العلوي: نرجسية بورقيبة والقذافي وراء هجوم قفصة 2/6/2016 20:10 العلوي: نرجسية بورقيبة والقذافي وراء هجوم قفصة
حوارات ليبيا المستقبل بحث

تونس - ليبيا المستقبل - حوار مريم الشاوش: لم تكن الليلة الفاصلة بين 26 و27 يناير من عام 1980 ليلة عادية في مدينة قفصة التونسية.. مجموعة كومندوس تتكون من أكثر من 60 فردا تشن هجمات منسقة ومتزامنة على ثكنات الجيش ومراكز الأمن وتتمكن من السيطرة على أغلبها.. ساعات قليلة ويتبين أن الكومندوس من التونسيين المنتمين إلى "الجبهة التقدمية لتحرير تونس" وقد تم إرسالهم من طرف نظام القذافي بعد تلقيهم تدريبات في معسكرات في ليبيا ولبنان بهدف الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة.. لم تدم سيطرة المجموعة على المواقع العسكرية والأمنية طويلا، إذ تمكن الجيش التونسي من القضاء على أغلب عناصرها وإلقاء القبض على البقية..

لماذا أقدم نظام القذافي على هذه الخطوة؟ ولماذا تم اختيار مدينة قفصة تحديدا؟ وهل كان للجزائر دور في العملية؟ وهل مثلت العملية تحديا حقيقيا لنظام بورقيبة أم أنها كانت مجرد مغامرة غير محسوبة؟

هذه الأسئلة وغيرها نطرحها على الدكتور نور الدين العلوي، الأكاديمي ومؤلف كتاب "دم الإخوة" الذي يوثق لعملية الهجوم على مدينة قفصة..

الدكتور نور الدين العلوي أصيل مدينة الحامة من ولاية قابس جنوب شرق تونس، حاز شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع سنة 2004.. يعمل حاليا أستاذا بالجامعة التونسية.. ويكتب الرواية والقصة القصيرة، ويترجم عن الفرنسية في مجال العلوم الانسانية. وقد صدر له عدد من الكتب والروايات، بينها: ريح الأيام العادية، مخلاة السراب، المستلبس، تفاصيل صغيرة، في بلاد الحد الأدنى، الفقرة الحرام، دم الإخوة (يؤرخ للهجوم على مدينة قفصة سنة 1980). كما قام بترجمة عديد الكتب، بينها "أصل التفاوت بين الناس" و"رسالة في العلوم والفنون" لجان جاك روسو. وغيرها.



 بورقيبة والقذافي.. مشروعان مختلفان، ورئيسان ينشدان الزعامة

- دكتور نور الدين أهلا بك ضيفا على صحيفة ليبيا المستقبل... لنبدأ حوارنا بالسؤال عن طبيعة العلاقة التي كانت سائدة بين نظام بورقيبة في تونس ونظام القذافي في ليبيا؟ وهل لهذه العلاقة صلة بالتمهيد لأحداث قفصة في مطلع عام 1980؟

- هناك اختلاف في طبيعة النظاميين السياسيين، النظام الذين نشأ في تونس بعد الاستقلال، والنظام السياسي في لبيا.. طبيعة هذين النظامين خلقت خلافا بين بورقيبة والقذافي.. بورقيبة كان رجل دولة يحاول بناء نظام سياسي ليبرالي مستقر، بينما حاول القذافي، بناء دولة أساس لوحدة عربية استثمر فيها أدبيات القومية العربية، وحاول أن يكون زعيما أكبر من بلده، في مطمح أن يكون زعيم أمة، أكثر مما يكون زعيم بلد.. على مستوى الطموح الشخصي للرجلين كان كلاهما يريد أن يكون زعيما فذا، واستعمل كلاهما دولته ونظامه لتحقيق هذا المأرب الشخصي، وكان من الطبيعي أن يصطدما وأن يختلفا لأن كل منها كان يفكر في ذاته، وأن يكون مختلفا عن الآخرين.. منذ البداية كانت هناك تحفظات من النظام التونسي، سنة 1969، على الانقلاب العسكري الذي قام به القذافي آنذاك، لم ترحب تونس بهذا الانقلاب ولكن تعايشت معه، باعتباره مشكلة ليبية داخلية، لكن الخلافات لم تتأخر كثيرا، حيث بدأت محاولات القذافي الاقتراب من تونس ومحاولات الهيمنة وضم تونس إلى ليبيا.. لم تكن نواياه خافية على بورقيبة، ولكن سعى كلاهما لاجتناب الصدام، غير أنه حدث..

يتذكر الجميع الحادثة التي لقّن فيها بورقيبة درسا في السياسة، بلغة المعلم، للعقيد القذافي في ما يعرف بخطاب البلماريوم، حين اقترح وحدة اندماجية بين البلدين، فارضا منهجه الفوقي، الانقلابي، حيث بين له أن الوحدة الترابية ليست هدفا في ذاتها، إنما هي وسيلة لتستقوي الشعوب وتواجه تحديات التنمية وتحديات الهوية وتحديات البناء الوطني، كما بين له أن الوحدة لا تتم بشكل فوقي وإنما تتم بالتدرج بعد التمكن من وسائل الحكم الاقتصادي خاصة.

في الكتاب الذي أرخت فيه لعملية قفصة، ذكرت الكثير من الوقائع التي كان فيها تناوش وتشابك بين الدولتين، وحاول القذافي، العديد من المرات، إرباك الوضعية الأمنية في تونس بإرسال كومندوس، منهم أحمد المرعني، الذي سيظهر كقائد في عملية قفصة، وعمليات أخرى كمحاولة تفجير المركز الثقافي الأمريكي ومحاولة تفجير دار الحزب بالقصبة.

لم تكن العلاقة علاقة ودية بين النظامين، وكثيرا ما استعمل القذافي ورقة اجتماعية لغايات سياسية، وهي استثمار وجود العمالة التونسية بليبيا، وطردها للضغط على النظام التونسي.. في أكثر من مناسبة يتم طرد العمال التونسيين أفواجا من ليبيا، في محاولة لتشويش الوضع الاجتماعي في تونس.. هنا تأتي عملية قفصة كتتويج لهذا المسار العدواني بين النظامين.. أعد القذافي الكثير من الوسائل ليحدث هذه العملية، ولكن رغم الأبحاث التي قمت بها في كل حيثيات العملية، إلا أنني لم استطع الإجابة عن السؤال: هل كانت العملية فعلا لإحداث انقلاب جذري في النظام التونسي والحلول محله، أم كانت فقط للتشويش والتنغيص عليه وإرباكه وإضعافه لفرض شروط عليه بعد ذلك.

الكتاب لا يجيب على السؤال لأني لم أستطع الوصول إلى كل الحيثيات المتعلقة بالعملية من خلال الإعداد لها في ليبيا، ثم من خلال جزء آخر ظل خفيا علي وإن وجدت عليه تلميحات كثيرة وهو دور الجزائر في هذه العملية، التي لم أصل فيها إلى معطيات حقيقية.

• الجبهة التقدمية.. معارضة تونسية وأجندا ليبية

- ما قصة "الجبهة التقدمية"؟ وما هي توجهاتها وخطها السياسي؟ وممن تكونت؟

- نحن نعرف أن هناك معارضة تونسية اتجهت إلى ليبيا، وهذه المعارضة في غالبها ذات توجهات عربية قومية منها البعض الذي شارك في الحركة اليوسفية وانقلاب 1962 العروبي، إن صح التعبير، والتجأ الكثير من قياداتها إلى ليبيا حيث تم تشكيل ما يسمى بالجبهة التقدمية لتحرير تونس، وكان من قياداتها عزّ الدين الشريف وأحمد المرغني وآخرين مذكورين في الكتاب، وتتمثل مهمتهم في تأليف معارضة سياسية مسلحة لتغيير الوضع السياسي في تونس وانجاز الوحدة السياسية التي كان القذافي حريصا على انجازها.

هنا نتذكر أن مغامرات القذافي لم تكن موجهة إلى تونس فقط، فهو قد بنى وحدة شكلية مع نظام بومدين في الجزائر، ثم انهارت.. حاول مع المغرب، رغم أنه كان في خلاف كبير معه وكان يصنفه من الرجعيات العربية، حاول مع موريتانيا، حاول مع السودان ومع مصر.. كل هذا المحاولات مشابهة لما كان يحاول انجازه في ليبيا باستعمال القوة وهي القوة الاقتصادية والمتمثلة بالدرجة الأولى في الثروة النفطية.. الجبهة التقدمية مؤلفة من تونسيين.. القيادات التي حاورتها تقول أنهم لم يتلقوا تمويلا من القذافي، لكن ليس لهم دليل أنهم كانوا يعتمدون على أنفسهم.. فكم كان للقذافي من يد لتشكيلهم ومساعدتهم، وكم كان لهم من جهد شخصي في ذلك، هذه أيضا من الأسرار العسكرية والتنظيمية، التي لم استطع النفاذ إليها، ولكن الأدلة الكثيرة تشير إلى أنهم كانوا من المقربين من النظام الليبي ومن مخابراته بالتحديد، وأنهم كانوا ينسقون عملهم ضمن أفق النظر الليبي للسياسة في المنطقة.. ظاهريا هم من خططوا لعملية قفصة وكانت الإمكانيات الليبية تحت أيديهم، لذلك مولهم بالسلاح وساعدهم على الانتقال إلى الجزائر.. طبعا يجب أن نعرج هنا على الصراع الذي كان دائرا بين القوى العظمى، بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي في ما يسمى بالحرب الباردة، وان النظام التونسي كان أقرب إلى الجهة الأمريكية بينما النظام الليبي كان في علاقة طيبة وودية مع المعسكر الاشتراكي، وكلاهما يصطرعان في المنطقة، وبين الأنظمة التابعة لكلا المعسكرين صراعات.

• القذافي.. وأدوات الحرب الباردة

- هل تعتقدون أن هذا الوضع هو سبب من الأسباب التي دفعت القذافي للهجوم على مدينة قفصة؟

- لا أستبعد أن يكون هذا ضمن خطط الحرب الباردة.. ما كان الروس ليخسروا شيئا لو أن الليبيين والتونسيين اشتبكوا في حرب، في الأخير هي حرب تتم بالوكالة لصالح قوى عظمى، مثلها الكثير.. كان نظام القذافي باستمرار في حقل التنسيق والعمل المشترك مع المعسكر الاشتراكي، ومثّل هذا خلفية تدخله في أنظمة عسكرية وأنظمة انقلابية في أفريقيا مثل أوغندا والسودان وتشاد وغيرها.. بإيجاز كان أداة في يد المعسكر الاشتراكي يستعمله في حروبه الإقليمية للتشويش على حلفاء المعسكر الأمريكي.

• الجزائر.. الدور الغامض

- هل كان للنظام الجزائري علاقة بالحادثة؟

- الجزائر كانت مشاركة في العملية، لكن هل الجزائر الرسمية أم جزء من الجزائر هو الذي ساهم في  تنفيذ هذه العملية؟ هذا أيضا يغيب عني، أنا لم أستطع الحسم، هل كانت الدولة الجزائرية شاركت مشاركة كاملة.. أدلة كثيرة تشير إلى أن الشاذلي بن جديد، الذي خلف بومدين، أقسم بشرفه العسكري أنه لم يكن على علم، لكن بومدين كان قد توفي في ديسمبر 1979، وبالتالي لم يمكن الحصول منه على أي إجابة.، بينما العقيد سليمان اوفمان، عقيد بالمخابرات الجزائرية، كان على علم بكل التفاصيل، وهو الذي ساعد المهاجمين في الانتقال إلى الجزائر ثم إلى تونس، وتبقى المعلومات التي لدي منقوصة لأن المخابرات الجزائرية لم تخرج أي معلومة حول هذا الحقبة التاريخية.

النظام التونسي اكشتف دور الجزائر وأعلن ذلك وزير الداخلية في الساعات الأولى، لكنه خاف وتراجع وأرسل (فؤاد المبزع) لتخفيف أجواء التوتر.. وفي ما لحق ذلك تم التركيز فقط على الدور الليبي.

• لماذا قفصة؟

- لماذا تم الاختيار تحديدا على قفصة؟

- تم الاختيار على قفصة، لأن عزّ الدين الشريف، القائد السياسي للعملية، رأى، وهو ابن قفصة، أن لديه قوة ممكنة ومحتملة في قفصة.. في البداية كان التخطيط للدخول من الجنوب الشرقي، عبر دوز، ولكن فشلت.. بعد إدخال جزء من السلاح، انكشفت العملية، فتم الالتفاف عبر الحدود الصحراوية ودخلوا إلى قفصة.. كانت الكاف في البداية، وكانت باقتراح من الجزائريين، لكن الشريف اقترح قفصة داعما موقفه بأن لديه 500 مقاتل بقفصة.

- هل لأنه ابن المنطقة قدم مثل هذا الرقم؟

- هو رجح هذا السبب أولا، ثم يعتقد أن ذكرى الأحداث النقابية لسنة 1978 ستكون محرضا إضافيا، وهنا يأتي اختيار التوقيت، 26 جانفي، وتزامن الحدثين كان في تقديره يمكن أن يؤدي إلى تمرد، فالغاضبون في قفصة كثيرون. والحوض المنجمي هو حوض متوتر بالإضافة إلى كونها منطقة مهمشة، فيها طبقة عمالية كبيرة، وأهلها لهم تاريخ ثوري، وأغلبهم يوسفيون، وفيهم من هو معاد للسلطة.. عز الدين الشريف جمّع هذه الاحتمالات ليقنع الجميع بأن قفصة هي المكان المناسب.

• فرنسا.. تدخل لحماية "الحليف"

- يقال أن فرنسا قدمت دعما عسكريا مباشرا لنظام بورقيبة للقضاء على المجموعة.. ماذا تملك من معلومات حول الأمر؟

- دور النظام الفرنسي سيتجلى لاحقا.. هناك أدلة كثيرة على أن بورقيبة استعان بالفرنسيين، حيث قال في تصريح له، كنت قد أوردته في الكتاب، أن فرنسا تدخلت بشكل غريزي، كأنها كانت تحمي أحد رجالها، أو نظاما سياسيا ترعاه وتضعه تحت حمايتها.. الدولة التونسية خففت كثيرا من تدخل الفرنسيين، وقالت أن فرنسا منحتهم طائرة نقل عسكرية لنقل الجنود والمعدات من تونس إلى قفصة فقط. ولكن الأهالي رأوا طائرات حربية في سماء قفصة.. هل كانت طائرات تونسية أم فرنسية؟ الأدلة قليلة جدا.. الصحافة التونسية التي اعتمدت عليها، لأني لم أجد مصادر أخرى(الصحافة الفرنسية اليسارية خاصة ذكرت دور فرنسا)، تقول أن التدخل لم يكن واضحا، وهناك من يتهم درك الملك المغربي بالتدخل بالطائرات في تونس، ولكن ليس هناك أدلة حقيقية.

عندما اشتكت تونس إلى الجامعة العربية أفلح النظام الليبي في توريطها في علاقتها بفرنسا ولم تصدر الجامعة أي إدانة للفعل الليبي، بل حرضت البلدان العربية على صيانة استقلالها.. نتذكر أن العملية تمت في أجواء قطيعة عربية بين  بلدان حلف كامب ديفيد وحلف الصمود والتصدي.

- حسب المعطيات التي لديكم ماذا ترون؟ 

- أنا أرى أن إرباك النظام التونسي أو إسقاطه كان سيخسر فرنسا حليفا حقيقيا في المنطقة، لصالح القذافي، الذي لم يكن على علاقة طيبة بفرنسا، التي كانت في المعسكر المعادي للاتحاد السوفيتي، فتونس حليفتها ولا يمكن أن تضحي بها بسهولة، ولذلك اعتقد أن التدخل الفرنسي كان حقيقة.. الأساطيل الفرنسية تحركت في المتوسط واقتربت من خليج قابس، توقيا لاحتمال توسع النزاع وانتشار الاضطراب في المنطقة.. الفرنسيون كانوا حذرين في العملية، واعتقد أنهم قدموا مساعدات لوجستية لتصيّد الهاربين من قفصة.. الدولة لم تفرج عن المعطيات المتعلقة بالدور الفرنسي وهذا كان نقيصة في البحث للأسف، وأنا اعتذرت للقارئ لعدم الوصول لأكثر من هذه المعلومات لأنها كانت سرية، لذلك فإني بمعلوماتي وبما عثرت عليه، لم أصل إلى كل شيء.  ففرنسا لم تكن محايدة ولم تكن بعيدة، اعتقد أنها تدخلت بما حسم المعركة بسرعة لصالح بورقيبة. فضلا على أن العملية كانت خربة من داخلها، لم تكن ناجحة، حتى لو لم تتدخل فرنسا، وحتى بالإمكانيات التونسية القليلة كان ممكنا القضاء عليها وقد قضي عليها بسهولة لسببين رئيسيين:

السبب الرئيسي الأول هو أن الاستجابة الشعبية كانت صفرا، لم يستجب سكان قفصة للعملية.. العملية كانت قد بدأت الساعة الثانية ليلا، ومع التاسعة صباحا كانت قد انفضت تماما، وهرب المهاجمون وقبض على البعض، أما الرؤوس الكبيرة فقد تمكنت من الهرب كأحمد المرغني، وعبد المجيد الساكري.. عز الدين الشريف حاول الاختفاء لكن قبض عليه في اليوم الموالي.. بعض المعلومات تقول أن بعض القيادات هربت ولم تظهر في الصورة وحكم عليها بالإعدام رغم ذلك. العملية فشلت من داخلها قبل أن تفشل بالتدخل الأمني والعسكري التونسي. الجيش التونسي استطاع الوصول بسرعة، نسبيا، إلى قفصة عبر القصرين وعبر قابس وحاصر المدينة وسيطر بسهولة على الوضع، وحتى لو لم تتدخل فرنسا كان يمكن بالإمكانيات المحلية القضاء على هذه العملية.. يذكر شهود محليون أن الأسلحة كانت مرمية ولكن الأهالي لم يستجيبوا.. قال البعض أن النساء كن يزغردن فرحا بالمهاجمين ولكن لا يوجد دليل على هذه الرواية.

• عملية قفصة.. شرعية الدوافع، وتهافت الأسلوب

- قام نظام بورقيبة بالتنكيل بعناصر المجموعة الذين وقعوا في الأسر، وخاصة القياديين أحمد الميرغني وعز الدين الشريف، الذين تم إعدامهما إلى جانب 11 آخرين.. هل تم الكشف عن هذه الملابسات بعد الثورة؟

- هؤلاء كانوا بالنسبة للنظام مجرمين لم يعاملهم كمساجين سياسيين.. التكييف القانوني للجريمة، وأنا تحدثت فيه بإسهام في الكتاب، أنها جريمة حق عام، تمرد على الدولة ومحاولة إرباك نظام سياسي.. في نظام بورقيبة لم يكن هناك فرق كبير بين السجين السياسي وسجين الحق العام، فالجميع يمر عبر التعذيب. وقد تم ممارسة التعذيب عليهم، وذلك حسب التحقيقات التي صدرت، والأحياء منهم والذين أفرج عنهم بعد بورقيبة قالوا أنهم تعرضوا لتعذيب شديد. وكانت هناك محاول سريعة للفلفة القضية ودفنها بسرعة، فالمحاكمات تمت في مارس والإعدام تم في أفريل، ورفضت كل مطالب العفو.. 17 أفريل 1980 تم إعدام 13 شخصا منهم عز الدين الشريف وأحمد المرغني وعبد المجيد الساكري وآخرين أسماؤهم مفصلة في الكتاب.

السؤال عن التعذيب يبدو لي كلاسيكيا.. كل من دخل السجن في عهد بورقيبة وبن علي تعرض للتعذيب، وهؤلاء تعرضوا للتعذيب، ودفنوا في ما يسمى بمقابر الغرباء، وهي مقبرة جماعية بالجلاز، حيث لا يعرفهم أحد.. بعد الثورة حاول أهاليهم وبعض أصدقائهم النبش في الموضوع واكتشفوا المقبرة وقيل أنه عثروا على مقبرتهم وأنهم سيعادون إلى أهاليهم. وكنت قد تابعت الملف في البداية ولكن ضاع مني ولم أعثر على معطيات دقيقة، ولكن أشرت إلى ما نشرته جريدة الشروق في الكتاب حول العثور على مقبرة جماعية ولكن لا أدري إن كانت فعلا مقبرتهم أم مقبرة أخرى.. الصحافة التونسية لم تكن دقيقة في إيراد الأخبار عنهم، ويفترض أن يكونوا الآن ضمن هيئة الحقيقة والكرامة التي ستظهر حقوقهم، وعلى الأقل يحضون بدفن عادي ككل المسلمين، ويعرف أهلهم قبورهم، وهذه هي الحدود الدنيا للتعويض لهم.. نحن بقينا ملتبسين في تقييمهم البعض يعتبرهم شهداء مقاومين في ظل المعركة القومية ضد نظام رجعي إقليمي والبعض يعتبرهم مجرمي حق عام.

- كيف تصفونهم حسب وجهة نظركم؟

- أنا في البحث العلمي لا أريد أن أقع في التصنيف لا أقول أنهم شهداء ولا أنهم مجرمون، لكن أقول أنهم بعض ضحايا النظام، الذين تم التلاعب بهم من قبل نظام آخر. حتى وان كانت المطالب التي قاموا من أجلها شرعية، وهي مقاومة الانغلاق القطري لبورقيبة ومحاولة ربط القطر التونسي بالأمة العربية ومحاولة البحث عن عدالة اجتماعية ونظرا لأنهم مهمشين ومحقرين في المجتمع، كل هذه الشرعيات لا تمنحهم الحق الشرعي لرفع السلاح في وجه الدولة. وقد وضح هذا أحد القيادات الذين تحدثت معهم، العربي العكرمي، وهو لم يكن مشاركا في العملية.. منع صديقه عز الدين الشريف من المحاولة.. العمل المسلح غير مقبول.. إذا نصنفهم من ضمن الشهداء فنحن نبرر رفع السلاح ضد الدولة، أنا لست مع رفع السلاح ضد الدولة.. أنا مدني وأدافع عن كل عمل مدني، لا أجد حرجا في وصف شهداء الانتفاضة العمالية سنة 1978 لأنهم كانوا شهداء. أنا حاولت أكون عالما لا    مفتيا.

• بين الماضي والحاضر.. ما الذي يجب أن يتغير؟

- لنقترب قليلا من المشهد السائد اليوم.. نعرف أن الوضع في ليبيا ظل مؤثرا على تونس عبر التاريخ.. كيف تقيم التأثير الحالي في ظل ما تشهده ليبيا من تنازع سياسي وانفلات أمني؟ 

- التأثيرات الحالية لا علاقة لها بما حدث في قفصة.. لقد حدث تغيير في النظام السياسي في تونس وفي ليبيا.. سقط النظامان القديمان، والآن يتشكل نظامان جديدان، لم يصلا بعد إلى حالة من التوافق والسلم فيما بينهما، ومازلت الحالة السياسية والأمنية في ليبيا مضطربة.. أنصار النظام القديم لم يندثروا وأنصار النظام الجديد لم يتمكنوا، والاضطراب في ليبيا ينعكس بشكل مباشر على تونس من الناحية الاقتصادية، ومن الناحية الأمنية.. أضيف معطى جديد في الصورة وهو الإرهاب المسلح، الذي وجد في ليبيا فرصة لينتعش ويتسلح ويهاجم تونس.. أغلب الإرهاب الذي مرّ إلينا مرّ عبر السلاح الليبي وعبر الحدود الليبية وآخرها أحداث بنقردان.. التنازع السياسي والانفلات الأمني في ليبيا يهددنا، كبلد يحاول الاستقرار، واعتقد أننا في حاجة للاستقرار في ليبيا.. فهل ستستقر ليبيا ومتى؟ هذا مازال في رحم الغيب.. الحاجة إلى استقرار البلدين متبادلة وأكيدة، لأن البلدين، وأنا دائما أشبههما بصورة فكي الوجه الواحد الذين دائما لا يمضغان إلا معا، فمادام في أحد البلدين اضطراب فالبلدان يخسران، وأعتقد أن من مصلحة الشعبين أن يصل كلاهما إلى استقرار في بلده، لتسنح فرصة التعاون السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. والبلدان يحتاجان بعضهما البعض، ليس بطريقة بورقيبة ولا بطريقة القذافي ولكن بطريقة جديدة مستحدثة بين نظامين مدنيين يحكمان مجتمعين مستقرين، بينهما من الروابط والعلاقات ما يجعل تعاونهما واستقرارهما يخدم مصلحتهما معا في نفس الوقت.

- بصفتك ناشطا في الشأن العام وكاتبا متابعا لما يجري، هل تعتقد أن الموقف الرسمي التونسي مما يجري في ليبيا، الآن، متوازن ويمكنه أن يمثل حدا من المناعة لتونس؟

- في تقديري، الطموح شيء وما هو موجود على أرض الواقع شيء آخر، لان خلافات السياسيين في تونس انعكست على الموقف من ليبيا، خاصة بعد انقلاب مصر وظهور حفتر في ليبيا.. هناك شق سياسي في تونس حاول الاقتراب من حفتر ومساعدته، وهو الشق المعادي للترويكا.. هذا الشق حاول التحالف مع حفتر، في حين حاولت الترويكا التحالف مع النظام الجديد الناشئ في ليبيا، والذي كان في غالبه إسلاميا أو يميل إلى الإسلام السياسي.. هذه المواقف تراجعت قليلا، بعد أن اتخذ الرئيس التونسي مواقف معتدلة بين الطرفين، واستطاع، باستبعاد وزير الخارجية الطيب البكوش، أن يحدث نوعا من التوازن في الموقف التونسي تجاه ليبيا.. واعتقد أن التونسيين يشتغلون بشكل سري أو بشكل غير علني على أن لا يتدخلوا بشكل سافر مع أي طرف ليبي ضد آخر، وإنما يساعدون قدر الإمكان على أن تصل ليبيا إلى حالة من الهدوء.. أحدث الباجي قائد السبسي نوعا من التوازن في الموقف التونسي الخارجي تجاه الوضع في ليبيا.

يقول البعض، وأنا لا أمتلك الأدلة الواضحة، أن زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي لدية علاقات جيدة مع بعض الأطراف الليبية، وأنه يشتغل من جانبه على تهدئة الأوضاع في ليبيا، لكن أعرف أن الموقف التونسي قد توازن في سنة 2015 و2016 وعدّل من محاولة الانحياز لطرف ضد آخر، وربما هذا حد من محاولة التخريب في تونس التي كانت بعض الأطراف تحاول إرسالها إلينا وزعزعة الاستقرار لدينا.. من صالحنا كتونسيين أن لا نتدخل مع طرف ضد آخر، لأن الوضع في ليبيا لا يحله إلا الليبيون، وأذكر أن الموقف التونسي الرسمي والشعبي كان ضد أي تدخل أجنبي، وأعتقد أنه كان مؤثرا في منع أي تدخل خارجي، عندما تم التهديد بالتدخل العسكري للناتو في بداية سنة 2016.

- دكتور نور الدين شكرا على قبولك هذه الاستضافة لتسليط الضوء على حقبة من التاريخ المشترك بين البلدين لم تعاصرها الأجيال الحالية، غير أنها ظلت مؤثرة على العلاقات الثنائية بدرجات متفاوتة.

- شكرا

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع