جمال صالح الهنيد: ابصيّص... وأعراس طبرق 27/6/2016 14:58 جمال صالح الهنيد: ابصيّص... وأعراس طبرق
جمال صالح الهنيد بحث

ابصيّص... يكفي أن أذكر اسمه الأول ليعرف أهل طبرق عن من أتحدث. فصاحبنا معلم من معالم طبرق، بسيط كبساطة أهلها، صافي القلب كصفاء شواطئها، تنعّم في دنياه بنقاءِ سريرة، وحلاوةِ حديث، وخفّةِ دم، وحبّ لمجالس الشعر الشعبي ومجاريده وأغاني العلم و"الصابيات" و"الكشك".

وهكذا مضت حياته … بين وظيفته البسيطة في مكتب ترخيص السيارات في النهار ومتعته بتجهيز الشاي وإتحاف الحاضرين بالسهاري والحكايات… وبين متعته في ليالي الخميس والأحد متطلعاً لحضور أفراحها، فيذهب ليبارك لأهل العرس عرسهم، ويتعشّى مع بقية الضيوف، وبعد وجبة العشاء يعطي "حق العيش" مشاركاً أهل العرس فرحتهم، فيقيم حلقة "الصابية" ويحفّز الحاضرين ويكون أولهم في حلقة "الصابية"، ثم يتحرك كحلقة وصل بين "الحجّالة ولعّابها".

ثم تراه… وقد جاء "بالحجّالة" يقودها بعكاز، ممسكاً هوبطرف وممسكة هي بطرفه الآخر، حتى يضعها في وسط حلقة الصابية، التي علا تصفيق أفرادها بحضور الحجّالة التي تبدأ تتمخطر وتمشي بغنج وانكسار.

وبعد أن تبرم الحجّالة "برمتها" وتتطلع إلى عيون "الصفّاقة" من تحت خمارها، تعود بسرعة من حيث أتت، معبّرة بتركها للصابية عن عدم رضاها باستقبال "الصفاقة" لها، وأنهم دون المستوى الذي يدعوها "للتحجيل" أوحتى البقاء في وسط الصابية.

وهنا يقفز ابصيّص في وسط الصابية… ويستحث "الصفّاقة" على التصفيق حتى تحمّر أكفّهم، ويعلوصوته يُلهب المشاعر، ويُوقد الحماس فيرتفع صوت التصفيق قوياً متناغماً متناسقاً، فتطل الحجّالة بحياء وتوئدة وتردد، وما أن تقترب من الصابية حتى يزداد الحماس وتلتهب الأكف… ومع قوة التصفيق وشدته، وارتفاع الصوت ونبرته، تبدأ "الحجّالة" في الميلان الخفيف، والهزّ اللطيف، ثم تتوقف "الحجّالة" فجأة… فيصرخ ابصيّص في "الصفّاقة"، مستغيثاً، محمّساً، مستنجدا، مستعطفاً رجولتهم ونخوتهم بأن لا يتوقفوا، بل ويزدادوا ضرباً لأكفّهم حتى تستمر "الحجّالة" في "التحجيل".

هكذا كانت أفراح طبرق في الستينيات… أفراح حيّة، تلتقي الناس فيها في الهواء الطلق، فتسلّم وتتعارف، وتتشارك في أفراحها ولياليها الملاح، بلهوبرئ يتطلع إليه الرجال والنساء والأطفال قبل أن يخطف التلفزيون أُنْسَنا، ويستأثر بقُرْبنا.

كانت تلك الليلة ليلة جمعة، ولم يسمع ابصيّص في مجلس شاي مكتب الترخيص عن أحد قد تزوج ذاك اليوم… يوم الخميس! ولكن هذا لم يمنعه من الخروج من بيته تلك الليلة، فلعل عرس من الأعراس قد أقيم، ولم يصله نبأه… هكذا كان ظن ابصيّص... أوهكذا كان تفاؤله!

وقف ابصيّص تلك الليلة أمام عتبة داره، ووضع سجارته بين شفتيه، وأخرج صندوق الكبريت الخشبي من جيب جاكتته، وهزّه ليتأكد أنّ فيه أعواد ثقاب، فأحدث الصندوق صوتاً عرف منه ابصيّص أن الصندوق نصف ملآن، فأخرج عوداً وأشعل سجارته وأخذ نفساً عميقاً ونفثه في الهواء… ثم استشرف المكان، وارهف السمع… لعل صوت صابيةٍ أوكشكٍ سيمزق سكون تلك الليلة، ولكن الهدؤ قد خيّم على حي سكناه وأطبق على بيوتاته، ولا يقطع ذاك الصمت إلاّ نباح كلاب الحي من حين إلى حين.

فأتجه ماشياً علي قدميه إلى "البلاد"، وإذ به يسمع صوت "الصابية" وتصفيق "الكشك" المميز: "شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك"… فأنفرجت أسارير وجهه، واستيقن من أن ليلته هذه لن تكون ليلة ممّلة على الإطلاق… بل ستكون ليلة مسلية ممتعة، فأسرع في سيره وإذا بصوت الكشك يزداد وضوحاً: "شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك"… فاستحثّ ابصيّص خطاه، فارتفع الصوت حتى شعر ابصيّص أن الصابية ليست ببعيدة عنه وأن العرس في الجبيلة الشرقية، فانطلق تجاهها، والصوت يعلووينتظم في إيقاعه مع خطوات ابصيّص وفي انسجام تام مع حركته.

وصل ابصيّص إلى الجبيلة الشرقية ثم وقف، ليعرف مصدر الصوت، فانقطع الصوت… فالتفت يميناً ويساراً، فلم يسمع صوت "الكشك" فوقف هنيئة من الوقت، لا يعرف في أي اتجاه سيسير في هذا الحي، فمرّ عليه ساعتئذٍ رجلٌ من أهل الحي فسأله ابصيّص عن العرس فأنكر الرجل وجود عرسٍ في حيّه، فسأله عن صوت "الكشك" فنفى الرجل سماع صوت صابية أوكشك. أدار ابصيّص رأسه دورة كاملة كأنه رادار نصب فوق برج مراقبة يلتقط الأمواج الصوتية، ولكن… لا صوت! انقطعت كل أصوات العرس.

كيف ذاك؟ كان الصوت جلياً واضحاً ! لابد إذن أن يكون الصوت من جهة الغرب… من جهة حي باب درنة، فغيّر ابصيّص اتجاه مسيره وانطلق ماشياً تجاه باب درنة، وإذا بالصوت يبدأ من جديد: "شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك" فاسرع ابصيّص في مشيته ومع سرعة مشيته زادت سرعة الصوت… صوت صابية قوية عامرة! فخمّن ابصيّص أنه الآن في الإتجاه الصحيح، فها هويسير والصوت يرافقه: "شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك" حتى وصل إلى حي باب درنه، وتوقف يلتقط أنفاسه… فإذا بالصوت قد انقطع، عرّش ابصيّص أذنيه، فلم يسمع صوت الكشك، لابد أن الريح دارت وأن مصدر الفرح ليس بقريب كما ظن. سأل أهلَ الحي فنفوا وجود فرح في حيِّهم. قرر أن ينزل من حي باب درنه إلى حي سي شاهر روحه… ارتفع صوت الصابية من جديد ولكن لم يصل إلى مصدره بعد، ومن حي سي شاهر روحه انطلق إلي حي الكامبو، وتجاوزه إلى الجبيلة الحمراء، والصوت يرتفع… وابصيّص يزداد اصراراً على الوصول لذلك العرس، فيتجاوز الحبيلة الحمراء ويرتقي جبيلة النور والصوت يرافقه: "شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك"… ومن جبيلة النور إلى حي سيدي يونس، ثم جبيلة السنينات فوادي بوذو،… ربما العرس هناك، ولكن لا عرس!… إلى حي سوق العجاج، ثم ينزل في اتجاه الحطية وابصيّص لا يزال يبحث عن العرس المنشود… وكان إذا سار، سمع صوت الكشك، وإذا توقف، انقطع الصوت. احتار ابصيّص في أمره، فالليل يكاد أن ينجلي والفجر يكاد أن يبزغ، وقد قطع ابصيّص تلك الليلة طبرق بأسرها... من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها،ولم يصل صاحبنا إلى مبتغاه، وبينما هوجاداً في سيره، باحثاً عن "صابيته"، أخرج سجارته ومدّ يده إلى جيب جاكته ليُخرِج صندوق كبريت اللوح، وإذا به يسمع صوتاً صادراً من صندوق الكبريت… نصف الفارغ… صوت احتكاك أعواد الثقاب بعضها ببعض وصوت احتكاكها بصندوقها الخشبي: "شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك، شششك".

جمال صالح الهنيد

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
مختار المرتضي
بين ابصيص وصندوق الكبريت والكشك الذي بداخله سرح خيالي وطفت بين حواظر وبوادي الجبل الأخضر ومرت على الكثير من الصور والوجوه والذكريات. فلقد استمتعت بقراءة هذا العمل الفني الجميل وشدني…...
التكملة
بالقاسم الرجباني
رائع ياستاذ جمال الهنيد قصة ممتعة ومشوقة لمعرفة مكان الصوت او الكشك واتضح في النهاية باكو الوقيد "وقيد اللوح" ههههههه كل عام وانت بخير واهل طبرق وليبيا ربي يحفظ ويخفظ…...
التكملة
Abu Ahmed
Thank you dear Jamal for writing about the legend of Ebsayyes, he was a hell of a character, stories about him in Tobruk will last for generations. In this time…...
التكملة
الحسين عمر فوني
أضحكتني يا هذا.... الحمد لله مش غولة......
التكملة