سالم الكبتي: جيران القمر... جيران الرضا 28/6/2016 17:30 سالم الكبتي: جيران القمر... جيران الرضا
سالم الكبتي بحث

(1) الزيت والمحبس

فى رمضان.. وغير رمضان. اْيام كانت الحياة بسيطة والمطالبات بسيطة والكل يمتلىْ قناعة بالفطرة. قبل اْن يتفجر ذلك الذى تحت الارض ويقلب المفاهيم بالكامل. تلك الايام.. كان البقال يحترم الموازين. وكانت الدولة بواسطة الحرس البلدى (الورديه) ذوى الشنانى الحمراء التى تحمل شعار مدينة بنغازى.. تراقب الاسعار والموازين وتعير المكاييل بين حين واخر لتتاْكد من صلاحيتها. وكان ثمة اهتمام بالتسعيرة. يتعين اثباتها على البضاعة جملة او مفرقا. كان البقال البسيط الذى يبيع الزيت مع مواد اخرى يراعى امورا كثيرة. اْولها ان الله الرازق يراقبه. واْن ضميره لايسمع له بالغش او التلاعب. واْن خللا سيحدث فى حياته لو اكل حراما فى بطنه وبطون عياله. ستخرب الدنيا او تنقلب بما عليها. الرشوة واكل الحرام اشياء بعيدة وليست فى البال على الاطلاق. كان لابد له - مراعاة لله والضمير - اْن يضع وعاء (محبس) تحت برميل الزيت ليحتوى قطرات الزيت المتبقاة من البيع بعد سقوطها من الزجاجات التى يحضرها المشترى. ان ذلك ليس له. ليس من حقه. وحين يمتلىْ المحبس لايقوم باْعادة الزيت الى البرميل. انه يستحى ويخجل... فماذا يفعل؟يحمله او يبعث به صدقة الى الفقراء الموجودين فى الماْتم او امام الاضرحة فى مقابر سيدى الشريف وسيدى حسين وغيرهما. او المساجد فى رمضان. ذلك كان يحدث تلك الايام فى رمضان.. وغير رمضان! كان الضمير مستيقظا ابدا فى النفوس وكان الضمير ايضا يطرد الشيطان والشرور والاثام... كان الضمير...

(2) سيدى مومن

انه (سيدى مومن). هناك كان ضريحه. خلف سوق الحوت. ومن قديم قبل ان يبنى الايطاليون هذا السوق.. كان يقابل سيدى الشابى وسيدى الغريب عند البحر حيث الزاوية الرفاعية فيما بعد. بنغازى كانت كلها اضرحه. هل ثمة من يعرف سيدى مومن؟ هل ثمة من يعرف عبدالمؤمن بن عبدالحميد بن سليمان المخزومى المالكى الفزانى. عالم صالح من فزان البعيدة. درس بالازهر وقدم من هناك الى بنغازى فى 1190 هجرى 1774 ميلادى. الزبيدى صاحب تاج العروس ذكره فى معجم شيوخه الذين علموه. كان استاذه وتلقى الكثير من العلوم واخذ عنه. استوطن سيدى مومن اْو عبدالمومن.. الرجل الفزانى الصالح الذى يجهله جيل المدينة. والقى دروسه فى مساجدها واستفاد سكان بنغازى من صلاحه وعلمه فى تلك الايام الخوالى... سيدى مومن اسهم فى حل خلافات بين عائلتين من عوائل المدينة. خلافات كادت تؤدى الى الكثير من النزاع وشق صفوف المدينة!... سيدى مومن.. من يذكره ذلك الرجل القادم من فزان والازهر. من الان لبنغازى التى انشقت بولى صالح مثل سيدى مومن؟... يا لغياب الاضرحه واْسرارها!!

(3) الحاج يوسف

كان الرجل من رجال المدينة. شغل عمادة بلديتها تطوعا منذ اعلان الاستقلال الى وفاته فى نوفمبر 1958. لم يستلم مرتبا. لم يطمع فى شي من الدولة وغيرها. كان منذ البداية من تجار المدينة المعروفين واسهم فى الدفاع عن الوطن.. بماله ومشاركته فى بعض المعارك دفاعا عن بنغازى عند قدوم الغزو الايطالى. نسق مع الهلال الاحمر المصرى فى استلام المساعدات والاعانات. كان صديقا شخصيا لعمر المختار.. يستقبله فى بيته بشارع الشويخات. ويقدم المساعدة. نفته ايطاليا مع الكثير من مواطنيه الى اْحد جزرها. كان للرجل تاريخ لكنه لم يزايد به.. لم يتحدث عنه اْو يمن به مثل كل الرجال الذين خدموا المدينة والوطن فى نكران ذات. وحين ذهب الوفد البرقاوى للامم المتحدة عام 1949 تم ذلك على حسابه الخاص وكذا شقيقه عوض. وخلال عمادته شهدت المدينة المزيد من التطور والعمل والنظافة والاخلاص.. وتبرع بالكثير لصالحها. هل سمعتم عن عميد بلدية بالتطوع؟ هل سمعتم عن الرجال فى ثرثرة المحللين والموتورين وادعياء الوطنية والمتكالبين على النقود والمناصب. (ليسوا سواء). بنغازى وبلديتها وغيرها من المدن تفتقد الى رجال مثل الحاج يوسف لنقى رحمه الله. 

(4) قطة وفئران

تناقلت المدينة كلها الخبر بالتعجب والاهتمام. صارت قصة. وقف الكثيرون عليها حقيقة امام اعينهم. حدث ذلك فى رمضان 1960 (مارس). ربيع وصيام. والحركة تنشط فى المدينة بلا توقف. فما الذى حدث واستدعى العجب؟ المواطن دخيل ساطى صاحب المنزل رقم 26 فى شارع سنيدل ببنغازى يعثر على ثلاث فئران صغيرة لم تزل وليدة. يضعها فى صفيحه. لم يبطش بها. وتركها لشاْنها. وبعد ذلك لاحظ اْن قطته مع تلك الفئران فى الصفيحة. تتولى ارضاعها. فى عاطفة لم يلاحظها احد من قبل. ثلاث فئران وقطة فى صفيحة.. فى شارع سنيدل. كان ذلك عجيبا ومثيرا للدهشة فى مجتمع المدينة الصغير وفى شهر رمضان. حضر المزيد من الجيران والكثير اْيضا من الازقة المجاورة ومن ضواحى المدينة. شى عجيب فى بنغازى.. عاطفة القطة غلبت روح الانتقام او القتل. (استسلمت لهن فى لين). كما وصف المشهد من البعض. اْصبح الموضوع طرفة. انتشر فى اْرجاء المدينة. واْصبحت التفرجة بقرش اْوقرشين فى رمضان ذلك العام. خديجة الجهمى ومحمد المريمى والسيد بومدين اْتوا من الاذاعة وصار الموضوع مساجلة طويلة.. قالت خديجة (قطوس اتحن على فيران.. وهن عدوان.. بلا شك اية م الرحمن) وقال المريمى (الناس شافت حاجة غريبة.. عجبه عجيبة.. الفار للقطوس يبقى حبيبه) وبومدين قال (فيه راجل داير للعيد.. تاناكه تدس القديد.. عجايب اخر ها الزمان.. بعد كانن للثنين عدوان.. تبادل كل منهم لامان.. السلم حميد.. وزاد مجيد.. الا العدوه ما عمر تفيد)... فيا اْيها الانسان. خذ الدروس.. من الفيران والقطوس!!

(5) العصر جهرا

حل وقت العصر. تاْخر الامام عن الحضور. تفرس المصلون فى وجوه بعضهم. التمسوا فى اْحدهم ورعا وصلاحا. قدموه من بينهم ليصلى بهم. بمجرد التكبير شرع فى القراءة جهرا. سبحان الله.. سبحان الله. كرروها مرارا. تنحنحوا. همهموا. لم يصدقوا. لم ياْبه بما يقولون. واصل الصلاة جهرا وقت العصر. اْربع ركعات قراْها جهرا وهو الذى التمسوا فيه معرفة وورعا وصلاحا وسدا لفراغ غياب الامام. قضيت الصلاة العجيبة. الجهر فى العصر. صاحوا دفعة واحدة.. الصلاة باطلة. العصر صلاته ليست جهرية. ينبغى اْن تعيد الصلاة بنا. اجابهم بعد ان جخر جخرة قوية : اللى عندى فى الطبق. منتهى الشفافية. ما نعرف اندس شى!!

(6) صاحب الكشك.. والاستاذ

اعتادت الجامعة الليبية عند التعاقد مع الاساتذة العرب اْو الاْجانب للتدريس بها اْن تستقبل كل منهم فى المطار وتوفر له اقامة مريحة فى احد الفنادق فى بنغازى لمدة اْيام قليلة حتى يتم الفراغ من تاْمين سكن مناسب له. د. خالد الشاوى من العراق وصل الى بنغازى. وجد من ينتظره فى المطار. وكانت الاقامة جاهزة فى فندق برنيتشى على الكورنيش. كان الوقت ليلا عندما خرج من الفندق لكى يشترى سجائر من الكشك المجاور للفندق. كان صاحبه ساهرا يبيع حاجياته للمشترين. طلب د. الشاوى نوع السجائر الذى يدخنه وقدم له البائع مايريد. كان معه عملة صعبة (دولار) لم يتمكن من تغييرها لضيق الوقت وتاْخره. مد للبائع منها ما يفى بالشراء. دهش البائع واعتذر لانه يتعامل بالعملة المحلية. عرف اْنه قدم للتدريس بالجامعة. التى كانت محل فخر الجميع وعنوانا من عناوين الانتماء للوطن. زاده علب اخرى. قائلا.. دخن وانت مرتاح. عد لحجرتك. اْنت قادم الى بلادنا لكى تعلم اْولادنا وبناتنا.. ولو باستطاعتى تقديم المزيد لقمت بذلك. لا تشغل بالك ولاتتعب نفسك فى التغيير والعودة للسداد. اْنت تعلم اْولادنا وبناتنا فى جامعتنا. مايهمك شى. دهش الاستاذ. تعجب من اْخلاق الرجل. وعلم ان الليبيين يفاخرون بجامعتهم واساتذتها وطلابها. وان ذلك يهون امامه كل شى. ذلك حدث فى منتصف الستنيات. فدخنوا سجائركم بارتياح بعد افطار الليلة!!

(7) اللون والكراهية

مر الليبيون بتجارب كثيرة. ذاقوا المرارة. ولم يستفيدوا من تلك التجارب. لم يتعظوا منها اْيضا. ماذا راْوا؟ المجاعات والصراعات الاهلية والامراض والفتن وعدم الاستقرار وغزو الاجانب والخوف والمعتقلات والسجون. راْوا الكثير ومروا بعديد التجارب فى الليل والنهار. ولم يتناقلوا تلك الدروس. لم يستوعبوا ما حدث لهم. حين وصل الطليان وقالوا لليبين (بن جورنو) مع مزيد من القصف والدمار.. كان يرافقهم المصوع والصوماليين.. وبعض من اْبناء اليمن. وفعلوا جميعا مافعلوا فى ليبيا. وغذت ايطاليا الكراهية بين الجميع. وحين اراد الطليان غزو الحبشة.. ضربوا على ذلك الوتر. اْستعملوا الكذب. قالوا لليبيين هذا يومكم. لقد فعل بكم الاحباش الكثير والان عليكم باْخذ الثاْر. والواقع ان الاحباش لم ياْتوا الينا. المصوع والصومال فقط. استعملت اللون وغذت الكراهية. ذهب الليبيون واعتقدوا اْن الامر صحيح. وطيبوا النية وحاربوا فى تلال اثيوبيا اْكثر من الطليان. وراْوا الكثير.. وفعلوا الكثير. ولم يتعظوا. قصص واْخبار وحكايات عن الحرب فى الحبشة تشعرك بالذهول. كان الليبيون قساة فى تلك الحرب. الانتقام والتشفى والحرق تجاه ضعفاء لم ياْتوا الينا. ونسوا النجاشى لان الليبيين تناسوا التاريخ. مر الليبيون بتجارب كثيرة.. ومايزالوا يمرون دون استفادة. انهم حقل تجارب لاغير!!

(8) بائع الفول

الفجرية. ثم شمس الشموسة. حتى ساعة المغربية. معاناة من اْجل العيش. ركض بلا انقطاع. الغيطان والشمس تتخلل اْعواد القصب والاجران والمراكب النيلية والقطارات.. والزحام. يسير عوضين بلا توقف.. ويسير النيل من بعيد. يدفع بعربة الفول المدمس. قليل من النار الهادئة والرغيف البلدى ومعه ولده مدبولى. يذاكر دروسه ويستعد للحياة. يكبر قليلا مع خطوات عربة الفول. سيحصل على محموع ويدخل الجامعه. للقرش قيمة. للحياة قيمة ويشكر عوضين وولده نعمة ربنا. رضاء من ربنا. تباركت الحياة. منذ بناء الاهرامات وهو يسير. لايساْم العراك من اْجل الحياة عربة الفول المدمس والرغيف البلدى واْصوات الباعة والمواويل والقطارات والزحام والحياة تسير. انه صورة يومية للحياة هناك. للعيش.. للسعى من اْجل الرزق. اذا لم يسع فسيموت.. لا وقت للكسل والخمول رغم المعاناة والقهر اليومى. يضع القروش فى جيب السيالة بالجلباب البلدى ويحمد ربنا. عوضين عرف قيمة الحياة رغم بساطته وقيمة الرزق وقيمة وطنه اْيضا. (العن الريس. العن امين الشرطة. العن الحكومة. العن كل شى. الا مصر. اوعى يا شاطر. دى ام الدنيا) وفى بلاد مجاورة تصهدها الشمس لاقيمة للعيش وللصراع النبيل من اْجل الرزق. كل شى سهل. كل شى مرهون بالشطارة. كل شى متاح. لا تلعن اْحدا ولكن العن ليبيا. العن بوك ابلاد خاربة. عوضين هناك وملايين مثله يدقون الابواب منذ الفجر. والشاطر حسن هنا يسب ليبيا والرزق ولايعرف قيمة الحياة من الفجرية وطلعة الشمس حتى المغربية. انه يمتع السيارات ويضايق الاخرين ويشهر سلاحه اذا تطلب الامر او لم يتطلبه. ويسب ليبيا قبل ان يسب الاخرين. 

(9) المعلم تحت الاقدام

وكان للمعلم وقاره وحضوره... فى الفصل له حضوره. بين الجيران.. فى الشارع. فى كل مكان فى القرية والمدينة. انتشر المعلمون فى كل منطقة. اسهموا فى وعى وتنوير الاجيال. علموا تلاميذهم الوطنية والاخلاق والحرص على بلادهم. ربوهم تربية وطنية محضه. كل معلم كان يعتبر التعليم رسالة وواجبا. لم يعتبره مهنة او مصدرا للتعيش. وكانت الاجيال ترى فى معلميه القدوة والمثل الرائع الحسن. كانت المرتبات ضعيفة والامكانيات كذلك ولم يقصر المعلم فى تغذية تلاميذه بالود والعلم والمعرفة والوطنية التى كانت اساس كل شى. وظل يعتبر التلاميذ جزء منه مثل اْبنائه. والمدرسة جزء من بيته. كان هناك حرص على العملية التعليمية وعلى الوطن واْجياله. المعلم كان له حضور وله احترام فائق التقدير. منذ اْيام تدافع الطابور كالعادة فى المصرف. الحر الشديد والزحام واللهاث والعبارات المقذعة والمهانة. كان ثمة معلم ادى رسالته فى يوم من الايام. لم ياْبه به احد. لم يعرفه اْحد. لم يحترمه اْحد. فى التدافع الشديد وعبر الشتائم وتدافع الصفوف وقع المعلم الذى كان ياْمل فى استلام مرتبه التقاعدى بين الاْرجل.. ومات!!

(10) هناك.. فى السماء

فقد الطفل اْباه فى الحرب... ظل وحيدا بلا اْب. وظلت اْمه تحتضنه وتمنحه الحنان والود.  وكان بين حين واخر يساْلها عن اْبيه.. اْين ذهب؟. تجيبه: انه هناك فى السماء. مع طيور الجنة الخضراء. يصمت ويتطلع فى الافق.. ولا يرى اْباه. مرت الاعوام. لم يعرف اى معنى للحرب. كان يعتقد باْنها مجرد غول مخيف. جثامه. اْو رجلا بشعا يحمل كل صفات الكراهية والحقد. وكره الحرب. كان يتخيلها شرا لايطاق عندما يتذكر اْباه. تفكيره الصغير ظل يحمل اسئلة اكبر منه.. ماهى الحرب. ولماذا. وعلام الكراهية والحقد. ولما يقتل الانسان اْخاه على امتداد العالم. لماذا يدفع البسطاء والاطفال مثله والنساء الثمن. لماذا يفقدون اْباءهم فى الحرب؟ وتقول له اْمه.. انه هناك مع طيور الجنة.. فى السماء بعيدا. وتنهض معه الاسئلة. وتمتد السماوات ويكبر. لماذا الحروب فى العالم. لماذا الدمار والقتل والتشريد والفقد. لماذا فقدت اْبى فى الحرب ذات يوم ولم اْعد اْراه؟ ويحلم باْبيه وطيور الجنة والسلام. الحرب تقتل. الحرب لا معنى لها. السماوات تمتد. وطيور الجنة هناك.

سالم الكبتي

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
طه الليبي
حسب معلوماتي القديمة ان سيدي مومن من برنو بافريقيا واستنجد به الحجاج البناغزة الى مكة ليذهب معهم الى بنغازي ويصلح بين تكتل الحاشية (بزعامة فكرون)وتكتل التكيران (الذكيران) (بزعامة ادغيم)... وهذا…...
التكملة