محمد بن نصر: قراءة أيديولوجية في الإعلان الدستوري المؤقـت 27/12/2011 21:38 محمد بن نصر: قراءة أيديولوجية في الإعلان الدستوري المؤقـت
محمد بن نصر بحث

لا شك عندي – أولاً- في أن الإعلان الدستوري المؤقت (الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي) قد صدر بحسن نية، على عجل، و تحت ضغط الحاجة إلى قانون أساسي يحكم المرحلة الانتقالية. و في هذا السياق قد يبدو أي تعليق أو مناقشة للإعلان المؤقت غير ذي جدوى، لأن الإعلان قد صدر و قُضى الأمر. لكن رغبتي ليست في نقض الأمر المقضي و إنما في التعرض للبلبلة الإيديولوجية التي ظهرت في الإعلان الدستوري المؤقت، و قد تظهر - فيما بعد- في الدستور الدائم إذا لم يتم التصدي لها و مناقشتها قبل أن يُقضى الأمر مرة أخرى.

 

و لا شك عندي- ثانياً- في أن عامة الناس لا تعير المسائل الإيديولوجية انتباها، لا سيما أن النظام السابق قد تفه، من ضمن ما تفه، الاشتغال بالمسائل النظرية (و التنظير) و جعل من مصطلح الأيديولوجيا رديفاً للديماغوجيا. لذا سألتمس كل عذر ممكن لمن يخالفني الرأي، و أرجو أن يعذرني من قصرت به القدرة على فهمي.

و القصد من هذه القراءة - أخيراً- ليس إثارة جدل نظري لا يقدم و لا يؤخر، بل القصد هو أن تكون اختيارات الليبيين الدستورية اختيارات واعية و مسؤولة، و تشكل في مجملها قطيعة واضحة مع سفسطائية النهج النظري للعهد الهالك. في هذا السياق أود طرق أثر البلبلة الأيديولوجية على موضوعين هامين في نصوص الإعلان المذكور: أولهما مسألة الشرعية، و ثانيهما مسألة المساواة المطلقة بين الليبيين.

أولاً. البلبلة الإيديولوجية في باب الشرعية.

أول ما يصادف الناظر، عند  الاطلاع على الإعلان الدستوري المؤقت، هو العبارة الافتتاحية/التقليدية:"بسم الله الرحمن الرحيم". في السياق الطبيعي للعبارة الافتتاحية يتوقع إنسان مثلي أن تكون العبارة الأولى في ديباجة الإعلان "أيماناً بالله و توكلاً عليه..."، لكن ديباجة الإعلان الدستورية تبدأ بعبارة " إيماناً بثورة السابع عشر من فبراير...." في الفقرة الأولى؛ "و استناداً إلى شرعية هذه الثورة...." في الفقرة الثانية.

الخلط السابق لا يعكس أي خيار إيديولوجي لصائغي الإعلان الدستوري بقدر ما يعكس البلبلة الفكرية التي تسود الأوساط المثقفة في بلاد المسلمين. فالمستند على الشرعية الثورية يستند على جرف هار؛ و إذا كان لدى القارئ شك في قولي فليسمح لي أن أذكره بأن القذافي قد استند على ذات الشرعية أربعين سنة، ثم انهارت به...، بعد أن كلفتنا ما كلفتنا.

و تنص المادة السابعة عشر من الإعلان على التالي: "المجلس الوطني الانتقالي المؤقت.... يستمد شرعيته من ثورة السابع عشر من فبراير...".

و إذا كان الأمر كذلك فلِما الإعلان الدستوري ؟

في ضوء ما تقدم؛ لم يعد ينقص مجلسنا الانتقالي الموقر إلا "محكمة ثورية" حتى يعيد الأمور سيرتها الأولى!

بعد كل ما سلف تأتي صيغة اليمين القانونية (المادة التاسعة عشر من الإعلان) التي يؤديها رئيس و أعضاء المجلس الانتقالي و المكتب التنفيذي، قبل مباشرة مهامهم، و نصها:"أقسم بالله العظيم أن أودي مهام عملي بكل أمانة و إخلاص، و أن أظل مخلصاً لأهداف ثورة السابع عشر من فبراير...".

ما هي أهداف ثورة السابع عشر من فبراير؟ و بماذا تختلف عن أهداف ثورة الفاتح من سبتمبر؟ أليست جميعها الحرية و الديمقراطية ... إلخ؟

و إذا كانت أهداف ثورة السابع عشر من فبراير تختلف عن أهداف ثورة الأول من سبتمبر فلماذا تطل القبلية برأسها عند الشروع في تشكيل المكتب التنفيذي/الحكومة، و ما مبرر لغة المحاصصة المرتبط بمنطق الغنيمة الذي لا أصل له إلا في القبلية و الطائفية؟

و إذا كنا نوافق على، أو نعتمد، القبلية و لغة المحاصصة، مهما كان السبب، فأين القطيعة التي يجب أن تحدثها الثورة مع النظام الذي ثارت ضده ؟

ثم؛ ألا يكون المجلس الموقر قد خالف نص المادة التاسعة من الإعلان المؤقت إذا اعتمد - و لو بشكل مؤقت- مبدأ المحاصصة على أسس قبلية أو جهـويـــة؟

ثانيـاً. المساواة المطلقة بين اللـيبييــن.

أخطر ما في الإعلان المؤقت هو ما جاء في المادة السادسة منه، و الذي يجري نصها على النحو التالي:"الليبيون سواء أمام القانون، و متساوون في التمتع بالحقوق المدنية و السياسية، و في تكافؤ الفرص، و فيما عليهم من الواجبات و المسؤوليات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب أو اللغة أو الثروة أو الجنس أو النسب أو الآراء السياسية أو الوضع الاجتماعي أو الانتماء القبلي أو الجهوي أو الأسري."

هذا النص يجعل المساواة بين الليبيين مطلقة، و لا يترك مجال للتفرقة بينهم، مهما كان السبب. يأتي هذا النص في وقت تنتشر فيه المسيحية في الشمال الأفريقي ــ و لا تشكل ليبيا أي استثناء على ذلك ــ كما يأتي النص في وقت  يضغط فيه اليهود باتجاه العودة إلى ليبيا. مبدأ المواطنة الذي لا يتحقق إلا بإلغاء الدين كمصدر للقانون، و مبدأ المساواة المطلقة، و مبدأ تكافوء الفرص يجعلني لا استبعد (في ضوء المادة السادسة أو شبيهة لها في الدستور الدائم) أن أرى يهودي أو مسيحي يبرم عقود زواج المسلمين، أو أن أرى بعض الليبيات يطالبن بنصيبهن في إمامة المسلمين في صلاة الجمعة و صلاة العيدين. و هل هناك ما يمنع، إذا كانت المواطنة هي سبب اكتساب الحقوق، و هل هناك ما يمنع إذا كانت المساواة بين الليبيين و الليبيات مطلقة ؟ و لا تنس – مهما نسيت - أن ليبيا قد وقعت على جملة من الاتفاقيات الدولية التي تجعل كافة أنواع الشذوذ و الانحراف من حقوق الإنسان، فكيف يكون الحال إذا تظافرت النصوص الداخلية و الدولية في إلغاء كافة أسباب التفرقة بين الناس؟

كأني أسمع القارئ يقول: مستحيل .... مستحيل!

كنت في تونس في الثلث الأخير من شهر أغسطس سنة 1988 و لفتَ انتباهي عنوان، على الصفحة الأولى من جريدة تونسية. كان العنوان – فيما أذكر- دعوة لإصلاح الآذان في المساجد التونسية. و لما كنت من المهتمين بالإصلاح فقد اشتريت نسخة من الجريدة لمعرفة نوع الإصلاح المقترح، و الذي سأجد شرحاً له بين سطور المقالة دون أدنى شك. كانت فكرة إصلاح الآذان، في تلك المقالة، تقوم على القيمة الفنية لصوت المرأة الندي الذي يجب أن لا يُحرم منه التونسيون بسبب التفرقة بسبب الجنس في النداء للصلاة. الجريدة أسمها "الإعلان" - إذا لم تخني الذاكرة- و هي ذات الجريدة التي نشرت في عدد الجمعة الموافق 8 أكتوبر 2010 خبرا على صفحتها الأولى يقول:"تونسي يطالب بحقه في الزواج المثلي"، و في معرض تفصيل الخبر تقول الجريدة: "أكد لنا المحامي عبد الله ثامر أن مواطناً تونسياً يبلغ من العمر 31 سنة تردد على مكتبه في الآونة الأخيرة ليبحث له عن صيغة قانونية للحصول على شهادة في العرف للزواج المثلي ...". و قد اشتريت الجريدة من مكتبة، في طرابلس هذه المرة، لتكون مستنداً حاضراً لمن يقول مستحيل... مستحيل.

أرجو أن يكون القارئ قد لاحظ أن الجريدة تتحدث عن "الزواج المثلي" كحق لمواطن تونسي، و أن البحث كان مقتصراً على الصيغة القانونية التي تمكن ذاك المواطن من التمتع بحقه. لم تكلف الجريدة نفسها تبيان المصدر الذي استمد منه المعني ذاك الحق، لكن بالإمكان التكهن بأنه "حقوق الإنسان" و "الاتفاقيات الدولية" التي تصب في ذاك المصب، و التي تجعل من منظومة حقوق الإنسان منظومة "فوق وطنية"، بمعنى أنها فوق القوانين الداخلية جميعها،  بما في ذلك الشريعة الاسلامية.

و إذا كان القارئ يعتقد أن الخلل مقتصر على ما سلف فهو مخطئ، فقد ظهرت "عبادة الشيطان" في تونس و مصر، غير أن النيابة حفظت الملف في مصر (لتورط بعض أبناء المسؤلين) و تم التعتيم على الموضوع في تونس. الممارسات السابقة منشأها حرية العقيدة و الإصرار على عدم التفرقة بين الناس بسبب العقيدة.

أرجو أن لا يقل لي القارئ: "ليبيا ليست تونس و مصر"، لأن تلك القناعة كلفتنا ستة شهور من الحرب و خسائر لا حصر لها في الأرواح و الممتلكات.

بقى شيء واحد، و هو أن أؤكد للقارئ أنني لم أغفل عن نص المادة الأولى من الإعلان الدستوري المؤقت و التي تنص على أن: " ليبيا دولة...... دينها الإسلام و الشريعة الاسلامية المصدر الرئيس للتشريع..." فيها. هذا النص قليل الفائدة لسببين: أولهما البنية العلمانية للدستور؛ و إنا هنا لا أرغب في أن أتهم المشرع الدستوري بالعلمانية، و ما أرغب فيه بحق هو وضع خط تحت البنية العلمانية لفكر النخبة، في ليبيا و في غير ليبيا، فإذا استمعت لمتحدث، هذه الأيام، فمن غير المستبعد أن تسمع  في حديثه عبارات من نوع "الثورة" و "الدولة" و "الوطن" و "الوطنية" و "المواطنة"، و تأتي كلها، بطبيعة الحال، بعد العبارة الافتتاحية التقليدية "بسم الله الرحمن الرحيم"ــــ و يستوي في ذلك خطباء العلمانيين و الاسلاميين. و السبب الثاني، لقلة أهمية العبارة السابقة، هو وضعها (أو شبيهة لها) في الدستور المصري منذ ما يزيد على ثلاثين سنة، دون أن تحدث فارقاً يُذكر في تطور الأمور في مصر و تطورها في تونس حتى قيام "الثورة" في كلتيهما.

و مما سبق أريد أن أخلص إلى أنه:

1) لا داعي لاستقطاب أسلامي/علماني في ليبيا و لسببين: ا- الجميع يتحدث نفس اللغة و يسعى لذات الأهداف العلمانية:(الوطن و المواطنة.....إلخ)؛ ب- نحن جميعاً (في ليبيا) مسلمون و لا داعي لأن يزايد بعضنا على بعض طالما كانت اللغة و الأهداف واحدة .

2) أي محاولة للإنتقال من العلمانية إلى الاسلامية لابد أن تمر، و لا يمكن أن تتحقق، إلا بمراجعة البنية الفكرية للنخبة التي لا تصيغ فقط الدستور و إنما المشهد الإيديولوجي-الثقافي بأجمعه. و المراجعة أو النقد لا يتم بين عشية و ضحاها من جهة، و لا يمكن أن يُنجز بجهد فردي معزول من جهة أخرى. لذا يجب انجازه بجهد جماعي و متواصل، و هو ما لا يمكن يتحقق إلا إذا ضمنا للجميع أكبر قدر من التفهم و التسامح. و الانتقال من العلمانية إلى الاسلامية ليس مسألة رفاهية بقدر ما هو مسألة نكون أو لا نكون.
و إذ يصل القارئ إلى ما انتهيت إليه، فأن رجائي منه و توسلي إليه، هو أن لا ينسى ما بدأت به ـــ افتراض حسن النية. و ما أحوجنا إليه من افتراض!

محمد بن نصر/المحامي

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع