د. احمد ابراهيم الفقيه: كيف نجعل حياتك جحيما 29/6/2011 00:19 د. احمد ابراهيم الفقيه: كيف نجعل حياتك جحيما
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

كيف نجعل حياتك جحيما

في رثاء الدكتور على فهمي خشيم

سيظل العصف الفكري الذي اثاره الدكتور على فهمي خشيم، في والادب والفن والفلسفة، في وطنه والعالم العربي، مستمرا بعد رحيله، وسيظل النقاش دائرا حول القضايا الخلافية التي فجرها، كما سيظل اسهامه في هذه المجالات المتعددة التي كان يباشر اقتحامها بجسارة واستبسال موقع تقدير من دوائر اكاديمية في ليبيا وخارجها.

كان الراحل الكريم متعدد المواهب، متنوع المهارات، يصدق عليه القول المأثور في وصف علماء العصر الذهبي للدولة العربية الاسلامية امثال الفارابي والرازي وابن سينا، الذين ينعثون بان لهم في كل باع باعا، وهكذا كان على فهمي خشيم الذي بدا حياته شاعرا ورساما وصاحب مهارة في كتابة الخط العربي ثم استهل حياته الاكاديمية بدراسة الفلسفة واصدار اول كتاب له عن المعتزلة كان مادة رسالته لنيل الماجستير، وواصل بحوثه الفلسفية منتقلا في اطروحته لنيل شهادة الدكتوره الى التصوف الاسلامي عبر كتابه الزروق والزروقية تناول فيه حياة سيدي احمد الزروق دفين مدينة مصراته وهي المدينة التي شهدت ميلاد الدكتور خشيم منذ خمسة وسبعين عاما وعودته اليها لتستقبل رفاته الاسبوع الماضي قادما من المانيا التي اسلم الروح في احد مستشفياتها، وبعد جولة في تراث مدينة قورينا وفلاسفة المدارس الاغريقية بهذه المدينة الليبية القديمة، انتقل الى حفرياته الانتروبولوجية كاشفا عن تاريخ المدن والانساب في بلاده، قبل ان يتحول في مساره الفكري والاكاديمي الى ميدان لم يدرسه في الجامعات، وانما اجتهد عن طريق التحصيل الشخصي والممارسة العملية على اكتساب ما يحتاجه من تاهيل ومهارات وهو علم اللغات، مما اثار عليه ثائرة كثيرة من اهل التخصص الذين اعتبروه متطفلا على ميدانهم، ولكنه كان يقارعهم بالاجتهاد في جلب الحجج والبراهين على اثبات جدارته وصدق اطروحاته، وسعى لتاسيس مجمع للغة العربية في ليبيا، تولى رئاسته واتاحت له هذه الرئاسة ان يكون عضوا في مجامع اللغة العربية الاخرى مثل مجمعي القاهرة ودمشق، وانجز مجموعة من المجلدات في هذا المجال التي تتصل بالعلاقة بين اللغة العربية وابجديتها واللغة المصرية القديمة الهيروغلوفية واللغة البربرية او الامازغية كما بحث برؤية جديدة عن المفردات الاعجمية في القران، ولم يدرس اللغة من جانبها التقني كما يفعل اللغويون من اهل الاختصاص نحوا واعرابا وبحثا عن جذور الكلمات واشتقاقاتها وانما قام بدراساته اللغوية كجزء من الصيرورة الحضارية للامة العربية وفي سياق التدرج الحضاري للمجتمعات محاولا توظيف هذا العلم في تعزيز اللحمة بين ابناء المنطقة والربط بين مكونات شعوبها واقطارها، انطلاقا من ايمانه بانتمائها لدائرة حضارية واحدة واعتماده على فرضية تؤيدها كثير من البحوث عن وحدة الحضارة الانسانية في منابعها وجذورها، وعن وجود رابط بين القديم والحديث فيما اسماه التواصل دون انقطاع وهو عنوان كتاب من كتبه التي تبحث في تاريخ الحضارة.

يعرف كل من قرأ مذكرات الدكتور على فهمي خشيم التي سجلها في كتاب اسماه "هذا ماحدث" عمق العلاقة التي ربطب بيني وبينه من واقع ما قدمه من شرح لمراحل هذه العلاقة وفصولها منذ بواكير حياته الادبية الى وقت كتابة المذكرات ونشرها عام 2004، وهو امر يعفيني من تكرار ما قاله ووقف عنده من مواقف واحداث، ولكن لا باس من ان اعود في هذه المرثية الى استذكار اول مرة حدث فيها لقاء بيني وبين الصديق الراحل، لما يحمله هذا اللقاءمن المعاني والدلالات في مسيرة كل منا،وما يعنيه للمشهد الثقافي المعاصر في ليبيا الذي اشتركنا سويا في رسم بعض ملامحه.

حدث ذلك في صيف عام 1958، وكنت ابلغ من العمر خمسة عشر عاما، منخرطا في فرقة لهواة المسرح اسمها فرقة الامل للتمثيل، اواصل دراستى في المرحلة المتوسطة، وكنت قد اخذت الحافلة من طرابلس الى مصراته في اطار مهمتي كعضوبالفرقة مكلف باعداد ملصقات الدعاية والتحضير للمسرحية التي ستعرضها الفرقة في اليوم التالي في دار عرض مصراته، وذهبت فور وصولي، الى نادي البعث المصراتي، الذي جرى معه التنسيق للمساعدة في اقامة العرض، ووجدت لحظة اقترابي من مقر النادي شابا يرتدي الملابس العربية، وفي يده مكنسة، يكنس امام الباب، فقدمت له نفسى وسالته ان يتصل بمدير النادي او امينه، لاشعاره بحضوري، فابلغني انه موجود اليوم خصيصا لانتظاري، وانه ليس مجرد عامل النظافة، وانما هو امين النادي والمسئول الثقافي به، وكنت قد احضرت من طرابلس افراخ الورق المقوى لكتابة ورسم الدعاية، وانتظرت ان يتولى الترتيب مع خطاط ورسام للقيام بالمهمة، لكنه انبرى هو شخصيا ياخذ مني الصيغة واسم المسرحية واسماء المشاركين في تقديمها، ويباشر كتابة الخط ورسم الرسوم المرافقة، وعرفت منه انه يواصل دراسته الجامعية في بنغازي وانه يتفرغ اثناء الصيف لعمل النادي، وبدات منذ ذلك اليوم علاقة لم تنقطع الا بالوفاة، عملنا معا في كل المراحل وتحت كل الظروف، وكان هو الذي انتدبني معه للعمل مديرا لادراة الفنون والاداب عندما تولى مسئولة وكيل وزراة الاعلام والثقافة في مطلع السبعينيات، وهو الذي اشترك معي في تاسيس الاسبوع الثقافي لاكون رئيس تحرير لها وهو رئيس لمجلس تحريرها وكنت شريكا له في كثير من مراحل العمل في اتحاد الادباء والكتاب كما كنا شركاء عمل في المجلس القومي للثقافة العربية واشركته معي في المؤسسة الخيرية للثقافة العربية في لندن واسهم معي في تحرير المجلة الادبية باللغة الانجليزية ازيور، وكان صديقا سافرت معه عشرات الرحلات في العالم العربي واوروبا وكان رجلا موسوعيا يستطيع ان يقدم شرحا لرفيق سفر مثلي وهو يتجول به في شوارع فاس ومكناس بمثل ما يفعل ونحن نتسكع في شوارع باريس او اسطنبول او روما او لندن، كما كان عامرا بروح الدعابة والقدرة على انتزاع المرح مهما كانت المسالة تدعو الى الكدر والضيق، كما حدث ذات مرة، ونحن نتلقى دعوة لندوة تعقد في باريس اثناء الشتاء وكنت قد اعتذرت عن الذهاب، الا انه اتصل بي ومارس ضغطا بحكم الصداقة ان اتراجع عن اعتذاري، لانه لا يريد ان يذهب بمفرده، حتى وافقت وسافرنا لنصل الى باريس وكانت درجو الحرارة قد وصلت الى خمس عشرة درجة تحت الصفر، لنجد ان الندوة قد تم الغاؤها، ولم يصلني الاشعار بسبب اعتذاري ولم يتلق هو الاشعار لانه ذهب اليه في مكتب بالجامعة لم يكن قد اعتني بالاتصال به، ورغم الاحساس بالخيبة والاسى الا انه استطاع بما اعطاه الله من روح الدعابة ان يحوله الى مرح وان تتحول الرحلة الى واحدة من اجمل الرحلات التي قضيناها في الفسحة والترويح دون اعباء المواعيد والجداول التي تفرضها المؤتمرات رغم قسوة البرد.

كتب على فهمي خشيم الشعر الجميل الذي تغني به المطربون مثل الاغنية الشهيرة التي غناها عبد الهادي بالخياط من تلحين على ماهر "غني لي الليلة غني لي " وكتب الرواية التي نالت حظا من ثناء وتقريض النقاد وهي الرواية التاريخية انارو، وكتب المقالة الساخرة التي جمعها في عدد من كتبه مثل مر السحاب ورحلة الكلمات وايام الشوق للكلمة، وكتب المذكرات مثل سفره الكبير هذا ما حدث، وكتابه عن معلميه وهو اناس علموني، واهتم اهتماما خاصا بالمسرح وكان مشاركا في كثير من المهرجانات وعضوا في التحضير لها وعضوا في لجان تحكيمها وترجم للمسرح نصين من اهم النصوص احداهما حسناء قورينا التي قام بتعريبها عن نص قديم استوحاه مؤلفه الكاتب الروماني بلاوتس من حياته في ليبيا القديمة، وترجم نصا استوحاه كاتبه الايرلندي من التراث العربي هو مسرحية حسان لجيمس فلكر، وعن ابوليوس ترجم كتابه الشهير الذ ي يعتبره منظرو السرد الروائي النص القديم المؤسس لهذا الفن في الادب الروماني وهو الجحش الذهبي كما ترجم له ما اسماه دفاع صبراته، وهومرافعة للكاتب الكبير يدافع فيها عن نفسه ضد خصومه، كما ترجم كتابا عن نظرة الغرب الى الاسلام في القرون الوسطى مع زميله الاكاديمي صلاح الدين حسن مرفقا بعرض ومناقشة لاطروحات الكاتب، ولابد هنا من ذكر ورقة كان اعدها لليونسكو وقمت بنشرها في مجلة ازيور باللغة الانجليزية عنوانها الاسهام الليبي في حضارة البحر الابيض المتوسط، ولم ار لها ترجمة او اراها تصدر في اي كتاب من كتبه.

على خشيم ضرب بسهم وافر في مجالي الاعلام المرئي والمقروء والمسموع فمنذ مراحل ما قبل ظهور الاذاعة المرئية في ليبيا كان احد الناشطين في الاذاعة يقدم البرامج الادبية ومراجعة الكتب والبرامج الخفيفة فيما يسمى برامج الصباح بعد ان ظهر التلفاز كانت له برامج موسمية اقتصرت في السنوات الاخيرة على برامج يومية في رمضان كان يختار خلالها موضوعا يتابع حلقاته خلال ايام الشهر الكريم مثل حديثه عن اسماء المدن الليبية او الاطعمة الليبية او غيرها من المواضيع كما ساهم في كتابات اهم ما عرفته الاذاعة المرئية الليبية من انواع الدراما المسلسلة وهو المسلسل التاريخي حرب السنوات الخمس عن حروب يوسف القرمانلي ضد الاسطول الامريكي، اما في مجال الصحافة فكانت مقالاته التي يواكب بها الحياة الثقافية والادبية قد بدات منذ ان كان في الجامعة يراس مجلة قورينا ثم تواصلت في صحافة طرابلس مثل صحيفة طرابلس الغرب والحقيقة ومجلات الاذاعة وليبيا الحديثة وغيرها قبل ان يتولى في السبعينيات والثمانينات والتسعينيات اصدار ورئاسة تحرير عدد من المطبوعات من بينها الفصول الاربعة والمشهد الادبي ومجلة لا وكلها صدرت عن اتحاد الادباء والكتاب الذي تولى امانته عددا كثيرا من السنوات.

هذا طبعا بالاضافة الى ما تركه من تراث في مجالي تخصصه الاكاديمي وهما الدراسات الفلسفية والدراسات اللغوية، ولم يكن هذا الجهد الذي ظل خالدا في الكتب هو نصيب على فهمي خشيم في اثراء الوجدان واخصاب الفكر في بلاده والمنطقة العربية فقط، ولكن يوازيه جهد لايقل اهمية لم تحفظه متون الكتب، هو ذلك الذي كان يبذله في الحياة العامة فقد كان واحدا من اهم منشطي الحياة الثقافية في بلاده وقوة محركة وراء كل ما عرفته طرابلس من زخم ثقافي خلال العقود الخمسة الاخيرة اذ كان مؤسسا لكثير من المراكز والهيئات وكان وراء عدد كبير من المنشاط والفعاليات والمؤتمرات ويصعب حصر ما شارك في تاسيسه او ادارته مثل مركز اللغات في الجامعة ورئاسته لاتحاد الادباء ونعرف انه توفي وهو مازال رئيسا لمجمع اللغة العربية الذي كان وراء انشائه، كما كان ممثل ليبيا في اليونسكو وتم اختياره مساعدا للامين العام لهذه المنظمة الدولية في باريس لمدة اربع سنوات، وحضرت شخصيا معه عشرات اللجان التي اشتركنا في عضويتها لمناقشة الشان الثقافي او للمساهمة في تاسيس ادارة او منشاة تتصل بالثقافة او الصحافة او الاعلام كما شاركت معه في عشرات المؤتمرات الثقافية التي ذهبنا سويا لحضورها خارج البلاد ممثلين لمثقفي وادباء البلاد او مدعوين بصفتنا الشخصية كادباء من ليبيا، وعلى المستوى العربي اسهمت معه وزمرة من المثقفين العرب في انشاء المجلس القومي للثقافة العربية واشرفنا على اعداد ندواته الكثيرة التي عرفتها عواصم العالم كما اسهمنا سويا في الاشراف على مجلة الوحدة التي ظلت تصدر شهريا لمدة تقارب عقدا من السنين.
فيما تبقى من هذا المقال ساخصصه للحديث عن جانب كثر اللغط حوله، كما كثر الاخذ والرد، يتصل بالشان السياسي الليبي، فقد رحل المفكر والمبدع الكبير وبلاده تعيش نضالا مريرا للتحرر من الطغيان ومدينته مصراته التي كانت تحتل موقعا دافئا وحميما في قلبه تعرضت على يد هذا النظام لاقسى انواع القصف بصواريخ الجراد ومدافع الهاون بل والقنابل العنقودية المحرمة دوليا كما تعرضت بيوتها للانتهاك واعراض اهلها للاغتصاب على يد كتائب النظام، واظهر اهله في مصراته من انواع البطولة والفداء وقدموا افواجا من الشهداء ما سوف يبقى مسطرا في تاريخ نضال الشعوب ضد الطغيان على مر العصور. ولعل ما كان يشاهده على الفضائيات من مشاهد القصف ومن مظاهر الدمار والرعب في مصراته ما زاد حالته سوءا واذكر انني هاتفته وهو في مشفاه الالماني وجاءني صوته واهنا ضعيفا تكاد تخنقه العبرات وكان يتكلم باسى واسف عما كان يحدث في بلادنا من بلاء وابتلاء. وهو نظام عاصره الاديب الراحل كما عاصرناه نحن ابناء جيله، لمدة اربعة عقود ونيف وكان برغم طبيعته الاستبدادية لابد من التعامل معه باعتباره امرا واقعا والعمل من خلاله لانه لا مجال للعمل من خلال اي اطار اخر، فهو نظام لا يعترف بالمعارضة ولا يسمح بوجود مؤسسات خاصة بموازاة المؤسسات الرسمية، وهناك بطبيعة الحال من اختار رفض هذا النظام والابتعاد عنه والحياة في المنفى، ولكن يصعب على انسان مثل على خشيم يرى ان له مهمة داخل البلاد ورسالة يريد ان يؤديها في مجالات ادبية وعلمية ان يفعل ذلك ولا اعتقد ان هذا كان متيسرا له لو اراد.ولكنه طبعا لم يرد ذلك، بل لعله بالغ في الخوف من النظام فاراد اكتساب الامان بمزيد التودد له والاحتماء بركنه الركين وهو قائد النظام نفسه، الذي ربما التقى معه على خشيم في مسالة اكبار الدور الليبي، طبعا ليتخذه الزعيم موردا يغذي به امراض العظمة وتورم الذات، ولم تكن دوافع الدكتور خشيم الا الكبرياء الوطني والاعتزاز بتراث هذا الوطن في مواجهة ما يراه اهمالا متعمدا له من قبل دوائر اكاديمية وثقافية لم تكن تحفل كثيرا بليبيا او تري لها مكانا على خريطة الحضارة الانسانية، فهو الذي اخرج مقولة " من ليبيا ياتي الجديد" التي قالها ارسطو طاليس في كتابه الحيوان في معرض الحديث عن انواع من الافاعي، لكن على خشيم اخرجها من سياقها والاخ العقيد قام بتوظيفها في اطار ما كان يدعيه من اجتراح نظرية جديدة يقدمها هدية للعالم، وعلى خشيم هو الذي عثر على سطر في صحيفة امريكية يقول عن عالم امريكي اسمه باري فل انه عثر على نقوش تدل على وجود اللغة الليبية القديمة في امريكا منذ العصور الغابرة، واعتبرها دليلا على الاصل الليبي للهنود الحمر. وكان هذا السطر حافزا لان يسافر الدكتور خشيم في رحلة تمولها الدولة الليبية الى امريكا للاتصال بهذا العالم وربما جلبه فيما بعد الى ليبيا لكي يقوم السيد القذافي بتوظيف القضية في خدمة عقده الاستعراضية واتخاذ هذه المسالة المشكوك في صحتها العلمية بالاضافة الى ان ما يسمى اللغة الليبية القديمة ليس بالضرورة اشارة الى ليبيا اليوم، منطلقا لتبني قضايا الهنود الحمر باعتباره حاكم البلاد التي انطلقوا منها، ولعله اضاف الى ذلك مشاركات لم يكن مرغما على القيام بها في مؤتمرات الاشادة بالكتاب الاخضر. 

هذه امثلة لما كان ياخذه عليه الناس واعتباره ينساق في مسارات لا ترضي العلم ولا تتفق مع ما يطلبونه من التزام وطني، وانصافا للراحل الكريم اقول انه كان يسعده ان يكون في دائرة الرضا، لا لكي يتربح من وراء هذا الرضا، وانما لكي يمكنه العمل في امان ودون قلق لانجاز مشروعه العلمي الاساسي، فقد كان رجلا يسوقه طموح كبير لتحقيق ذاته في المجالات العلمية والاكاديمية والفكرية، ولا يطلب مكانا خارج هذا الاطار لانه الابقى ولانه الاكثر اهمية من اي منصب رسمي، وقد جاءه مثل هذا المنصب دون ان يكون هدفا في حد ذاته، وجاءه عندما تم تعيينه في المجلس الوزاري لدولة اتحاد الجمهوريات العربية، وكان مجلسا رمزيا، يؤدي دورا رمزيا، لا فعالية له ولا اهمية، ولذلك كان يحب ان يعود بسرعة الى عالمه الادبي الاكاديمي، ولابد هنا من الاشارة الى علاقة صدامية قديمة مع الحكومة في العهد الملكي، فقد ورد اسمه في تنظيم سري هو تنظيم حزب البعث، واشرت في اول المقال الى النادي المصراتي الذي كان يحمل اسم البعث، ولا ادري مدى العلاقة بين الاثنين، كما لا اعلم الان مدى تورط على خشيم في ذلك التنظيم ولكن ما رافق تلك التهمة من حجز وتحقيق جعله لا يتمنى ان يقع في مثل تلك الدائرة ابدا، واعتبر ان نقمة الحكومة، اية حكومة او الدخول في صراع معها، تعني تعطيله عن اداء مشروعه الفكري الذي كرس له نفسه، ولم يكن على خشيم لينجز ما انجزه لو لم يكن قد امن البعد عن مخالب هذا النظام واتقى شروره، واستطاع ان يعمل بطمأنيينة على اداء المهمة التي كرس نفسه له.

وخارج هذا الرضا الظاهري،المتبادل بينه وبين حكومة العقيد، وفيما يخص المشاعر والانفعالات التي يحملها للنظام واساليبه وسوء ادارته فقد كان يمتلىء نقمة على كل ما يراه من ممارسات اسهمت في تخريب البلاد تعليما واقتصادا وصحة وبنية تحتية مع اهدار للموارد وسفه في صرف ثروة الشعب الليبي، وكان يقول لي بالحرف الواحد انه لا حياة للشعب الليبي مع استمرار هذا النظام وان تقدم هذا الوطن مربوط بانتها هذا النظام وقائده.

وطبعا فان هذه المشاعر ضد النظام، تقتضى اقصى درجات التكتم والسرية ولا نعبر عنها الا همسا، وعند الاختلاء ببعضنا البعض ومع الخلصاء من اصدقائنا ولايمكن المجاهرة بها والا كنا سننتهي في امكنة خلف الشمس او امكنة اكثر بشاعة من ذلك.

واقول ايضا ومع كل هذا التحفظ كان علي فهمي خشيم يجد احيانا وسيلة للتعبير عن هذه المشاعر الدفينة المعادية للنظام باسلوب فيه براعة في التحايل على رقابة النظام، واضرب مثلا باخطر مقال نشرته الصحافة الليبية، في اقسى فترات التسلط والقمع والجبروت، وفي مجلة صدرت باوامر العقيد وباسم هو الذي اعطاه لها وهو(( لا )) لكي يستوعب بها المعارضة وكان طبعا يقول عن حكمه انه يحكم من موقع المعارضة لكي يستحوذ في ذاته الكريمة على الحكم والمعارضة معا ولا يبقى خارجه الا الفراغ والخواء، واستغل الدكتور خشيم وجوده في فترة من الفترات على راس هذا الصحيفة وكتب مقالا بعنوان خطير كنا نتداوله فيما بيننا باعتباره الشعار الامثل الذي يعبر خير تعبير عن طبيعة النظام الانقلابي الاستبدادي العسكري الذي يقوده الاخ العقيد وهذا العنوان الذي تصدر عددا من اعداد مجلة ((لا)) في تسعينيات القرن الماضي هو الاتي:

كيف نجعل حياتك جحيما 

وقال الدكتور خشيم بصريح العبارة ان هذا هو شعار الدولة الليبية وهذه هي سياساتها التي تطبقها ضد المواطن الليبي وهذا هو الاحساس الذي يحس به المواطن الليبي ازاه ما تمارسه الدولة ضده كان هناك ضغينة او نقمة اوعقابا تريد انزاله به لسب لا يدريه. وكما لا يخفي على القاريء فقد قال هذا الكلام بعد تمهيد قصير استثني فيه الرجل الذي يمكن ان يحاسبه ويعاقبه فهو شعار تنفذه الدولة ضد ــ كما جاء في المقال ــ توجيهات الاخ القائد، مع اننا جميعا نعلم، بما في ذلك الاخ الاكبر نفسه كما تسميه رواية جورج اورويل يعلم بانه لا شيء يحدث ولا نامة او همسة تصدر عن عناصر الدولة الا بامره وكانت فعلا حياة المواطن جحيما، تحت عهد تجسدت فيه مثالب حكم الفرد، وعشوائية العقل البدوي العسكري الذي يقود البلاد في غيبة المؤسسات الدستورية وانعدام المحاسبة والحكم الرشيد الى التخلف والخراب والخواء.

ولنكن منصفين لاديبنا الراحل ولابناء جيله من مؤسسى الثقافة الحديثة، ان هذه الثورة التي يعيشها الشعب الليبي ما كانت اطلاقا لتجد ارضا خصبة تنبت فيها مشاعر النقمة ضد الاستبداد والثورة من اجل الحرية والكرامة لولا ما بذلوه من جهد في حرث الارض وزرع البذور وغرس القيم والمعاني التي اخرجت طرحها وانتجت زرعها الذي ينبيء ببزوغ فجر جديد ولعلنا نجد صدق المقولة التي قالهاارسطو طاليس منذ الفين وخمسمائة عام ونفض عنها الدكتور على خشيم التراب واستغلها السيد العقيد استغلالا مشوها ولكن الشعب اللييبي تمثلها وعمل على تطبيقها تطبيقا ادهش العالم وشاهد شيئا جيدا تظهره بطولات الليبيين في حربهم ضد الطغيان بما ينفع مصداقا لها، وهي مقولة من ليبيا ياتي دائما شيء جديد.

د. احمد ابراهيم الفقيه

[email protected]

www.ahmedfagih.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت ايضا في صحيفة الحياة

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
بنت ليبيا
بارك الله فيك د.أحمد على كلمات الوفاء والأمانة الخالصة لشخص الدكتور خشيم. صدقت والله في كل كلمة كتبها عنه. أردت فقط التأكدي على أن ولاء الدكتور خشيم الأول والأخير كان…...
التكملة
عبدالواحد الشماخي
انا لله و انا اليه راجعون
علي فهمي خشيم من الأقلام الليبية المجنحة التي كانت تسبح في كل الفضاءات ..
رحم الله الكاتب المؤرخ الذي تتلمذنا على…...
التكملة
تنوير
إنا لله وإنا إليه راجحون..نسأل الله له المغفرة .ولأهله جميل الصبر والسلوان..لقد رحل علي فهمي خشيم.وستظل ذكرياته تطل علينا.فهو الانسان الجريئ.والمفكر صاحب الشطحات.ورجل الدوله صاحب المسؤليات.نسأل الله له المغفره..وليعتبر حبيبة…...
التكملة
روميو
الحمد لله قرأت اخيرا من ينصف على اخشيم ويعطي صورة طيبة عنه شكرا يادكتور الله يبارك فيك...
التكملة