أ.د خالد المبروك الناجح: إلى المجلس الوطني الانتقالي: تذكرة لمن شاء أن يتذكر 17/12/2011 15:14 أ.د خالد المبروك الناجح: إلى المجلس الوطني الانتقالي: تذكرة لمن شاء أن يتذكر
أ.د خالد المبروك الناجح بحث

إنتابني خلال الأسابيع الماضية شعور بالإحباط مرجعه الإحساس باللاجدوى مِمَّا نكتب وأنّ "نفخنا صار في رماد"، وأنّ من نحاول أن نوصل إليهم هموم الشارع ومخاوفه رُبّما لا يفهمون لُغتنا ولا يعترفون بوسيلتنا في التعبير، وما كتاباتنا إلّا وسيلة حضارية عساها تردُّهم عن غيِّهم وتُجنِّبهم مواجهة اللغة والوسيلة التي يبدو أنهم لا يفهمون سواها، وهُم في ذلك يُطبِّقون على الواقع ما جاءت به الأمثال الشعبية: "دير ما تحب واسمع ما تكره" و "دير وذن من طين ووذن من عجين"!.

ما شجّعني على أن أخرج عن صمتي هو الحراك الشعبي الاحتجاجي المشجِّع المُبشِّر بالخير والمُعبِّر عن السخط والغضب من أداء المجلس الوطني الانتقالي الذي شهدته بعض المدن، وكذلك خروج بعض أعضاء المجلس الانتقالي،مِمّن سجّل لهم التاريخ مواقف لا تُنسى، عن صمتهم وانحيازهم للشعب الذي عانى الأمرّين ولا طاقة له لمزيد المعاناة، وما أثارني واستفزّني هو التأكُّد مؤخّرًا ممَّا كُنّا نسمع عنه من تخاذل ونكوص في بداية ثورتنا المباركة من قِبَل بعض قيادات وأعضاء المجلس الانتقالي الذين يدَّعون الأمجاد وينسبون لأنفسهم بطولات وهمية سوَّقها إعلام مضلِّل،لكنها بدأت تنكشف، ولا أصدَق من قول المولى عزّ وجل: "فأمَّا الزّبَد فيذهب جفاءً وأمَّا ما ينفع الناس فيمكُث في الأرض".

أٌقول لبعض أعضاء المجلس الوطني الانتقالي،الذي لا أُنكر أنّ به ثُلَّة من خيرة الغيورين على الوطن، أنّه ما بات يُفيدكم التشدّق بالكلمات ولَوك الألفاظ المُنمَّقة بأفواهٍ كانت إلى زمنٍ غير بعيد تلهج بمديح الطاغية و(جماهيريته البديعة)! وأنّ ما نريده هو الأفعال وعدم النكث بالوعود، ونبذ التسويف والغموض.

أقول لنائب رئيس المجلس أنّ ذاكرتنا حيّة ومتوقِّدة لم تنسَ ما كان يجري بماضٍ بعيد ولا بماضٍ قريب جرت أحداثه بالمحكمة إبّان تفجّر ثورتنا المجيدة، ولم تنسَ أيضًا عدم مصداقيتك، وأُورد على سبيل المثال ما حاورتك به إحدى المحطّات في فترة ما فسألَتكَ عن مدى صحة حصولكم على أي دعم مالي من الخارج وكان ردّك أنكم لم تحصلوا على مليم واحد من أي جهة، وأُعيدَ عليك السؤال وكان ردّك مؤكِّدًا قاطعًا فبودرتَ بالسؤال عن مبلغ مالي مُسال وكبير نسبيًّا (ذُكِر بالقيمة) قدّمَته إحدى الدول الصديقة فتلعثمت وقلت: "هذا هو المبلغ الوحيد"!. نذكُر ذلك ونذكر غيره الكثير وسيأتي وقته!.

أقول للسيد المستشار مصطفى عبد الجليل إنني لستُ استثناءًا من جموعٍ إلتفَّت حولك وآزرتك، وأنّ قلبي كاد أن يتوقَّف يوم سمعنا الإشاعة البائسة من نظامٍ بائد بأنّك قُتِلت، لكنّني من باب الحُب في الله أقول لك لو أنّك استقلت بعد التحرير كما وعدت لكنتَ أنت الرابح الأكبر (وربّما نكون من الخاسرين لافتقاد شخص شبه مُجمع عليه) ليُسَجِّل التاريخ ما أنجزته في مرحلة حاسمة بمدادٍ من ذهب، ولتتجنَّب هفوات وسقطات غير مُبرّرة لا أعرف شخصيًّا لها تفسيرًا، رُبّما كانت نتيجة ضغوط تتعرَّض لها من أطراف عديدة كان من الحكمة ألّا تنقاد لها حتى لا تقع في هذه الأخطاء التي أشعر أنها انتقصت ممّا فعلتَه الكثير، أم تراك اعجبتك اللعبة وأفقدتك صوابك وتوازنك وحكمتك، وصار الهتاف " يا جليِّل" يثير في نفسك الزهو والخيلاء و"ما حدِّش خير من حد"!!. ألم يقل لنا القذافي يومًا: "نحن ثرنا من أجل أن يصبح الليبيون أحرارًا ونحن لم نأتِ من أجل الكراسي أو السلطة"؟!.

أقول لكافة أعضاء المجلس الإنتقالي أنكم لا تستمدّون سلطتكم من الشعب بل من سكوت الشعب الذي رأى فيكم كيانًا سياسيًا مُهمًّا أدّى دورًا حاسمًا في إنجاح ثورتنا المجيدة بما أسكت الشعب عن إبداء تحفُّظه وجعَله يتغاضى عن عضوية البعض منكم وعن غموضكم والكثير من التحفُّظات عن تصرُّفاتكم خلال تلك الفترة، لكن الشعب ضاق ذرعًا بعبث بعضكم وبعدم احترام القرارات التي تقررونها والمواعيد التي تحدِّدونها بأنفسكم، وفاض به الكيل وهو يرى التجاوزات المالية وغير المالية التي تقومون بها رغم وعودكم المتكرِّرة بالشفافيّة ونشر البيانات المالية وكافة تفاصيلها أسبوعيًا، وكانت ردة فعلكم إزاء المظاهرات المندِّدة بتصرُّفات المجلس هي الكشف عن أسماء الأعضاء بعد تسعة أشهر ونصف من إنشائه، ويا لهُ من إنجاز!. إذن أنتم اختزلتم مطالب الجموع الغاضبة في إنجازكم هذا؟!. أنتم واهمون إذن، وستصطدمون بِلُغةٍ لا أُجيدُ شخصيًا الآن استخدامها، لكنّني قد أجد نفسي مضطرًّا لتعلّمها.

أخيرًا ألا يحقّ لنا طرح السؤال الكبير الذي يفرض نفسه بقوة ولا ننتظر له إجابة لأنّ إجابته أوضح من شمس الظهيرة في يوم ساطع: كيف يحقّ لمجلس مؤقت اقتضته مرحلة ما، لم ينتخبه الشعب أن يختزل كافة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية في كيانه ويتّخذ القرارات المفصلية والمصيرية المحلية منها والدولية دون رقيب أو حسيب، ويتمادى في التفكير والتخطيط لإصدار وتغيير القوانين على هواه بما فيها قانون العفو العام؟!، ولعلَّه ينتظر منَّا بعد كل هذه التضحيات الجسام أن نهتف له: "علِّم يا قائد عَلِّمنا كيف نقرِّر مستقبلنا"!!. كيف لهذا المجلس أن يضع الوصاية على مجلس الوزراء إختيارًا وتنفيذًا؟، مع علمنا بأن مجلس الوزراء (وهو مؤقت أيضًا) لم يتم هو الآخر اختياره بشكلٍ ديموقراطي بالوسائل المتعارف عليها ولكنّه تمّ انتخاب رئيسه بالكيفية المتاحة وبدوره اختار الوزراء حسب السيرة الذاتية وبعض الاعتبارات الأخرى التي أملاها الواقع وفن المُمكن وإن كان ذلك تحت (الفيتو) المسلط عليه من مجلسكم، وبالتالي فإن شرعية مجلس الوزراء (المؤقت) أكبر بكثير من شرعية الأمر الواقع التي يتمتع بها المجلس الانتقالي المؤقت، فمن أين للأخير إذن كل هذه الصلاحيات التي يفرضها الآن؟. سؤال نعرف إجابته كباقي الأسئلة لكنّنا من باب المصلحة الوطنية ندعو المجلس إلى التمعُّن فيه.

أ.د خالد المبروك الناجح

* أستاذ بكلية الطب البشري/جامعة طرابلس

لا تعليقات على هذا الموضوع