شُكْري السنكي: حُب الوطن والنّضال مِن أجله... بشير العامري نموذجاً 2/5/2016 02:33 شُكْري السنكي: حُب الوطن والنّضال مِن أجله... بشير العامري نموذجاً
الصادق شكري بحث


عند الشدائد تُعرف معادن الرجال
 


حُب الوطن والنّضال مِن أجله... بشير العامري نموذجاً


بشير عبْدالسّلام العامري المُثقف والمُناضل والمتديّن والمستنير، عف اللسان واليد.. وقف معارضاً فِي وجه نظام القذّافي الطاغي المُستبد، واستمر فِي موقفه غير مستسلم إِلى أن وافته المنية بلكسنغتون فِي الولايّات المتّحدة، وقضى فِي المهجر سنوات طويلة، وترك بصمات واضحة فِي مسيرة النّضال الوطنيّ ضدَّ الظلم والاستبداد.

أحبّ بشير العامري وطنه الّذِي نشأ وترعرع فيه.. الوطن الأرض والامتداد والذّكريّات، الماضي والحاضر والمُستقبل الآت، والّذِي زاد ارتباطه وتعلقه به حينما شعر بأن الاستبداد ينهش جسده ويُهَدِّد وجوده ومسْتقبل أجياله، فقطع دراسته العليا لنيل درجة الدكتوراه منضماً إٍلى صفوف القوى الوطنيّة للدّفاع عَن تراب الوطن الغالي، وعَن هوية ليبَيا وكرامتها وعزتها ليبقى الوطن شامخاً.‏

عُرِف بشير العامري باسم (الحاج صابر) فِي سنوات النَّضال ضدَّ نظام معمّر القذّافي. ويحمل فِي رصيده تاريخًا نّضالياً وطنياًّ ثابتاً وأصيلاً، كوَّنه رفض حكم الاستبداد، وأحد الأوائل الّذِين انضموا إِلى صفوف القوى الوطنيّة المُعارضة نظام معمّر القذّافي، بِالإضافة إِلى أنه مِن أوائل الطلبة الّذِين انضموا إِلى العمل النّقابي الطلاّبي فِي الخارج، والّذِين رفضوا ملاحقة الطلبة بالسجن والإبعاد عَن الدّراسة، واحتجوا على إقصاء الطلبة المُناضلين مِن هيئات الاتحاد الإدارية، وعارضوا سياسة السلطة المنطلقة مِن منطق التّدجين والاحتواء للحركة الطلاّبية والعمل النّقابي بشكلِ عام.

كتب بشير العامري المقالة ونشرها فِي مجلّة (شهداء ليبَيا) الّتي كانت تصدر عن (الاتحاد العام لطلبة ليبَيا - فرع الولايّات المتَّحدة).. ومجلّة (الإنقاذ) الّتي كانت تصدر عَن (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا). شارك فِي معظم المُلتقيات والمؤتمرات واللقاءات الوطنيّة فِي ثمانينات القرن المنصرم، وتنقل بين عواصم العالم، وقضى أشهراً مرابطًاً فِي صحاري تشاد مِن أجل الوطن، وسعياً لتخليصه مِن آفة الاستبداد. أعدّ برنامجاً إذاعياً وقدمه، وكان برنامجه يبث فِي إذاعة (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا)، ويُعد مِن أهمّ الأعمال الإعلاميّة الّتي كشفت أكاذيب القذّافي، وفنّدت أقوله وردت عليها بالحجة والبرهان. قال الأستاذ طاهر الجعيدي أحد رفاقه فِي مقالة نشرها فِي مدونة: (شؤون لّيبيّة) فِي شتاء 2012م، مَا يأتي: ".. كان البرنامج اليومي (الحاج صابر) معلماً مِن معالم صوت الشّعب الِلّيبيّ، ولاقى استحساناً وترحاباً منقطع النظير. فقد تعرف الكثيرون على الحاج صابر مِن خلال صوته وتعبيراته وردوده على القذّافي، والّذِي كان الحاج صابر اختار له اسم (الدجال) فشاع ذلك الاسم، وارتسمت فِي أذهان مستمعي الإذاعة صورة للقذّافي بريشة الحاج صابر. صورة جسدها ورسمها وهُو يحاجج ويرد على أباطيل القذّافي بعفويّة وتلقائيّة تعبر عمّا يجيش حينها فِي ذهن المواطن الِلّيبيّ. تنقل الحاج صابر (بشير العامري) بين عواصم عدة، مِن أم درمان إِلى إنجامينا مرورًا ببغداد عاصمة هارون الرشيد. ولم يطمح الحاج صابر فِي مطمع دنيوي مقابل حبّه بلاده وتفانيه فِي خدمة وطنه. ترك أسرته فِي أمريكا وحدها، مسافراً إِلى السّودان، ثمّ صحاري تشاد ليكون مع الفريق الإذاعي ليسجل برنامجه، ويساهم بجهوده فِي تقريب ساعة خلاص الوطن..".

ولد بشير العامري فِي غريان، ودرس مِن الإبتدائيّة إِلى الثانوية العامّة فِي ليبَيا، وسافر إِلى جمهوريّة مِصْر العربيّة لمواصلة دراسته الجامعيّة فتخرج مِن هُناك متحصلاً على بكالوريوس هندسة زراعيّة. عاد إِلى ليبَيا بعْد تخرجه، وعمل فِي طرابلس لفترة ليست بطويلة، ثمّ أُوفد للدّراسات العليا فِي الولايّات المتَّحدة، فتحصل على درجة الماجستير فِي مجال الهندسة الزراعيّة، ثمّ بدأ فِي الدكتوراه والّتي توقف عنها - وقتما كان على أبواب التخرج - تلبيةً لنداء الوطن والواجب المقدس.

انضم إِلى (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا)، الّتي أعلن عَن تأسيسها فِي السّابع مِن أكتوبر/تشرين الأوَّل 1981م، وتولّى فِي أواخر الثمانينات رئاسة مكتب الجبهة، فكان بصفته رئيساً لمكتب أمريكا عضواً فِي اللّجنة التنفيذيّة لجبهة الإنقاذ. كتب وقدّم برنامج (الحاج صابر) الّذِي استمر عدة سنوات كأحد أهمّ البرامج لإذاعة: (صوت الشّعب الِلّيبيّ - صوت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا). وشارك فِي المؤتمرات السنويّة الّتي كان يعقدها (الاتحاد العام لطلبة ليبَيا ـ فرع الولايّات المتَّحدة) فِي صيف كل عام، وفِي المُلتقيات الّتي كان يعقدها مكتب جبهة الإنقاذ بالولايّات المتَّحدة، كذلك المجالس الوطنيّة للجبهة. كتب عدداً مِن المقالات فِي مجلّة (الإنقاذ) بعْد انتقاله فِي أواخر الثمانينات إِلى مدينة لكسنغتون، وانتقال مقر المجلّة مِن منطقة كانتون بولايّة ميتشغان إِلى مدينة لكسنغتون بولايّة كنتاكي، حيث صدرت المجلّة أولاً مِن ولايّة ميتشغان، ثمّ من ولاية كنتاكي، وقد أصدرت المجلّة خلال سنوات عملها الّتي استمرت ستة عشر (16) عاماً، سبعة وأربعين (47) عدداً، ويُذكر أن عدد (الإنقاذ) الأوّل كان قد صدر فِي شوال 1402 هجري الموافق يوليو/تموز 1982م.

أصيب بشير العامري بمرض السّرطان فِي صيف 1993م، وانتقل إلى رحمة الله تعالى في بداية العام 1995م، ودُفنَ بمدينة لكسنغتون بولاية كنتاكي يوم 14 رمضان 1415 هجري الموافق 14 فبراي/شباط 1995م. ويُذكر أن مدينة لكسنغتون كانت قد شهدت وفاة مُناضلين مِن رفاق العامري، أحدهما تُوُفِّيَ قبله والآخر بعده بفترة بسيطة، حيث تُوُفِّيَ قبله الأستاذ محَمّد عَلي يحيى معمّر (1949م - يوليو/تموز 1994م) رئيس تحرير مجلّة (الإنقاذ) مِن 1988م إِلى تاريخ وفاته فِي صيف 1994م، والّذِي انتقل إِلى رحمة الله أثناء إجازته مع أولاده فِي ولايّة فلوريدا فِي يوليو/تموز 1994م، ودُفِنَ فِي ولايّة كنتاكي مقر سكنه قبل وفاته. وتُوُفِّيَ بعده الأستاذ سَعْد عَبْدالله الأثرم الّذِيعمل فِي الطاقم الفني لمجلّة (الإنقاذ)، وقد انتقل إِلى رحمة إثر سكتة قلبية يوم الأحد 23 جماد الآخرة 1417هجري الموافق 5 نوفمبر/تشرين الثّاني 1996م، وشيَّع جثمانه جمع غفير مِن رفاقه بمدينة لكسنغتون ومدن ولايّة كنتاكي، إِلى جانب عدد آخر مِن أبناء الجاليّة الِلّيبيّة بالولايّات المتَّحدة، ودفنَ بمدينة لكسنغتون يوم الثلاثاء الموافق 7 نوفمبر/تشرين الثّاني 1996م. 

رَحم الله بشير عبْدالسّلام العامري ورفاقه المُناضلين الّذِين قضوا نحبهم فِي المهجر، رحمة واسعة، وسلام وتحِيَّة إِلَى أرواحهم فِي عَلْيَاء ملكُوْتِهَا.. وتقبل الله رفيقَنا بشير العامري وجزاه خيرًا بما قدّم للوطن، وجعل مستقره ومثواه جنّات العُلا.

أخيرًا.. لا شكّ أننا نستطيع أن نتغلّب على واقعنا المرير ونلم شملنا ونهزم فرقتنا ونوحد صفنا، إذا مَا تمسكنا بالإرادة والعزيمة، وجعلنا الوطن فوق الجميع ومقدماً على أيَّ اعتبار غيره.. ونستطيع أن ننتصر مجدَّداً كمَا انتصرنا على الطاغيّة بدك عرشه عقب ثورة السّابع عشر مِن فبراير. رحم الله بشير العامري المُناضل والإنْسَان.. وسلام وتحِيّة إلى رُوْحِه الطَّاهرة في عليَاء ملكُوْتِهَ.

شُكْري السنكي
 

أثناء رحلة خلويّة (زردة)، فِي إحدى حدائق مدينة لكسنغتون بولايّة كنتاكي، بمناسبة عيد الأضحى المبارك العام 1989م،
ويظهر المرحوم بشير العامري متحدثاً إِلى الأستاذ منصُور بِن عمران، ويجلس بجانبه الدّكتور سُليْمان عبدالله الضراط،
ويظهر بالقرب منه جالساً على الأرض المُناضل الرَّاحل فتحي السّنوُسي شلوف وهُو يلبس النظارة.

 

رحلة خلويّة (زردة)، بمناسبة عيد الأضحى المبارك العام 1989م، ويظهر المرحوم بشير العامري
يتوسط المُناضل الرَّاحل محَمّد عَلي يحيى معمّر المعروف باسم (خالي فتحي)، والأستاذ سَالم القماطي
أطال الله فِي عمره، وفِي الخلف يظهر الأستاذ إبراهيم عبدالله قدورة وأنا شكري محَمّد السنكي

 

رحلة خلويّة (زردة) فِي إحدى حدائق مدينة لكسنغتون، بمناسبة عيد الأضحى المبارك العام 1989م، ويظهر فِي الصورة مِن اليمين
إِلى اليسار كل مِن: سَعْد عبدالله الأثرم، عثمان عقيل، المرحوم محَمّد علي معمّر، إبراهيم عبدالله قدوره، شكري محَمّد السنكي
  

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ابومحمد
رحمة الله عليه كان بطل مغوار كريم شجاع وتصداء للمقبور عندما كان الجبناء يتفرجون كان يصول ويجول لقد انغصي عيشة المقبور باسلوبه وكشف وفضح اكاذيبه وترهاته هانحن اليوم نترحم وندعو…...
التكملة
يوسف
الله، زمن حقيقي، وتضحيات عظيمة، رحمة الله عليك يا حاج بشير.. شكراً يا شكري....
التكملة
سعيد الجبالي
رحم الله بشير العامري، وشكراً للكاتب على هذا السرد ممتع الجميل، ونتمنى أن نري مقالات أخرى عن باقي شخصياتنا الوطنية.
...
التكملة
شيباني راعي
بصراحة لقد اعجبت بسيرة الرحل رحمه الله وجعل متواه الجنة الى ان وصلت لكلمة الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا خطر على الافاق المقريف وقفت القراءة على طول....
التكملة