادة واحدة واعترافهم بمجلس واحد يمثلهم جميعاً.

كانت ثورة السّابع عشر مِن فبراير ثورة شعب بأكمله.. وثورة صمم الشّعب فيها على التّحدي وسار فِي طريقه حتَّى اسقط نظام مستبد فاق فِي ظلمه وقمعه وشراسته أنظمة المنطقة كلها.. وثورة عظيمة حافلة بالملاحم البطوليّة وصور التضحيّة والإخلاص والتجرَّد، وبقوافل الشهداء والمعاقين. حضنت الثورة أبنائها بدفء، وأظهر أبناء الوطن مِن خلالها تضامناً وتماسكاً ووحدة ذكرتهم بوقوفهم مجتمعين فِي وجه المستعمر إبّان معركة القرضابيّة الخالدة، وبلحظة انتزاع القرار الأممي القاضي باستقلال ليبَيا، وبساعة إعلان المَلِك إدْريْس السّنوُسي لاستقلال البلاد مِن شرفة قصر المنار بمدينة بّنْغازي.

والحاصل، استلم المجلس الانتقالي ومِن بعده المؤتمر الوطنيّ والبرلمان والحكومات المتعاقبة، نسيج اجتماعي متماسك تماماً ولُحمة وطنيّة كانت عصيّة على الاختراق، ولكن الساسة وصناع القرار افسدوا الحياة السّياسيّة، وسمحوا بالاختراق ثمّ العبث بنسيجنا الاجتماعي والثقافي، وبعْد ذلك أوصلونا إِلى ما وصلنا إليه اليوم مِن قتال وتردي وتفكك.

كان بالإمكان تجنّب الفرقة والقتال والفوضى التي تسود البلاد اليوم، لو تمّ تفعيل دستور الأمّة المتمثل فِي دستور 1951م بتعديلاته اللاحقة ولم تمدد المرحلة الانتقاليّة إِلى سنوات، لأن فِي ذلك استتباباً للأمن وعودةً لسيادة القانون وتفادياً للوقوع فِي ويلات الفراغ السّياسي، فتتوفر الأجواء الملائمة والبيئة المناسبة ليقرر الِلّيبيّون شكل الدولة ونظام الحكم الّذِي يرتضونه فِي استفتاء عامّ. 

انقسمت مؤسساتنا إِلى اثنين، وغدا الوطن مهدداً فِي كيانه ووحدته، وصار المواطن غير آمن حتَّى فِي بيته فالصواريخ والقذائف غدت تلاحقه فِي كلِّ مكان وتصل إِلى غرفة نومه داخل البيت. استدعت حالة البلاد الخطيرة تدخل طرف خارجي بغيّة فك الاشتباك وجمع الفرقاء ومحاولة الوصول إِلى وفاق وطنيّ تكفله اتفاقيّة مبرمة بين أطراف النزاع برعايّة دوليّة. اتهمت أطراف الحوار المبعوث الأممي إِلى ليبَيا برناردينو ليون بالانحياز والتحيّز، وأعلنت الأمم المتَّحدة مِن جهتها استبدال مبعوثها الأسباني بالألماني مارتن كوبلر أملاً فِي الوصول إِلى حل وإيقاف نزيف الدّمّ وإزهاق الأرواح ودفع ومنع كلِّ الأسباب والعوامل المؤدية إِلى الحرب والفرقة والتعدي على المال العامّ وإهداره. 

والحاصل، أصر طرفي النزاع الرئيسيين على التمسك بما هُو قابل للتجاوز، وتمسك كلاَ منهما بالتفاصيل ورفض مَا اقترحته الأمم المتَّحدة مِن مسودات، وتناسى الطرفان المواطن الّذِي اقترب وضعه مِن درجة الخطر واقتربت بلاده مِن حافة الكارثة. وبالرَّغم مِن أن المأساة عمّت كافة ربوع ليبَيا، إلاّ أن النصيب الأوفر منها كان لمدينتنا بّنْغازي التي صارت بحاجة ملحّة إِلى مرفأ آمن حيث غدت الأمواج العاتية تتقاذفها يميناً ويساراً ولا أحد يعرف أين تحط بها!؟. 

أصاب صاروخ فجر يوم الجمعة الموافق ١٦ أكتوبر ٢٠١٥م شقة الصديق العزيز محمّد أخليف الشهير بـ(لحويج)، أودى بحياته وحيَاة شقيقته مبروكة. قَضَى لحويج وشقيقته نَحْبَهما، وأُصيب قريبهما عُمر محَمّد البيجّو الّذِي كان معهما فِي البيت بداخل إحدى الغرف، ولم يكن معهما فِي الصالون ساعة دخول الصاروخ من النافذة، بكسور وجروح وإصابات بالغة فِي عينيه وفقدت إحدى عينيه القدرة على الإبصار والأخرى أصابها شيء من الضعف. ومَا حدث كان مُفْجِعاً ومُؤلماً ومُؤسفاً، ومصاب فقدان لحويج عظيماً وموجعاً، ورحيله يُدخلنا فِي دنيا الذّاكرة وعالم الذّكريات، والحديث عَن فقدانه يغرقنا فِي واقعنا المرير والدموع والآهات التي تملأ القلب فتنهمر الدموع ويكبر الحزن وتزداد الحسرة على فرصة لو استثمرناها على نْحَو صحيح مَا كنا وصلنا إِلى مَا وصلنا إليه مِن فرقة وتدهور وتردي وصراع دموي لن يخرج منه منتصر ولن يكون فيه غالب ولا مغلوب عبر حل عسكري.    

".. رحل الفارس وترك لنا جواده
حمل معه عبق السنين وحبّ النَّاس زاده
مضى مَنْ كان للشهامة سبقا وريادة
وترك إرثاً مِن وفاءِ وقوَّة إرادة
الموتُ حق وفقد الأحبة ليل حالك سواده (2)..".

• مِيْلاد لحويج وَنشأته:

ولد محَمّد محَمّد أخليف الشهير بـ(لحويج) سنة 1954م، والدته هي المرحومة فاطمة هليل البيجّو، ووالده هُو السّيِّد محَمّد علي أخليف (تُوفي فِي ستينات القرن الماضي) أحد رجال الأعمال المعروفين فِي زمانه، والّذِي كان شريكا لآل بالعون والرعيض وعبْدالجليل، وصاحب أملاك ومواشي وزراعة. ليس لدى لحويج أخوة، ولديه أختان واحدة شقيقته وأسمها مبروكة وقد توفيت معه أثر سقوط صاروخ على شقتهما فِي منطقة الكيش ببّنْغازي فِي ليلة الجمعة في أحد ليالي الأشهر الحرم، والأخرى مِن والده وأمها مِن عائلة الرعيض، وقد أنجبت بنت واحدة تزوج منها المرحوم عبد الله بونخيلة ولديها أبناء منه. درس لحويج فِي مدارس بّنْغازي وترعرع فِي ربوع مدينتها، وكان مِن سكّان شارع اللواحى وسط البلد، وَفِي عَام 1984م انتقل إِلى فيلا فِي منطقة بالعون ثمّ باعها واشترى أرضاً مقابل جامعة بّنْغازي وكان ينوى البدء فِي بنائها فقامت الحرب فأجل الشروع فِي ذلك إِلى وقت آخر، فاشترى شقة ليقيم فيها فِي منطقة قاريونس، وبعدما اشتدت الحرب واستعرت نارها وعلا لهيبها نزح إِلى منطقة الكيش فِي عمارات الضمان الاجتماعي. عاش فِي أجواء نادي الهلال الاجتماعيّة الحميمة التي تؤكد على أصالة المجتمع الِلّيبيّ وتماسك المجتمع البنغازي. وكان مِن رواد النادي الدّائمين وقتما كان الهلال منافساً قوياً فِي كافة الألعاب الرياضيّة الفرديّة والجماعيّة، وسباقاً فِي العمل التطوعي، ومنارة مِن منارات الفكر والأدب والثقافة.

كان الوطن يسكنه وينبض مع دمه فِي عروقه وأوردته.. وكانت بّنْغازي الرئة التي يتنفس بها، ومخزون ذاكرته وذكرياته، ودائرة ارتباطاته وعلاقاته. ارتبط بهُمُوم الوطن وقضاياه المختلفة، وشارك فِي ثورة السّابع عشر مِن فبراير بقدر استطاعته، وكان مِن رواد ساحة التَّحرير أمام محكمة شمال بّنْغازي طيلة أيّام الثورة وشهورها. وكان حلمه أن تعود ثورة فبراير بالِلّيبيّين إِلى ميراث الجدود ويتحقق الاستقرار وتنهض ليبَيا نهضة عظيمة وتعوض مَا فاتها خلال أربعة عقود جثم القذّافي فيها على أنفاس الِلّيبيّين، ولكنه رحل قبل أن يتحقق حلم النهضة والاستقرار فقد صعدت روحه الطاهرة إِلى بارئها والأحوال فِي بلادنا تزداد تدهوراً وانفلاتاً، والأوضاع فِي مدينتنا بّنْغازي تزداد تعقيداً وتشابكاً وينفجر الصدام مجدّداً كلما ظن النَّاس أنّه انتهى أو على وشك الانتهاء.

تذوق الشعر العربي الفصيح وأحبّ الشِّعْر الشَّعْبِيِّ وغنّاوْة العَلَم، وكان أغلب المحيطين به مِن الأصدقاء مِن المُناضلين وأصحاب الاهتمامات الفكريّة والأدبيّة. وكان طيلة عقد السبعينات وبداية الثمانيات يقضي معظم سهراته فِي مربوعة أو صالون آل منينة بشارع قصر حمد، تلك المربوعة التي كانت تضم نفراً من خيرة شباب بّنْغازي وقتئذ: الرّاحل صالح سَالم بن حميد والرّاحل علي عبْدالسّلام الزليتني وطارق ياقوت الكيخيّا وإدريس يُوسف الدّلنسي وفرج شنبش وصالح سالم الفيتوري (المبسوط) ومحَمّد ارخيص الضراط ومحَمّد عبدالله الزيداني ومُصْطفى الفار وعلي ونيس الدرباش وعلي فتح الله الهري بالإضافة إِلى آل منينة وآخرين. كانت تلك الجلسات أو السهرات تطول إِلى ساعات متأخرة جدَّاً، فيكون الوطن حاضراً بهُمُومه وقضاياه كذلك الأدب والشعر والموسيقى والرياضة ولا تغيب النكتة والطرفة ولعب الكارطة (الورق أو الكوتشينة) فِي بعض الأحيان عًن تلك الجلسات. وكان آل منينة يعتبرون لحويج واحداً منهم وكان هُو بمثابة الابن لهذه الأسرة العريقة الكريمة أو كمَا قال الأستاذ زهير الشويهدي والأستاذ عبْدالعزيز السّوادي: ".. كان لحويج بمثابة الابن لأسرة منينة الكريمة، وكان هُو والشباب رفاقه يقدرون السّيِّد مُصطفى سُليْمان منينة (1900م - أكتوبر / تشرين الأوَّل 1985م) تقديراً عالياً ويعتزون كثيراً بصحبة علي ومحَمّد وتوفيق منينة، ويترددون على منزل آل منينة لقضاء السهرات فيه فِي تلك السنين الخوالي.". 

وأضاف الشّاعر هليل البيجّو فِي هذا السّياق قائلاً: ".. كان صالون منينة صالوناً أدبياً بالفعل وكان لحويج رحمه الله علامة بارزة فِي تلك الجلسات. كان لحويج يمثل ذاكرة واعية للأغنيّة الشعبيّة وذائقة فريدة فِي غنّاوْة العَلَم أهلته لمعرفة أسرارها وكثير مِن قصص روايتها ومعرفة وثيقة بمعاني مفرداتها التي تفسر جانباَ مهماَ مِن تراثنا الشّعبي الّذِي كان لحويج ضليعاً منه وخبيراً فيه ما جعله مرجعاً لنا فِي تفسير كثير مِن غناوي العَلَم التي يستغلق فهمها، وكان رحمه الله خبيراً بطبائع النَّفوس وعنده سر الولوج إليها ومفتاح كسب ثقتها ممّا جعل كثيراً مِن عرب لبلاد ووجهاء القوم الّذِين كان لهم باع طويل فِي غنّاوْة العَلَم والأغنيّة الشّعبيّة عامّة ينفتحون عليه ويسمحون له بالروايّة عنهم وهذا أفادنا جداً فِي تدببيج ذلك السفر الرَّائع: ( خطرها ع العلم) الّذِي احتضنته مريبيعة منينة أو بالأحرى صالون منينة الأدبيّ الّذِي احتضننا  بحبّ غامر مدة مِن الزمن غير قصيرة فِي كنف أصدقائنا مِن آل منينة علي وتوفيق ومحمّد وعبدالله رحمه الله، ورعاية المرحومان الشيخ مُصْطفى والسّيِّد إبراهيم وتشريف موسوعة الفنّ الجميل وذائقة الأدب الرفيع الأستاذ سُليْمان الذي كان يتحفنا مِن حين إِلى أخر بروائع الفنّ والشعر وكان لحويج في ذلك الصالون العامر قطباً مؤثراً إذا أثيرت مسائل نقديّة فِي غنّاوْة العَلَم والأغنيّة الشّعبيّة. وكانت للحويج علاقة خاصّة جداً بالفنان الشّعبي الكبير لعليويكي علي الجهاني  الّذِي كان يعتمد عليه فِي كثير مِن اختياراته وكنا إذا اختلفنا فِي شيء نرى الجهاني ميالاً لما يقوله لحويج الّذِي لم يكن يقدم أحداً على الجهاني فِي الأغنيّة الشّعبيّة.. (3)".

ورُبّما مِن المفيد الإشارة أيْضاً إِلى مَا أضافه الأستاذ هليل البيجّو فِي سياق متصل حيث أخبرني بأن الشلة التي كانت تلتقي فِي مربوعة آل منينه قامت بجمع عيون غناوي العَلَمْ وتفسير بعض كلماتها وعباراتها التي يستعصى فهمها على غير المتخصص، كذلك قائلها والمناسبة التي قيلت فيها، ووضعوا تلك الغناوي فِي كراسة تحت عنوان: (خطرها ع العَلَمْ) وهي موجودة إِلى الآن بحوزة الأستاذ محَمّد إبراهيم منينة. وَمِن جهة ثانيّة، كان لحويج محباً للفقراء وللمساكين، فعالاً للخير، ووقف إِلى جانب النازحين بعدما دخلت بّنْغازي دائرة الحرب والاشتباكات والمهجرين والعائلات التي تسكن المدارس. مدَّ يد العون والمساعدة للمعوزين والمحتاجين والنازحين بكلّ مَا أوتي مِن قوةٍ وجُهدٍ، وحدثني أحد أصدقائه أنه علم بعْد وفاته أن لحويج طوال هذه المدة كان يجول بسيارته مع واحد فقط مِن أصدقائه، ويصر عليه ألا يخبر أحداً، لأن ذلك كان لوجه الله الكريم ولأهله ومدينته، حيث كان يقوم بتوزيع الإعانات والمساعدات والصدقات علي أهلها وقلبه يتقطع ألماً على الوطن ومَا وصل إليه حال المواطن مِن بؤس وتردي شقاء.

أخيراً، كان رحمه الله، وفياً مع أصدقائه ويعرف الكثير مِن هواياتهم ومَا يحبونه، فكان شعاره فِي هذا السّياق عنَّاوْة العَلَمْ القائلة: (مقسم نصيب، نصيب *** غرض العين في ناس واجده). وكان يتفانى فِي خدمة أصدقائه ويحرص على ألا يزعل منه أحداً.. ومسالماً يتحاشى الخصومة مع النَّاس.. وسباقاً فِي عمل الخير واحترام الآخرين وتقديرهم، وكان أصدقاؤه يلومونه أحياناً فيما يرونه مبالغة فِي الاحترام، فيقول لهم: ".. هذا طبعي وسلوكي ومَا أقوم به هُو الواجب بعينه فكلما احترمت النَّاس احترموك أكثر، وقد قيل الاحترام أجمل مَا يتركه الإنْسَان فِي قلوب الآخرين..". ويخبرنا الأستاذ عبْدالعزيز السّوادي أحد أصدقائه عَن هذا الشأن، فيقول:..".. كان رد لحويج على مَنْ يلومه فِي مبالغته، بغنّاوْة العَلَم القائلة: (سبيل عادته لقدار *** يْديرهن بلا واصف لهن). ثمّ يستطرد، فعادتي تقديم الاحترام والتقدير، ومَا أفعله بدون الإثارة إِلى فعله..". ويضيف السّوادي على هذا السّياق، قائلاً:..".. يلاحظ استعمال لحويج كلمة (أقدار) وهي جمع قدر، فكأنه يريد أن يقدم أكبر قدر منه، وهذا يدل على مدى ارتباطه بقيم الجود والاحترام والكرم، بالإضافة إِلى أن غنّاوْة العِلَم هذه تصور - وإِلى حدٍ مَا - شخصه وشخصيته..".

• لحويج.. شخصيته ومواهبه (4)

زرتُ بّنْغازي فِي أبريل / نيسان 2011م بعْد غياب طال لثلاثة عقود مِن الزمان، والتقيت بالحويج والكثير جداً مِن معارفي وأصدقائي ووجوه بّنْغازي المعروفة فِي ساحة محكمة شمال بّنْغازي أو (ساحة التَّحرير) كمَا سُمّيت بعْد الثورة، وكانت ليبَيا وقتها تعيش ثورتها التي انطلقت مِن مدينة بّنْغازي فِي فبراير / شباط 2011م وتتخذ مِن بّنْغازي مقراً لإدارة شئون البلاد وكل مَا يتعلق بالثورة. كان أهل بّنْغازي الطيبين يلتقون فِي ساحة المحكمة للتواصل ومتابعة الأخبار والانخراط فِي لجان العمل المختلفة بما فيها إمداد جبهات القتال الأمامية بكلِّ احتياجاتها. وقد شهدت الساحة تدفق حشود الثوار مِن كافة مدن ليبَيا المختلفة بغرض التشاور والتنسيق وإيجاد السبل لتقريب يوم تحرير كامل التراب الِلّيبيّ مِن نظام القذّافي كمَا تحررت بّنْغازي والمنطقة الشرقيّة بأكملها. 

كانت ساحة المحكمة مكان وجودي الرئيسي كلما تواجدت فِي بّنْغازي، وكان التدبير فِي العودة إِلى ليبَيا قيد التنفيذ عقب اندلاع ثورة السّابع عشر مِن فبراير، ولكن تلك العودة تعثرت إِلى الآن بسبب ظروف ومعطيات عدة. لم تنقطع زياراتي لبّنْغازي منذ زيارتي الأولى فِي ربيع عَام 2011م، وكنت فِي كلِّ مرَّة تقريباً التقي بلحويج أمّاً فِي مناسبات بّنْغازي الاجتماعيّة المختلفة أو فِي فندق ومنتزه أشبيليا الّذِي كنت أذهب إليه أحياناً كل ليلة جمعة برفقة صديقي وصهري زهير حامد الشويهدي، حيث كان لحويج يسهر هُناك مع مجموعة مِن الأصدقاء: علي مُصْطفى منينة وعلي الدرباش (الداف) وعلي الهري وعوض البيجّو وحسن قطيش وعُمر البيجّو شفاه الله تعالى.

بدأت معرفتي بالحويج فِي عَام 1974م، وفِي نادي الهلال  تحديداً والّذِي كنت لاعباً فِي صفوف أشباله للكرة الطائرة. كان لحويج عضواً بنادي الهلال، ومِن نشطائه المشاركين فِي كافة برامجه كذلك مِن رواده حينما كان مقره بشارع إدريان بلّت ثمّ موقعه الحالي بسبخة سَيّدِي حسيْن. عرفته مبكراً، وكان يكبرني بحوالي سبع سنوات، وتعود الذكريّات التي أحملها له إِلى الطفولة والشباب.. نادي الهلال ومَا تحمله تلك السنوات مِن مواقف وحكايات وأحداث وطرائف لا تنسى.. جليانة وميدان الشجرة وشارع قصر حمد ومَا تحمله تلك المحطّات من علاقات وصداقات وهُمُوم بدأت تزحف على مجتمعنا بشكل لافت منذ منتصف السبعينات أيّ بعد سنوات قليلة مِن الجريمة الكبرى التي ارتكبها معمّر القذّافي بحق الوطن فِي الأوَّل مِن سبتمبر مِن عَام 1969م.

لا أتذكر كثيراً عن نادي الهلال زمن مقره بشارع إدريان بلّت، المقر الّذِي انتقل إليه النادي فِي ستينيات القرن المنصرم وتمّ الاحتفال رسميّاً بافتتاحه فِي عَام 1962م بحضور السّيِّد محمود بوهدمة (1896م - 3 أبريل / نيسان 1993م) واليّ برقة الّذِي قص شريط الافتتاح التقليدي وبجانبه عدد مِن رجالات الدولة والسّيِّد عبْدالكريم لياس رئيس نادي الهلال وقتئذ، وقد انتقل النادي إلى مقره الحالي بسبخة سَيّدِي حسيْن فِي أواخر عَام 1972م وبدايّة عَام 1973م ووقتها كان عمري لا يتعدى أثنى عَشرَ عامَاً ولذا لا أكاد أتذكر لحويج زمن شارع إدريان بلّت حيث كنت صغيراً فقد بدأت معرفتي به بعْدانتقال النادي إِلى مقره الحالي.

عرفته شاباً خلوقاً وهادئاً وقليل الكلام، وكثير المساعدة للآخرين، وبعدما انتقل النادي إِلى مقره الجديد، اعتمدت إدارة النادي فِي ظل إمكانياتها الماديّة المحدودة وقتئذ، على مجهودات أبناء الهلال ومشجعيه لإتمام ملحقات النادي ونواقصه ثمّ تجهيزها، وكان لحويج واحداً من بين أولئك الشباب الِّذين تطوعوا لهذه المهمّة.

عُرف بدماثة خلقه ووقاره ورصانته وعلاقاته الاجتماعيّة الواسعة، وأستطيع أن أقول أنه كان شخصيّة اجتماعيّة بامتياز. وعُرف عنه أيْضاً محبته للشعر الشّعبي وعشقه لغنَّاوْة العَلَمْ وقد قصده العديد مِن المُهتمين بالتراثِ الشّعبي والمُوثقين له فأضاف لهم وساعدهم على الجمع والتدقيق والتمحيص المطلوب. وقد روى ليّ الأستاذ السّنوُسي محَمّد البيجّو قصّة تعاونه معه فِي جمع مادة كتابيه ثمّ مراجعة النّصوص وتحقيقها وتنقيحها، فقال:..".. عندما تكّونت أو تكاملت لدي عناصر الرغبة فِي توثيق شيء معيَّن، مرتبط بالفنّ  الِلّيبيّ ارتباطاً مباشراً، كان التفكير فِي متعلقات هذه الفكرة هُو الشعور السّائد فِي ذهني، وكان أوَّل أمر - أفكر فيه - فِي هذا السّياق، هُو كيف يمكن ليّ أن أتحصّل على عناصر المادة (مادة الكتاب) الّذِي كنت أسميته (الفنان علي الجهاني - ملامح مرحلة فنيّة) والشيء أو الشعور نفسه الّذِي تكرر مع بداية تفكيري فِي إعداد كتاب (المقام الِلّيبيّ) عام 2007م. حيث كان الأمر يتعلّق مبدئياً بمراجعة وتقويم مادة الكتابين، وأعني تحديداً مراجعة وتحقيق وتنقيح النصوص، وضبطها بصورة جيدة. وقد عرضت هذا الأمر (بجوانبه المختلفة) على الأستاذ لحويج، الّذِي كان بآرائه وخبرته عوناً حقيقياً فِي تنفيذي لهذه الفكرة ولتشجيعه ليّ لتحقيقها، والمضي بها إِلى برّ الطبع والنشر.

لم يكن التنفيذ بالأمر اليسير، حيث كنت وقتها مقيماً بالخارج، وكنت أحد معارضي نظام القذّافي الاستبدادي، وكان مجرّد تداول فكرة مشروع كتاب يحمل اسمي الصريح، ويتمّ تداوله فِي ليبَيا، أمر له الكثير مِن التداعيات، التي قد تنعكس على لحويج شخصيّاً وأقلّها تهمة التخابر مع معارضي نظام القذّافي، الأمر الّذِي دفعني إِلى التوجه إِلى محاولة درء خطر تلك التهمة، وذلك مِن خلال إصداري للكتابين باسم السّنوُسي محَمّد، وقد أصدرتهما مِن القاهرة عام 2007م. 

كان لحويج عوناً أساساً لجهدي فِي سبيل إخراج الكتابين (كتاب الجهاني وكتاب المقام الِلّيبيّ) إِلى حيّز الوجود، فقد كان إلمامه العميق بالفنّ والأدب الشّعبي عاملاً هاماً على طريق اختزال معلومات شتى، غزيرة ومفيدة فِي هذا السبيل، حيث كان فيضاً لا ينضب فِي هذه المجالات، التي لم نكن نتوانى عَن الإغتراف ِمن معينها باستمرار، وَمِن هُنا فقد أصبحت بصمات لحويج - شئنا أم أبينا - واضحة جلية فوق صفحة كلّ جهد أدبي أو فني، نقوم به كأصدقاء ومحبين لهذا الأدب والفن النبيل، عبر الفعاليات الفنيّة التي كانت تُعقد هُنا وهُناك، وبخاصّة فوق أرضيّة نادي الهلال الرياضي، بالمدينة التي أحبها وأصرَّ على عدم النزوح عنها، ولو كانت حياته ثمناً لعشقها.. (5)".  

ويضيف صديقه الأستاذ توفيق منينة على إفادة السّنوُسي فيقول: "..  كان أصدقاؤه مِن الشعراء، يعرضون عليه بعض نصوصهم قبل نشرها، فيقدم رأيه بكلِّ صراحة فيستفيد الشاعر مِن ذلك أمّا بتثبت النَّص كمَا هُو أو تعديله قليلاً  بحذف كلمة واستبدالها بغيرها أو استبدال تشبيه بغيره كمَا اقترح لحويج عليه..".

وَمِن جديد، أحبّ لحويج الشِّعْر العربي الفصيح، وكان يعتبره منارةً للأدب والثقافة العربيّة، ومؤشراً على الحالة التي يعيشها العرب والمُسلمون، فحينما بلغ الشعر أبهى عصوره وأعلى مراتبه كان العرب والمسلمون يعيشون الازدهار والتقدم وذلك فِي العصر الأموي والعصر العباسي. وحفظ عشرات الأبيات مِن قصائد الشعر العربي، وكان مولعاً بالشِّعْرِ الشَّعْبِيِّ وغنَّاوْة العَلَم التي كان يصفها دائماً بـ(قصيدة البيت الواحد)، ويصفها صديقه الأستاذ عبْدالعزيز السّوادي بـ(إيجاز الإيجاز). وكانت أخر غناوي العَلَمْ التي قالها: (العقل من مرار الوقت *** يرقد مريض وينوض منفجع)، وكتبها بتاريخ 15 سبتمبر / أيّلول 2015م.  

والعَلَمْ، يمثل أحد ألوان التراث الشّعبي الِلّيبيّ، وغنَّاوْة العَلَمْ تختلف موضوعاتها وتتعدَّد الأغراض التي تقال مِن أجلها، وتتركب مِن كلمات معدودة سهلة النطق والحفظ، ويعتبرها أهل البادية فِي المرتبة الثانية بعْد الشعر. وهنُاك مَنْ يصف غنَّاوْة العَلَمْ بـ(قصيدة البيت الواحد) لما يحمله شعر العَلَمْ مِن دلالات، ومعاني، ومضامين، ودّقة فِي الألفاظ والتعابير. وغنَّاوْة العَلَمْ لا تقتصر على الغزل بل تشمل كافة الأغراض، وتصفها الأستاذة سالمة العريبي بأنها..".. غير مقتصرة على الغزل بكلّ ألوانه بلّ تشمل الحكمة والإخلاص والوطنيّة، وكذلك، لها باب واسع النطاق فيما تخص الجلامة. وتلقي غنَّاوْة العَلَمْ  فِي أماكن عدة: خلف الإبل أو فِي الأعراس، وهذا أهمّ مكان لها وأمام حشد كبير مِن الحضور وتلقى بشكلها الّذِي يعرفه الجميع وقد يصاحبها المزمار الشّعبي (المقرونة)، وقد يحدث تحاور بين إثنين فِي آن واحد وهي التي نسمّيها أو تُسمّى شعبياً بـ(المشايله). يبدأ التحاور بين اثنين أو مجموعة مِن النَّاس، على أن يكون محور الغنَّاوْة عن بند واحد كالمرهون مثلاَ، فيستمرون على المرهون حتَّى ينهي أحدهم الصراع بما يُسمّى بـ(القفلة) بعْد ذلك ينتقلون إِلى غيره وهكذا...".

أمّا الباحث الفنّي عبْدالعزيز السّوادي فيصف أغنيّة أو غنّاوْة العَلَمْ بما يلي: ".. كلمات رُبِطَت ربطاً وثيقاً، محكماً وموزوناً... أُعطي كل حرف فيها حقه في التعبير بمهارة ودّقة وإتقان... محمَّلة بأكبر طاقة ممكنة للتصوير والتمثيل والتشخيص، لإظهار أو لجعل المعنى واضحاً بارزاً. ولأغنية العَلَمْ موسيقى خاصّة بها... تختلف عَن موسيقى القافيّة والعروض بالطبع... حيث إنّ القافيّة موسيقى خارِجِيّة وأما هذه فهي موسيقى داخليّة تقع فِي اختيار الكلمات وترتيبها ثمّ الملائمة بين هذه الكلمات والمعاني التي تدل عليها، بطريقة يكثر فيها التشويق بالتقديم والتأخير والكناية مِن جهة، والرمز وازدواجيّة المعنى مِن جهة أخرى... ولعلّ أدَّق وصف وقفت عليه بشأن هذه المعادلة هُو مَا ذكره الجاحظ فِي (البيان والتبيين)، إذ يقول: (... أنذركم حُسْنَ الألفاظ وحلاوة مخارج الكلام، فإنّ المعنى إذا اكتسى لفظاً حسناً، وأعاره البليغ مخرجاً سهلاً، ومنحه المُتكلِّم دَلاً متعشقاً صار فِي قلبك أحلى، ولصدرك أملى..)...".

وعودة إِلى لحويج، فقد كان رحمه الله، شديد التذوَّق للشعر وصاحب أذنُ تتذَّوَّق الموسيقى أو مَا يُسمّى بـ(التَّذوُّق المُوسيقيَّ) الّذِي يُعرف على أنه: ".. النفاذ إِلى أعماق العمل الفّنيّ، وحدوث اِتّصال وجدانيّ بين العمل الفِنيّ والمتلقّي..". وكان صاحب حسّ وذوق أدبيّ رفيع جعله قادراً ببراعة على كشف مواطن الجمال والخيال فِي الشّعر الشّعبي وغنّاوْة العَلَم، إِلى جانب عقد المقارنات وكشف مَا يميز شاعر عَن غيره أو كمَا قال صديقه الأستاذ عبْدالعزيز السّوادي: ".. كان لحويج ذواقاً فِي العَلَم، وغنّاوْته دائماً مضرب مثل فِي الروعة، وكان على فهم عميق للكلمات ومعانيها.. قريبها وبعيدها.. تركيب الغنّاوْة.. وزنها.. منطقها.. وجه البلاغة فيها.. متى قيلت الغنّاوْة، وفِي أيّ وقت وموقف أو مناسبة تقال..".  

وَفِي السّياق نفسه، كان لحويج يحسن التمييز بين جيد الشعر ورديئه، وقد ساعده فِي ذلك محيطه مِن الأصدقاء شديدي الاهتمام بالأدب والتراث وذوي الذّائقة الشعريّة الراقيّة، وهُو المحيط الّذِي أضاف إليه وعمّق ارتباطه بالقصيدة الشعبيّة كذلك قربه إِلى القصيدة الفصحى ونمى فيه الحسّ الأدبيّ بشكل عامّ. قال الأستاذ توفيق مُصطفى منينة أحد أصدقائه المقرَّبين: ".. كان لحويج محباً للشعر الشّعبي وملماً بفنونه وفنياته وقديراً فِي فهم مفرداته واستخراج صوره الجماليّة..". أمّا الشّاعر السّنوُسي البيجّو قريبه وأحد أقرب أصدقائه قال: ".. لو كتب لحويج انتقاداته وسجل ما كان يتناوله مع أصدقائه حول القصيدة الشعبيّة وغنَّاوْة العَلَم لصار يُشار إليه بالبنان فِي هذا الشأن وأصبح ناقداً ذائع الصيت..".   

وَفِي سياق جديد، وبعْد الحديث عَن محبته للشعر العربي الفصيح والشَّعْبِيِّ وغنّاوْة العَلَم، يأتي ارتباطه بـ(الخيل)، والّذِي له صلة بالثقافة الإسْلاميّة حيث ذكرها الله فِي كتابه العزيز فِي أكثر مِن موضع وأقسم بها: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً)، واعتبرها مِن مصادر القوَّة والجاه ومتاع الحيَاة الدنيا فقال فِي الآية الثامنة فِي سورة النحل: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) . ويروى أن دار الرسول صلى الله عليه وسلم، كان بها خيل، وأنّ نواصي الخيل معقود بها الخير كمَا قال عليه أفضل الصلاة والسّلام: (الخيل معقود بنواصيها الخير والأجر والمغنم إِلى يوم القيامة)، وقد حثنا رسولنا الكريم، على ممّارسة الرياضة بوجه عامّ، وطالبنا عُمر بن الخطاب (الفاروق)، بتعليم أولادنا ركوب الخيل، فقال رضي الله عنه: (..علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل). ويذكر أيْضاً أن العرب كانوا يتباهون بالخيل ويتفاخرون به، ويعتبرون (الجواد) رمزاً مِن رموز السؤدد والقوَّة والشجاعة، وعبروا عَن هذا الاعتزاز والتفاخر فِي عدد من أشعارهم، وَمِن أشهر قصائدهم عَن الخيل ما قاله (المتنبي): "الخَيْل واللّيْلُ والبَيْداءُ تَعْرفُني ... والسّيْفُ والرّمْحُ والقرْطَاسُ والقَلَمُ "... وَمَا قاله (امرئ القيس) فِي وصف فرسه: "مكرٍ مفرٍ مُقبلٍ مُدبرٍ معاً... كجلمودِ صخرٍ حَطَّهُ السَّيلُ من عَلِ ".

كان لحويج يركب الخيل، وأمتلك فرساً أو أكثر فِي فترات مختلفة مِن عمره، وكانت له فرس أسمها (اليَعْسُوب) وقد سمّاه على اسم فرس الرسول صلى الله عليه وسلم، وأطلق الرسول اليّعْسُوب على فرسه لأنه كان أجود خيله، واليَعْسُوب هُو القائد أو الرئيس (6). وكان لحويج يحضر فِي استعرض الخيل أو سباقات الخيل (الميز) فِي بّنْغازي وبرفقته المرحومين عبدالله مفتاح منينة ومُصْطفى إبراهيم بالتمر الشهير بـ(بوفة) وأحياناً غيرهما مِن الأصدقاء مِن بينهم طاهر محَمّد بالتمر الشاب الصغير فِي ذلك الوقت،  وكانت تلك السباقات تقام فِي سبعينات القرن المنصرم أمّا فِي مساحات الفضاء بالمدينة الرياضيّة فِي البركة أو بالقرب مِن نادي الهلال بالسبخة والتي كان يشارك فيها أحياناً بوفة بالتمر.

وحكى ليّ الأستاذ عبْدالعزيز السّوادي عَن اهتمام لحويج الخاصّ بالخيل ومعرفته الواسعة فِي هذا المجال، فقال اتصلت بالحويج ذات مرَّة، وكنا نتحدث عَن الشِّعْرِ الشَّعْبِيِّ وورد أثناء حديثنا بيت شعر عَن الخيل لأحد الشعراء، ففوجئت بكم المعلومات الهائلة التي يمتلكها عَن طبيعة الخيول وأنواعها وصفاتها وميزاتها وحبّ العرب لها والأشعار التي نظمت قديماً وحديثاً فِي مدحها وتقديرها، ومَا سمعته فِي المكالمة عجبني كثيراً لدرجة أنني ذهبت بعْد مكالمته لأحدى المكتبات الانجليزيّة واشتريت له كتاباً متخصصاً عَن الخيل وأرسلته إٍلى ليبَيا له. وفِي سياق ثاني، روى ليّ الأستاذ السّنوُسي محَمّد البيجّو، أن لحويج طلب منه فِي فترة إقامته بالولايّات المتَّحدة الأمريكيّة، سرج لفرسه أيّ ما يُوضع على ظهر الفرس ليقعد عليه الراكب أو الفارس، وأرسل له مبلغاً من المال لشرائه، وأخبرني أنه اشترى السرج مِن مدينة دنفر عاصمة ولايّة كولورادو، وأرسله إِلى ليبَيا مع الرَّاحل المهندس صالح سَالم بِن حميد الّذِي كان فِي عَام 1980م فِي زيارة لأمريكا. وهذا مَا أكده أيْضاً الأستاذ هليل البيجّو حيث ذكر ليّ: ".. أن لحويج طلب منه ذات مرَّة حينما كان ينوي السفر إِلى جمهوريّة مالطة، (عدة إفرنجي) أو سرج وأعطاه مبلغاً مِن المال يكفل شراء الأجمل والأفضل فِي السوق المالطيّة، وقد اشتريت سرجا جميلاً مزين برقائق فضيّة وبزخارف بديعة وسلمته له بعْد رجوعي مِن فآليتا..".

• الخَاتِمَة

شيَّع جثمان لحويج وجثمان شقيقته جمع غفير مِن النَّاس يتقدمهم الدّكتور فخري اخليْفة وآل أخليف والبيجّو ورفاق لحويج المقرَّبين، ودُفنا فِي مقبرة بودزيرة شرق بّنْغازي، ويحمل قبره رقم (932) ورقم قبر شقيقته (933)، وأُقِيَمّت ليالي العزاء فِي بيت ابن خالته الدّكتور فخري محَمّد اخليْفة الكائن بالقرب مِن ميدان النهر خلف عيادة المروة، وتوافد النَّاس على بيت آل اخليْفة وهم مصدومون وقلوبهم يملؤها الألم والأسى لفقدانهم للحويج ومبروكة شقيقته ولما يجري فِي بّنْغازي وتتعرض له مِن قصف عنيف وعشوائي، وفِي كلِّ مكان.. بّنْغازي التي يُعبث بنسيجها الاجتماعي ويُطارد أهلها بالموت والتهجير والإعاقة وتتعرض شوارعها وميادينها ومبانيها للتخريب والدمار. خيّم الحزن على وجوه أقرباء لحويج وأصدقائه فِي الخارج: توفيق منينة وعبْدالعزيز السّوادي وزهير الشويهدي وعبْدالكريم طافور والسّنوُسي أكويدير وأحمَد الماقني ونوري أجريبيع وفتحي فلاق والسّنوُسي وعبْدالحميد وهليل وعلي البيجّو، وامتلأت عيونهم بالدّموع وقلوبهم بالحسرة والألم.

جاء علي ونيس الدرباش الشهير بـ(الداف) إِلى بيت العزاء فِي بّنْغازي مِن الإسكندريّة بمجرّد سماعه لخبر وفاة لحويج رفيق عمره، يبكي بألم وحرقة  شديدة حزناً على رفيقه ومَا هُو جاري ودائر فِي وطنه الّذِي لم يرتاح عبر تاريخه إلاّ سنوات قليلة. وكان رفاقه: علي مُصْطفى منينة ومحَمّد ارخيص الضراط ومحَمّد عبدالله الزيداني وعلي فتح الله الهري وإدريس يُوسف الدّلنسي، يبكون مِن حرقة الفراق وعيونهم تذرف الدّموع مِن شدة الألم، وقلقون على مُسْتقبل الأجيال المُقبلة ومُسْتقبل وطن دمرته آلية الحرب وطحنته الفرقة وأغرقته أزمة سياسيّة ينذر تصاعدها بعواقب وخيمة. وجاء بعض لاعبي وإداري ومشجعي نادي الهلال.. وأهل بّنْغازي إِلى مجلس العزاء مِن كلِّ مكان وكأنهم تواعدوا على اللقاء فِي هذا المكان ليواسي بعضهم البعض، وعيونهم تذرف الدّموع حزناً وتطرح أهمّ سؤال: كيف وصلنا إِلى هذا الحال الّذِي وصلنا إليه!؟.

رحل لحويج ووارى جسده التراب ولكن ستبقى ذكراه عطرة فِي الأذهان. رحمه الله... رحمه الله فِي كلِّ آن وحين. 

شُكْري السنكي

 

 مِرْفق الصُوَر:

الصُوَرَة الأولى: صُوَرَةُ شخصيّة للرّاحل محَمّد أخليف (لحويج)... الصُوَرَة الثّانِيَة: صُوَرَةُ لحويج مع فرس صغير... الصُّوَرَة الثَّالِثَة: صُوَرَةُ فِي رحلة صيفيّة فِي شهر يوليو/  تموز 1977م وتضم كلاً مِن: لحويج وكمال صلاح وفي طرف الصُّوَرَة فتحي الزليتني.  .. الصُّوَرَة الرَّابِعَة: صُوَرَةُ فِي منتزه اشبيليا بمدينة بّنْغازي شتاء 2013م وتضم كلاً مِن: زهير الشويهدي، السّنوُسي البيجّو، مُصْطفى الفار، علي الدرباش (الداف)، علي الهري، عُمر البيجّو، عوض البيجّو، الرَّاحل محَمّد أخليف (لحويج)... الصُّوَرَة الخَامِسَة: صُوَرَةُ قبر الرَّاحل بمقبرة (بودزيرة) شرق بّنْغازي.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات:

1) بيت الشعر: البيت أعلى الصفحة للشاعر خالد زغبية مِن قصيدة تحت عنوان: (إِلى الشاعر الكبير)، نُشرت فِي كتاب: (وميض البارق الغربي) تقديم وتحقيق: سالم الكبتي، مِن إصدارات (مجلس الثقافة العام)، سنة النشر 2009م. 

2) كلام علي منينة: ما جاء أعلى الصفحة كتبه الأستاذ علي منينة، وبعثه ليّ شقيقه صديقي توفيق فِي رسالة استلمتها منه يوم 5 نوفمبر / تشرين الثّاني 2015م.   

3) كلام هليل البيجّو: تحدثت مع الصديق الأستاذ هليل البيجّو عَن الرَّاحل محمّد أخليف أو لحويج، وبعْد أيّام أرسل ليّ ما جاء أعلى الصفحة فِي رسالة استلمتها منه يوم الأحد الموافق 15 نوفمبر / تشرين الثّاني 2015م.

4) سِيْرَة لحويج وحيَاته ومواقف ومواهبه: المعلومات الواردة بالخصوص هي حصيلة اتصالات أجريتها مع الأصدقاء: عبْدالعزيز السّوادي والسّنوُسي البيجّو وعلي الدرباش وهليل البيجّو ّوعلي وتوفيق مُصْطفى منينة، وحصيلة مراسلات استلمتها مِن بعضهم كمَا هُو مبين فِي المُلاحَظات.

5) كلام السّنوُسي البيجّو: تحدثت مع الصديق الأستاذ السّنوُسي محمّد البيجّو عَن الرَّاحل لحويج، وبعْد أيّام أرسل ليّ ما جاء أعلى الصفحة فِي إيميل استلمته بتاريخ 12نوفمبر / تشرين الثّاني 2015م.  

6) اليَعْسُوب: حشرة غير ضارة من الفصيلة اليَعْسُوبيّة، أجنحتها الأربعة لا تطبق أبداً. وهي ملكة النحل، وأنثى، وكان العرب يظنونها ذكراً لضخامتها. واليَعْسُوب هُو قائد النحل، ويُقال للسّيد يَعْسُوب  قومه. ومِا يمكن إضافته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له فرس يدعى السكب وهي أوَّل فرس ملكه وقد اشتراه بالمدينة من أعرابي من فزارة بعشر أواق، وأول غزوة غزاها عليه أحد. ثمّ فرس لأبي بردة بن نيار اسمه ملاوح. وكان له أيْضاً فرس يدعى المرتجز وهُو الفرس الّذِي شهد به خزيمة بن ثابت وكان صاحبه مِن بني مرة. وكان له ثلاثة أفراس: لزاز والظرب واللحيف وأمّا لزاز فأهداه له المقوقس وأمّا اللحيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء وأّمّا الظرب فأهداه له فروة بن عمرو الجذامي. وكان له فرس يقال له الورد أهداه له تميم الداري فوهبه النّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعُمر بِن الخطاب فحمل عليه فِي سبيل الله، وقيل: كان له فرس اسمه اليَعْسُوب. تفسير هذه الأسماء: السكب الكثير الجري كأنما يصب جريه صبًا.. واللحيف سُمّي به لطول ذنبه كأنه يلحف الأرض بذنبه أيّ يغطيها.. ولزاز سُمّي به لشدة تلززه.. والظرب سُمّي به لشدة خلقه سمي بالجبل الصغير.. والمرتجز سُمّي به لحسن صهيله.. واليّعْسُوب سُمّي به لأنه أجود خيله لأنّ اليَعْسُوب الرئيس. أنظر فِي شبكة النت الدّوليّة إِلى معنى اليَعْسُوب فِي معجم اللغة العربيّة - قاموس عربي/ عربي كذلك إِلى شبكة النت الدّوليّة ومَا جاء تحت عنوان: (أسماء خيل الرسول صلى الله عليه وسلم).

مصَادِر وَمَرَاجِع:

1) المُؤلف - مقالة: (قصّة تكوي القلوب... رصاصة طائشة تودي بحياة أنور نافو) - موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 19 أغسطس / أب 2015م. 

2) المُؤلف - الجزء الثالث، الحلقة الرابعة، مِن سلسلة: (فِي السّياسَةِ والتّاريخ.. المَلِك، العـقيد، المُعـارضة الِلّيبيّة فِي الخارِجِ) - موقع (ليبَيا وطننا) بتاريخ 3 يوليو/ تموز 2008م.

3) الأستاذ عبْدالعزيز السّوادي - مقالة: (حول كتاب "غناوي العَلَمْ") - موقع: (ليبَيا وطننا) بتاريخ 28 أغسطس / أب 2008م.        

4) الأستاذة سالمة العريبي –  الموضوع: (غنَّاوْة العَلَمْ) - التعريف منشورة فِي (منتدى الكساد) نقلاً عَن موقع (جليانة).

5) الأستاذ سَالم قنيبر - مقالة: (ليالي بّنْغازي) - موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 16 أكتوبر / تشرين الأوَّل 2015م. 

 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
مختار المرتضي
عظم الله أجركم أل اخليف وأل البيجو وأل امنينة في المرحوم الحويج وشقيقته عسى الله أن يغفر لهما ويحتسبهما من الشهداء ويتغمدهما برحمته ويدخلهما فسيح جناته ويلهمكم جميل الصبر والسلوان. ولك…...
التكملة
ناصر الشريف البرعصي
رحم الله لحويج وشقيقته وأسكنهما فسيح جناته، توثيق رائع وقد اختصرت سيد شكري قصة وعذابات وطن في مقدمة غاية في الدقة ودقة الاختيار. لكل أصدقاء الفقيد ولأهله خالص العزاء وللكاتب…...
التكملة
ابراهيم قدورة
رحم الله الفقيد وعوض الله ليبيا خيرا وألهم اصدقاءه واهله واحبابه جميل الصبر والسلوان ، وللكاتب الصديق الفاضل كل التحية والتقدير على هذا الإطراء لرجل احبه من يعرفه...
التكملة
سالم قنيبر
وفي تلك الليلة .. ليلة الجمعة 16 أكتوبر 2015 .. كان أهل بنغازي المهجرون من بيوتهم أو الذين فضلوا البقاء في مساكنهم رغم ما يمكن أن يتعرضوا له من خطر…...
التكملة
ســـــــــالم قنيبر
وفي تلك الليلة .. ليلة الجمعة 16 أكتوبر 2015 .. كان أهل بنغازي المهجرون من بيوتهم أو…...
التكملة
خالد البيجو
مقال جميل وتوثيق ممتاز نحن في امس الحاجة اليه للتعريف بأحد ابناء بنغازي البررة والذي فقدناه بسبب هذه الحرب اللعينة. بارك الله فيك استاذ شكري, رحم لله ابناء خالتي لحويج…...
التكملة
صديق قديم
اشكرك اخى والصديق القديم على الكلام الصح لابن بنغازى واللهم اغفر له وارحمه وارحم شقيقته والشفاء لاخوناء اعمر البيجو. اخى شكرى حسبى الله ونعم الوكيل فى الدى كان السبب وفى…...
التكملة
عبد السلام
رثاء في ولد لبلاد... لحويج.. المرحوم محمد علي اخليف، المعروف بلقب (لحويج) الذي رحل عنا قبل شهر تقريبا، يكبرني باربع سنوات تقريبا، واتذكره جيدا لاني كنت طالبا في مدرسة اللواحي الابتدائية،…...
التكملة
علي
اللهم ارحمه وارحم جميع المسلمين....
التكملة
محمد حسن البشاري
شكرا جزيلا لـ "منصف الموتى من الأحياء" لقد كانت فاجعة لبنغازي في ذلك اليوم عندما سقط الصاروخ في شقة المرحوم والذي افادني قريبي الذي يسكن في العمارة المقابلة له ان…...
التكملة
علي البيجو
الي الاستاد المحترم ابن مدينة بنغازي صديق الجميع شكري السنكي الله إيبارك فيك علي هذا المجهود الطيب والمقال الجميل علي حبيب الجميع المرحوم محمد لحويج الله يرحمه ويخفرله ويجمعنا الله…...
التكملة
الزغيبي
اولا شكرااستاذ شكري على الموضوع..ثانيا..   المرحوم لحويج يكبرني  باربع سنوات تقريبا، واتذكره جيدا لاني كنت طالبا…...
التكملة
ثورة شعب بأكمله // الله يرحم والديك
أظهرت ثورة السّابع عشر مِن فبراير روح التحدي لدى الِلّيبيّين، والتسابق للتضحيّة والفداء مِن أجل تحرير الوطن وإسقاط حكم الاستبداد. وصاحبت الثورة روح وطنيّة عاليّة تجاوزت كل مَا زرعه القذّافي…...
التكملة
افريج البسيونى
رحمة اللة علية الرجل الخلوق محمد الحويج وشقيقته ويسكنهما فسيح جنتة ابن بنغازى .احب بنغازى وأحبته...
التكملة