أ.د خالد المبروك الناجح: إخفاقات النُّخبة 23/11/2011 19:04 أ.د خالد المبروك الناجح: إخفاقات النُّخبة
أ.د خالد المبروك الناجح بحث

بدايةً أودُّ أن أُبدي تحفُّظي على مصطلح النُّخبة لقناعتي الشخصية باستعلائية هذا اللفظ وهلاميّته من جهة، وللأداء المُخيِّب للآمال الذي شهدناه من فئة غير قليلة ممَّن يدّعون أنهم ينتمون لهذا التصنيف من جهةٍ أخرى، لكنني أجد نفسي مضطرًّا لاستخدام هذا المصطلح بالمعنى المتعارف عليه كي أُوصل ملاحظاتي للقارئ.

بالرغم من التضحيات الجسام التي كانت إحدى سمات هذه الثورة المباركة والتي كانت نتاج مواجهة شعبٍ لنظامٍ دموي قمعي جنَّد كل إمكانات البلد وخيراته لحماية وجوده دون غيرها، فقد كانت المظاهر السلبية التي عادةً ما تُصاحب الحروب قليلةً لدرجةٍ تُقارب الانعدام، مِمَّا جعل ثورتنا المباركة استثناءًا لقاعدةٍ جعلت جُلّنا يخشى من سيناريوهات سوداوية لأعمال انتقامية على نطاقٍ واسع وفوضى وتخريب ونهب قد تصاحب انتهاء العمليات العسكرية، لكنّ أداء عامّة الشعب كان قمّةً في الروعة فيما يخص التسامح والانضباط والحرص والشعور بالمسؤولية والمواطنة في أبهى وأجمل صورة جعلتنا مثالاً يُحتذى ويُقتدى به، وملأتنا فخرًا ونشوةً واعتزازًا بأننا ننتمي لهذا البلد العظيم الذي حاول اللانظام السابق أن يطمس هويِّته وتاريخه المُشرِّف ودماثة خلق أهله وأصالتهم دون جدوى، فماذا فعلت (النُّخبة)؟!.

لا أُريد أن أتجنّى على كل من يُصنّف أو يُنسب لهذه الفئة، فقد كان منهم من ساهم بشكلٍ مباشر في القتال أو غير مباشر بصُورٍ متعدّدة، وهناك منهم من آثر ترك رغد العيش ومغريات الدُّنيا بالخارج ليساهم في معارك الداخل،وقد كانوا خير مثال للإيثار على أنفسهم، لكن الواقع يقول بكل مرارة أن الغالبية مِمّن طفحوا على السطح إعلاميًّا لم يكونوا عند المستوى المأمول منهم والذي يفترض أن تمليه عليهم مرحلة دقيقة وحرجة،وقد رأينا النرجسيّة وتضخُّم ال(أنا) عندهم بدرجة مَرَضيَّة تشي بأنّهم الأكثر تأثُّرًا بعقلية وسلوك النظام السابق فترى في داخل كل منهم (قائدًا)! قد يصغر أو يكبُر، ولا أعلم إن كان الاحتكاك او الالتصاق المباشر لبعضهم بمنظومة العهد السابق سببًا في ذلك، فلا أجد مبرِّرًا لمن يُريد أن يُوظِّف قيادته لفصيلٍ مُعيّن لفرض أفكاره واختياراته بقُوّة السلاح وكأنه يُكرِّر ما قاله من سعِدنا بانتهاء حكمه : "أنا خذيتها ببندقيتي"!، ولا أستطيع أن أتفهّم من يريد، بعد وعده بالانزواء، استثمار كلمته الموفّقة في منبر أُممي ليجني مكاسب سياسية فينتهي الأمر إلى مبادرات وتصريحات متخبّطة تُسيء أيّما إساءة للدبلوماسية الليبية وللمصلحة الوطنية، ولا أستوعب تردُّد آخر وتضارب أقواله حول ممارسة العمل السياسي من عدمه ليُذكِّرنا بتهديدات عبد الناصر والقذافي وصالح بالتنحِّي!، كما أستغرب استخدام فزّاعات كثيرة تُذكِّرنا بفزاعات القاعدة وغيرها فتشاء الأقدار أن تنفي الأحداث صحّتها بعد إطلاقها بأيام معدودة،ويصدمني أداء بعض من أتت بهم الصُّدفة ودِقّة الظرف في بداية الثورة المباركة لتحمّل مسؤولية ملفّات بعينها فنراهم يتصرّفون كما كان يفعل بعض (الأُمناء)؟! في عهدٍ غير مأسوفٍ عليه،ولا أكاد أُصدِّق أنه بعد كل هذه التضحيات وكل هذه المعاناة لعقود تخرج علينا قنوات فضائية تبثُّ لتلميع شخصيات مُعيّنة وتمرير مشاريع بعينها وتضع مصلحة الوطن المُجرّدة من المصالح الشخصية آخر أولوياتها إن كانت فيها أصلاً، وكلّنا يعلم ما للإعلام من سطوة، فقد رأينا بعض من وظّف تواجده بدول تواجد قنوات مشهورة (أو سافر لها عمدًا) ليُعَلِّق على مسار الثورة بتعليقات كان بعضها إيجابيًّا وبعضها سلبيًّا بينما لم يُقدِّم جُلّها أو يؤخِّرمن الأمر شيئًا،رأيناهم يطالبون بثمن ذلك سياسيًّا حتى وإن اضطرّهم الأمر لتغيير جلودهم!.

هذه نماذج فقط، والأمثلة كثيرة جدًّا، لإخفاقات وممارسات سلبية صدرت من بعض من يُصنّفون بالنخبة والمتوجِّب علينا نقدهم وتعريتهم، فلا يجب أن نترك لهم المجال يسرحون ويمرحون على حساب تضحياتٍ جَمّة لشعبٍ عظيم، لكن ذلك لا يعني أن نُشكِّك في كل شيء وكل أحد دون إعطاء القرائن والأدلّة كما يفعل البعض من المثقفين مِمّا يصُبّ في سلّة الاخفاقات المعنية، بينما يحاول البعض زرع الأشواك في طريق من تمَّ انتخابه بالكيفية المتاحة وبصورة لم نعهدها من قبل، بدل منحهم الفرصة والمناخ الملائم، فلنتفائل حسبما نراه مبشِّرًا بأداءٍ طيّب من طرفهم، وإلا فلكلِّ حادثٍ حديث.

أ.د خالد المبروك الناجح

*أستاذ بكلية الطب البشري /جامعة طرابلس

لا تعليقات على هذا الموضوع