د. أحمد الفقيه: التاريخ السري للعار 1/7/2011 19:34 د. أحمد الفقيه: التاريخ السري للعار
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

التاريخ السري للعار

ــ هل مازال الرجل يمضغ البساط ؟

 (- ?Is he still chewing the carpet)

سؤال كان يتردد في سبعينيات القرن الماضي، مقرونا بحاكمين عربين هما صدام حسين ومعمر القذافي، في الاوساط الصحفية والسياسية في لندن، بما يعني ان العاهات التي برزت فيما بعد في كل من هذين الزعيمين لم تكن مجهولة لذى هذه الاوساط الفاعلة في الغرب. ومضغ البساط هنا، اشارة الى العته والتخلف العقلي، فلم يكن الاثنان، وقد حظيا باحتضان الغرب لهما، يجدان حرجا في قول الاقوال وارتكاب الافعال التي تصورهما امام الراي العام وكانهما ينتميان لقاطني المستشفيات العقلية لا نادي القادة والزعماء السياسيين في العالم.

بالنسبة للعقيد القذافي فان لندن كانت المحطة الاولى لتدشينه رئيسا للبلاد، عندما جاءها في دورة تدريبية عسكرية لعدة اسابيع في منتصف الستينيات، واستطاعوا خلال هذه الدورة وضعه على محك الاختبار، وفحصه نفسيا وعقليا لمعرفة امراضه السايكوباتية التي اهلته لقيادة شعب كان يحظى بنقمتهم لاسباب كثيرة، من بينها بعض الممارسات المشينة، المؤسفة ضد افراد من الجالية اليهودية، واعمال فدائية ضد جنود القاعدة الامريكية، ومع دور الانجليز في اختياره وتقديمه للحلفاء الامريكيين، فقد كانوا اول من ذاق الملاعق المتكررة من ارهاب هذا الزعيم، في شكل قنابل كان يقوم بتفجيرها في لندن عن طريق اعضاء الجيش الجمهوري الايرلندي منذ بداية عهده في الحكم (واذكر ان محررا في صحيفة الفجر الجديد، اسمه احمد البكوش، كتب عمودا يتباهي فيه بمثل هذا الارهاب، قائلا بان هذه القنابل التي تتفجر في قلب العاصمة البريطانية، ليست الا هدية الشعب الليبي، لصديقه الشعب الايرلندي، ونقلت صحيفة الديلي تلجراف تلخيصا لهذا المقال، باعتباره اعترافا من ليبيا بمسئوليتها عن هذه القنابل التي طالت احداها محطة البيكاديللي للقطارات، والثانية فندق هيلتون باركلين، واذكر انني رافقت قياديا ليبيا جاء من طرابلس للقاء مسئول بريطاني للقيام بدور المترجم، وفوجئت بان المسئول الليبي لم يكن يعرف شيئا عن الصراع الكاثوليكي البروتستانتي في ايرلندا، ويجهل الفرق بين بلفاست ودبلن عاصمة ايرلندا المستقلة، وتغطية لهذا الجهل الفادح،كنت اتصرف في الترجمة واخترع كلاما لم يقله المسئول الليبي)

كذلك لم يكن السجل الاجرامي للنظام الليبي، ضد المواطنين الليبيين خافيا على الرأي العام البريطاني منذ تلك المراحل المبكرة، وكانت احدى الافتتاحيات التي تدين العقيد القذافي قد حملتها في منتصف السبعينيات جريدة التايمز بعنوان: العقيد القاتل

 The murderous colonel

وستمضى بضع سنوات قبل ان يتسنم كرسي الرئاسة في امريكا السيد رونالد ريجان الذي اطلق اسما على العقيد الليبي هو:

The mad dog of Libya

وهذا كلام لا اسوقه للتشهير بالرئيس الليبي ولكن للتشهير بالغرب الذي كان يعرف طبيعة هذا الرجل على طرفي الاطلسي، اي في الشمال الامريكي وفي الغرب الاوروبي، باعتباره واحدا من اشرس انواع الطغاة واكثرهم شهية مفتوحة للقتل والدم، وانه مصاب بامرض السياكوباتية ذات التركيب الاجرامي،ومع ذلك اعانه على البقاء في الحكم وقام بامداده وطوال اربعة عقود بالخبراء والسلاح واجهزة التجسس والملاحقة لكي يتمكن من قمع الشعب واجهاض اي مبادرة لازاحته عن الحكم، بل ان الاستاذ محمد حسنين هيكل يقول، ان كل ما قام ضده من مؤامرات حتى عام 1986 تولت المخابرات الامريكية كشفها له (في كتابه مقالات يابانية).

نعم هناك بالتاكيد اليات وتقنيات يصل بها الطاغية الى الحكم، بعضها معلوم، وتكرر مع ظهور كل طاغية، وظل بعضها الاخر مخفيا تحت الارض لا يظهر الا بعد حفريات كثيرة وعميقة، حرصا من بعض الاجهزة الغربية التي تعمل في الظلام على اخفاء كل اثر لجريمة الدفع بالطاغية الى كرسي الحكم، ولكن السؤال حقا هو كيف استطاع الطاغية بكل ما فيه من عته، البقاء في الحكم خاصة بعد اكتشاف اجرامه في الداخل والخارج، لا لمدة عام او عامين وانما لاكثر من اربعة عقود كما في حالة الحاكم الليبي.

(ولعل من هول المفارقات ان يبعث كاليجولا العربي بعد عشرين قرنا من ظهور كاليجولا الروماني، ويقوم بافعال تعيد انتاج عته ذلك الامبراطور الذي جعل حصانه عضوا في مجلس الشيوخ، فياتي هذا النسخة الجديدة له، ليجعل ناقته شعارا يضع صورتها فوق العملة، ويصر على تخصيص طائرة لها لكي تحضر معه المؤتمرات الدولية، ويذكر سكان بلغراد، كيف هربت هذه الناقة اثناء انزالها من الطائرة تركض فوق ارض المطار وعبر مدارج الهبوط والاقلاع، تهدد باحداث كارثة، وتصنع كابوسا لاهل الامن، اثناء استقبالهم لرؤساء العالم المشاركين في مؤتمر عدم الانحياز. وهناك مفارقة اكثر هولا، وهي ان العالم في فجر التاريخ الميلادي لم يستطع احتمال كاليجولا لغير اربعة اعوام هي كل مدة حكمه 41-37 ميلادي، وانتهى قتيلا مع زوجته وابنته، بينما كاليجولا العصر الحديث يبقى لا اربعة اعوام وانما اربعة عقود، ويدخل الان عقده الخامس يمارس العته الاجرامي في ابادة شعبه ما يزال)

وهناك معلومات كثيرة، تقول بان هذه الدوائر الغربية واجهزتها الاستخبارية قامت بتجنيده قبل قيام الانقلاب وهي التي افسحت له طريق الوصول الى السلطة، ولدي مقال يشير الى بعضها في هذا الرابط

 ويمكن العودة ايضا لكتب ومقالات الاستاذ هيكل، التي اورد فيها تجنيد واستقطاب وكالة الاستخبارات المركزية لعدد من الطغاة العرب (وآخر الكشوفات في هذا المجال الوثائق التي اذاعتها التلفزة الوطنية التونسية منذ ايام قليلة عن عمالة زين العابدين بن على للموساد الاسرائيلي ومشاركته وهو وزير للداخلية في تسهيل الغارة الاسرائلية على منظمة التحرير وادخال عناصر الموساد لاغتيال ابي جهاد وابي اياد، وقيامه في السنوات الاخيرة لاصلاح ذات البين بين وكالة الاستخبارات المركزية وخدنها القديم الاخ العقيد، وهي وثائق ساهم في احضارها والتعليق عليها عناصر من الامن التونسي بينهم المدير السابق للمخابرات العسكرية التونسية السيد البشير التركي)

واقول برغم هذه المنطلقات ذات الطابع الخياني للطاغية العربي، فاننا يمكن ان نفهم دوافع اجهزة الغرب السرية في الدفع بالعملاء المحليين الى سدة الحكم، لكن السؤال هو كيف لهذا الغرب، بكل ما يبشر به من اطروحات الديمقراطية وحقوق الانسان وما يقوم به من حملات لانقاذ حيوانات الفقمة في بحار ومحيطات العالم، ان يحتضن ويقدم الدعم والحماية لهؤلاء الطغاة، بعد ان ظهر اجرامهم ضد شعوبهم وضد المجتمع الانساني، وتمويلهم للارهاب في العالم، وصار واضحا ان مكان الواحد منهم مستشفى الامراض العقلية لاستفحال حالته المرضية السايكوباتية، وهناك شواهد وشهود، واحداث واشخاص تؤكد ان هذه الحماية، وصلت الى ملاحقة الخصوم بالنيابة عنه، وتقوم بتسليمهم لاجهزة مخابراته، ومساعدته في الفتك بهؤلاء المعارضين وهو ما حدث مع صدام، وبن علي، وحسني مبارك، وحدث بصفة متكررة مع الاخ العقيد، الذي كان انتقامه من هؤلاء الخصوم شيئا لا سوابق له في تاريخ التعذيب والاجرام، وقد نقلت قناة الجزيرة منذ ايام صورا مرعبة لاول مقبرة جماعية يتم كشفها في ليبيا، في معسكر قريب من طبرق، لا احد يعرف حتى الان اسبابها ولا ضحاياها، ويعتقد الثوار ان مزيدا من المقابر الجماعية سيتم كشفها عند تحرير الجزء الغربي من البلاد، وهذا هو الرابط للخبر:

(المفارقة الاخرى هو ان هذا الطابع الدموي الاجرامي للحكم، يظهر في شعب صغير اشتهر بانه احد اكثر الشعوب بعدا عن المشاكل والجرائم، ورغم فقره في سنوات ما قبل الانقلاب، فقد انجاه الله من امراض الفقر، فلا فساد ولا رشاوى، ولا سطو على البيوت، حتى البقشيش الذي يدفع للجرسونات كان غريبا، ويرفض عامل المقهى الليبي ان ياخذه، وانقل هنا جملة اوردها شاعر بريطاني هو انثوني ثويت عمل فترة من الوقت في ليبيا الستينيات في كتاب عن بنغازي، تقول " سلوك الليبيين وشعورهم تجاه بعض، سلوك وشعور ديمقراطي اصيل، لانه لا وجود اطلاقا لاي احساس بان هناك احدا افضل من الاخر بسبب مكانته او مولده" وهو ما تؤكده المناضلة والباحثة روث فيرست في كتاب عنوانه الثورة الواهمة، فضحت فيه ممارسات الحكم الانقلابي، وانصفت فيه الشعب قائلة بانه مقارنة بالشعوب التي تحررت من الاستعمار وظلت تحفل بصراعات طبقية واثنية، فان الله انجا الشعب الليبي من مثل هذه الصراعات)

واعرف طبعا ان الرئيس الامريكي باراك اوباما، قد اعلن انحيازه لثورة الجماهير في كل من مصر وتونس ضد حاكمين من اصدقاء امريكا، ومضى خطوة الى الامام مع ثورة ليبيا بان ساعد في استصدار قرار مجلس الامن بمناصرة الثوار في الحرب ضد العقيد الليبي والاطاحة به، موقف كريم يستحق الشكر، ولكنه للاسف تأخر واحدا واربعين عاما ونيف، ارتكب فيها نظام العقيد، جرائم لا تحصى ضد ابناء شعبه. (ويكفي انه في يوم واحد نفذ حكم الاعدام في مجموعة من المواطنين الليبيين هم ضحايا بوسليم، يبلغ عددهم اربعة اضعاف ما تم اعدامه في كل تاريخ الولايات المتحدة الامريكة منذ انشائها قبل ثلاثة قرون ونيف، لانه لا يصل في اغلب الاحيان الى كرسي الاعدام غير شخص واحد في العام)

جميع دول الغرب، وليست امريكا وحدها، تعاملت مع العقيد الليبي باعتباره زعيما وطنيا، يحظى بدعم مؤسسات الحكم العلنية والسرية هناك، وتقوم هذه المؤسسات بتزويد مخابراته باحدث الاجهزة الفنية، بل وهناك شهادات تقول بانها كانت تقوم بتدريب شرطته على استخدام هذه الاجهزة، واحيانا ياتي الخبراء الى ليبيا للعمل في غرف القيادة، وتولى عمليات الملاحقة والمراقبة، علاوة على التدريب والتدريس، ولم يكن رئيس مخابراته السابق موسى كوسه ليمضى عامين في امريكا لاغراض الدراسة المدنية، وانما ذهب الى هناك ليتلقى تدريبا في المجال الاستخبراتي من اجل اعداده لمهة رئيس المخابرات، وهاهم يقولون الان انه كان عميلا مزدوجا للمخابرات البريطانية الخارجية، ولعل هذا التعامل كان من شروط اللعبة وبعلم به رئيس الدولة نفسه، وكان العقيد الليبي يحظى باقصى درجات الاحتفاء والترحيب وهو يزور قصور الحكم في روما، وباريس، وعاصمة الاتحاد الاوروبي بروكسل عندما دعاه صديقه برودي امين الاتحاد، منذ اعوام قليلة مضت، واخذ السيد العقيد باذن هذه القوى الغربية وموافقتها اجزاء من القارة الافريقية لتكون اقطاعية له، مقابل ان ينفق من اموال الشعب الليبي على حكامها ومخابراتها، وكان في حالات كثيرة يدفع مرتبات الدبلوماسيين في سفاراتها ومن الطرائف التي تروى في الخارجية الليبية، ان سفير ليبيا في نيجيريا كتب يشكو ان المرتب الذي يصرفه للسفير التشادي هناك، يصل الى اربعة اضعاف مرتبه، ويطالب بمساواته به، فابلغوه انه يستطيع ان يعود الى الداخل اذا لم يعجبه المرتب هناك، وسكت مرغما لان الالفي دولارشهريا في ابوجا، افضل من مائة دولار هي المرتب الذي يتقاضاه عند عودته، وكان الليبيون يشكون من ان مرتب الشرطي او المدرس اوالممرض لا يصل الى ربع نظيره في تونس رغم ان الدخل القومي الليبي يوازي عدة اضعاف مثيله في تونس. ولا جواب ولا تعقيب الا ما قالته احدى البنات الثوريات (اسمها حسنة المشاي) وهي تعيد نظرية زعيمها العقيد بانه اذا اردت لكلبك ان يتبعك فاحرص على ان يبقى جائعا، وقالت هذا الكلام في جلسة منقولة على التلفاز، وبحضور الزعيم، دون خجل ولا حياء.

اقول بانه لم تكن مؤسسات الحكم في الغرب ترى مانعا، وهي تتعامل مع هذا الحاكم باعتباره حليفا، ان لم يكن عميلا، ان تضع على سطح العلاقة قناعا من العداء، وتسمح له بهامش عريض لسبها وشتمها اثناء الاحتفالات الشعبية، ويصل الامر الى ان يتم اختراع نزاع بينه وبين امريكا كما في حالات صدام ونورييجا، قبل استنفاذ اغراضها منهما ويتحول النزاع الوهمي الى عمل حقيقي للاطاحة بهما، ووصل هذا النزاع الوهمي في حالة القذافي، الى ان ترسل امريكا طائرات حلف الناتو عام 1986 لشن غارة فوق طرابلس استمرت 20 دقيقة، لم ينتج عنها اصابة احد من اسرة القذافي او اعوانه واعضاء مخابراته باي اذى، وانما قتل بعض ابناء الشعب وعناصر تنتمي للعهد الملكي، وكأن هناك اتفاقا سريا بين القذافي وبين الادارة الامريكية لاستهداف هؤلاء الاشخاص، ولم تكن تلك الغارة في حقيقتها، غير مسرحية من النوع السمج الحقير، لتجديد واعادة تسويق صورة القذافي الذي بدا يظهر على حقيقته بعد ان ساحت وذابت الاصباغ والاقنعة التي يغطي بها وجهه الحقيقي، واظهاره بمظهر الزعيم القومي المناضل عدو الاستعمار والامبريالية العالمية (ولابد من الاشارة الى مفارقة حزينة هنا، وهي ان احد الذين صدقوا هذه التمثيلية وظنوا ان العقيد الليبي حقا زعيم يعادي الامبريالية، عبقري الرسم الساخر ورائد القصيدة العامية الحديثة، المرحوم صلاح جاهين، الذي كان قد استهدف القذافي برسومه الساخرة واضحك عليه الشعب المصري، ووقع عندما شاهد هذه الغارة تنقلها شاشات التلفاز، في حالة من الندم الشديد، واعتقد انه اخطا في حق زعيم ومناضل ثوري حقيقي، فدخل في حالة شديدة من الكآبة والاحساس بالاثم، وتوفي بعد اقل من اسبوع من وقوع الغارة)

 ويندهش المراقب لحجم التدليس والتسويف والمصانعة لهذا الطاغية، من دول الغرب،صانعة الحضارة الحديثه والتقدم العلمي والتقني ونصيرة الحرية والقيم الديمقراطية، وكم كان حجم التناقض رهيبا بين هذه الدعاوى والاطروحات، وبين دعم الاجرام والجنون وانظمة التوحش والتعذيب وارهاب المواطنين، في ليبيا ومصر وتونس والجزائر والمغرب وسوريا والعراق والسودان، واذا كنا نفهم السكوت عن جرائم هذه الانظمة ضد المواطنين العرب في سبيل تمريرهم لمصالح الغرب وتنفيذهم لمخططاته، فكيف يمكن فهم السكوت عن تلك الجرائم التي ترتبكها انظمة عربية، وخاصة النظام الليبي في حق هذا الغرب نفسه، والقائمة طويلة، تبدأ بجرائم الجيش الجمهوري الايرلندي ولا تنتهي بها.

فهناك وبايجاز شديد 270 ضحية في قضية لوكيربي عام 1988، و170 ضحية في طائرة يوتا الفرنسية التي اسقطها فوق صحراء النيجر عام 1989، ودعك من فرق الاغتيالات التي استباحت حرمات العواصم الاوربية لقتل الليبيين، وقد ذهب اثناء اطلاق النار عليهم ضحايا من اهل تلك العواصم مثل الشرطية البريطانية ايفون فليتشر عام 1984. ثم القنبلة التي وضعها عملاء النظام في ملهى برلين، وذهب نتيجتها عدد من الضحايا، عدا ملهى اخر في لندن، تم ضبط الفاعلين قبل انفجاره وبينهم تاجر ليبي اسمه على الجاحور وجد مقتولا بعد ذلك بايدي عملاء ليبيين، بسبب اعترافه للشرطة البريطانية باسماء الشركاء والمحرضين على الجريمة. وهذا طبعا هو السجل العلني الذي وصل الى الرأي العام، ويظل السجل السري لاجرام هذا النظام ينتظر الكشف عنه بعد السقوط القريب للنظام ورئيسه باذن الله. (ظهرت نكتة تقول ان العقيد بعد ان وصل الى اتفاق بدفع تعويضات لضحايا لوكيربي تصل الى ما يقرب من ثلاثة مليارات، كتب صكا اخر بنفس المبلغ، معبرا عن شهيته لاسقاط طائرة غربية اخرى بنفس عدد الضحايا، واختصارا للتعب والصراعات يدفع مبلغ التعويضات مقدما، مع ابقاء الصداقة محفوظة والتجارة مستمرة، ويا دار ما دخلك شر)

ولا احد يمكنه ان يقول ان احتضان الغرب لكل هذه الانظمة الاستبدادية التي تفننت في سكب صهاريج النار والرعب والارهاب على شعوبها لم تكن تحظى برعاية وحماية اجهزة المخابرات الغربية وعلى راسها وكالة المخابرات المركزية، ولكي لا اكون ظالما فساستشهد بشاهد من اهلها هو السيد روب والتون احد كبار الرأسماليين في امريكا الذي يسمي هؤلاء الحكام، الاصدقاء الطغاة، ويقول انها احدى الحقائق المعروفة للجميع ان وكالة الاستخبارات الامريكية هي التي تقوم بتنصيب هؤلاء الطغاة الاصدقاء حول العالم، وقد ظهرت كتب تحكي عن هذه العلاقة وقصة الوصول بهم الى الحكم كما في حالة بينوتشيه في تشيلي، وسوهارتو في اندونيسيا، وبابا دوك وبيبي دوك في تاهيتي وسوموزا في نيكاراجوا وربما يعود الامر الى سالازار في البرتغال وبيرون في الارجنتين ومن بعده جالتييري وطبعا بابا دوبولوس في اليونان ونورييجا في باناما وصولا الى الطغاة الاعزاء المبجلين في عالمنا العربي، واذا كانت لعبة الاعتماد على الطغاة في امريكا اللاتينية قد انحسرت وانتهت، لتدخل المنطقة عصرا من الانظمة الديمقراطية، فقد ظل العالم العربي وحده الذي يعاني من انظمة القمع والجوروالطغيان دونا عن بقية العالم، ربما بسبب ما يتوفر عليه عالمنا العربي من مصادر الطاقة، وما يحظى به من موقع ستراتيجي بين قارات العالم وغياب العامل الذاتي للشعوب العربية في اقتحام الميدان بقوة واصرار لمنازلة هذه الانظمة وانهاء استبدادها وطغيانها كما يحدث هذه الايام.

هذا هو ما اسميه التاريخ السري لعار الدول الغربية وجريمتها في حق الشعوب العربية عندما شاركت في تنصيب هؤلاء الطغاة ومجانين الحكم وسفاكي دماء الشعوب، وقدمت لهم الحماية والرعاية الى اخر لحظة، حتى انتفضت الشعوب، بعد ان استوى عندها عاملي الموت والحياة تنتزع حريتها بدفع ضريبة الدم وتقديم الارواح فداء على مذبح الحرية، املين ان تكون هذه الثورات والانتفاضات هي المشهد الاخيرة في تراجيديا هؤلاء الحكام الذين حولوا شعوبهم الى رقيق، بينما كانوا ينامون في سرير واحد مع اجهزة الاستخبارات الغربية، وان نشهد علاقة جديدة بين العرب والغرب قائمة على الاحترام والندية والمنافع المتبادلة والمصالح المشتركة، بعد ان نرمي باخر هؤلاء الطغاة في مزابل التاريخ.

وكما يقول صديقنا الكاتب الاردني محمود الريماوي لا يعادل سفه الارتماء في احضان الغرب الا سفه المعاداة له بسبب ودون سبب، وما تطمح له شعوبنا العربية، في مرحلة ربيعها المتجدد، هو تطبيع علاقاتها مع الغرب، وبناء جسور من التفاهم والتعاون والثقة، تقوم على الندية واحترام حرية وكرامة الشعوب.

ما فات مات، والمستقبل هو الذي يهمنا الان، فلننظر اليها بامل وثقة وطموح ولنتجه اليه بارادة وتصميم على النهوض والبناء دون تردد ولا تاخير.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

نشر ايضا في مجلة المصور القاهرية

www.ahmedfagih.com
 [email protected]

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
الأمين
كل ما ورد في المقال هو تحليل جيد ولكن يمكن اعتباره جزء من الحقيقة التي هي أكبر بكثير مما ذكر بالمقال ربما الكاتب أخفي الجزء الباقي لاعتباره من باب ما…...
التكملة
الشعب الليبي

وعندما يعلم الشعب الليبي الحقيقة من وراء مصيبته سوف ينتقم إنتقاما رهيبا لم يشهد له التاريخ مثيلا ليس من الجلاد فقط بل ممن أتى بالجلاد إلى الحكم ليدمر…...
التكملة
Khalifa Sulaiman
I am a Libyan citizen and lived under this brutal regime for 42 years, you have no ideas what so ever about this corrupted person, since day one when he…...
التكملة
lمحمد صالح بويصير
مقال جميل يا دكتور، و تشبيه كيلوجولا موفق ، قريبا نلتقى فى طرابلس الحره باذن الله....
التكملة