أ.د خالد المبروك الناجح: ملاحظة حول جمعية 3/11/2011 10:11 أ.د خالد المبروك الناجح: ملاحظة حول جمعية
أ.د خالد المبروك الناجح بحث

صاحبت معظم الحروب عبر مراحل التاريخ فضائع وانتهاكات مختلفة لعلّ أشنعها سبي النساء واغتصابهن إمعانًا في إهانة الأعداء وإذلالهم، ولعلّ أقدم ما وُثِّق منها ما تناهى إلينا عما اقترفه المقاتلون في حروب الإغريق وحروب الرومان. منذ حوالي قرن استخدم الجيش الألماني بصورة منظمة اغتصاب النساء كسلاح في حربهم ضد بلجيكا، وفي الحرب العالمية الثانية اغتصب الجيش الياباني ما يقارب 200000 امرأة كورية، وأُقترف في الحرب الأهلية الرواندية فضائع كثيرة بهذا الخصوص بين قبائل الهوتو و التوتسي، كذلك استعمل الاغتصاب كسلاح على نطاق واسع وبصورة جماعية في البوسنه ضد المسلمات امام عوائلهن من قِبَل الصرب.

كثيرة هي الانتهاكات في الحروب بين الأعراق أو المعتقدات المختلفة، حتى وإن كانت ضمن البلد الواحد كما أسلفت بمثالَي يوغوسلافيا السابقة ورواندا أو كما حصل في انفصال بنغلاديش عن باكستان حيث تم اغتصاب حوالي ربع مليون فتاة أو امرأة بنغالية من طرف الجنود الباكستانيين (لم يمنعهم من ذلك أن الجميع مسلم!).

لا تسعفني ذاكرتي بمثالٍ عن ارتكاب مثل هذه الفضائع من حاكم أو قائد عسكري، مهما استبد، على بني قومه المتجانسين في الدين والعرق، وبالتالي فأعتقد أن ما حدث في ليبيا من طرف الكتائب الأمنية سبقًا مشينًا ومخزيًا ارتكبه النظام السابق مستعينًا بمرتزقة تأتمر بالمال لا ضمائر لها وكتائب أمنية تؤلِّه الحاكم ولم تَجد الفضيلة ولا الأخلاق السوية سبيلاً لقلوب أفرادها نظرًا للتنشئة الغير سوية التي جُبلوا عليها وغسيل المخ الذي تعرّضوا له.

أُجزم بأنه لا يوجد أي اختلاف حول مبدأ وضع الأولوية المطلقة للاهتمام بضحايا ثورة 17 فبراير من الجرحى والمنتهكة أعراضهن، وقد سُعدتُ بتقارير إعلامية تُعلن عن قيام إحدى الأخوات الفاضلات بإنشاء (جمعية التوفيق بالحلال: للتوفيق بين أبناء الشعب الليبي من المغتصبات والشباب الذين تعرضوا للإصابة من جراء مشاركتهم في الجبهات)، وإذ أؤكد على نبل المقصد من انشاء هذه الجمعية، فإنني أُنبِّه من وجهة نظرٍ خاصة إلى نقاط قد تشوبها لعلّها خفيت على من بادر بها، فربما تمَّت الاساءة دون وعي للفئتين (الجرحى والمغتصبات) بهكذا مبادرة، فأخواتنا المغتصبات هنّ شريفات نقيّات طاهرات لم ينقص من قدرهن ذلك العمل الوحشي شيء (ولا يوجد عاقل لا يتفق مع ذلك)، ونُقدِّر الضرر النفسي الجسيم الذي حلَّ بهن، ويجب أن نوليهن كأهل وكمجتمع كل الدعم لتجاوز ما حلَّ بهن، ولا أعتقد أنّ مَيزهنّ واقتصار فكرة تزويجهن بأولئك الأبطال الذين نعتبر أن أي جرح فيهم أو طرف مبتور منهم وسامًا يستحق التحية منا لهم كلما رأيناهم، لا أعتقد أنّ هذا يَصُبُّ في ذلك الاتجاه. بالمقابل فإن اقتصار فكرة تزويج هؤلاء الأبطال من حرائرنا المعنيات مَيزًا غير مقبول. أتمنى من الأخت الكريمة التي تبنّت الفكرة أن تطوِّرها لتشمل تسهيل تزويج الضحايا دون تحديد، فالتمييز بقصر الفكرة على الاختيار بين فئتين دون الباقي يعتبر في حد ذاته إساءة وإن لم نقصد، والله من وراء القصد.

أ.د خالد المبروك الناجح

أستاذ بكلية الطب البشري/جامعة طرابلس

لا تعليقات على هذا الموضوع