د. أحمد ابراهيم الفقيه: ونظرة من ثقب الباب الى جماهيرية الرعب 22/8/2011 19:00 د. أحمد ابراهيم الفقيه: ونظرة من ثقب الباب الى جماهيرية الرعب
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

"الانسان كائن يتلفت"

وثورة لابطال هذه المقولة

صديقنا الكاتب الساخر الاستاذ على مصطفى المصراتي له لازمة، يعيدها كلما سالناه عن صديق من الاصدقاء هي: ــ مازال عائشا يتلفت. باعتبار ان قدر المواطن العربي ان يقضي حياته يتلفت حوله كلما اراد ان يهمس بكلمة لصديق تتناول شأنا عاما، خشية ان تقع الكلمة في اذن عون من اعوان الحكومة وجواسيسها الكثر فيحصل مالا يحمد عقباه.

وفي حين اختفت عادة الالتفات من حياة المواطنين في اغلب شعوب العالم، بعد ان اكتسحت التحولات الديمقراطية اجزاء كثيره من عالمنا المعاصر، فان اقطار الوطن العربي ظلت تحتفظ بهذه الخاصية، وظل المواطن يخطف الكلمات خطفا، ويقولها همسا، ويتوقع ان ياتي من يستدعيه الى زيارة قصيرة لدى امن الدولة لخمس دقائق تدوم غالبا خمس سنوات ان لم تدم الى اخر العمر، وتحول هذا الالتفات الى اليمين والشمال الى قناعة نتربي عليها بان الانسان كائن يتلفت.

وهي عادة نامل مع الاعصار الغاضب الذي حركته مثل هذه الممارسات، وكان مبعثه مثل هذه الانتهاكات لحقوق المواطن والعدوان على حرياته الخاصة والعامة، ان تنتهي سريعا، لينظم المواطن العربي الى بقية اعضاء المجتمع الانساني الذين يتكلمون دون التفات للشمال واليمين والخلف.

والحقيقة التي يعيها كل مواطن عربي، هي ان اجهزة امن الدولة تورمت وتغولت وهيمنت على فضاءات حياته حتى سدت منافذ النور والهواء، ونصبت جدرانها حوله شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وقد بدا الامر مع الدولة القطرية العربية، كما هو الحال مع دول العالم، بان يكون للدولة اجهزة لادارة الدولة ودواليبها، بينها جهاز للامن، الا ان الحال اختلف في العقود الخمسة الاخيرة التي تميزت بانتهاء الشرعية الدستورية وفصل السلطات وفتح الطريق لشرعية البيان الاول الذي يقوم بالقائه ضابط استيقظ عند الفجر وركب دبابة استولى بها على الاذاعة ومن خلالها على السلطة ونصب نفسه حاكما واحدا فردا لا شريك له، واحتاج بالضرورة الى تثبيت سلطانه بالقوة والعنف، فاعتمد على ذلك الجهاز الذي اكتسب اسمه من مهماته التقليدية في حفظ امن الدولة والمواطنين، واختلفت مهمته مع هذا الحاكم الانقلابي وتحولت الى حفظ امن الحاكم وترويع امن المواطنين، وكان لابد لهذا الجهاز ان يتضخم الى حد انه لم يعد جهازا لامن الدولة وانما صار جهازا، كما يقول المفكر السوري الطيب تيزيني، يبتلع الدولة كلها في جوفه، وتتغير المعادلة وتصير الدولة بكل سلطاتها دولة الامن بدلا من امن الدولة، تعمل وفق قاعدة مفادها تاكيد امن الحاكم مقابل ضياع امن المواطن، ولم يعد سرا ان دولة ريعية كما هي ليبيا، صار بامكان الحاكم ان يعين شرطيا لكل مواطن، وهناك اجهزة للامن السري، بمسميات مختلفة، فاللجان الثورية ومراكز اتصالها المسماة في ليبيا مثابات، ليست الا اجهزة للامن والتجسس، البعثاث الديبلوماسية هي الاخرى ليست الا اجهزة للتجسس لان تسعة اعشار العاملين بها يوفدون من الامن الخارجي والامن الداخلي واللجان الثورية ولا يبقى الا معشار العاملين في الجهاز من الديبلوماسيين، اغلب العاملين في الاجهزة الاعلامية مثل وكالة الانباء ومكاتبها في الخارج من الامنيين، كما ان هناك هيئة اسلامية لها فروع في كل بلد من بلاد العالم اسمها جمعية الدعوة الاسلامية، هي الاخرى ليست الا ذراعا من اذرعة الامن، كذلك شركة الخطوط الجوية الليبية ومكاتبها بالخارج ولم يكن غريبا ان ينحصر الاتهام في قضية اسقاط طائرة البان اميركان فوق لوكيربي، في عدد من العاملين بمكتبها في مالطا وهم فحيمة والمقرحي واخر اسمه جعاكة شارك في المحاكمة باعتباره شاهدا، كما ان اغلب العاملين في شركات الاستثمار الخارجي من اعضاء الاجهزة الامنية، كذلك العاملين فيما يسمى المراكز الثقافية، والملحقات التعليمية، بل ثلاثة ارباع الموفدين في بعثاث للدراسات العليا هم ايضا من الاجهزة الامنية الذين يتولون الجوسسة على زملائهم وعلى اعضاء الجالية الليبية في الخارج، وهكذا كان الحاكم الفرد الذي لا شريك له في الحكم يعتمد على اذرعته ومخالبه وبراثنه وانيابه الامنية للدفاع عن الكرسي الذي قرر ان يجلس فوقه الى الابد تم يقوم بتوريثه لابنائه من بعده، ولا ينافس الحاكم الليبي الا حكام الجملوكيات العربية مثل عراق صدام وسوريا الاسد ويمن عبد الله صالح، ويذكر ان الاجهزة الامنية المعروفة والمذكورة في دليل الهاتف في سوريا 18 جهازا، غير الاجهزة الاخرى التي تتسمى باسماء كودية مثل فروع حزب البعث في الداخل والخارج وبعثاتة السياسية والثقافية والتجارية، ولا ينافس الاجهزة الامنية البوليسية الا الاجهزة العسكرية التابعة للجيش، التي تحولت في سوريا الى ما كان يسمى سرايا الدفاع التي لم تكن وظيفتها حراسة الحدود ولا حماية البلاد من عدوان خارجي،وانما حراسة الحاكم ومحاربة معارضيه كما حدث في مذبحة حماه على ايدي سرايا الدفاع عام 1982 والتي اتخذت في ليبيا اسم كتائب الامن التي تقصف المدن الليبية على رؤوس اهلها كما حدث منذ بداية الانتفاضة في ليبيا عندما هدمت مدن الزاوية وزوارة ومصراته والزنتان واجدابية والبريقة ونالوت ويفرن وجادو وقتل اهلها او شردوا،وهذان الحاكمان في سوريا وليبيا يفعلان ذلك بعد اكثر من اربعين عاما من الجلوس على عرشين مصنوعين من مآسي شعبيهما، حيث يمثل الحاكم في سوريا امتدادا لحكم والده واستخلافا له، بينما استمر السيد العقيد طوال هذه المدة يسيطر بمفرده على مقدرات ليبيا ويحكمها بالحديد والنار حكما فرديا تسلطيا، كتم خلالها انفاسنا فلا احد منا ينطق بكلمة نقد او احتجاج، وكبل ايدينا بسلاسل الحديد واغلق حناجرنا بالطين، وكنا اذا اختلينا بانفسنا ووجدنا مساحة للشهيق والزفير بعيدا عن عيونه وجواسيسه، حاولنا ان نفرج عن انفسنا بذكر ما نعانيه من الام واحزان بشكل شديد التكتم والسرية، وحدث اكثر من مرة ان وجدت نفسي الومها لانني اعيد اجترار ما سبق ان قلته عن حالات الكبت والقهر والانتهاك لحقوق الانسان التي نعاني منها، فكان الرد البليغ الذي سمعته من صديق اديب،واراحني وجعلني لا اخجل من تكرار الشكوى،واجترارها هو:.

ـــ وهل نلوم انسانا يعيد قول اي اي اي تعبيرا عما يحس به من الم، انه من حقنا جميعا ان نكرر هذه الاي بمختلف التلوينات، حتى تنتهي اوجاعنا بانتهاء هذا النظام.

المشكلة ان هذا النظام ظل جاثما بكابوسه فوق الصدور اثنين واربعين عاما وما يزال، وان الصديق الاديب الذي قال لي هذا الكلام غادر هذا العالم قبل ان يغادر النظام حكم البلاد، وهو ما تكرر مع اصدقاء كثيرين حالهم حال هذا الصديق تالموا واشتكوا وغادروا الحياة بينما بقى النظام الذي حلموا بان يروا ساعة رحيله دون ان يرحل، وبين هؤلاء الاصدقاء زميلنا الصحفي رشاد الهوني، الذي كان يقول كلما ضحك ضحكة من القلب، جملته التي يذكرها له اصحابه وهي:

ـــ صدقوني لم اضحك مثل هذه الضحكة منذ يوم الاول من سبتمبر عام 1969.

اشارة الى بداية تاريخ الالم والمعاناة، مع النظام الانقلابي الاجرامي الدموي، الذي انتزع من رشاد الهوني الصحيفة المتميزة التي اصدرها في بنغازي "الحقيقة"، واضطر فيما بعد ان يهاجر بمواهبة الى لندن لاصدار صحيفة اخرى في ارض الغربة، وهاهي الان فقط تاتي الاخبار من بنغازي ان صحيفة "الحقيقة" استانفت الصدور بعد ان توقفت اكثر من اربعة عقود على يد جيل جديد من الصحفيين.

وكان شيخ الادب الشعبي استاذنا الحاج محمد احقيق، من اهل التصوف والعلوم العرفانية، وكان النظام الانقلابي قد قوض كل ما قام به من جهد في ارساء قاعدة للادب والفن الشعبي مثل فرقة الفنون الاستعراضية ومراكز الفن والادب الشعبيين، وكان يشعر ان لديه ثارا مع حكم الجهالة والاجرام، ولم تكن قد مرت غير خمسة اعوام على عمر الانقلاب، عندما جاء يقول، بان الفرج قد جاء، وان اولياء الله، الذين يحمون هذا الوطن، قد قرروا رفع الغطاء عنه وسحب المباركة التي منحوها له، وقد قاموا بانتزاع البردة التي سبق ان وضعوها فوقه، ولهذا فان النهاية قد ازفت، وكان للحاج احقيق عقيدة مفادها "ان ليبيا ترابها ساخن، وان هذا التراب لا يحتمل احدا يعيث خرابا وفسادا وظلما في البلاد" اشارة الى اهل الصلاح والولاية المدفونين في ارضها، ممن سيجعلون الارض تهتز تحت اقدام من يهزأ بتاريخ البلاد ودماء الشهداء الذين حرروها، ويسوم اهلها العذاب والظلم، وكنت اغيظه فاقول له، ان نظاما ابليسيا مثل هذا النظام، لن يضيره ان يغضب اهل الصلاح، ما يهمه هو غضب اسياده الامريكان، فقل لي متى ترفع عنه وكالة الاستخبارات الامريكية الغطاء، وتنزع عنه بردة المباركة، لاقول لك متى ينتهي. وفعلا لم ينته النظام في ذلك العام الذي حدده الحاج، صاحب البشارة هو الذي غادرنا الى الرفيق الاعلى، ليبقى النظام عائشا بعده اكثر من ثلاثين عاما، كل ما حدث للنظام في ذلك العام هو انشقاق للصف حدث بين اعضاء الانقلاب، في المؤامرة التي قادها المرحوم عمر المحيشي وانتهت للاسف الشديد بالفشل والاخفاق ونتج عنها اعدام 26 ضابطا شاركوا في تلك العملية الاحتجاجيةالتي اسماها النظام مؤامرة. وظل السيد العقيد جالسا فوق عرشه الذي ينتصب فوق جبال من الجماجم، يزداد ارتفاعا وضخامة بفضل ما يضيفه كل عام، واحيانا كل يوم، الى هذا الجبل من جماجم وهياكل عظمية للضحايا من ابناء شعبه، وغير ابناء شعبه احيانا.

ويبدو غريبا كيف استطعنا ان نتعايش مع هذا النظام كل هذه الاعوام، ونتحمل الغصص ونصبر على الكوارث، ولا نملك الا ان نحترق ونتعذب في صمت ونحن نرى نظاما او حاكما لا يكتفي باهمال واجبه في تنمية الوطن وترقية المجتمع والمحافظة على امن وامان المواطنين، وانما يقوم بنقيض ذلك، ويمارس اعمالا تتعارض في خط مستقيم مع التفويض الذي تاتي بموجبه الانظمة لحكم بلدانها، فبدلا من تنمية ولاء المواطن لوطنه وغرس قيم الحب والوفاء له، كان راس النظام يصدر النداء وراء النداء لمواطني ليبيا بان يخرجوا منها مهاجرين الى ارض سواها، لانها لا تصلح لاقامتهم ولا تملك شيئا من مقومات الحياة وكانها اضحت فجأة مريخا او زهراء لا تصلح لحياة البشر الذين عمروا هذا الجزء من العالم لاكثر من مليون عام، وعندما راهم يقابلون هذا النداء بالاهمال والرفض، عمد الى اتخاذ اجراءات اجرامية جهنمية ضد هؤلاء المواطنين، قد يجد القاريء صعوبة في تصديقها، وانا لا الومه في ذلك لانها فوق مستوى العقل والمنطق، ولا اقول له الا ان الادلة على صدق ما اقول متاحة بفضل الانترنيت لكل باحث عنها، وعليه ان يتاكد بنفسه من صحة قولي عبر التقليب فيما هو موجود في هذا الفضاء الافتراضي من مواد، بعضها شهادات لشهود من قلب الحدث، وكنت اجد صعوبة شخصيا في تصديق ان النظام كان وراء حقن خمسمائة طفل في بنغازي بفيروس الايدز، او تصديق انه قام بنفس العمل مع شباب كان يحتجزهم بحجة تعاطي المخدرات في هناجر تاجوراء، واجد صعوبة اكبر في تصديق ان النظام كان وراء عملية تفجير طائرة مدنية في رحلة داخلية من بنغازي الى طرابلس ذهب ضحيتها مائة وسبعين امراة ورجل، واجد صعوبة كذلك في تصديق انه ارسل كتيبة الحراسة من مركزها في معسكر القيادة بباب العزيزية، الى المدينة الرياضيةعام 1996 فقتل اكثر من خمسين متفرجا جاءوا مباراة لكرة القدم لا لذنب ارتكبوه الا لان الزعيم لم يكن يحبذ هذه الرياضة ويهجو في كتابه الاخضر مثل هؤلاء المتفرجين الاغبياء الذين يجدون تسلية في شباب يضربون كرة مليئة بالهواء، وهو نفس العام الذي حصلت فيه مجزرة ابوسليم التي تكرر ذكرها في كتاباتي وكتابات غيري وساتجاوزها الى جرائم يندر ذكرها ربما لانها اكثر التباسا واقل وضوحا من هذا الشر الذي لا يغطيه اي ستار، وساحاول ان اكشف الستار هنا عن بعضها واحداها جرائم المياه المالحة والملوثة التي اصر على ان تبقى قدر الليبيين لسنوات عديدة لا يجدون غيرها في شبكات المياه، وقد كتبت احدى الجمعيات الدولية بشانها تقريرا لبلدية طرابلس، تحذر فيه البلدية بعد ان قامت بفحص المياه الماخوذة من حنفيات طرابلس، بان استمرار مثل هذه المياه يقتضي شراء كميات كبيرة من سيارات نقل الموتى لان تضاعف الوفيات هو النتيجة الحتمية لاستخدام هذه المياه في الاستهلاك البشري، وكانت بلدية طرابلس قد تعاقدت على شراءمحطة لتحلية مياه البحر، ويبدو ان راس النظام لم ياخذ علما بها الا بعد ان تم تصنيعها وتحميلها على سفينة قاصدة طرابلس، فغضب عند سماعه بالخبر وامر بطرد عميد البلدية، وامر بان تذهب السفينة الى مالطا، لتعطي المحطة هدية لاهلها ولا زالت هي التي تسقي جزءا كبيرا من الجزيرة، بينما امر ان تغذي شبكة مواسيرالمياه في طرابلس مباشرة من البحر وليس من الابار ذات التلوث والملوحة لانها اكثر احتمالا من ماء البحر، وليتفضل بالتصديق من يريد التصديق، ومن لايريد فان كل ما اقوله له انني كنت شخصيا وانا اتلقى هذه المياه في بيتي استغرب لملوحتها الى ان ابلغني موظف في مصلحة المياه ان الشبكة كلها مفتوحة على مياه البحر مباشرة باوامر القيادة، ومن لا يعجبه الامر فعليه ان يلبي نداء القائد بالهجرة من ليبيا التي يسميها بلاد السباخ المالحة، وهاهو المصداق على كلامه ياتي من المياه التي تدخل الى بيوتنا محملة بالاحياء المائية الدقيقة.

وطالما وصل حديثنا الى البحر، فالسيد الزعيم لا يريد ان يصادر حق الليبيين في الاستمتاع بحاضرهم وحرمانهم من ثروتهم التي تستخرج الان من باطن ارضهم وهي ثروة النفط التي لم يكن شيئا يصل منها الى المواطن، ولكنه يريد ان يصادر المستقبل وما يمكن ان تاتي به الارض من ترواث فيما ياتي من اعوام وقرون، وباعتبار ان النفط ثروة زائلة وان هناك موارد سينتبه الليبيون للاستثمارها من بينها المؤهلات السياحية وجمال الشاطيء وبهاء الطقس الذي يشجع على ارتياد هذا الشاطيء، فقد اخترع مشروعا اسماه تحصين الشاطيء وتامينه، وهو تعبير يمضي مباشرة الى استغلال هذا الشاطيء وتامينه بالعمران ليعود شاطئا مأهولا عصيا على الاختراق من عصابات تريد ان تتسلل الى الوطن كما نرى فيما حدث من عمران في الساحل الشمالي لمصر، ولكن الفكر الشيطاني يقول شيئا اخر عن هذا التحصين والتأمين، فيتعامل مع الشاطيء كانه يتعامل مع ارض عدوة يسكنها الاشرار والمجرمين من خصومه، فيعمد الى مشروع بدأ في تنفيذه هو زرع الالغام على امتداد الشاطيء الليبي وصرف مليارات الدولار لجلب الغام صار سوقها نادرا لان العالم صار يسعى لتخليص نفسه منها، فيحاول شراءها من كل مناطق العالم، وجلب شركات لزرعها، وقد استطاع تلغيم اماكن كثيرة من المنطقة الوسطى للبلاد، وما زال ساعيا لاداء هذه المهمة، ادراكا منه ان مستقبل ليبيا كامن في هذا الشاطيء الذي سيتحول الى مورد رزق في مستقبل الايام وفي عقود قادمة يكون النفط قد نضب خلالها من البلاد. وقد قام النظام، بتنفيذ هذا المشروع الابليسي الذي ينسب عادة الى تلك الطاقة الكونية من الشر فيسمى اسما مقتبسا منها هو" مزارع الشيطان"، لا في وقت الحرب كما هو الحال في مزارع الشيطان التي زرعتها الجيوش الاجنبية ابان الحرب العالمية الثانية في الصحراء الغربية بين مصر وليبيا، ولكن في وقت السلام، ثم عندما جاءت حرب النظام مع شعبه، وجدها فرصة لزرع حدائق الشيطان فى اماكن اخرى غير الشاطيء، وهو عمل كان محل ادانة من منظمات دولية عندما قام بتلغيم الجبل الغربي ومصراته وصحراء الواقعة بين اجدابيا والبريقة.

وقد لا يصدق القاريء لهذا المقال، ان النظام، كان يجلب للبلد موادا مسرطنة عقابا لهؤلاء المواطنين الذين رفضوا تلبية نداء الهجرة، ولابدا بذكر حقيقة يعرفها الليبيون جميعا، وهي انه في حين اكتسحت العالم موجة اصدار التشريعات التي تمنع بل تحرم انشاء الصوبات الزراعية لما ثبت من امكانية ان تتاثر منتوجاتها بمواد مسرطنة تستخدم في هذه الصوبات، بدأ النظام في ادخال هذه الصوبات الى ليبيا وقد كانت خالية منها، وتسهيل استيراها والتوسع في بيعها بتسهيلات وقروض ورفع اية رقابة على منتوجاتها، وطبعا لا يفتقر البلد الى تجار واصحاب مزارع جشعين استغلوا هذا الشر والاجرام وانخرطوا شركاء في التربح والكسب الحرام بزيادة المواد الكيماوية الى حدها الاقصى، وتذكرتقارير صحفية واعلامية موجود بعضها في شبكة الانترنت عن اكتشاف مواد مسرطنة مجلوبة من الخارج، مثل مليوني علبة طماطم من الصين وكمية مماثلة من زيوت الطهي دون ان يجري اي تحقيق عن كيف جاءت ومن جاء بها وكيف تستمر الشركة التي ادخلتها للسوق دون عقاب او مساءلة وكيف تستمر في اداء عملها، ولهذا لم يكن مستغربا ان تتحدث التقارير الطبية عن ازدياد حالات الاصابة بامراض السرطان في ليبيا حتى اصبحت اشبه بالوباء دون ان تبادر الدولة باستقصاء الحالة او حتى اصدار تقارير من وزارة الصحة عن حقيقة المرض، ولذلك فاننا يجب الا نستغرب عندما نقرأ الحكاية التالية وهي اكثر الحكايات رعبا في هذا المجال، وامل ان تخضع هذه المسالة لتحقيق عاجل فور سقوط هذا النظام، ومعاقبة كل من ساهم في ارتكاب هذه الجريمة، وهي ما سمعته من كاتب واستاذ جامعي ليبي اثق تمام الثقة في صدق روايته، جمعته في ذات مرة مادبة عشاء اقامها سفير سابق لعدد من رجال الاعمال الاجانب، ابدوا امامه وامام السفير استغرابهم، لان ليبيا قامت بشراء اراض زراعية شاسعة بمناطق في اوكرانيا قريبة من تلك المناطق التي ما زالت تحت تاثير الاشعاع المسرطن للمواد الزراعية وللحيوانات التي يستعمل لحمها للاستهلاك البشري، ولم يكن هناك شك في ذهن الاستاذ الجامعي ودهن صديقه السفير الليبي السابق (وكلاهما موجود في طرابلس الان) ان المشروع يهدف الى جلب منتجات زراعية ولحوم من تلك المناطق، مازالت تحمل اشعاعات مسرطنة، وبيعها للمواطن الليبي في اطار مشروع الحكومة للقضاء على هذا الشعب الذي يرفض الاستجابة لنداء الزعيم بالرحيل الى افريقيا وترك البلاد لقوم اخرين يجلبهم بدلا منه، وللنبي الكريم سيدنا محمد (صلعم)حديث يقول فيه "ولو لم تذنبوا لجاء الله بخلق جديد" ولكن الزعيم الليبي يريد ان يفعل هذا الفعل الالهي مع شعبه لانه راى انه سيخضع في يوم من الايام لمحاسبته، ولن يرتاح الا اذا استبدله بشعب اخر، يدين له بحق الحياة وحق البقاء، وقد سعى لجلب هذا الشعب من مصدرين هما مصر والمغرب ولم يجد موافقة من حكومتي البلدين في مسعاه كما ذكرت بتفصيل اكثر في مقال غير هذا المقال.

وهاقد صدق حدس السيد العقيد، وما توقعه من ان الشعب الليبي، سينتفض ذات يوم ويخرج من بيوته،عازما على تصفية الحساب معه، وتوقيع العقاب عليه، و قبل ان يتمكن المسكين من تنفيذ مشروعه بابادة الشعب الليبي، او ترحيله الى مجاهل القارة السوداء، واحلال شعب اخر يدين له بالولاء، ولا يساله حسابا ولا يطلب منه حقا ولا باطلا، كما يفعل هذا الشعب الان الذي يري ان بلاده تم اختطافها من بين يديه، على يدي السيد العقيد وايدي عصاباته، ولابد ان يستردها منه بالقوة اذا شاء، وهو ما مضى لتحقيقه بصبر وعزيمة واستبسال.

كان العقيد الليبي مغرما بالقاء اسئلة عبثية عما يريده الشعب، دون ان يعنيه ماذا يكون الرد او يعير انتباه لما يقوله الشعب او يريده حقا، لكنه لو جاء يسأله اليوم عما يريده من وراء هذه الانتفاضة ضده لكان جوابه بانه خرج لكي لا يحتاج بعد اليوم ان يلتفت شمالا ويمينا كلما اراد ان يفتح فمه بالكلام.

 د. أحمد ابراهيم الفقيه

[email protected]

www.ahmedfagih.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشر ايضا بصحيفة الحياة

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
نعم عنوانك ينطبق عليك
يا سيداحمدابراهيم الفقيه لك اكثر من اربعة عقود تنظر الي الشعب الليبي من خلال هذا الثقب ولم نسمع منك غير المديح للطاغية فركح روحك شوية...
التكملة
Prof Writer
Good writers write to express not to impress...
التكملة
ناقذ
لماذا هذا الإسهاب والإطناب في كل مقالانك ياهذا ، فخير الكلام ما قل وأفاد...
التكملة
د.ابومالك العلاقي
غريب حقا يا سيادة الاديب، اوتتسائل الان بعد لائ، وانت من انت، الذي قضيت ردحا من الزمن ليس بالقصير تمجد زعيمك ورفاقه، واخرها كان في احدى الندوات التي سبقت اندلاع…...
التكملة