عمر النعاس: أوراق في الشأن الدستوري 6/5/2016 02:03 عمر النعاس: أوراق في الشأن الدستوري
أ. عمر النعاس العرييي بحث

 الورقة الأولى: صناعة الدستور الليبي التوافقي

"هذا المشروع التوافقي" الذي يصنعه الشعب الليبي بكامل إرادته الحرة لأول مرة في تاريخ ليبيا، من خلال مشاركته فعلياً في ثلاث مراحل أساسية من صناعة الدستور الليبي وهي: (1) مشاركة الشعب الليبي في انتخاب الهيئة التأسيسية من انحاء ليبيا الأمر الذي يعني تركيبة شاملة ومتناقضة من الأفكار والطموحات والآمال وربما الشيء الوحيد الذي يجمع هو بناء ليبيا الجديدة. (2) مشاركة الشعب الليبي من خلال ما تم طرحه خلال جولات التواصل المجتمعي والتي قام بها كثير من أعضاء الهيئة التأسيسية في شرق البلاد وغربها وشمالها وجنوبها وما ترتب على ذلك من استلام ودراسة آلاف المقترحات المكتوبة الموثّقة والمحفوظة بأرشيف الهيئة التأسيسية. (3) مشاركة الشعب الليبي في الاستفتاء العام على مشروع الدستور (بأغلبية ثلثي المقترعين) لإقراره بــ (نعم) أو رفضه بــ (لا) والذي يعني أن كلمة الفصل تكون للشعب الليبي ليكون دستورا نافذا. هذه المشاركة من الشعب الليبي في المراحل الثلاثة تؤكد أن هذا الدستور يصنعه الليبيون والليبيات بامتياز وأن كلمتهم هي النافذة. هذا الأسلوب الفريد في صناعة الدساتير لم يرد في كتب الفقه الدستوري ولا في الدساتير المقارنة، حيث أن الأساليب الحديثة لصناعة الدساتير هي (1) أسلوب الجمعية الوطنية التأسيسية: والذي يعني أن هناك هيئة منتخبة من الشعب لتكتب دستورا وتقرّه وتصادق عليه كما حدث في تونس بانتخاب المجلس التأسيسي الذي اصبح السلطة العليا في الدولة وأقر دستور 2014. (2) أسلوب الاستفتاء الدستوري: والذي يعني ان السلطة الحاكمة المؤقتة تقوم بتعيين لجنة من فنيين متخصصين لصياغة مشروع الدستور ثم تقوم السلطة الحاكمة باعتماده وطرحه لاستفتاء الشعب عليه لإقراره بــ (نعم) أو رفضه بــ (لا) كما حدث في دساتير مصر (2012 و2014) وكان الاقرار (بأغلبية الأصوات الصحيحة) فقط وليس أغلبية كامل المقترعين كما هو بالنسبة للاستفتاء على الدستور الليبي.

• الورقة الثانية: وحدة الدولة

كما نعرف جميعا، ليس بالضرورة أن كل ما جاء في مخرجات اللجان النوعية هو ملزما للهيئة التأسيسية. وفي كل الأحوال فإن التأكيد على وحدة الدولة الليبية جاء واضحا وصريحا في هذا المشروع ابتداء من "الديباجة" وإلى المادة (221). وذلك على النحو الآتي:

- (جاء في الديباجة: "... ومن أجل المضي قدما نحو الحرية والسلام والحفاظ على وحدة البلاد والقطيعة التامة مع حكم الفرد ومن أجل بناء دولة القانون....".

- جاء في المادة (1): "ليبيا دولة حرة مستقلة لا تقبل التجزئة، ولا يجوز التنازل عن سيادتها، ولا عن أي جزء من إقليمها، تسمى الجمهورية الليبية". تفسير النص: النص يتكلم عن "ليبيا"  وهي دولة... لا تقبل التجزئة. إقليمها واحد ولا يجوز التنازل عن أي جزء منه. وتسمى الجمهورية الليبية.  ليس هناك أي مجال للشك بأن النص يؤكد بشكل صريح وواضح أن ليبيا دولة لا تقبل التجزئة... اقليمها واحد.

- المادة (2): ".... تعتبر ليبيا جزءاً من الوطن العربي وأفريقيا والعالم الاسلامي ومنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط...". التفسير: النص يتكلم عن ليبيا الدولة ذات الاقليم الواحد...

- المادة (3): "الجمهورية الليبية عاصمتها طرابلس".  التفسير: النص يتكلم عن الدولة الليبية وهي الجمهورية الليبية ، وأن عاصمة هذه الدولة هي مدينة طرابلس.

- المادة (4): "حدود الجمهورية الليبية.....". التفسير: النص يتكلم عن حدود دولة ذات إقليم واحد وهي الجمهورية الليبية... ويبين حدود هذه الدولة.

- المواد (5، 6، 7): التفسير: هذه النصوص تتكلم عن علم واحد ونشيد واحد وشعار واحد لدولة واحدة وهي الجمهورية الليبية.

- المادة (8): "الاسلام دين الدولة..". التفسير: هذه الدولة هي الجمهورية الليبية.  وأينما ورد مصطلح "الدولة" فهو يعني الدولة التي لا تتجزأ ذات الإقليم الواحد وتسمى الجمهورية الليبية.

- المادة (11): "الدفاع عن الوطن ووحدته واستقلاله..." التفسير: نص واضح يؤكد على وحدة الوطن والدفاع عنه واجب على كل الليبيين والليبيات.

- المادة (118): "يعرض علم الدولة ونشيدها...". التفسير: المقصود بعلم الدولة ونشيدها هو العلم الواحد للجمهورية الليبية، ونشيدها الواحد.

- المادة (221): "... وتلغى كافة الوثائق والاعلانات الدستورية السابقة". التفسير: هذا نص صريح وواضح لتأكيد خضوع كافة مؤسسات الدولة لهذا الدستور الواحد الذي أقره الشعب الليبي وهو مصدر كل السلطات.

• الورقة الثالثة: حكمة الآباء

الدولة الاتحادية قامت سنة 1951 نتيجة لظروف كانت سائدة حينها وكان الأنسب هو قيام الدولة الاتحادية. وقد ظهرت بشكل مميز "حكمة الآباء المؤسسون" التي قد يفتقدها كثير من أعضاء الهيئة التأسيسية، وتلك الحكمة كانت التوافق على انجاز الدستور قبل 1/1/1952 وهو الزمن المحدد في قرار الجمعية العامة رقم (289) والذي جاء فيه ضرورة إعلان الاستقلال قبل ذلك التاريخ، وقد تم إعلان الاستقلال يوم 24/12/1951. ومن أكثر مواد الدستور الاتحادي حكمة هي المادة (199) والتي تتكلم عن تعديل الحكم الاتحادي وضرورة موافقة المجالس التشريعية للولايات إضافة إلى موافقة مجلس الأمة.  والحكمة ظهرت من خلال تضمين الدستور لهذه المادة والتي فتحت الباب أمام التعديل الدستوري سنة 1963. ورغم التحول من دولة اتحادية إلى دولة موحدة، بقيت السلطة التنفيذية كما هي، والسلطة التشريعية من مجلسين (مجلس النواب بالانتخاب) و(مجلس الشيوخ بالتعيين وكانت مقاعده ذاتها متساوية 8 لكل إقليم من الأقاليم الثلاثة). وبالرغم من تأكيدي المطلق أن الدولة واحدة لا تقبل التجزئة وأن النظام السياسي يؤكد على وحدة السلطات العامة في الدولة (سلطة تشريعية واحدة وسلطة تنفيذية واحدة وسلطة قضائية واحدة) وهذه هي أسس الدولة الواحدة الموحدة البسيطة، وهي كلها متضمنة في هذا الدستور، إلا أن تساؤلي هو: هل كل الدول البسيطة ناجحة؟ وهل كل الدولة الاتحادية فاشلة؟

• الورقة الرابعة: التوزيع الجغرافي للسلطة والمواطنة

القول أن الأقاليم الثلاثة انتهت سنة 1963 هو قول يجانبه الصواب وعلى الأقل فيما يتعلق بالسلطة التشريعية والتي كانت تتكون من (مجلس الأمة بمجلسيه النواب والشيوخ) وكان مجلس الشيوخ يتكون من ذات التركيبة الاتحادية بالتساوي بين الأقاليم الثلاثة. أما القول أن مبدأ التوزيع الجغرافي للسلطة الوارد في آلية تشكيل مجلس الشيوخ بالتساوي يتعارض مع مبدأ المواطنة، فإن هذا أيضا ومن وجهة نظري يجانبه الصواب والدليل هو: في الولايات المتحدة الأمريكية ولاية فيرمونت عدد سكانها 600 ألف نسمة (لها نائب واحد في مجلس النواب وعدد 2 شيوخ في مجلس الشيوخ)، في حين أن ولاية كاليفورنيا عدد سكانها 35 مليون نسمة (لها 53 نائب في مجلي النواب وعدد 2 شيوخ في مجلس الشيوخ). وهذا يرجع إلى تأسيس الاتحاد الأمريكي سنة 1787 ولو لم يأت (بنجامين فرانكلين) بفكرة مجلس الشيوخ لأنفرط عقد المجتمعين حينها من الولايات الثلاثة عشر. هل هذا يعني أن حق المواطنة مهدور في الولايات المتحدة الأمريكية؟ واليوم فإن الولايات المتحدة الأمريكية تتكون من 50 ولاية وغير قابلة للانفصال، وتعتبر حسب تصريحات الرئيس أوباما أنها أكبر دولة مركزية في العالم رغم تركيبتها الاتحادية.

• الورقة الخامسة: الخلاصة

ما أود قوله هو أن هذا المشروع هو مشروع توافقي بامتياز بين كل الليبيين والليبيات حيث يجد كل واحد منهم نفسه في هذا المشروع من حيث المشاركة الحقيقية في تقرير مصير البلاد، حيث أننا جميعا شركاء في هذا الوطن، ولا يملك أي أحد أن يسيطر على الاخر فقط بحجة الأكثرية أو الجموع. أما القول بالجهوية، فإن ما أراه هو محاولة " نقد عمل انجز من أعضاء من مختلف انحاء ليبيا ومن جميع الدوائر الانتخابية بحجة الجهوية ، وباستخدام عقلية جهوية متعصبة لا تريد أن ترى الآخر ولم تحسب له أي حساب. أرجو أن نبتعد عن كل ذلك، ولنمضي معا من أجل بناء دولة القانون والعدالة، دولة المؤسسات والتداول السلمي على السلطة، دولة الحقوق والحريات. هذا الدستور الذي يصنعه الشعب الليبي هو القيد المفروض على السلطة في مواجهة الأفراد... هذا الدستور التوافقي الذي يصنعه الشّعب الليبي، وأقرّته الهيئة التأسيسية يوم الثلاثاء الموافق 19/4/2016، يقوم على أسس الدين الإسلامي الحنيف والشريعة الاسلامية السمحاء وكرامة الإنسان، ويؤكّد على أمور أساسية وهي:

أولاً/ ضمان وحدة البلاد والحفاظ على وحدة التراب الليبي.

ثانياً/ عدم العودة للدكتاتورية، وبناء الدولة الليبية الحديثة ومؤسساتها وفق مبدأ الفصل بين السّلطات وتوزيعها، والتوازن والرقابة، وضمان مبدأ التداول السّلمي على السّلطة. وذلك من خلال مبدأ ثنائية السلطة التشريعية والتنفيذية وعدم تجميع السلطتين بيد واحدة.

ثالثاً/ تفتيت المركزية في إطار نظام حكم محلّي يقوم على مبدأ اللامركزية الموسّعة وتوزيع الاختصاصات، وضمان آلية للتمويل من الخزانة العامة ومحلياً، لتوفير خدمة المواطن أينما كان.

رابعاً/ ضمان الحقوق الأساسية والحريات العامة لكل الليبيين والليبيات داخل ليبيا وخارجها،  والتأكيد على حقوق المرأة وذوي الإعاقة وحقوق الشباب والمكونات الثقافية واللغوية، ويؤكد على ضمان حقوق الانسان المتضمنة في المواثيق والعهود الدولية التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة والتي تم التصديق عليها من الدولة الليبية.

خامساً/ التأكيد على ملكية الشعب الليبي لثرواته الطبيعية، مع ضمان توزيع عادل ومناسب لعوائد الثروات الطبيعية وضمان حق مناطق الانتاج ثم الأقل نمواً، وإقرار مبدأ التنمية المكانية.

هذا الدستور يصنعه الشعب الليبي لتقييد السّلطة العامة في مواجهة الأفراد، وكبح جماح السّلطة، ورفض كل أشكال الاستبداد والدكتاتورية التي عانت منها بلادنا على مرِّ عقودٍ من الزمن.

• تساؤل أخير:

لو يتم إقرار هذا الدستور مع احتمال ولو بسيط أنه يحقن دماء الليبيين ويضمن عودة المشردين والنازحين، ألا يستحق منا جميعاً عناء محاولة انجاحه؟

حفظ الله ليبيا...  حفظ الله الشعب الليبي.

أ. عمر النعاس
6/5/2016

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
علي اغالي
ان مشروع الدستور الذي اصدرتموه في اعتقادي متوازان جدا.. وهو بالطبيعة لن يرضي المركزيين ولا دعاة الفدرالية المتطرفين.. اتمنى لكم التوفيق....
التكملة
صلاح الدين عريق
لقد أنجزتم أفضل ما يمكن إنجازه رغم أن ممثلى الشرق الليبى تنازلوا عن تسمية بنغازى بالعاصمة الإقتصادية. رغم ذلك هذا التنازل لم يرضى الإخوة بالغرب الليبى ويبدو إنهم لا يرون…...
التكملة
خليل
قرأت مشروع الدستور وهو انجاز غير عادي مسكتوا العصا من النصف وجاولتوا تجمعوا كل الاطراف لهذا المركين مش راضين والفيدراليين مش راضين والممطرفين مش راضين كالتبو مثلا ان شاء الله…...
التكملة
الصابر مفتاح بوذهب
[ما أود قوله هو أن هذا المشروع هو مشروع توافقي بامتياز بين كل الليبيين والليبيات] كيف توافقى وانتم 36 شخص من اصل 58 وافق منكم 34 وقاطعكم ممثلوا الأمازيغ. التوافقى…...
التكملة
السنوسي بنغازي
لا دستور حقيقي بدون بنغازي عاصمة... واذا مر لن يعيش طويلا ان شاء الله.... طرابلس عاجزة جغرافيا عن صنع التوازن الليبي... والهوية الواضحة للدولة.... تجاهل هذا الامر سيقود الى طريق…...
التكملة