محمد بن نصر: رسالة مفتوحة إلى عمر الككلي. 23/12/2011 05:23 محمد بن نصر: رسالة مفتوحة إلى عمر الككلي.
محمد بن نصر بحث

قبل أن أرسل هذه الرسالة، إلى صديقي العزيز عمر الككلي، أرى من المناسب أن أتوجه بملاحظة إلى القراء، حتى لا يدخل شعبان في رمضان، و بعد ذلك أنتقل إلى مناقشة بعض أفكار السيد عمر كما جاءت بمقالته "تسييس الدين و تديين السياسة"!

 

تنبيـه إلى القــراء:

الأستاذ عمر الككلي من أصدقائي، و أنا لا أعلم ما الذي يجعل عمر الككلي يصادق إنسان مثلي، غير أن بإمكاني أن أقول ما الذي يجعل إنسان مثلي يصادق عمر الككلي. أنا اُكبر في عمر (بالإضافة إلى رشاقة قلمه في القصة القصيرة) إصراره على أن يظل "رجل الشعب"(و التعبير لمالك بن نبي) و كل رجال الشعب من الأدباء و الكتاب، و من غيرهم، دفعوا ثمناً باهضاً أصبح بعضه أو مجمله معروفاً الآن. و لا داعي لأن أحدثكم عن نظافة يد عمر لأن من يعرفه يعرف أنه لا يملك قطميراًــ تقريباً، و من لا يعرفه يمكنه أن يسأل عنه. فعمر بالنسبة لي قيمة أخلاقية لأنه لا زال "رجل الشعب" و على خلاف الكثير من الأدباء و الكتاب الذي كانوا أمس في صف "الدولة" و هم اليوم في صف "الثورة"، و الله أعلم أين سيكونون غداً. و أقدر في عمر حسن النية و طيب الطوية الذي يجعله لا يذكر إنساناً بسوء، (حتى ممن أساءوا إليه و صادروا حريته) و هذا من كرم النفس، و هو ما أود ذكره، أو أود أن أُذكر به، كل من لا يعرف الكرم إلا ببذخ الموائد.

و ما أود أن يعرفه القارئ أيضاً هو أنني و عمر من مجموعة أو "شلة" مختلفة المشارب، تلتقي من حين إلى آخر، في بيت أو في مقهى، و يدور بينها نقاش تمنى البعض لو كان متاحاً لليبيين أن يشاهدوه مباشرة على التلفاز. فبالإضافة إلى الطرح الصريح و الجاد (لشتي المواضيع) هناك النقد الصارم الذي يتم في نفس المكان و قد يهدم ذات الفكرة التي تم بنائها أمام ذات المجموعة، و يأخذ النقاش أحياناً ساعات/سهريات. و ربما تلبد الجو، أثناء "الهدرزة"، أو ارتفع الصوت، و يحصل أحياناً بعض الزعل. لكني لا أذكر يوماً أن الأمر قد وصل حد القطيعة، أو أفسد للود قضية. و كثيراً ما تختفي الحدة مع تساؤل تهكمي، أو مقارنة هازلة تعيد الصفاء للجلسة و الضحك للجميع.

و فيما يلي من أسطر سأتحدث إلى عمر بذات اللهجة التي نتحدث بها في "هدرزتنا"، و هدفي المشاركة في الحديث عن موضوع الدين و السياسة، الذي يعتقد الناس أنه كان من المسكوت عنه، أو من المحرمات، و هو لم يكن كذلك ـــ على الأقل في مجموعتنا. و أنا إذ أكتب للككلي لا أريد أن ينقسم القراء إلى "مع" و "ضد"، فذلك غير مفيد في مجال الفكر. المفيد في مجال الفكر، و الضروري لمن أراد أن يكون من أهله، هو الفهم الموسوعي، الذي يمكن صاحبه من تكوين رأي في كل قضية، و أخذ موقف في كل مناسبة، أو متى رأى ذلك مناسباً.  و أنا هنا لا أتحدث عن "حمل السلم بالعرض" و الاصطدام بالجميع، و الرغبة في إفحام الكل، فذلك شأن السفسطائي. أنا أتحدث عن القدرة على تجاوز الذات لإنصاف الموضوع، دون ثلب أفكار الآخرين أو تحويل الاهتمام إلى الأمور الشخصية و نسيان الموضوع.
و الآن ذروني وعمر أفندي!

(للعلم فقط: "أفندي" هي صفة الإنسان المتعلم في تركيا، أما عندنا فهي صفة لضابط الشرطة... فتأمل).
---------------------------------

 

صديقي العزيز عمر الككلي
بعد التحية،،

لقد لفت انتباهي، أول ما لفت انتباهي( في مقالتك "تسييس الدين و تديين السياسة") عبارة "الثقافة الإنسانية" و هو ما ذكرني بـ"قناة الجزيرة" التي تُعيرُها "قناة العربية" بالحرص على ذكر اسمها قرين صفتها المحببة إليها و هي "الجزيرة: منبر من لا منبر له". عبارة "منبر من لا منبر له" في لهجة قناة "العربية" يجب أن تُفهم على وزن "خدمة اللي ما عنده خدمة" في لهجتنا الليبية!

"الإنسانية" مصطلح عظيم لكن أين الإنسان المجرد؟ هل استطاع الانجليزي أن يتخلص من انجليزيته و الفرنسي من فرنسيته و الهولندي من هولنديته؟ لو صح ذلك لما سقط مشروع الدستور الأوربي في استفتاءات الشعوب التي انحازت لهويتها على حساب أوربيتها.... دع عنك إنسانيتها!

قديماً باعت لنا أوربا "الإنسانية" في قالب الماسونية، و اليوم تبيعها لنا في قوالب حقوق الإنسان، و الثمن الذي يجب أن ندفعه لشراء هذه البضاعة هو ديننا. الثمن هو الإسلام. لقد انتبه الأفغاني و عبده لحقيقة الماسونية متأخرين، أما نحن فلم نستيقظ لحقيقة حقوق الإنسان بعد، بالرغم من خرافة "الصحوة الاسلامية" التي ملاء الحديث عنها الدنيا، قبل ربع قرن!

مشكلتك يا عمر إنك لا شيخ لك.... فاتخذ لك شيخاً لا أم لك...

أنا عندي شيخ لم أره قط، لكن وصلتني بعض أسراره، و حفظت عنه بعض الدروس، و هو "مالك بن نبي". من بعض أسرار شيخي(رحمه الله) أنه وجد أحد شباب الأمة يكاد ينحرف يساراً فأهداه كتاب "هكذا تكلم زرادشت"، فاستعاد ذاك الشاب توازنه و أصبح مسلماً حقاً.

و من الدروس التي حفظتها عن مالك بن نبي قوله يجب التفرقة بين الإسلام كعقيدة يجب حفظها، و الإسلام كحضارة يجب نقدها. هذه التفرقة جديرة بالتوقف عندها قليلاً، ثم الاحتفاظ بها دائماً حاضرة في الذهن عند الجدل.

و الآن يا عمورة: دعني أسألك سؤالاً في ذات السياق:

في أي عصور الحضارة الاسلامية ظهرت وظيفة المفتي؟ أفي عصر الازدهار أم في عصر الانحطاط؟

إذا علمنا أن وظيفة المفتي قد ظهرت في عصر الانحطاط أدركنا أننا في حاجة للمفتي طالما استمر الانحطاط!

و المسألة لا ينفع فيها قرار وقتي ـــ لا يمكن إلغاء الانحطاط بإلغاء وظيفة المفتي، و العكس صحيح: إذا انتهى الانحطاط فلن يجد المفتي من يستفتيه. و يساندني فيما سلف إلغاء وظيفة المفتي في بلادنا حيناً من الدهر، و لما ساءت الأحوال طالب الناس بعودة المفتي، و هو أمر مبرر أمام فوضى الأفكار ـــ في بلادنا و في الفضائيات. و إذا خالفتني في هذه فلن أطلق عليك النار، لأن الموضوع موضوع اجتهادي، للكافة، و يجوز الاختلاف فيه!

لننتقل الآن إلى الفتوى و موضوعها دون نسيان المفتي الذي سأعود إليه لاحقاً. مختصر الفتوى هو تقريباً "عدم جواز التصويت للعلماني". و من العبث مناقشة بقية التفاصيل الأخرى مثل كونها في جلسة خاصة أو لم تنشر سوى على الفيس بوك، لأني لا أعتقد أن للشيخ فتوى للسر و أخرى للعلن. هناك تفصيل واحد مهم فيما استشهدت به أنت من فتوى الشيخ و هو إشارته لـ"شخص معلن عن عدائه لله عز وجل ولا يحترم شرعه ولا يرى أن شرع الله صالح". الشيخ هنا: أما لا يقصد كل العلمانيين، و هذا ما أتمناه، أو أن له فهم خاص للعلمانية ينقسم بموجبه العالم إلى مسلمين و علمانيين. و إذا كان فهم الشيخ على النحو الأخير فاحمد ربي يا عمورة أن الشيخ ليس من شيوخ نجد(و احمد ربي، مرة أخرى، أننا لسنا في نجد) و إلا كانت الفتوى على النحو التالي:العلماني يستتاب ثلاثاً فإن لم يتب تُضرب عنقه!

و إذا كنت ترى في فتوى الشيخ نهج استئصالي فاسمح لي بسؤالك عمن أصدر الفتاوي التالية:

• لا سياسة في الدين و لا دين في السياسة،
• لا يجوز ممارسة السياسة باسـم الديــن،
• ثم لا تنسى، مهما نسيت، الفتوى الشهيرة "الديـن أفيـون الشعـوب".

القضية ليست قضية استئصال. القضية أن لكل مجتمع ثوابت، و تكثر الفتاوي (الدينية و العلمانية) عندما يشرع مجتمع في تحديد ثوابته أو عندما يشرع في تغييرها. و المجتمع الليبي اليوم في حراك محموم لبناء دولته من جديد، و كل ما يقوله الشيخ في الفتوى، و سيوافقه عليه تسعون في المائة من الليبيين على الأقل، هو أن ثوابت المجتمع الليبي الجديد يجب أن تكون أسلامية، على مستوى الانتخابات أو على أي مستوى آخر. و لما كان الإسلام مبني على الإيمان بالله و كتبه و رسله، فإن العلماني قد يتطرف (مثلما يمكن أن يتطرف شقيقه الاسلامي أو أي شخص من أي ملة أخرى) و يعلن أن صوم رمضان إعاقة للتنمية أو أن الدين أفيون الشعوب. هذا ليس خيار سياسي يحسم بانتخابات؛ هذا خيار أيديولوجي لا يمكن أن تقوم له قائمة إلا على أنقاض الإسلام. لكن الذين يريدون نقض الإسلام (و أنت لست منهم قطعاً) يخفون رغبتهم في فتاوي و مشاريع أكثر إبهاماً اليوم من الفتوى السابقة "لا سياسة في الدين و لا دين في السياسة". و من ذلك الإصرار على " مدنية الدولة " بالرغم من أن مصطلح  مدنية الدولة أو الدولة المدنية ولد في أفكار محمد عبده، عندما كان يتحدث، قبل قرن، عن اقتلاع الإسلام للسلطة الدينية من جذورها. و هي أمور، لا يكفي فيها الخوض مع الخائضين (و أنت لست منهم قطعاً) لذا لن أذهب بشأنها ابعد مما سلف، لأن المقام حسم حدود المقال.

أأأأخ يا عمر.... أأأأخ يا صديقي العزيز

في رأسي عشر محاضرات إحداها بعنوان "تجاوز القصور المنهجي في دراسة العلمانية" لكن تعوقني معضلة (و المعضلة غير المشكلة: الاولى تعني العجز أما الثانية فيمكن أن تجد لها حل). و معضلتي هي أن في ليبيا اليوم ستة ملايين محاضر،  لا يتوقفون عن إلقاء محاضراتهم إلا أثناء النوم، و هو الوقت الذي لا استطيع إزعاجهم فيه. و لما كنت أعجز من أن ادخل في أية زحمة (و هو قصور شخصي أقر به) فلابد من الانتظار حتى يمل الستة ملايين من الكلام و يصبح لي نصيب في محاضرة إلقيها. و من الآن حتى يتحقق ذلك سأكتفي بالكتابة، من حين إلى آخر، لأن مجال الكتابة لا زال أقل اكتضاضاً و بالإمكان إيجاد فسحة فيه!

على كل حال، و بالرغم مما سلف، أنا مستبشر بالتقارب بين شيوخ العلمانية و شيوخ الإسلام؛ و هو تقارب رزين، تلاحظه في "المهارة و المسلك". ألا ترى، مثلاً، أنه بينما كان أحد شيوخ العلمانيين(و اسمه محمود شمام) يبارك إصلاحات آل سعود في السعودية، كان أحد شيوخ الإسلاميين(و اسمه سلمان العودة) يبارك إصلاحات آل القذافي في الجماهرية! إليس من العجيب، أخي العزيز، أن يكون حسن نصر الله و حزب الله، الذي وقف في وجه دولة بقوة اسرائيل لعقدين من الزمان، هو من يقف اليوم بجانب النظام المتهاوي في دمشق ؟

أنا هنا لست شامتاً، و لا ساخراً، و لا أريد شيئاً سوى أن يدرك "رجل الشعب"، حجم المتناقضات التي تجعل الحليم حيران، و تجعل الأمة في حيص بيص!

أنا لن أتوجه بكلامي لغير رجل الشعب (لأنه وقود كل المعارك) و أقول له: لقد اسقط أجدادنا مشروع بيفن- سفورزا، و هم فقراء و جاهلون، فمن العيب، بل من العار، أن لا نسقط نحن ــ و نحن أغنياء و متعلمون ـــ مشاريع التقسيم، مهما كان نوعها.

يا رجل الشعب: خوك... خوك.... لا يغر بيك صاحبك!

يا من له أذان يسمع بها، لو سألتموني: لمن نصوت؟ لقلت لكم: استفتوني في الثوابت يرحمكم الله، أما الانتخابات فأنتم أعلم بشؤون دنياكم.

محمد بن نصر

h.ay

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ليبي مخلص{م.ج.ب.}
هل يعتقد الكاتب أن الانتخابات هي فقط من أمور دنيانا؟أنا شخصيا لا أعتقد دلك.أن الانتخابات هي أدلاء بشهاده وأداء لأمانة وفي كلتي الحالتين نحن مسؤولون عن حسن قيامنا بهماأمام الله…...
التكملة
شعيب البرقاوي
شيخك يا سيد محمد بن نصر من شيوخ نجد, وهابي الهوى والريح .. ولقد غربت وشرقت مجذفاً حتى ضاع الموضوع بين من قال الدين أفيون الشعوب وبين مدنية الشيخ محمد…...
التكملة