شُكْري السنكي: الذّكرى الرَّابعة والستين لاستقلال ليبَيا... رجلُ وتاريخُ واستقلالُ 25/12/2015 15:51 شُكْري السنكي: الذّكرى الرَّابعة والستين لاستقلال ليبَيا... رجلُ وتاريخُ واستقلالُ
الصادق شكري بحث

إذا كان حاضرنا يعاني مِن الفرقة والقتال والانفلات الأمني ومَا يهدد وحدة واستقلال ومُستقبل الوطن المفدّى، فإنّ تاريخنا لم يكن كذلك بل كان مطرزاً بالإنجازات والأمجادِ وحافل بالعبر والدروس والتجارب المُستفادة، وكان فِي بعض محطّاته ومراحله أعظم وأجل مِن تاريخ دول كثيرة فِي المنطقة. وإذا كان حاضرنا بائساً مُظلماً فهذا مِن عند أنفسنا لا يرجع إِلى تاريخنا أو زماننا، فتاريخنا مفخرة أخفقنا أن نكون نحن فِي مستوى عظمته وفخامته.

ولا شكّ أن الِلّيبيّين مِن قلائل الشّعوب فِي العالم التي ابتلت بالاستعمار، وقاومت مَنْ استعمرها بكلِّ قوَّة منذ ساعة نزول المستعمر الأولى إِلى شواطئها حتَّى ساعة إخراجه مِن البلاد مذموماً مدحوراً ولم تتأقلم معه أبداً أو يهنئ هُو بوجوده ساعة فِي بلادها. لقد سطر الِلّيبيّون تاريخاً مشرفاً فكانوا أصحاب أوَّل جمهوريّة فِي الشّمال الإفريقي وثاني جمهوريّة فِي منطقة الشّرق الأوسط بعْد جمهوريّة (زحلة) فِي لبنان. وهم أصحاب أوَّل برلمان عربيّ على الإطلاق حيث دشن الأمير إدْريْس السّنوُسي بعْد حصوله فِي نوفمبر/ تشرين ثاني 1917م على حكم ذاتي فِي برقة، مجلس نوّاب كان مقره فِي مدينة بّنْغازي، البرلمان الّذِي افتتحت أوّل جلساته يوم 28 أبريل/ نيسان 1921م. وهم أصحاب تاريخ جهادي عظيم افرز العديد مِن الأبطال المغاوير الصناديد العظام يتقدمهم شيخ الشهداء عُمر المختَار التي كانت مكونات شخصيته وسيرة حياته والبطولات التي سجلها هي الأقرب إِلى شخصيّات صدر الإسْلام الأوَّل أو كمَا قال عنه ووصفه الشّيخ محَمّد أمين الحسيني مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربيّة العليا ".. البطل الكرار عُمر المختَار، الّذِي ليس له نظير فِي صدق جهاده وعظيم بلائه إلاّ المجاهدين الأولين فِي صدر الإسْلام". وأنّ الأمّة الِلّيبيّة، فقدت أكثر مِن سبعمائة ألف مِن مواطنيها خلال عشرين عاماً مِن المواجهات المباشرة مع المستعمر الإيطالي، أيّ حوالي نصف عدد السكّان آنذاك. ويؤكد الباحث الِلّيبيّ الدّكتور علي عبد اللطيف حميدة رئيس قسم العلوم السّياسيّة بجامعة نيو إنغلاند (New England) بِالولايّات المتَّحدة الأمريكيّة: ".. أن الأضرار البشريّة إبّان مرحلة الاستعمار الإيطالي لليبَيا، شملت حوالي (250000) مائتين وخمسين ألف مشرد، هاجروا إِلى مِصْر وتونس والجزائر وتشاد والسّودان، كمَا ضمت المُعتقلات الأربعة الشهيرة: (البريقة، والمقرون وسلوق، والعقيلة) حوالي (126) مائة وستة وعشرين ألف معتقل مات منهم مَا يقارب الثلثين أيّ حوالي (90000) تسعين ألف معتقل..".  

والِلّيبيّون هم أيْضاً أوَّل مَنْ قاد معركة سياسيّة داخل أروقة الأمم المتّحدة ونجحوا فِي معركتهم بحصولهم على قرار أممي يقضي بالاستقلال، القرار الّذِي كان يُعد الأوَّل مِن نوعه بالنسبة للهيئة الأمميّة ولذا تعتبر ليبَيا هي الابن البكر لمُنظمة الأمم المتَّحدة. وحصول ليبَيا على استقلالها كثمرة عَمَل دَؤوب وتضحيّات جسام وَمِن خلال قرار أممي، عزز الأمل وجدده فِي نفوس الشّعوب المغلوبة أو كمَا قال مَندُوب الهند لدى الأمم المتَّحدة: (أن استقلال ليبَيا قد عزز هيبة الأمم المُتَّحدة وجدد الأمل فِي الشّعوب المغلوبة على أمرها فِي الحصول على حقها الإنْسَاني بالطّرُق السِّلمية)... والِلّيبيّون هم أوّل دولة ورُبّما الدولة الوحيدة فِي العالم التي صدر دستورها قبل إعلان استقلالها، ففي العادة الدول هي التي تنشئ دساتيرها، أمّا ليبَيا فقد أصدرت إرادة الأمّة دستورها ولم تصدره سلطة الدولة حيث صدر الدستور في السّابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل 1951م، والاستقلال تمّ الإعلان عنه فِي 24 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1951م. وليبَيا، هي أوَّل دولة عربيّة تمنح المرأة حقها فِي التصويت، وذلك فِي الانتخابات البرلمانيّة عام 1963م. أصدرت حكومة الدّكتور محي الدَّين فكيني يوم 26 إبريل / نيسان 1963م، قانوناً أقره البرلمان اللّيبيّ يقضي بمنح المرأة اللّيبيّة حق التصويت فِي الانتخابات البرلمانيّة، وبهذه الخطّوة سبقت ليبَيا الدول العربيّة التي لازال بعضها يحاول الالتفاف على هذا الحق.  

هذا التاريخ العظيم، يجعلني أطاول السماء فخراً باسم ليبَيا وصفحات تاريخها الذهبيّة الخالدة.. وأنا أقف بمناسبة الذّكرى الرَّابعة والستين لاستقلال ليبَيا وأتغنى بسِيْرَةِ أبطال بلادي الصناديد العظام، أؤكد أنّ تاريخنا كان عظيماً وأنه عانى مِن التجاهل والإهمال والتزوير سابقاً ولازال يعاني حتَّى اليوم، وهُو بحاجة اليوم أكثر مِن أيّ وقت مضى، للوقوف عنده طويلاً لاستخراج العبر والدروس المفيدة، والغوصِ في أعماقهِ لاكتشاف مَا فِي باطنه مِن كنوز. وأؤكد أيْضاً أننا بحاجة ماسة اليوم إِلى مستودع حكمة وتجربة نهتدي بها، وفي تاريخنا ذلك وأكثر، والتاريخ هُو مستودع الحكمة والمعرفة أو كمَا قيل: (لا تستطيع أيّ أمـّة العيش بدون تاريخ، فالتاريخ هُو سجل كلّ أمّة وبَيْت خبرتها)، وقد قال عنه الإمام الشّافعي: (من علـِمَ التاريخ فقد زاد عقلـه).

وَالحَاصِل، لم يكن استقلال ليبَيا فِي الرابع والعشرين مِن ديسمبر / كانون الأوَّل 1951م منحة أو هبة مِن أحد، بل كان حصيلة رحلة كفاح طويلة وثمرة تضحياّت جسام حيث فقدت ليبَيا نصف سكّانها فِي مواجهات المستعمر الإيطالي، وقدّم الِلّيبيّون قوافل مِن الشهداء عربوناً ومهراً لاستقلال البلاد وحريتها. وقد كان لاستقلالنا رجال صناديد عظام ثبتوا ثبوت الجبال وقادهم رجل وطنيّ مُخلص، وحكيم ثاقب النظرة، واسع الأفق، هُو المَلِك إدْريْس السّنوُسي الأب المُؤسس للدولة الِلّيبيّة.

قاد السّيِّد إدْريْس السّنوُسي النَّضال ثمّ تأسيس الدولة ببراعة واقتدار فحقق وحدة الوطن واستقلاله، وحرص إبّان مرحلة الاستعمار على امتلاك القوَّة العسكريّة كذلك القدرة على التفاوض كلما كانت هُناك فرصة لتحقيق مصالح الوطن العليا بلا حرب وقتال. غلّب كفة العمل العسكري عَن العمل السّياسي فِي بعض الأحيان، والعكس تماماً فِي أحيان أخرى، وكان تعامله مع ضغوطات الواقع والإمكانيات المتاحة ومعطيات المرحلة وظروفها، تعاملاً واقعياً لا إفراط فيه ولا تفريط.. وتعاملاً مدركاً لما يحيط بأمته مِن مخاطر وأخطار... قاد المواجهة المباشرة مع المستعمر الإيطالي وحرب التَّحرير الوطنيّ كذلك دخل فِي مفاوضات طويلة ومريرة مع المستعمر حينما كانت بلاده تمر بمجاعات وانتشار الأمراض والأوبئة وموت أعداد مِن البشر والدواب على حد سواء مِن شدة الجفاف والجذب والقحط، وبعدما تمكّن المستعمر مِن منع وصول المؤن إِلى النَّاس والعتاد الحربي إِلى المجاهدين بقفله للحدود بين ليبَيا ومِصْر وضربه لحصار شديدة على المجاهدين. وقبل بالتفاوض مع المستعمر الإيطالي واستجاب لهدنة كان لابُدَّ منها لتخفف مِن وطأة الحصار وترفع المعاناة عَن النَّاس وتجنب الصّف الوطنيّ التشظي والانقسام مِن خلال التقاط الأنفاس والتفكير فِي سبّل أجدى للمواجهة وتحقيق مصالح الوطن العليا... قاد التفاوض بذكاء وحنكة وحكمة مِن خلال اختياره الموفق لوفد التفاوض واقحامه لطرف ثالث ممثلاً فِي بريطانيا العظمى وقتئذ كشاهد وضامن لما سيتم الاتفاق عليه، فإذا تحايل الطليان على الاتفاق أو لم يلتزموا به واخترقوه، ألتجئ إلى الطرف الثالث لإنصافه واتخاذ إجراءات صارمة ضدَّ مخترق الهدنة وغير الملتزم ببنود الاتفاق المبرم.



بدأ السّيِّد إدْريْس مفاوضاته بمفاوضات الزويتينة فيما بين يوليو/ تموز وسبتمبر/ أيّلول 1916م، ثمّ مفاوضات منطقة عكرمة القريبة مِن مدينة طبرق فيما بين يناير/ كانون الثّاني وأبريل/ نيسان 1917م، وانتهت بتوقيع اتفاقيّة أو معاهدة الرجمة فِي نوفمبر/ تشرين الثّاني 1920م والتي اعترفت إيطاليا بموجبها بالسّيِّد إدْريْس أميراً ومنحت الِلّيبيّين حكماً ذاتياً فيما عُرف وقتئذ بـ(حكومة إجدابيا). وَبعْد فترة ليست طويلة، رأت السّلطات الاستعماريّة الإيطاليّة بأن الِلّيبيّين بدأوا فِي تأسيس كيان بالإمكان تقويته والبناء عليه والسير به إِلى مَا هُو أبعد، فقررت التخلص مِن الاتفاق ودسّ السم لقتل الأمير إدْريْس باعتباره صاحب مشروع قيام الدولة والشّخصيّة القادرة على جمع الِلّيبيّين وتوحيد صفهم فِي أحلك الظروف. لم تستمر حكومة إجدابيا طويلاً لأنّ إيطاليا انقلبت على الاتفاق وتآمرت عليه بمحاولة قتل السّيِّد إدْريْس، فقرر السّيِّد إدْريْس فِي شهر نوفمبر/ تشرين الثّاني 1922م الهجرة أو الرحيل إلى مِصْر التي وصلها فِي شهر يناير/ كانون الثّاني 1923م، ليستأنف دوره السّياسي مِن أرض تفتح أمامه حريّة الحركة والاتصال بشخصيّات سياسيّة مؤثرة ودول رُبّما يجد مِن بينها مَنْ يدعمه ويقف إِلى جانب قضيّة بلاده.. ويستأنف دوره الجهادي مِن خلال إيصال بعض العتاد الحربي إِلى المجاهدين داخل ليبَيا بغرض القيام بعلميّات عسكريّة نوعيّة تقلق العدو وتبقي قضيّة الِلّيبيّين حيّة فِي الوجدان العربيّ والإسْلاميّ كذلك تحرّك المشاعر العالميّة تجاه ليبَيا. وبعد إعدام السّلطات الاستعماريّة الإيطاليّة للشّيخ عُمر المختار قائد الجهاد الميداني يوم الأربعاء الموافق 16 سبتمبر/ أيّلول 1931م فِي بلدة (سلوق) الواقعة إِلى الجنوب مِن مدينة بّنْغازي وتبعد عنها حوالي خمسين (50) كليو متر، بدأت حركة الجهاد تتجه إِلى العمل والنَّضال السّياسي والّذِي تُوج بقرار الأمم المتَّحدة رقم (289) الصّادر بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1949م، والقاضي باستقلال ليبَيا.

تحرَّك الأمير إدْريْس مِن منفاه فِي جميع الاتجاهات لأجل تحقيق حريّة ليبَيا واستقلالها، فنسج علاقات متينة بكثير مِن السِّياسيِّين المِصْريين مِن أمثال: محمود فهمي النقراشي، عبْدالله الفاضل، مُكرم عِبيد، محمود البسيوني، علي الشَّمسي، حامد باشا الشَّوارِبي، عثمان محرَّم، زكي العرابي، وحمدي سيف النَّصر.. وغيرهم مِن الشَّخصيَّات الفعَّالة فِي المجتمع المصري. وربطته اتصالات مستمرة مع عدد مِن الصَّحفيين والمُثقفين والأدباءِ العرب الّذِين كان يزورهم فِي مكاتبهم أو يلتقيهم فِي النوادي كنادي الجزيرة، أو المسارح كمسرح (برنتانيّا) بِالقاهِرَة الّذِي كان يقدّمه الفّنّان علي الكسار، أو الديوانِّيات كديوانيَّة الشَّيخ محَمَد الصّادِق المُجَدِّدِي سفير أفغانِسْتَان بِمِصْر وقتذاك. بالإضافة إِلى العلاقات التي نسجها مع أصحاب الثِّقْل والمركز الاجتماعي الرَّفيع فِي مِصْر كالأعيان والباشاوات ومشايِخ العرب، مِن بينهم على سبيل المثال لا الحصر: حَمْد باشا الباسِل وعبدالله باشا لملوم، وعبْدالستار بك الباسِل، والشَّيخ محَمَّد سُلطَان عضْو المجلس البلدِي بالشرقيّة. كما نَسْج علاقات واسعة مع عدد مِن رِجَال الأعمال المصريين والعرب المُهمومين بِقضايا الأمَّة والمُهتمِّين بِشُئِونها آَنذاك، وَمِن بين أُولئك المرحُوْم نَجِيْب زلزل.

تعامل الأمير إدْريْس مع الأحداث بعقلية منفتحة، وعقد تحالفات لأجل تحقيق المصلحة الوطنيّة، وحينما قامت الحرب العالميّة الثانيّة وكانت ليبَيا ساحة مِن ساحات الحرب، راهن الأمير على انتصار بريطانيا الممثلة لقوَّات الحلفاء وهزيمة ألمانيا الممثلة لقوَّات المحور. تشكلت قوَّات الحلفاء مِن بريطانيا والاتحاد السوفيتي وفرنسا والويّات المتَّحدة الأمريكيّة، وتشكلت قوَّات المحور مِن ألمانيا النازيّة بقيادة هتلر وإيطاليا الفاشيّة بقيادة موسوليني ثمّ انضمت إليهم اليابان والمجر وبلغاريا ورومانيا والنمسا. كان الأمير إدْريْس يؤمن بأن العرب والمُسلمين جزء مِن هذا العالم وعليهم أن يبنوا جسور تواصل مع الآخر ويتعاطوا مع قضايا العالم المختلفة، ويعتقد وقتما قامت الحرب العالميّة الثانيّة بأن قوَّات الحلفاء ستنتصر على قوَّات المحور وأنه سيساند قوَّات الحلفاء وينضم إليها بهدف إلحاق الهزيمة بإيطاليا الفاشيّة المحتلة لبلاده والتي ستخوض معها قوَّات الحلفاء حرباً فوق الأرض الِلّيبيّة بحكم وجودها هُناك. كوّن الأمير إدْريْس جيشاً ليبياً فِي المنفى (الجيش السّنوُسي) فِي 9 أغسطس/ أب 1940م متحالفاً مع البريطانيين لطرد الغزاة الإيطاليين. ولما انتهت الحرب بهزيمة إيطاليا، وخروجها مِن ليبَيا، طالب الأمير إدْريْس البريطانيين بتنفيذ وعودهم التي قطعوها على انفسهم معه، فأسس البريطانيون الإدارة فِي ليبَيا أولاً إبّان عهد إدارتهم للبلاد، ثمّ اعترفوا باستقلال برقة والّذِي استخدمه كقاعدة استند عليها فِي عمله الدؤوب وجهده السّياسي العظيم، فِي الضغط للحصول على استقلال ليبَيا بأقاليمها الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزَّان) وتمّ له ذلك بإصدار الأمم المتَّحدة لقرارها التاريخي الصّادر فِي 21 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1949م، والقاضي باستقلال ليبَيا.

صاغ الأمير إدْريْس مشروع وطنيّ محدد الأهداف ومنضبط المسار منطلقاً مِن نظرة واقعيّة ورؤيّة سياسيّة واضحة المعالم، وتواصل مع هيئات المجتمع الدّوليّ، واستفاد مِن صراعات الدول الكبرى، مؤمناً بسياسةِ (خذ وطالب) مقدراً حدود تأثير حركته وحجم القوَّة التي يمتلكها، وهذا الإيمان جعله شديد الواقعيّة حريصاً على المشورة ووحدة الصّف راجياً النصرة والعون مِن الله سبحانه وتعالي فِي المقام الأوّل والأخير، كذلك، جعله يُوظف المُتاح له مِن الإمكانيّات توظيفاً رائداً ويكسب بحنكته رهانات صعبة فِي ظلّ ظروف أصعب... لم يتحرك الأمير إدْريْس مِن منطقة ردود الأفعال أو نظرة تتجاوز واقع الإمكانيّات ومراكز القوى وطبيعة الأوضاع السّياسيّة، وقاد مِن منفاه فِي مِصْر مشروعاً تحررياً كان الأبرز في تاريخ المنطقة والأنجح على مستوى التحرَّك السّياسي لشعوب العالم السّاعية إِلى التحرَّر، وقد أثمر هذا المشروع بإصدار الأمم المتحدة فِي 21 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1949م، قراراً يقضي باستقلال ليبَيا بأقاليمها الثلاث (برقة، وطرابلس، وفزَّان) فِي تاريخ أقصاه يناير/ كانون الثّاني 1952م. وتحقق الاستقلال فِي الرَّابع والعشرين مِن ديسمبر/ كانون أوّل مِن عام 1951م، يوم أن أعلن المَلِك إدْريْس السُّنوُسي مِن شرفة قصر المنار بمدينة بّنْغازي، استقلال ليبَيا وأن ليبَيا أصبحت منذ اليوم دولة حرَّة مستقلة ذات سيادة، تتويجا لنّضال الشّعب الِلّيبيّ وتنفيذاً لقرار هيئة الأمم المتَّحدة... وَفِي عهد المملكة، استمتع الِلّـيبيّون بالحريّة وحُقُوقهم كاملة دون نقصان، ونجحت حكومات المَلِك إدْريْس السّنوُسي المتعاقبة فِي معركة التعليم حيث كانت نتائج العمليّة التعليمية مبهرة مذهلة ملفتة لأنظار العالم كله. وأن (الخطّة الخمسية) التي نُفذت في عهد المملكة، كانت الأفضل بين الخطط الخمسيّة التي نُفذت فِي دول العالم الثالث بشهادة المُنظمات الدّوليّة وقتئذ، وأنّ معمّر القذّافي حينما استولى على السّلطة، كان معدّل دخل الفرد فِي ليبَيا يقترب مِن معدّل دخل الفرد فِي الدول الغنية المتقدمة.

والشّاهد، كان المَلِك إدْريْس يقدر حجم التضحيّات التي دفعها الِلّيبيّون مِن أجل استقلال بلادهم، ويعلم أن المحافظة على الاستقلال أصعب مِن نيله ولذا وقف مخاطباً الِلّيبيّين بمناسبة الذّكرى العاشرة لاستقلال البلاد، قائلاً لهم: ".. أوصيكم بأنّ تحافظوا على الاستقلال الّذِي جاهدتم مِن أجله زمناً طويلاً، وقاسيتم مِن أجله عذاباً مريراً، كمَا أوصي أولى الأمر منكم بالعدلِ والإنصافِ وكلكم راع ومسؤول عَن رعيته..". وقال لهم فِي خطابين آخرين بمناسبة ذّكرى الاستقلال: ".. علينا جميعاً أن نحتفظ بما قد اكتسبناه بثمنٍ غالٍ، وأن ننقله بكلِّ حرص وأمانه إِلى أجيالنا القادمة.. والمحافظة على الاستقلال أصعب من نيله..".  والّذِي حدث، أننا لم نحافظ على مكتسباتنا واستقلالنا كمَا أوصانا المَلِك إدْريْس طيب الله ثراه، وسمحنا لانقلاب الأوَّل مِن سبتمبر / أيّلول 1969م أن يمر بل يستمر لأثنين وأربعين عاماً، خيم على الوطن خلالها عقود مِن الظلام والخراب والإقصاء وتغييب التاريخ وتزييفه.   

تآمر معمّر القذّافي على التاريخ بالطمس والتشوية والتزوير لأنه كان يعلم أنه مستودع الحكمة وبيت الخبرة وسر النهضة، بل تأمر على كلِّ شيء له صلة بحيَاةِ النَّاسِ وماضيهم فأهمل الآثار وهدم الكثير مِن المباني التاريخيّة والأسواق العتيقة والشوارع القديمة لأنه كان يعلم أن ذلك يُسهل عمليّة السّيطرة على النَّاس بإفقار ذاكرتهم، فعلماء الاجتماع يؤكدون ويقرّون أن عمليّات هدم ما يشكل قيمة حقيقة لدى النَّاس وكلِّ مَا مِن شأنه أن يجعل صور الماضي حيّة فِي أذهانهم، يؤدي حتماً إِلى محو صفحات ضرورية لفهم الذّاكرة وتقديرها، وبالتالي إِلى إفقارها وهُو مَا يؤثر سلباً فِي تصرفات النَّاس التي ترتكز فِي الأساس على ثراء الذّاكرة. 

كان مِن المتوقع أن تعيد ثورة السّابع عشر مِن فبراير التي أطاحت بحكم الانقلاب لتاريخنا اعتباره وتستأنف مسيرة الآباء المؤسسين فإذ بالمجلس الانتقالي ومِن بعده المؤتمر الوطنيّ والبرلمان، يرتضون بحذف فقرة مِن فقرات نشيد الاستقلال الجوهريّة والتي تبدأ بعبارة (حيّ إدْريْس سليل الفاتحين)، الأمر الّذِي يُعد تزويراً وطعناً فِي الأب المُؤسس للدولة الِلّيبيّة علاوة على عدم جواز ذلك بتاتاً أيّ حذف فقرة مِن نشيد وطنيّ معتمد ومؤسس بقانون. وكان منتظراً أن ترسم الثورة خريطتها بالإرتكاز على ميراث الجدود ولكننا رأيناها تجاوزت بنصوص الإعلان الدستوري المؤقت وديباجته، العودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة وتجاهلت جهاد الآباء والأجداد.. وحدث الاستقلال.. والمَلِك إدْريْس السّنوُسي الأب المؤسس للدولة الِلّيبيّة، وتمّ تجاهل كلِّ ذلك مرَّة أخرى فِي خطاب المُستشار مُصْطفى عبدالجليل رئيس المجلس الانتقالي الّذِي ألقاه فِي مدينة بّنْغازي يوم الأحد الموافق 23 أكتوبر/ تشرين الأوّل2011م، والّذِي عُرف بـ(خطاب التَّحرير).   

ولعلي اختم مَا أود الوصول إليه بما قاله الشّيخ علي بشير حمودة بمناسبة ذكرى الاستقلال: ".. لا نملك إلاّ أن نقول لأنفسنا بكلِّ هدوءٍ وأريحيةٍ وصراحةٍ: إنّ هذه المعاناةَ والمأساةَ التي نتجرّع جميعاً آلامَها وأحْزَانها وتداعِيَاتِها مَا هي إلاّ نتيجةٌ للعقوق والاستهانةِ بجهودِ آبائنا المُؤسسين، وتضحيّات أعلامنا المُخلصين، وتجاهل مَا أنجزوه وقرّروه مِن دستورٍ ومُؤسساتٍ وثوابتَ تحققُ بناءَ الدولة المنشودة، وما مِنْ وفاءٍ لأولئك الرجال العظماء، إلاّ بالعودةِ إِلى مَا صنعوه، وأرادوه بنا ولنا مِن خير، وحمّلوه لنا أمانة فِي أعناقنا، وَفِي ذلك  اختصار الطريق، وتوفير الوقت والجهد، والبرّ والوفاء والمحافظة على استقلالنا  الّذِي أثبتت الأيّام والشواهد أن المحافظة عليه أصعب مِن نيله كمَا قال المَلِك إدْريْس طيب الله ثراه..".

شُكْري السنكي
 



مُلاحَظَات وَإِشَارَات:

*) أبيات الشعر: الأبيات أعلى الصفحة هي أبيات لشاعر الوطن أحمَد رفيق المهدوي نقلناها عَن كتاب: (إدْريْس السُّنوُسي)– الطبعة الثّانيّة الصّادرة عَن (دار العهَـد الجـديد للطبَـاعة) عَام 1957م للأستاذ محَمّد الطيب الأشهب.

مصَادِر وَمَرَاجِع:

1) المؤلف - سلسلة: (العهد الملكي.. رجالُ حول المَلِك) - موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 12 مايو/ أيّار 2009م. (انظر ارشيف الكاتب)

2) المؤلف - سلسلة: (هَدْرَزَةُ فِي السّياسَةِ والتّاريخ) الجزء الثالث، الحلقة الثامنة – موقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 3 يوليو / تموز 2008م. (انظر ارشيف الكاتب)

3) الأستاذ خالد المهير (تقرير "الجزيرة نت" من بنغازي) – كتاب جديد يؤرخ لوحشية المُعتقلات الفاشيّة بليبَيا – التقرير نُشر فِي (الجزيرة نت / أرشيف)، وأعيد نشر التقرير فِي موقع: (ليبَيا الجيل) وموقع: (ليبَيا المُسْتقبل)، يوم الخميس الموافق 5 يونيو / حزيران 2008م.

4) المؤلف - دراسة على حلقات تحت عنوان: (بَيْتُ الرِجَال.. آل سيف النَّصر، تاريخ عائلة وسيرة أبطال) - موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 17 ديسمبر/ كانون الثاني 2009م. (انظر ارشيف الكاتب)

5) المؤلف - مقالة: (عَطـر زَمَن العطاء.. سِيْرَة وهبِي البُورِي مِن المِيْلاد إِلى الرَّحِيْل) - موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 20 يونيه / حزيران 2010م. (انظر ارشيف الكاتب)

6) ويكيبيديا (الموسوعة الحرَّة) - سيرة وحيَاة السّيّد إدْريْس، شبكة المعلومات الدّوليّة.   

7) المؤلف - سلسلة: (حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت.. زمن عَلي الشعالية وشَارِع كان أسمه سَيِّدِي سَالم) - موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 30 يناير/ كانون الثّاني 2012م.  (انظر ارشيف الكاتب)

8) الوثيقة الوطنيّة - الوثيقة الموقعة باسم ثمانيّة وثلاثين شخصيّة ليبيّة تحت عنوان: (الوثيقة الوطنيّة.. حلّ الأزمة الِلّيبيّة فِي العودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة) - الصّادر بتاريخ 31 أغسطس / أب 2015م.  

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
احميدي الكاسح


عاش المليك وشعبة وبلاده في عز دستور زهاه كمال
...
التكملة
منفي
نعتذر للجميع لم نقصد الإساءة للملك ولا للعائلة المالكة ولا يمكن بجرأة قلم محي تاريخ الملك ولا رفاقه الشهداء والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية....
التكملة
غيث سالم سيف النصر
شكرا استاذ شكرى , لقد ذكرت فهل يتذكرون؟...
التكملة
محمد حمامة
السيد المنفي وآخرون، قد لا تعلمون أن من أهم محطات الإستقلال كانت بمبادرات من السيد ادريس ، فنجد أن مبادرته في تشكيل القوة العربية الليبية كانت في فترة حرجة بالنسبة لبريطانيا…...
التكملة
علي المجبري
كلام رائع وسرد جميل وحقائق دامغة ولكن للأسف ما أكثر الغامطين لحقوق الناس وما أكثر الجاحدين، كما قال المرتضي. رحم الله الملك إدريس، وسخر الله لليبيا كل خير....
التكملة
احمد النحتي
انا أحب العائله السنوسيه ومن اعرق عائلات ليبيا والملك ادريس الله يرحمه ولكن دائماً اتسأل لماذا بعد ما قامت الثوره ٦٩المشؤمه قامة نسبا كبيره جداً من الشعب اليبي خاصتاً من…...
التكملة
حاير
يا خالد رمضان اجد الفرق بينهم في المعامله وفي كيف كنا وكيف اصبحنا علي الاقل والذين جاهدوا جاهدوا من اجل بلادهم علي الاقل الشعب الليبي بعد الجهاد لقوا الراحه والاستقرار…...
التكملة
مختار المرتضي
السيد شكري السنكي شكرا لك على هذه المقالة في ذكرى عظيمة ذكرى الاستقلال وفي حق رجل جليل أبو الدولة الليبية الحديثة ومؤسسها فلقد أحسنت وأجدت فلك جزيل الشكر على ذلك.…...
التكملة
ملكي
يا سيد المنفي، اكتفي برد عليك بما قاله الأستاذ يوسف المجريسي أحد معارضين القذافي في احتفالات المعارضين في الخارج بذكرى الاستقلال في زمن حكم القذافي، فقال بالمختصر المفيد (لا أستطيع…...
التكملة
منفي
الملك لم يكن له دور فعال في استقلال ليبيا كان له دور رمزي فقط ثم إن عهده لم يكن أفضل من خلفه في الحكم القذافي فهما وجهان لعملة واحدة....
التكملة
بلعيد خير الله
رحم الله الملك إدريس صانع الاستقلال ومؤسس دولتنا الحديثة، وشكراً للأستاذ شكري على مقالته الرائعة، وأكرر ما قاله المعلق عبدالعزيز واضم صوتي لصوته وبالفعل نحن لا نمجد الاشخاص ولكن نتذكر…...
التكملة
محمود الفيتوري
عيد عليه مهابة وجلال .. عيد وحسبك أنه استقلال.. كل عام وكل الوطنيين بخير.. بارك الله فيك أستاذ شكري السنكي، مقالة تذكرنا بعهد الاستقلال، عهد الإدريس المفدى رحمه الله الذي عرفت…...
التكملة
مدقق
الاستاذ الفاضل شكرى وضع المصادر فى نهاية المقالة ولم نجد الارقام فى المتن...
التكملة
نادر ياسين الترهوني
مقالة رائعة في ذكرى عظيمة، وتاريخ مفخرة لرجال مخلصين كان قائدهم السيد إدريس السياسي البارع والرجل صاحب الطراز النادر. رحم الله الملك إدريس، وشكراً جزيلاً سيدي الكاتب....
التكملة
السنوسى
هل يراجع السيد السنكى مايكتبه انه يكرر نفسه كثيرا وهل الحكومات الليبية تصدر قوانين مثلما قال عن حكومة الفكينى المتعلقة بالانتخابات للمراة اين نص القانون اذا كان لديه والعجيب ان…...
التكملة
عبدالعزيز
بارك الله فيكم هذا المقال الرائع. الذى اعطى لمحة تاريخيه مشرفة لكل المنابعين للشأن الليبي.الى كل من يرى فى نفسه الكفاءه والجسارة والحكمة والقيادة فل يتقدم الى الساحة ويبدعنا بمهارته…...
التكملة
طه
السيد الكاتب دائما يبالغ ويمجد في الملك رحمه الله الذي مقارنة بالقذافي كان صالحا...ولكن عهده لم يكن كله كذلك...اتقوا الله ...ولا تطروه كما اطري الملوك من قبله ...وكما ما زال…...
التكملة
د. أمين بشير المرغني
من أسوء ما فعله القذافي أنه أنسى من استمعوا اليه فضيلة العرفان والاعتراف بالحق. ما بال بعض المعلقين على مقالة الكاتب الاستاذ شكري السنكي يقللون من شأن بحوثه وما يكتب…...
التكملة
شافي الغليل
الليبيون ليسوا شعباً بمفهوم الشعب ومعطياته، لا يربطهم ببعضهم اي رابط سوى المكرونة وكونهم وقعوا تحت الاحتلال الايطالي، بيد انه لاتوجد بينهم اية وشيجة، انهم بقايا مجموعات بشرية مرت بالمنطقة…...
التكملة
ابالحكم
في البداية كل عام وانت بخير أيها الكاتب بمناسبة ذكرى استقلال ليبيا المجيد , والذي كان تتويجآ لكفاح وجهاد الليبيين " من كل ليبيا " , وبشجاعة وحكمة قادة الجهاد…...
التكملة
خالد رمضان
العهد الملكي أختزل الجهاد والأستقلال في الملك إذريس وعمر المختار ، والقذافي أختزل كل شيئ في شخصه ، وأنا لا أجد فرق بينهما كلا الحكمين استبدادي. ونسينا من جاهدوا وشنقوا…...
التكملة