د. أحمد ابراهيم الفقيه: الفصل الاخير من مسرحية عبثية 18/7/2011 02:55 د. أحمد ابراهيم الفقيه: الفصل الاخير من مسرحية عبثية
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

وفد يمثل حكومة القذافي يذهب الى اسرائيل، يحمل لها هدية من الاقراص الممغنطة، كما جاء في الاخبار، تحمل اسرارا تهم الدولة العبرية، ويطلب منها ان تساعده على البقاء في الحكم، مقابل ان يضمن لها اعتراف حكومته ببلادها، واعطائها موقعا متميزا في سياساته ومعاملاته خلال فترة حكمه القادمة. وبهذا المشهد الاخير الذي يؤديه الزعيم الليبي معمر القذافي، في ربع الساعة الاخير من حياته الساسية، تكتمل حلقات العبث التي ميزت سلوك هذا الرجل منذ لحظة وصوله الى الحكم، قبل اثنين ورابعين عاما، قضاها لاعبا اساسيا فوق مسرح السياسة العربية، يثير الضحك حينا بمواقفه الكوميدية، ويثير السخط والغضب والحزن في احيان اخرى، وفي كل الحالات فان جدارته باعتباره مؤسسا اصيلا لتيار العبث في السياسة العربية جدارة لا ينازعه فيها احد آخر.

مشهد اخير، يمثل بالضرورة لحظة الكشف والتنوير، كما في مسرحيات الغموض والساسبنس، عندما تظهر الحقيقة، ويلتقي المشاهد بالحلول للحظات التعقيد، التي تضع نهاية لحيرته، فيغادر المسرح سعيدا راضيا.

وعلى مدى اربعة عقود ونيف، هي عمر السيد العقيد في الحكم، كان صوته فيما يخص القضية فلسطينية اعلى الاصوات، وكانت الفواتير التي يدفعها من خزينة الشعب الليبي، في عمليات الدعاية لنفسه، كبطل الابطال لهذه القضية، هي اعلى الفواتير، وكانت عاصمة بلاده هي المحج الذي يقصد المغامرون، والافاقون الدوليون، المتاجرون باسم القضية، ليجدوا صاحب الخزينة التي لاتنفد من البترودولار جاهزا للدفع، وبسخاء واريحية ودون تمييز بين عربي واجنبي اونصاب من الشرق او الغرب.

وخلال هذه العقود الاربعة،لم يظهر زعيم عربي يزايد على الفلسطينيين انفسهم، باعتباره اقوى واعظم فلسطينية منهم، اكثر مما زايد هذا الرجل، الى حد انه كان يحتضن في بلاده كل فريق فلسطيني متطرف ينشق على منظمة التحرير، يمنحه الاموال والدعم السياسي والدعم العسكري، ياتيه صغيرا فيصبح بفضله كبيرا، وياتيه حقيرا فيصبح بفضله عزيزا، وياتيه مطرودا مذموما فيصبح بفضله زعيما يناطح زعيم المنظمة نفسه، وهكذا استقبلت ليبيا منشقين ومنتفضين، بدءا من ابو نضال الى جبريل، ومن فتح الخط الصحيح الى الجبهة الشعبية القيادة العامة، كتمييز لنفسها عن القيادة القديمة، الوان من الفصائل والمتطرفين، الذين اقام لهم المعسكرات، وملا جيوبهم بالنقود، وسخر بعضهم للقيام بعمليات فدائية ضد خصومه او ضد اهداف اخرى لا علاقة لها بالقضية، وباسم فلسطين فتح خزائنه وفتح ارضه لاستقبال اعضاء الجبهة العالمية من المناضلين المناصرين للقضية المركزية، وناصرهم في قضاياهم، وفق قانون المعاملة بالمثل، منظمات ارهابية على المستوى الدولي مثل البراجيتي روسو، والبادر ماينهوف، وجماعة الباسك،والجيش الجمهورى الايرلندي، وصولا الى كارلوس الذي قام بتسليحه ومول له عملياته الباريسية الارهابية التي قام بها من اجل انقاذ رفيقته، كما سخره في عملية ارهابية لا احد يدري حتى اليوم دوافعها او اهدافها وهي خطفه لوزراء نفط الاوبيك في فيينا ثم اطلاق سراحهم فيما بعد.

واستخدم من الشعارات والكلمات الكبيرة ما لم يجرؤ على استعماله اكثر الفلسطينيين تطرفا، فهو لا يرضى بغير تحرير كامل التراب الفلسطيني، شبرا شبرا، من الماء الى الماء، ومن الجنوب الى الجنوب، وهو الذي اراد احراج الدول العربية الاخرى فنادي بما اسماه قومية المعركة، وكان سخيا بدماء المواطنين الليبيين، فارسلهم الى جبهات القتال في جنوب لبنان، واقام في ليبيا الاحتفالات بمآتم الشهداء، ثارة شهداء النبطية، وثارة شهداء، الدامور، وثارة شهداء مرج عيون، وباسم القضية الفلسطينية ارسل عجائزالمقاومة الشعبية الى غابات اوغندا للدفاع على الجنرال عيدي امين دادا، عندما ثار عليه شعبه، باعتباره عدوا لاسرائيل، استضاف في مطار بلاده طائرة مخطوفة من قبل الفسطينيين ودفع الثمن غارة اسرائيلية على عنتيبي في كامبالا، ولم يكن لشيوخ المقاومة الشعبية خبرة بالحروب ولا معرفة بالغابات الافريقية فضاعوا اشتاتا، ومن لم يمت على ايدي الثوار فتكت به التماسيح ووحوش الغابة، في واحد من اكثر الفصول رعبا ودموية في تاريخ تعامل العقيد مع شعبه، وكان قد ارسل حرسا من الجنود الليبيين لحماية فيديل بوكاسا الذي هداه الله الى الاسلام على يد العقيد، ودفع له الثمن طائرة مليئة بصناديق البنكنوت لان امبراطور افريقيا الوسطى رفض التعامل بالصكوك والتحويلات والاوراق المالية، وقد اخبرني احد العاملين في مكتبه، انه ظل على اتصال بالطائرة طوال ساعات رحلتها خوف ان تحدث لها عملية سطو في الطريق وليتاكد بنفسه من وصول الثمن، ليلتحق بعد ذلك شخصيا بعاصمة افريقيا الوسطى ويصرف ميزانية كبيرة اخرى على اقامة احتفال صاخب بمناسبة تلقينه الشهادتين، واعطاه اسم صلاح الدين كجزء من اعداده لخوض معركة حطين، ضد الدولة العبرية، ولكن الانقلاب الذي اطاح بصلاح الدين بوكاسا اثناء زيارته لليبيا، قطع الفرصة على ارسال كتائب الجيش الليبي للدفاع عنه، وحرم السيد العقيد من رؤية صلاح الدين الجديد يقود معركة تحرير القدس في حطين.

وباسم المعاداة لاسرائيل اعلن السيد العقيد مقاطعته لعدد من الدول العربية التي تجرأت على فتح باب الحديث او الحوار مع اسرائيل، بدءا بمصر التي لم يكتف بقطع العلاقات الديبلوماسية معها، وانما حرم الليبيين من مشاهدة الافلام المصرية، بما في ذلك افلام اسماعيل ياسين، او سماع الاغاني بما في ذلك اغاني عبد الحليم حافظ التي تمجد الثورة في مصر، بل وصل به الامر الى ان اعلن حربا ضد مصر، سقط فيها مئات القتلى من الجانبين، كما شن حربا على تونس، استخدم فيها بعض التونسيين العاملين في ليبيا ممن جعلهم واجهة لمحاربة النظام الذي اسماه رجعيا عميلا، وقام بالغاء اتحاد، اسماه الاتحاد العربي الافريقي مع المملكة المغربية، لان وزيرا اسرائيليا زار الرباط، ووضع في يده اثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي بالجزائر قفازا ابيض اللون، دليل النقاء والصفاء، قائلا انه يرتديه لكي لا يلوث اصابعه بمصافحة حكام عرب سبق ان صافحوا مسئولين اسرائيليين. واهدر اموال الشعب الليبي شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، بحجة انه ينفقها في الدعاية للقضية العربية ومناصرة القوى التي تتصدي للدوائر الاسرائيلية الصهيونية.

ولاشك ان كثيرا من العرب والاجانب، انطلت عليهم الحيلة، وظنوا ان ما يضعه فوق وجهه من اصباغ الثورة، والغيرة على فلسطين، والعداء لاسرائيل، هي الوان اصيلة، وليست مجرد اصباغ وديكور، ورداء يرتديه للتمويه والكذب، والظهور بمظهور البطولة امام الشعب الليبي اولا الذي سرق امواله واختطف منه بلاده وجعله من افقر شعوب الارض واكثرها تخلفا، ليظهر هذا الافقار، وهذا التخلف، وهذا الاهدار لملايين النفط، كانه ضريبة يدفعها لمناصرة القضية، ثم امام بقية العرب للفوز بشعبية لا يستحقها، لانه يعرف مدى ارتباط العرب التاريخي والمصيري بهذه القضية، ولعل الدولة الوحيدة التي تعرف كذب مواقفه، وحقيقة نواياه هي اسرائيل نفسها، لانه لم يصلها اي اذى مما كان يفعله، بل ان هذا الاذي وهذا الضرر كان ينعكس على الفلسطينيين وعلى قضيتهم،بفضل ما خلقه، منذ ظهوره على المسرح السياسي، من ارتباك، وخلط للاوراق، وما جلبه من سمعة سيئة للنضال الفلسطيني، في اوساط عالمية تكره التطرف والغلو.

واخيرا ياتي هذا الوفد الذي ارسله يحمل الاسطوانات الممغنطة عن اسرار يريد تقديمها للدوائر الاسرائلية، كما يفعل اعتى جواسيس الموساد، في عمليات يقومون به سرا، بينما يقوم هو بها علنا، وامام عدسات الاعلام، بعد ان سقط القناع، وساحت الاصباغ، من اجل ان يكسب الرضا والقبول، والوعد بتثبيته في منصبه حاكما لليبيا غصبا عن ارادة الشعب الذي يحمل السلاح ضده، ليكشف بكل وضوح وبدون لبس او تمويه حقيقة الرجل، ويزيل عنه ركام اثنين واربعين عاما من المكياج والتنكر والديكور الذي كان يستخدمه لتزوير شخصيته الحقيقية، وهي بلاشك مدة طويلة تجعله جديرا بان ياخذ كأس العالم في التمويه والخداع والعبث بعقول وقلوب الناس. فصل اخير في المسرحية يحيلنا الى مسرحية المصيدة الشهيرة لسيدة القصص البوليسية اجاتا كريستي، عندما كان بطل الرواية يصول ويجول بين المتهمين باحثا عن القاتل، ليقدمه الى العدالة، ومن حوله مجتمع، ارعبته الجريمة، يعلق عليه الامال، باعتباره المنقذ، الذي سيضع حدا للعابثين بالقانون، ويزيل هذا الشر الذي يهدد الامن والسلام، ثم في اللحظات الاخيرة التي تسبق هبوط الستار، تظهر الحقيقة ويعرف المجتمع الذي وضع ثقته في هذا لوكيل، كما يكتشف الجمهور الذي لعب بعقله على امتدا د العرض باعتباره ممثل العدالة والقانون، بان هذا المحقق هو نفسه القاتل الهارب من العدالة والقانون.

د. احمد ابراهيم الفقيه

[email protected]
www.ahmedfagih.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر أيضا بايلاف

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع