د. أحمد ابراهيم الفقيه: صراع الحياة والموت 3/7/2011 05:42 د. أحمد ابراهيم الفقيه: صراع الحياة والموت
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

اعتبر العالم النفسي الاشهر سيجموند فرويد ان هناك قوتين محركتين للفرد وللمجتمع الانساني عموما، تتصارعان وتتقاطعان وتتناقضان، احدهما اسماها القوة الايروسية باعتبارها قوة الحياة والحب والابداع والاخصاب الجنسي، والرضا النفسي، وحفظ النوع، واسمى الثانية القوة الثانتوسية، المقتبسة من الكلمة الاغريقية التي تعني الموت، وهي القوة المحركة للعدوان والسادية، والدمار والعنف والموت او القتل، وفي توصيفه للقوتين يقول ان البشر لحظة استجابتهم لقوة الثانتوس، اخترعوا ادوات الدمار الشامل التي تعني امكانية الانقراض لجنسهم، وبالمقابل فان قوة الايروس، عند الاستجابة لها، ستقوم بالجهد الذي يؤكد وجود الانسان واستمراره، والنضال ضد ذلك الخصم الذي لا يموت هو ايضا ولا يندثر الا وهو الموت، ولكن من تراه يستطيع ان يقول ما مدى النجاح، اوما هي النتيجة التي سيصل اليها كل منهما في نهاية المطاف؟ بمعنى هل ستتمكن قوة الدمار في انفسنا اي قوة الثانتوس، ان تنجح في الوصول بالجنس البشري الى الانقراض عن طريق ما يراكمه البشر من اسلحة الفتك والدمار، اما ان قوة الايروس، قوة الخير والمحبة والحياة ستنجح في انقاذ البشر والمحافظة على النوع؟

القوتان تتجاذان النفوس، وتتجاذبان المجتمعات، وعن الصراع بينهما نتجت الحروب، وكان اخرها حربان عالميتان شملتا الكرة الارضية بما الحقتاه من موت ودمار، كما نتجت عن هذ ا الصراع انجازات انسانية تناقض القتل والاحتراب، ليس اقلها هذه الاختراعات التي اضافت قيمة لحياة البشر مثل ثورة الاتصالات والمواصلات وعلوم الجينات والامصال التي صارت تقضي على اوبئة ظلت لالاف السنين تحصد الملايين من البشر، وهو صراع نراه في نفوسنا وفيمن حولنا عندما نرى القوة التدميرية تنجح فتسبب جرائم القتل واحيانا حماقات الانتحار وايذاء بعضنا الاخر، او تنجح القوة الاخرى المناقضة لها، فنرى تجلياتها فيما يعرض لنا من ابداع وجمال ومحبة وفتوحات في علوم الطب ومناشط لاعمال الخير.

وطبعا لهذين القوتين تجليات وانعكاسات في الفنون والاداب، وهناك تراث انساني في الروايات والافلام والمسرحيات التي تتكلم عن الصراع بين هذين القوتين، اللتين يمكن ايضا ان ننسبهما الى الشر والخير، وهو تراث موجود منذ فجر البشرية وما الصراع الذي نقرا عنه في الاساطير الفرعونية عن ست اله الشر واخيه اوزوريس الذي يرمز للخير، ان هو الا معنى من هذه المعاني التي تتكرر في كثير من الاساطير، بمثل ما نجد لها نظائر فيما انتجه الكتاب والفنانون من ابداع فني وادبي على مر العصور.

اذن فان فرويد لم يفعل اكثر من القيام برصد حقيقة من حقائق الحياة البشرية، وربما اخضعها لشيء من تصوراته عن الطاقة الجنسية باعتبارها طاقة زود الله بها الكائنات الحية للتوالد وحفظ النوع، فكانت بالتالي قوة الحياة والخصوبة بل ان فرويد نفسه يعترف بانه مدين لاهل الشعر والادب والفلسفة باستعارة هذين المصطلحين وبالفضل في اهتدائه لما يمثلانه من قوة في حياة البشر والمجتمعات.

المهم اننا امام حقيقة كونية، اعتنى برصدها علماء النفس، واعتنى بتصويرها اهل الادب والفن، ولست هنا بصدد بحث ادبي اتتبع فيه اثر هذين العنصرين في القصة او الرواية، ولكنني اريد ان ارى تأثيرهما في واقع حياتنا العملية هذه الايام، واحتكاما الى الحالة التي تعيشها ليبيا وللماضى البغيض متجسدا في اربعة عقود من العهد الانقلابي يتقوض تحت ضربات الثوار، اقول ان هناك في هذه الثورة، او هذا الصراع من اجل الحرية، او هذه الحرب الشعبية التحريرية ضد كتائب الطغيان، يتجسد شيء من هذا الصراع بين قوة الحياة وقوة الموت، وارى ان هذه العقود من حكم السيد العقيد، كانت في جوهرها لحظة انتصرت فيها قوة الثانتوس، قوة الموت والقتل، قوة الدمار والعنف والتخريب، قوة الساديزم والعدوان، على قوة الخير والحب والابداع والخصوبة، القوة الايروسية كما في تعبيرات فرويد، ولانه لا امكانية لان تحتكر قوة ما المجال على الدوام، وتستاثر به على حساب الاخرى، فكان لابد لقوى الحياة ان تنطلق من اجل ان تسترد مواقعها وان تحارب من اجل منع احتكار قوة الموت والعدوان لحياة اجيال واجيال اوسيطرتها على المشهد الليبي لاماد طوال، وبرغم حقيقة ان السيادة والسيطرة خلال اربعين عاما ونيف كانت لقوة الثانتوس، فان قوة الايروس لم تكن غائبة تماما، كان حضورها ضعيفا، ولكنها كانت موجودة لكي لا يقطع السيد ثانتوس دابر الحياة ويستاصل الزرع والضرع ويحيل الارض الى يباب، وهو طبعا ما حاول فعله، بما اساله من دم، وما اشاعه من دمار، وما اثاره من حروب، وما نفثه في اجواء البلاد من كراهية وحقد ورعب، ومع ذلك كانت تلك القوة المحبة للحياة، تنافح وتدافع وتزرع بذورها وسط كل قطعة يباب يصنعها، لكي لا تتصحر الحياة البشرية، بمثل ما تصحرت الارض، وكانت الحرب التحريرية التي اعلنها الشعب الليبي ضد الطاغية هي في حقيقتها حربا ضد قوة الموت والقهر والعدوان، واحدى خصائص هذه القوة التي يجسدها الثانتوس، ظهرت جلية في الخطاب الذي رد به الطاغية على طلائع هذه الثورة، لانه خطاب يعلى قيمة الموات والدمار، ويحتكم اليهما، ولا يرى دورا للحوار ولا يعرف الاعتراف بالاخر ولا يدرك شيئا الا انه هو القوة الطاغية الباغية الماحقة الساحقة الحارقة الخارقة، التي يجب ان يخضع لها الاخرون ويعترفون بسيادتها عليهم، وعندما يصدر عن هؤلاء الاخرين رايا يخالفه او يرفض سيطرته وتسيده عليهم، لايجد وسيلة يعرفها للتعامل معهم غير احالتهم، عبر سيالاته الذهنية المريضة، وخطابه المعبر عن هذه السيالات، الى جرذان، وصار التعامل معهم يقتضى بالضرورة تعاملا غير التعامل الذي يقوم بين البشر والبشر، وانما بين البشر والجرذان، بمعنى الحوار الوحيد الذي يستحقونه هو رشهم بالمبيدات الحشرية، اي قتلهم كما يفعل البشر مع الكائنات المضرة من دواب وحشرات، انه خطاب الطغيان، خطاب الموت، خطاب الثانتوس الذي لا يعرف الا المحق والسحق والقتل.

نعم هذا هو جوهرالصراع الدائر في ليبيا، ولعله كذلك في بقاع اخرى من العالم العربي، استحوذ فيها اجناد الثانتوس على المسرح عدة عقود، وحان بالنسبة لهم وقت الانسحاب، لاعطاء الفرصة لقوة اكثر جدارة بالحياة وجدارة بالحضور فوق ارض البشر، قوة الخلق والابداع والجمال والحب والحرية والخصوبة والنماء.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

[email protected]
www.ahmedfagih.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر ايضا في الاهرام

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع