أ.د خالد الناجح: من طبعنا الوفاء، ولا يُمثِّلنا المشككون والغوغاء 10/11/2011 13:45 أ.د خالد الناجح: من طبعنا الوفاء، ولا يُمثِّلنا المشككون والغوغاء
أ.د خالد المبروك الناجح بحث

نعمت ثورتنا بمباركة ربّانية نسفت كل ما كان يُخطِّط له النظام السابق من احياءٍ للجانب السلبي من القبلية ومحاولة إذكاء نعراتها على مدى عقود، وأجهضت محاولات الفتنة المقيتة التي سخّر لها على نطاق واسع ماكنة إعلامية ضخمة جنَّد لها بمال الشعب المسروق شركات إعلامية عالمية كُبرى، لكن قلوب الثوار تآلفت وتوحّدت خطاهم وتكاتفت جهودهم بصورة منقطعة النظير أعطت نموذجًا مُلهِمًا لكافة المضطَهدين والمقموعين من شعوب الأرض يقتدوا به للخلاص من جلاديهم مهما كانوا قاسين وعتاة.

وضعت حرب التحرير أوزارها، وحين لم تجف الدموع ولا الدماء بعد، خرجت علينا أصوات نشاز قليلة العدد لكنها عالية الضجيج والضوضاء: هذا يُصوِّر أنّ ما أنجزه شعب عظيم بأسره ما كان ليحدث لولا جهوده وتحركاته ومناوراته الخارقة! ناسبًا أمجادًا وهمية لنفسه ولا يألو في سبيل دعم هذه الفكرة النرجسية المُشوَّهة والمُشوِّهة أن يتهجّم على غيره محاولاً الانتقاص منهم، وهؤلاء الذين يقفزون فوق كل التضحيات ليخوضوا جولات من التناحر المحموم لا مكان فيها لأي مستوى من الأخلاق، وأولئك الساعون للانتقال من سلطة زائلة إلى سلطة واعدة! مسخِّرين بعض المال الذي نهبوه وكل(مواهب)الخبث والرياء والتملق والمداهنة التي اكتسبوها من زمنٍ ولّى غير مأسوف عليه إلى غير رجعة، ليوظفوها تحت مصطلح الانشقاق في عهدٍ جديد يُمَنّون أنفسهم بالصفح عمَّا يبدو غير قابل للصفح وبجني مغانم أخرى وإن اختلفت السُّبُل والوسائل.

نحن شعبٌ لم نكن ولن نكون أبدًا ناكرين للجميل من أيٍّ كان فما بالكم إن كان من الأشقاء، وقد ساءني أن يحاول أحدنا إدارة الظهر لمن ناصرنا وتبنّى قضيتنا في وقتٍ كان كل العالم يُفَكِّر بحساب المصالح والربح والخسارة ويراهن على الأقوى دون أن يكون له أي اعتبار للأخلاق أو لحقوق الإنسان، فكيف لنا بعدما كلّل الله كفاحنا بالنصر أن نتنكّر لمن دعمنا بكل أشكال الدعم المادي والمعنوي ووصفنا على لسان مسؤوليه بأننا شعب عظيم لا نتسوّل ولا نتوسّل، فإن كان لنا بعض المآخذ على تصرفات معينة فإنه من الأجدى والأولى أن نستجلي الأمر أولاً عبر مؤسساتنا فإذا ثبت ما لا يروق لنا ويخدم مصلحتنا الوطنية وجب أن نُعاتب ثُمّ نحاور وبعدها لكل حادث حديث، لكن إطلاق التهم جُزافًا من باب سرقة الأضواء والسعي للنجومية والشهرة لا يخدم الوطن ولا يخدم من يوهم نفسه بذلك، فلا يَحُطّ من قَدَر المرء شيء قَدْر أن يُوَظِّف عملاً وطنيًا سخّره الله لفعله ليحاول أن يبني عليه مجدًا شخصيًا فتكثر عثراته كلما كثرت تصريحاته، وقد قيل قديمًا " إذا كان الكلام من فِضّة فالسكوت من ذهب "، فما الحكمة في أن يطعن المرء بكل أريحية في جميع تصرفات من كان بمطلق إرادته ورغبته شريكًا أو تابعًا له، ولِمَ لم ينزوِ جانبًا عسى أن يغفر له دوره في الثورة تاريخًا غير مجيد لا يُمحى من الذاكرة بسهولة، ونحمد الله أنّ (مِربعًا لم ينعم بطول سلامة بُشِّر بها)!!، وانطلقت بداية نهاية الطغيان من شرقنا الحبيب المُلهِم.

لقد كانت ثورتنا العظيمة نتاج تكامل وتعاضد مختلف المناطق، فجاد شرقنا العظيم بعد تحريره بالرجال والسلاح حين كانت معظم المناطق ترزح تحت القمع وبعضها يئنُّ تحت الضربات الموجعة في الزنتان وباقي جبل نفوسة وفي مصراتة والزاوية وزوارة، وغيرها من مناطق قُمعت مبكرًا على رأسها العاصمة، وقد كان تواضع الثوار و إيثارهم على أنفسهم ورفضهم أن يُنْسب النصر في مواقع بعينها لطرفٍ أو منطقة معيّنة مهما كان لتلك المنطقة من دورٍ مؤثر في حسمها مبعث فخر لكل الليبيين الذين كان يُنسب لكل ثوارهم النصر الذي صنعوه، وقد كانت مصراته مثلاً يُحتذى في هذا الشأن.

من المؤسف أن نسمع ترديد اتهامات يصدرها قِلّة مِمّن ساءهم نجاح هذه الثورة المباركة فنراهم يحاولون إلصاق التهم بالثوار هنا وهناك، مرَّة بثوار مصراتة ثُمّ بثوار الزنتان وهلمّ جرا. بالتأكيد هناك بعض التجاوزات من قلّة قليلة مِمّن ينسبون أنفسهم للثوار، ولا أحسب أنّ أحدًا يدّعي بأن هناك مجتمع ملائكي في أي مكان على سطح هذا الكوكب، لكن أن يتطاول المرجفون على الأشراف ليكيلوا لهم التهم بالباطل ويؤلّفوا عليهم النكات الساخرة المَسْخرة فذلك ما لا يتقبّله حر ويجب أن نتصدى له بكل حزم. سأضرب بمنطقتي مثلاً واقعيًا للاستدلال على التآزر والتعاضد في مجتمعنا المتآلف، فحين كانت صبراتة تقبع تحت القبضة الحديدية للكتائب وجد ثوارها الملاذ الآمن في مدينة الزنتان التي احتضنتهم وآختهم ودرّبتهم وسلّحتهم كما غيرهم ليساهموا كأخوانهم في التحرير، وقد حذت حذو الزنتان الكثير من المدن الليبية الأبيّة في ملحمة تدعو للزهو والمباهاة بأننا ننتمي لهذا البلد المعطاء الذي تفرض علينا مواطنته أن نتصدى بلا هوادة لمن يريد أن يحدث شرخًا في بنيانه أو يشعل فتنة بين أهله.

أ.د خالد المبروك الناجح

أستاذ بكلية الطب البشري/جامعة طرابلس

لا تعليقات على هذا الموضوع