الليبية: ذكرى 7 أبريل البغيضة تطل علينا من جديد 5/4/2010 14:17 الليبية: ذكرى 7 أبريل البغيضة تطل علينا من جديد
الليبية بحث

* إعادة نشر - (الليبية هي الدكتورة فاطمة الحمروش)

ها هو شبح يوم السابع من أبريل البغيض يطل علينا من جديد ليذكرنا بتلك الأيام السود التي عشناها عاما بعد عام وفُرِضَ علينا فيها الذل علنا. إن هذه الذكرى تعيد إلى الأذهان أحداث الشنق العلني والإغتيالات التي عانى منها الشعب الليبي منذ أحداث الطلبة عام 76 وتصدي نظام القذافي لها على أيدي اللجان الثورية بشتى ألوان القمع من تعذيب وقتل بأشنع وأبشع الطرق علانية وفي الخفاء. إن ذكرى هذه المناسبة والتي يأبى النظام إلا أن يسميها ذكرى ثورة الطلاب، ما هي إلا ذكرى بداية عمليات التصفية الجسدية لابناء شعبنا الباسل ممن وقفوا في وجه الطغيان والظلم وأرادوا الخير لأهلهم ولوطنهم.

 وبالرغم من أن تلك لم تكن أولى عمليات القتل التي إقترفتها الطغمة الحاكمة تحت رعاية القذافي بحق أبناء شعبنا، إلا أنها كانت بمثابة نقطة تحول بارزة في سياسة القذافي تجاه شعب ليبيا، وكانت البداية لعمليات القتل والإغتيال العلنية على أيدي زمر اللجان الثورية حيث كانت معظمها تحدث بدون محاكمات على الإطلاق أو بعد محاكمات صورية، يكون الإدعاء فيها والقاضي أعضاء من اللجان الثورية، لا يملكون أي مؤهلات حقوقية، ويَمْثل المتهم أمامهم بدون حق في ممثل دفاع.

الحكم في هذه المحاكم يكون معَدا مسبقا، بينما تكون المشنقة منصوبة إما بجانب أو خلف المتهم بانتظار تنفيذ الحكم فيه. يتم بث العملية على التلفزيون بينما يُذَلّ المتهم خلال المساءلة أيّما إذلال ليُساق في نهاية العملية إلى حبل المشنقة لكي ينفذ حكم الإعدام فيه بواسطة جلاد آخر من أعضاء اللجان الثورية وسط الأهازيج الثورية والهتافات المتعطشة للدماء، وصيحات التشفي و"النصر" تخرج من حناجر اللجان الثورية إلى أن تبحّ.

وبينما كان كل هذا يحدث، كان آخرون من أفراد اللجان الثورية يقومون برصد ردود أفعال العامة الذين ساقهم قدرهم إلى مكان الإعدام لكي يشهدوا ما يحدث، والويل لمن يشاهده هؤلاء وعلى وجهه علامات التعاطف أو الألم، حيث أنه هو أيضا يتعرض للمساءلة لتفسير إنفعاله.

إنها حقا كانت أيام مرة، أُرغِمنا فيها على تجرع سمها، ومن كُتِبَ له طول العمر بعدها زاده الله صلابة، وقوة إرادة وتصميم على عدم الرضوخ لسطوة الظالم، فمنا من واصل مقاومته ولم يبرح الوطن بينما هاجر بعضنا الآخر إلى أرض الله الواسعة بعد أن ضاقت به سبل العيش الكريم وفقد مقومات الأمان في وطنه، لكي يواصل مسيرته على أمل أن لا تصله يد الغدر في ديار الغربة.

بالأمس القريب، وفي مؤتمر الشعب العام لهذا العام، لم يرف للقذافي رمشٌ حين أعلن رفضه القاطع لإخلاء سبيل من تم سجنهم بتهم سياسية وحكمت لهم المحاكم بالبراءة، وقد جاء هذا رداً على إستنكار أمين العدل لعرقلة جهاز الأمن الداخلي لتطبيق أحكام الإفراج الصادرة بشأنهم. علل القذافي حينها ذلك المسلك بعدم ثقته بما سيشكله هؤلاء من تهديد لأمن المواطنين متى أُطلِق سراحهم، وهكذا فقد ضرب بعرض الحائط لأي فرصة مستقبلية يمكن بها إعلاء كلمة القانون في دولته، معلنا بوضوح أن لا قانون على أرض ليبيا سوى القانون الذي يسنه هو، مستهترا ومستهزئا بذلك بهيبة وعدالة القضاء في دولته، دولة الغوغاء.

ثم بالأمس الأقرب، فاجأنا إبنه وساعده الأيمن سيف بإطلاق سراح نفس الرجال, وقد بدا ذلك للكثيرين كأنه تراجع عما قرره الأب، فهللوا له وأشادوا بعطفه ورحمته، في حين لم يتساءل سوى القلة عما دفع الإثنين إلى إتخاذ تلك الخطوة.

وقبل أن أسترسل في حديثي، أود أن أشير إلى أن شعبنا بجميع فئاته لا يود لأي من أبنائنا سوى العيش الكريم، وعليه فإن ما من أحد منا رافض أو مستاء من خروج هؤلاء أو غيرهم من الأبرياء من سجونهم، إلا أننا وبوجه عام، ما نراه اليوم على الساحة الليبية لا يبشر بالخير، فهذا النظام الفوضوي ليست له أي معالم واضحة، ويمكنه أن يتغير بشكل مفاجئ وبدون سابق إنذار ليقلب جميع الموازين بكلمة واحدة فقط من القذافي، ولسخرية الحال، ففي كل مرة يجد أيضاً من يتلون معه كالحرباء وليبدأ في جوقة التطبيل والتهليل لكل ما يصدر مهما كان مخالفا للمنطق أو العقل، وبدون مسائلة.

لن أبتعد كثيرا في سرد الأمثلة، ويكفي فقط أن أحصر الحديث فيما يتعلق بقضية الإفراج عن المساجين وحدها، حيث أننا إذا تمعنّا قليلا في سلوكيات القذافي وطرق تعامله مع معارضيه، لن نجد صعوبة في أن نرى أنه، وكما يُقال بالمثل الليبي، "لا يذبح ديكه إلا على مطلب"، وعليه فإن ما بدر بخصوص إطلاق سراح الجماعة الإسلامية بالتأكيد لم يكن قرارا فردياً من الإبن ولكنه جاء بناء على إشارة من الوالد واتفاق بين الإثنين، وهكذا ظهر الإبن، في إحتفال مسرحيّ ومفتعل وبحضور السفير الأمريكي، كالبطل والمنقذ، ولم يكن ذلك سوى لذر الرماد في العيون ولكي يستمر مخطط الأب إلى ما هو أبعد.

إن القذافي عوّدنا دوما بأن يأتينا بأغرب البدع، والتي غالبا ما تكون لا أساس لها من الصحة وتنافي جميع الدلائل والقرائن، ثم يبذل بعدها من الجهد والمال ليختلق ما يثبت به صحة ما تنبأ به أو ما حذّر منه! ولذا، فإني لا أستبعد أبدا أن تكون خطوة إطلاق سراح هؤلاء الرجال عبارة عن خطوة مبدئية لكي يثبت "قائدنا وحكيم العالم" صحة نبوءاته وحكمته في القرار.

إن القذافي لديه المال والرجال والإرادة أيضا لتحقيق ما يشاء مما يرغب أن يبدو كأنه "نبوءاته المستقبلية"، وخصوصا عندما لا تكون بعض خيوطها بأيدي أطراف أخرى. نعلم جميعا أن هؤلاء الرجال الذين تم إطلاق سراحهم لا يزالون رهن قبضته حتى بعد خروجهم من سجنهم الصغير، حيث أنهم خرجوا فقط إلى سجن أكبر، وكذلك فإن وضعهم الآن وبهذه الكيفية لهو أخطر. إنهم اليوم معرضون لأمور ما كانوا سيتعرضون إليها وهم محتجزون خلف أسوار السجون، وخصوصا بعد ما حدث في مذبحة بوسليم عام 1996، إذ أنه يصعب جداً على النظام أن يقوم بمذبحة جديدة في هذه الفترة وهو لايزال يسعى لإيجاد السبل إلى لملمة تداعيات الأولى وإخفاء معالمها.

إن الحكم القائم في ليبيا اليوم يطبق مبدأ أن من ليس معه سيتعرض للإذلال والمهانة إلى أن يرضخ ، و بالرغم من الدعاية التي يسَوِّق لها سيف الإبن ومن يجاريه، فإنه حقيقةً لا يرغب في التغيير بأي شكل من الأشكال، سواء كان هذا باسم الإصلاح، أو بأي إسم يمكن للنظام أن يبتكره مستقبلا. ليس من دليل أفضل على هذا مثل ما نراه في الآونة الأخيرة من تغيير المسار لبعض المعارضين السابقين، ليظهروا بحلة جديدة يطلقون عليها إسم "التوبة". إلا أن النظام، وبالرغم من عودة أعداد من المعارضين السابقين وموافقتهم على التعامل مع النظام بدلا من معاداته، نجده لا يزال يصر مع هذا على إتباع نفس أساليب التهديد والترهيب والقمع والعنف التي عهدناها منه منذ أن قام، ولم يبادل "توبة المعارضين" كما أسماها، بتوبة متبادلة من طرفه ليثبت حسن نواياه، بل أنه بين التارة والأخرى يذكر الجميع بأن مخالبه وأنيابه لا تزال كما هي ولم تتغير فيه قيد شعرة.

لا يمكننا أن نصف أحدا بالمبالغة إذا ما تخيل أن تقوم الفئة الحاكمة وبتدبير مباشر من رأس النظام نفسه بعملية إرهابية مفتعلة في الفترة المقبلة في أحدى مناطق ليبيا على شاكلة ما حدث في حادثة الطائرة الليبية رحلة 1103 عام 1992 ، وبهذا يعطي النظام لنفسه الذريعة لكي يشن حملة من الإعتقالات واسعة النطاق بين صفوف الشعب الليبي ممن يتربص النظام لهم ويتوجس الخيفة منهم ولكنه لا يجد سببا مقنعا للقيام بأي عمل تعسفي تجاههم. هذه الإعتقالات ستشمل أعداد جديدة لرجال يرى حكم القذافي فيهم تهديدا لنظامه، وإن حدث هذا فلن نستغرب أن يرحب بهذه الإجراءات عدد لا بأس به من أفراد الشعب الليبي لأنها ستبدو حينها وكأنها جاءت لحماية الشعب وليس لحماية النظام وترسيخ إستبداده واستمراريته. لقد سبق للنظام القيام بهكذا جرائم، ولن يتورع عن تكرارها متى استطاع ومتى استدعت الحاجة.

وفي نفس السياق، إستعدادا من النظام لذكرى يوم 7 أبريل وما سيتبعه من طقوس، فقد طالعنا خبر بتاريخ 3 أبريل في المنارة عن عزم رابطة "كي لا ننسى" أن ترفع قضية ضد المسؤول الأمني والعسكري للجماعة المقاتلة الليبية خالد الشريف والذي أطلق سراحه مؤخرا من ضمن نفس المجموعة.. ولا عجب، فهل من ذريعة أفضل لأجل إعادتهم من جديد إلى السجون؟ وفي هذه المرَّة ستكون تحت غطاء القانون.

إن ما عجبت له هو كيف لهذا النظام أن لا يخجل من سياسة الكيل بمكيالين والتي ماانفك عن ممارستها؟ لقد أعطى النظام الحق لهؤلاء في اللجوء إلى القضاء بخصوص أبنائهم، ولكننا نجده في نفس الوقت لا يعطي نفس الحق لأهالي مجزرة بوسليم حيث أن مسؤولية تلك المذبحة لا تزال مقيدة ضد مجهول، بالرغم من أن مسرح الجريمة ليس بخافٍ على أحد، ولا حتى مقترفيها، بل حتى أن شهودا عيان قد أدلوا بشهادتهم عن الكيفية البشعة التي تمت بها تلك الجريمة النكراء والتي لا مثيل لها سوى المحارق النازية على يد هتلر.

إن تلك المجزرة قد حدثت في تاريخ معروف، وفي سجن تحت إشراف الدولة الليبية، وبأوامر مباشرة من رئيس الدولة نفسه. من المعروف أيضا أن تأمين سلامة كل من يقبع خلف جدران أي مؤسسة حكومية بما فيها الإصلاحيات والسجون هي مسؤولية الدولة وحدها، ولذا، حتى إذا إفترضنا أن المساجين قد قاموا بذبح أنفسهم بأنفسهم، فإن مسؤولية قيامهم بذلك ومسؤولية وفاتهم تقع على مسؤول السجن وبالتالي الدولة، لعدم التأكد من توفر الإجراءات اللازمة لمنع الضرر عن المساجين وتأمين سلامتهم خلال فترة إقامتهم في السجن، فما بالك حينما يكون مصرعهم على أيدي آخرين بالرشاشات والقنابل اليدوية وعلى مرأى ومسمع وموافقة، بل ومساعدة، إدارة السجن نفسها وبأوامر لا يمكن أن تصدر سوى من القيادة الليبية وحدها لا غير؟! إن هذا النظام لم يكلف نفسه حتى بالتحقيق فيما حدث وذلك عن سبق الإصرار والترصد.

لا جديد فيما قاله أمين العدل بخصوص حق أهالي ضحايا مجزرة بوسليم في اللجوء إلى القضاء، كلنا نعرف أن هذا حق مشروع للجميع، ولكن أمر تطبيقه على أرض الجماهيرية على ما يبدو ليس حقاً للجميع. ثم خرج علينا الخضار كقاضٍ مكلف ليدلي بحكمه قبل المداولة.

نلاحظ في حالة القضية التي سترفعها رابطة "كي لا ننسى" أن ما لم يحدث هو أنه لم يخرج لنا خضار جديد ليصدر الحكم مسبقا بخصوص أبناء رابطة "كي لا ننسى" وذلك لعلم النظام أن لا حاجة لذلك فالحكم هذه المرة أيضا جاهز، وليس من صالح النظام أن يقوم بإعداد المقدمات له.

قريبا ستطل علينا من جديد ذكرى 7 أبريل بكل ما تعيده إلى أذهاننا من أحداث مريعة عايشناها وعايشنا ما ترتب عليها من قمع تجاه شعبنا منذ عام 1976، وبقدوم هذه الذكرى المؤلمة، علينا أيضا أن نستعد اليوم لما هو آتِ بعد إطلاق سراح الجماعة الإسلامية. أود أن أذكر القراء أيضا أنه بالإضافة إلى هذا فإن السلطات الليبية قد حددت نفس التاريخ كموعد لمحاكمة السيد جمال الحاجي، وفي هذا لعب على أعصاب أسرته وعلى من يرجون خروجه من سجنه سالما.

إن من عاصر أحداث 7 أبريل لا يسعه سوى أن يشعر بالخوف مما سيجلبه لنا هذا اليوم وخصوصا بعد عودة اللجان الثورية إلى الصدارة من جديد وتكرارها لوعيدها الذي عهدناه في تلك السنوات المؤلمة، "كل يوم هو يوم الفاتح وكل ليلة هي السابع من أبريل".

يراودني سؤال ملح: لماذا تم تحديد يوم 7 أبريل بالذات كموعد لمحاكمة الحاجي؟ نحن جميعا نعرف أن هذا اليوم يعرف أيضا بيوم التصفية الجسدية، فهل ستجرؤ من جديد اللجان الثورية التابعة لنظام القذافي على تكرار ما بدر منها بحق شعبنا منذ السبعينات؟ أدعو الله أن يحمي أخينا الحاجي من أي ظلم قد يقع عليه، وأن يحمي جميع أبناء شعبنا ويبعد عنهم ما قد يجره علينا ذلك اليوم البغيض.

تبقى الأيام المقبلة حُبلى بالأحداث وسننتظر مولدها حسبما يقرر لها القذافي الأب الموعد المنتظر والذي لا مفر منه. وإلى أن نجد لنا مخرجا، الله المستعان.

الليبية

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
حمد الطيب
الموت للخونة والرجعية أذناب الناتو ... منذ 42 عام وهم يمخمصون ويتحلبدون ويتحككون ويتأآمرون وفي الاخر انتصروا ... لصالح من ..؟ اللعنة عليهم الي يوم الدين ...!...
التكملة
عمر
وكأن اليوم عسل وجنة...
التكملة
عبدالواحدالغرياني - مملكة السويد
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ   فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ…...
التكملة