شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (1 مِنْ 8) 30/1/2012 09:23 شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (1 مِنْ 8)
الصادق شكري بحث

حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (1 مِنْ 8)

زمن عَلي الشعالية وشَارِع كان أسمه سَيِّدِي سَالم

بقلم: شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري)


الحَلَقَة الأُوْلَى

ستبقى جدلية المقارنة بين الماضي والحاضر قائمة طالما مازالت ذاكرتنا تعمل بكفاءة (2). 

مُقَدِّمة

بدأت في نهاية صيف 2010م الكتابة عن بنغازي القديمة وحياة النَّاس في ماضي الزمان وأشياء أخرى، أهمها سيرة حياة الفنان علي الشعالية الذي كان من سكّان شارع سيّدِي سَالم العريق الذي هدمه معمّر القذّافي كمَا هدم مواقع أخرى بمدينة بنغازي من بينها مبنى البرلمان وضريح عُمر المختار وكاتدرائية البركة وأوّل مدرسة ثانوية للبنات وسُوْق الظّلام أقدم وأعرق أسواق المدينة. وأهمل النظام المنهار بتوجيهات من القذّافي وأوامره المواقع الأثرية واستخدمها أحياناً في أغراض غير أغراضها، وتركها دون حماية من السرقة والتلف، والأدهى من ذلك أن بعض من أبناء القذّافي مارسوا تجارة الآثار !. استهدف المغتصب الرَّاحل كل ما له صلة بذاكرة النَّاس، وكان جزءاً من معركتنا ضده إحياء الذّاكرة وإيقاف محاولاته المستمرة لطمس التاريخ وتزويره. ومع منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأوَّل 2010م، انتهيت من كتابة حلقات الموضوع وشرعت على الفور في المراجعة النهائيّة بغية النشر. وكان نهاية شهر ديسمبر/ كانون الأوَّل هو موعد نشر الحلقة الأولى من السلسلة، ولكن ثورة الياسمين التونسيّة جعلتني أعيد النظر في تقديري فقررت إرجاء النشر إلى وقت آخر.

أضرم الشاب التونسي محَمّد البوعزيزي في يوم 17 ديسمبر/ كانون الأوَّل  2010م النار في جسده تعبيراً عن موقفه من الظلم والبطالة والتسلط ومصادرة عربة الخضار والفواكه مصدر رزقه من قِبل بلدية ولاية سيدي بوزيد على يد الشرطية فادية حمدي التي صادرت العربة وصفعته على وجهه أمام الملأ. ألهب البوعزيزي مشاعر التوانسة ودفعهم موقفه للوقوف في وجه حكم زين العابدين بن علي فخرجوا بالآلاف إلى الشوارع في اليوم التالي مباشرة الموافق 18 ديسمبر/ كانون الأوَّل تضامناً معه. عمّت الاحتجاجات والمظاهرات أغلب المدن التونسيّة في تعبير جماعي رافض للبطالة وتفاقم الفساد وغياب العدالة الاجتماعيّة وقمع الدولة لمواطِنيها. ازدادت الثورة اشتعالاً بازدياد عدد الضحايا، فوصلت الاحتجاجات إلى مباني الدولة، وبوفاة البوعزيزي يوم 4 يناير/ كانون الثاني 2011م توسعت حركة الاحتجاج وازدادت شدتها إلى أن أجبرت زين العابدين على التنحي والهروب خارج البلاد بحماية من كتائب معمّر القذّافي الأمنيّة إلى المملكة السّعوديّة يوم 14 يناير/ كانون الثاني 2011م. فر زين العابدين إلى الخارج، وأشعل البوعزيزي فتيل الثورة في مصر وغيرها من البلدان، فخرج أكثر من مليوني مصري إلى الشوارع وميدان التحرير بالقاهرة في يوم الثلاثاء الموافق 25 يناير/ كانون الثاني 2011م معلنين انطلاق الثورة المصريّة. وفي يوم الجمعة الموافق 11 فبراير/ شباط 2011م، خرجت الألوف المؤلفة من اليمنيين إلى الشوارع في ثورة عارمة غاضبة من نظام علي عبدالله صالح أسموه (جُمعة الغضب). استمرت التظاهرات الشعبيّة في كافة ربوع اليمن المطالبة برحيل صالح عن السّلطة إلى ما يقارب من عام إلى أن قرر الرئيس علي عبدالله صالح مغادرة البلاد بعد صدور قانون الحصانة. غادر صالح اليمن يوم الأحد الموافق 22 يناير/ كانون الثاني 2012م متجهاً إلى الولايات المتَّحدة الأمريكيّة بقصد العلاج وإعطاء فرصة حقيقيّة لإجراء انتخابات الرئاسة وإحداث تغييرات سياسيّة بعيداً عن هيمنته ووجوده خصوصاً أنه ضَمِنَ – وفق اعتقاده !– عدم ملاحقته بعد إقرار مجلس النَّواب يوم السبت الموافق 21 يناير/ كانون الثاني قانون الحصانة الذي نصّ على ذلك والذي قال عنه:.".. لن يكون المستفيد منه الرئيس وأقرباءه فحسب وإنّما كل من عمل مع الرئيس خلال ثلاثة ثلاثين عاماً..". وانطلقت حركة احتجاجات واسعة في مملكة البحرين والمملكة المغربيّة فكانت في البحرين يوم 14 فبراير/ شباط 2011م أمّا في المغرب فقد خرج المغاربة في يوم 20 فبراير/ شباط 2011م مطالبين بإصلاحات دستورية تؤسس لملكية برلمانيّة على غرار المملكة البريطانيّة والأسبانيّة أي ملك يملك ولا يحكم. واندلعت شرارة الثورة السّوريّة بعد خروج جموع من الشباب إلى الشوارع فِي يوم الثلاثاء الموافق 15 مارس/ آذار 2011م تلبية لدعوة (انتفاضة آذار) التي أطلقها أحد نشطاء الفيسبوك (Facebook) في شبكة التواصل الاجتماعي. انتشرت الوقفات الاحتجاجيّة أو المظاهرات المطلبية بسرعة كبيرة في أغلب البلدان العربيّة والتي تحولت في بعضها إلى ثورات بل إلى ثورات مسلحة كمَا حدث فِي ليبَيا. وصاح الشّعب العَرَبيّ فِي كل البلدان بهتاف أصبح أشهر ما يميز ثوراته وهو (الشّعب يريد إسقاط النظام). وما أوقفني عن النشر إلى أجل غير معلوم هي انتفاضة بنغازي يوم 15 فبراير/ شباط 2011م والتي تحوّلت في يوم 17 فبراير/ شباط إلى انتفاضة كبرى امتدت إلى كافة ربوع البلاد ثمّ أصبحت ثورة عارمة واجهت دبابات النظام وصواريخه وآلياته العسكريّة الثقيلة في كافة جبهات القتال منتقلة من جبهة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية إلى أن حررت الوطن من الدّكتاتوريّة شبر، شبر.. منطقة، منطقة.. حتَّى وصلت إلى طرابلس وحررتها يوم 20 أغسطس/ أب 2011م ثمّ قضت على معمّر القذّافي رأس الظلم والفساد فِي يوم 20 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2011م وحررت بني وليد وسرت أخر معقلين له. سقط في هذه المعارك أكثر من ثلاثين ألف شهيد، وخمسين ألف جريح وربّما مثلهم مفقودين، واستمرت المعارك حوالي تسعة أشهر تحت شعار: (نحن لا نستسلم نموت أو ننتصر) الذي رفعه شيخ الشهداء عُمر المختار، إلى أن انتصر أحفاد المختار بفضل من الباري الذي كان عليه حقاً نصر المؤمنين.   

كانت الشرارة من أمام مديرية الأمن في بنغازي مساء يوم الثلاثاء الموافق 15 فبراير/ شباط 2011م حينما خرجت أمهات وأرامل شهداء سجن أبو سليم احتجاجاً على طمس الحقيقة وعدم معاقبة الجاني، ومطالبات بإطلاق سراح فتحي تربل محامي عائلات ضحايا أحداث مقتل 1200 سجين في صيف 1996م فِي سجن أبو سليم بطرابلس، وشقيق لمفقودين (فرج وإسماعيل) منهم، في هتافات: ( يا بنغازي ليش الذل نبوا في هل الليلة حل) و ( يا بنغازي وين رجالك، وين اللي علوك شأنك) و(نوضي، نوضي، يا بنغازي.. هاذ اليوم اللي فيه تراجي ). والهتاف الأخير هو الذي هز المدينة، وسرعان ما حرك أبناء الوطن فِي كل مكان. هذه الوقفة الاحتجاجية المطالبة بإطلاق سراح فتحي تربل، استجاب لها شباب المدينة ورجالها منذ سماعهم لهتاف نساء بنغازي (نوضي يا بنغازي) الذي أثر فيهم كثيراً، فتحولت الوقفة بسرعة البرق إلى ثورة عارمة حتَّى قبل مجيء يوم 17 فبراير/ شباط موعد الانطلاق الذي خطط اللّيبيّون له منذ فترة إحياءً لذكرى أحداث القنصلية الإيطاليّة التي وقعت فِي بنغازي فِي مثل نفس التاريخ من عام 2006م. وتم التأكيد على يوم 17 فبراير في مواقع النت ووسائل التواصل الإجتماعي بعد اندلاع الثورة التونسيّة ثمّ المصريّة حتَّى لا يكون الِلّيبيّون استثناءاً للربيع العَرَبيّ  خصوصاً بعد أن أجبر التوانسة زين العابدين على الفرار في يوم 14 يناير/ كانون الثاني 2011م، وأجبر المصريون حسنى مبارك على التنحي بعدما أعلن عُمر سليمان نائب الرئيس مساء يوم 11 فبراير/ شباط 2011م تنحى مبارك عن الرئاسة وتولي  القوَّات المسلحة (المجلس العسكري) مسؤوليّة إدارة شؤون مصر فِي المرحلة الانتقاليّة. سيطر ثوار ليبَيا في غضون أيّام على المنطقة الشرقيّة، وشكلوا يوم 27 فبراير/ شباط 2011م كياناً يضم كافة المدن المحررة ويسعى لتحرير باقي المدن الِلّيبيّة من قبضة معمّر القذّافي تحت اسم (المجلس الوطنيّ الانتقالي) والذي أعلنوا عنه رسميّاً ظهر يوم السبت الموافق 5 مارس/ آذار 2011م واختاروا المستشار مصطفى محَمّد عبْدالجليل رئيساً له والمحامي عبْدالحفيظ عبْدالقادر غوقة ناطقاً رسميّاً بإسم المجلس ونائباً للرئيس والذي استمر فِي منصبه حتَّى يوم الأحد الموافق 22 يناير/ كانون الثاني 2012م حيث قدَّم استقالته في هذا التاريخ للمجلس الانتقالي، وأعلن المستشار مصطفى عبْد\الجليل قبول المجلس لاستقالة غوقة فِي مداخلة تلفونيّة أجراها معه فِي الليلة نفسها برنامج (صحوة وطن) لقناة (ليبَيا أولاً).  قرر معمّر القذّافي إنهاء انتفاضة الزاوية والزنتان ومصراتة وجبل نفوسة فِي المنطقة الغربيّة، واسترجاع المنطقة الشّرقيّة تحت قبضته من جديد حيث أرسل إلى بنغازي قوَّات عسكريّة ضخمة مجهزة بكافة الآليات والأسلحة من أجل خلق واقع جديد على الأرض. تحركت القوى السياسيّة الِلّيبيّة والمجلس الانتقالي، لدعوة العالم إلى حماية المدنيين والوقوف إلى جانب الشّعب الِلّيبيّ فِي حربه ضدَّ نظام القمع والاستبداد. دعت جامعة الدول العربيّة برئاسة أمينها العام عمرو موسى فِي اجتماعها المنعقد في القاهرة يوم 12 مارس/ آذار 2011م المجتمع الدّوليّ إلى حماية المدنيين والأجانب على الأراضي الِلّيبيّة وفرض منطقة حظر جوي على نظام معمّر القذّافي. واصدر مجلس الأمن في 17 مارس/ آذار 2011م القرار رقم 1973 الذي جاء تحت الفصل السّابع والذي يسمح للمجلس استخدام القوة، وقضى القرار بفرض حظر جوى فوق ليبَيا لحماية المدنيين، وفِي يوم 19 مارس/ آذار 2011م، شنت قوَّات التحالف (أمريكا وبريطانيا وفرنسا) أوَّل غاراتها الجويّة على دبابات نظام القذّافي وصواريخه وراجماته وأفراد كتائبه وهم في طريقهم إلى بنغازي وبعدها على مواقع النظام العسكريّة فِي أماكن مختلفة ثمّ حلت قوَّات حلف الشمال الأطلسي (الناتو) مكان قوَّات التحالف واستمرت ضربات الناتو الجويّة فِي مساعدة الثوار الِلّيبيّين على الأرض إلى أن حرّر الثوار البلاد من نظام القذّافي. وفِي الثالث من شهر أغسطس/ أب 2011م تمّ إصدار الإعلان الدستوري المؤقت، وخلال يومي 20 و21 من نفس الشهر سيطر الثوار على مدينة طرابلس عاصمة البلاد، وأعلنوا في يوم 23 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2011م تحرير البلاد من قبضة معمّر القذّافي الذي قُتل فِي سرت يوم 20 أكتوبر/ تشرين الأوَّل بعد أن وُجِدَ مختبئاً فِي ماسورة لتصريف مياه الأمطار.

واليوم، رأيت نشر ما كنت قد كتبته منذ سنة بعدما أعلنت ليبَيا في يوم 23 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2011م عن تحررها من حكم الاستبداد، وبعد انتهاء حكم معمّر القذّافي إلى الأبد، ودخول البلاد إلى مرحلة بناء الدولة بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانتخاب المجلس الوطني الانتقالي في 31 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2011م الدّكتور عبدالرَّحيم خالد عبدالحافظ الكيب رئيساً للحكومة الانتقالية، وإعلان الأخير عن أسماء أعضاء حكومته فِي يوم الثلاثاء الموافق 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011م، والتي شملت أربعة وعشرون حقيبة وزراية منها وزارتين جديدتين هما وزارة الشهداء والجرحى والمفقودين ووزارة المجتمع المدني. ثمّ أصدرت لجنة الانتخابات برئاسة الأستاذ عثمان سُليمان المقيرحي فِي يوم 1 يناير/ كانون الثّاني 2012م فِي مؤتمر صحفي بديوان المجلس الانتقالي بطرابلس مُسَّوّدة قانون الانتخابات بالإضافة إلى مُسَّوّدة قانون مُفوّضيّة الانتخابات. وكان من المفترض إصدار القانون الانتخابي يوم الأحد الموافق 22 يناير/ كانون الثاني 2012م ولكن تم إرجاؤه إلى يوم 28 يناير/ كانون الثاني 2012م بسبب المظاهرة التي تمّت أمام مقر المجلس الانتقالي في بنغازي يوم السبت الموافق 21 يناير/ كانون الثاني 2012م والتي وصلت تداعياتها إلى هجوم بعض المتظاهرين على المبنى والمكاتب التي بداخله احتجاجاً على أداء المجلس وعدم استجابته الفعلية لمطالب المعتصمين فِي ساحة ميدان الشجرة بمدينة بنغازي وساحة ميدان الجزائر بطرابلس وساحات ميادين المدن الأخرى فِي مصراتة والبيضاء ودرنة وطبرق وجبل نفوسة، ولم تنته المشكلة التي كادت أن تتحول إلى أزمة خطيرة إلاّ بتدخل بعض مشايخ مدينة بنغازي وأعيانها. وأقر المجلس الانتقالي صيغة معدلة من قانون الانتخابات يوم السبت الموافق 28 يناير/ كانون الثاني 2012م. ويذكر أن الدّكتور عبدالرَّحيم الكيب كان قد انتخبه أعضاء المجلس الوطنيّ الانتقالي البالغ عددهم واحد وخمسين (51) عضواً فِي منصب رئاسة الحكومة الانتقاليّة مساء يوم الاثنين 4 ذو الحجة 1432 هجري الموافق 31 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2011م. وفاز الكيب بستة وعشرين (26) صوتاً في منافسة دارت بينه وبين أربع مرشحين آخرين، هم: الدّكتور عبدالرَّحمن السويحلي والدّكتور علي الترهوني والدّكتور مصطفى الرجباني والأستاذ علي زيدان. وكان المستشار مصطفى محَمّد عبدالجليل رئيس المجلس الانتقالي أوَّل من أدلى بصوته فِي صندوق الاقتراع، وقد نقلت وسائل الإعلام العربيّة والعالميّة هذا الحدث، وأهمها قناة (الجزيرة) القطريّة، وقناة (العربيّة) السعوديّة، البي بي سي (BBC) الإنجليزيّة والسي إن إن (CNN) الأمريكيّة.

والآن.. بعد أن تحررت ليبَيا ودخلت في مرحلتها الانتقاليّة، قررت نشر هذه المادة مع إضافة بعض اللمسات الضرورية والتعديلات التي تُبقِيها فِي السياق لا خارجه!. قررت النشر رغم يقيني بأن هناك قضايا أخرى ربّما تكون أكثر إلحاحاً في هذه المرحلة بالذات من غيرها بحكم تصاعد المطالب والاحتجاجات الشّعبيّة كذلك العجز الذي ظهر مؤخراً على أداء المجلس الوطنيّ الانتقالي من حيث التعامل مع اللحظة الراهنة واستحقاقات المرحلة والتحديات المستجدة، بالإضافة إلى تدخلات المجلس في الشأن التنفيذي الذي هو بالأساس من مهام الحكومة الانتقاليّة وليس المجلس الذي يفترض أن تكون اهتماماته تشريعية في المقام الأوَّل والأخير. قررت النشر لأن معمّر القذّافي أصبح في خبر كان، وأن أولويات المرحلة لا تلغي مطلقاً عرض باقي القضايا أو لفت الانتباه إلى مسائل بعينها خوفاً من إهمالها في زحمة ترتيب الأولويات!. رأيت نشر هذه المادة لأنها تعرض قيمة الآثار وأهمية الحفاظ عليها، وتركز على أهمية المدن والشوارع القديمة في حياة النَّاس، وكيف أن معمّر القذّافي قضى على بعضها خدمة لنظامه لأنه كان يعرف مدى تأثير ذلك على سلوكيات النَّاس وتصرفاتهم !، فعلماء الإجتماع يؤكدون ويقرّون أن عمليّات هدم ما يشكل قيمة حقيقة لدى النَّاس وكل ما من شأنه أن يجعل صور الماضي حية في أذهانهم، يؤدي حتماً إلى محو صفحات ضرورية لفهم الذّاكرة وتقديرها، وبالتالي إلى إفقارها وهو ما يؤثر سلباً في تصرفات النَّاس التي ترتكز في الأساس على ثراء الذاكرة. كذلك، رأيت نشرها لأؤكد على ضرورة أن تضع ليبَيا ما بعد القذّافي الحفاظ على ما تبقى من مدننا وشوارعنا القديمة ضمن أولوياتها على اعتبار أنه إرثاً قومياً يستوجب صونه وصيانته وتقديمه في أحسن صورة، وأن تمنع من خلال القوانين والتشريعات منعاً باتاً هدم المباني والشوارع القديمة ذات العلاقة بذّاكرة النَّاس وتاريخهم. أيْضاً، رأيت نشرها لأنها تصف حياة النَّاس في زمن كان الإنسان جوهره.. وتصف تآخي النَّاس في تلك الأحياء والشوارع والمدن ومدى تواصلهم وتكافلهم وتعاونهم في السراء والضراء، وأثر ذلك على تماسك المجتمع وتضامنه فِي وجه أيّ شيء كان يهددهم أو يقف ضدَّ تقدم مجتمعاتهم وإفساد العلاقات فيما بينهم. كمَا، رأيت نشرها لأنها ترسم شخصيّة فنان فِي زمن وضعت فيه الأسس الصحيحة للفنّ قبل أن تفسده آلية سلطة دمرت كل شيء جميل فِي حياة النَّاس. فقد ارتسمت في أناقة هذا الفنان، خطوط الذوق الرفيع ومعالم الحس المرهف.. وفِي موسيقاه تجسدت حماسات جيْل درس مخزونه التراثي، وانفتح على خزائن الآخرين، ورفع من مستوى اهتماماته ومشاركاته ليسابق الزمن وينطلق من النقطة التي انتهى عندها الآخرون. وما استهدفه من هذه السلسلة إلى جانب تصوير مشاهد من الماضي وسرد بعض تفاصيل المكان هو الدعوة إلى الاهتمام بالمواقع الأثرية، وحفظ التاريخ، والحفاظ على الذّاكرة، ومنع هدم المباني والشّوارع القديمة ذات العلاقة بذاكرة النَّاس وتاريخهم. ورفع القيود عن العمل الإبداعي، ومنع السّلطة منعاً باتاً من توظيف الفنّ لخدمة أغراضها الخاصّة. ورجائي ألا يُفهم كلامي على أنه دعوة للعيش في الماضي وحفظ كل ما يتعلق به. أو أنه دعوة لاستحضار الماضي برموزه ومبدعيه بغية تنصيبهم أوصياء على الحاضر والمُسْتقبل، فهذا لا استهدفه مطلقاً ولا أسانده على الإطلاق. حيث أؤمن أن لكل عصر أفكاره ورجاله وأن لكلّ وقت آذاناً كمَا يقال، والذي أسميه الإيمان بالمسألة الزمنية (التزمين) حيث لابُدَّ أن يعيش كل جيْل زمانه ويتفاعل مع همومه وقضاياه على النحو الذي يراه هُو لا كمَا يراه أصحاب القبور !.  أو كمَا قال الأمام علي رضي الله عنه: (ربّوا أولادكم على زمانِهِم فإنّهم وُلدوا في زمانٍ غيرَ زمانكم). وأؤكد من جهة ثانية على إيماني الشديد بالعملية التراكمية أي بالتراكم والاستفادة من تجارب الماضي كذلك على رفضي الشديد لعملية تطويق الحاضر بسور الماضي، نظراً لإيماني المطلق بأن الإنجاز والرؤية والنظرة التجديدية والعمل الإبداعي ليس حكراً على رجال من زمن معين دون سواهم من الرجال أو زمن بعينه دون سواه من الأزمنة، بل أنني أراه عملية مستمرة لا تنقطع مطلقاً ما دامت هناك حياة. وأضيف بعد هذا كله، بأن أزمتنا كانت لها صلة بفهمنا للماضي وطريقة تعاملنا معه، وأؤكد بأن أزمتنا ستستمر إذا ما استمر تعاملنا مع الماضي على النحو الذي كان عليه. وفِي نفس الوقت لابُدَّ من التأكيد على أن الحاضر لا يمكن فهمه وفهم طبيعة مشاكله دون صلة تربطه بالماضي وتنظم علاقة الاثنين بعضهما ببعض. وبناءاً عليه، أؤكد على ضرورة دراسة الماضي وفهمه على نحوه الصحيح، ثمّ الاستفادة من تجارب السابقين والانطلاق دائماً من حيث ما انتهوا هم، فالنجاح الحقيقي يُبنى على ما قبله أي بالتراكم حيث خطوة التقدم فِي كل مرَّة تأتي بعد خطوة سبقتها. والمحصلة إذن، لابُدَّ أن يعيش كلّ جيْل زمانه وقضاياه، وأن تتطور الحيَاة، وتتجدد الأساليب والنظرة إلى الأشياء، فمن المستحيل أن يستمر الزمن على حال واحد أو نمط واحد أو أسلوب حياة ثابت لا يتغير. كمَا لا يجوز التعامل مع الحاضر بفكر ورؤية مَنْ عاشوا فِي زمن غير الزمن وواقع غير الواقع المعاش. إذن، لابد أن يحترم كل جيْل يأتي ما كان قبله، وينطلق من سلسلة تراكمات سبقته، وأن يعيش واقعه ويتفاعل معه بعقله وأحاسيسه هُو وليس بعقل وأحاسيس من سبقوه، أي لا يحاول الهروب إلى الماضي بغية العيش فيه، ولا يحق له أن يتجاوز الماضي فينطلق في عمله وحركته وكأنه لا شيء كان قبله !. ويخطئ خطأً فادحاً من يجعل من مفكري ومبدعي زمن مضي مهما علا شأنهم أو كانت قيمتهم، أوصياء على الحاضر ومتحكمين فيه، لأن ذلك يقفل باب الاجتهاد ويمنع التفكير ويقتل الإبداع ويخالف المثل أو الحكمة القائلة: (أهل مكة أدرى بشعابها ) أو كمَا قيل.  ولا جدال، أن الزمن قد تغير وهو مستمر في تغيره، ومع تغيراته تتغير أشياء كثيرة فِي الإنسان والمكان !. وإدراكاً لهذه الحقيقة، أدعو إلى إمعان النظر في تجربة رجالات الاستقلال وعملية بنائهم لدولة ليبَيا الحديثة لأن ذلك يساعد في عملية بناء دولة ليبَيا الثانية وهذا لا يعني مطلقاً السير على نهجهم خطوة – خطوة، إنّما يحث على الاتعاظ والاستفادة من دروس الماضي وعبره. أيْضاً، الحديث عن الماضي لا يعني مطلقاً الدعوة إلى استمرار الحياة على النحو الذي كانت عليه أو العيش بنفس أسلوب حياة السابقين فلا يعقل مثلاً أن يطالب أحدٌ باستمرار تصميم بيوتنا بالتمام والكمال على النحو الذي كانت عليه في عقود مضت، أو أن تبقى شوارعنا ضيقة متداخلة في بعضها على النحو السائد أيام زمان.  ولا يُقبل كذلك أن يستمر الفنّ بأسلوب وأحاسيس السابقين من أمثال: علي الشعالية و كاظم نديم ونوري كامل والسِّيّد بومدين وغيرهم لأن ذلك مستحيل ويستحيل حدوثه علاوة على أن العصر بعد هؤلاء الرجال قد تغير كثيراً وأن تبدلاته وتغيراته طالت كل شيء، وأن حركته مستمرة ولن تتوقف طوال الحَيَاة. ولكن لنجعل الماضي هو الأساس الراسخ الذي نبني عليه المُسْتقبل.

فِي البَدْء لابُد مِن كَلِمَة

كانت حياتنا بسيطة جميلة قبل مجيء ذلك الملازم على ظهر دبابة في ظلام الليل الدامس يوم الأوّل من سبتمبر/ أيلول من عام 1969م. وكانت (القيمة) جوهر حياتنا وأكبر معانيها، ولم تكن للمادة أي اعتبارات بيننا حيث لم يتجاوز معناها حينئذ سقف الستر. وكانت شوارعنا القديمة تعني الشيء الكثير بالنسبة لنا، وتُشكل جزءاً من ذكرياتنا وذاكرتنا، إذ فيها حكايات طفولتنا وشبابنا، ورُبّما العمر كله، فبعضنا عاش عمره المديد فِي شارع واحد لا غير. وهناك من تنقل من عنوان إلى عنوان، فرسم شارع ما ذاكرة طفولته وشارع ثاني ذكريات شبابه واليوم يشكل مكان أخر جزءاً من ارتباطاته وحواديته.  وفي شوارعنا القديمة، من الحكايات ما يستحق أن يروى ويدون.. وعلامات فارقة سجَّلتها بيوت بعينها.. وشخصيّات بارزة ظلت حيّة طرية فِي ذاكرة النَّاس رغم تعاقب السنوات والعقود. وفِي شوارعنا القديمة قصص وحكايات مشوقة يسعد كثيراً من يستمع إليها.. وحكايات ترتسم فيها صورة الوطن وحياة النَّاس.. وفيها سيرة وطنيين، ومشوار مبدعين، وطرائف ومقالب أشد تسلية ممّا عُرض أو يُعرض على شاشات التلفزيون. أحكي عن الشارع القديم لما يشكله من معنى وقيمة.. وكيف كانت آثاره على سلوكياتنا وأخلاقنا وذوقنا بشكل عام !؟. كان ماضينا مكتظاً بالمواقف والرموز واللقاءات بل حتَّى الشطحات. وكانت أجواء ذلك الماضي مغمورة بالضحكات والتطلعات والأحلام البسيطة البريئة كذلك مشحونة بالمحبة.. وتحيطها الألفة.. وتظللها كل صور التعاون والمؤزرة. كان احترام الكبير سائداً لأنه كان واجباً. كان الجار قريباً من الجار إلى درجة أنهم كانوا أهلا. كنا لا نسمع قُبحاً في الألفاظ في شوارعنا القديمة.. ولا نرى المشاجرات (العرايك) التي صارت اليوم بالسواطير والسكاكين وغيرها من أدوات التمزيق والقتل. وكنا لا نسمع عن سرقة البيوت و النط عليها فِي عز النهار والقايلة كمَا هو الحال الآن. كانت شوارعنا أمنة مطمئنة، وكان أطفالنا يلعبون في تلك الشوارع فِي أمن وأمان، وكبارنا يتسامرون فِي ود وراحة بال، وتربطهم ألفة، وكأنهم نسيج واحد كمَا صور الدّكتور خليل فاضل تلك العلاقة التي كانت تربط النَّاس بعضهم ببعض، فقال:..".. لم تكن العلاقة حميمية بينهم فحسب، لأنه ببساطة تعني التوحد النفسي.. والمشاركة الوجدانيّة العميقة التي لا تنفك أواصرها والتي تمثل نسيجاً صحيحاً متعافياً متيناً ثابتاً يشع بالدفء والقوة التي أصحبنا – للأسف- نفتقدها..". ومؤكداً.. أن أخلاق النَّاس هي حصيلة الواقع المعاش ومن ضمنها سياسيات الدولة، فالأخلاق كمَا قال الدّكتور عبْدالباسط عبدالمعطي أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس:..".. أخلاق النَّاس وقيمهم وتصرفاتهم ما هي إلا نتاج طبيعي – شبه حتمي – لأحوالهم من المعاش، وفرصهم المجتمعية، خاصّة المشاركة في صنع القرارات التي تتعلق بمصيرهم ومصير مجتمعهم..". ونأمل أن تحدث ثورة 17 فبراير النقلة المرجوة منها، وتعود العلاقات بين النَّاس إلى سابق عهدها من حيث التضامن والترابط والتآلف والتراحم. وهذا لا يعني بأن ماضينا كان كله بياضاً فِي بياض أو أنه كان غنياً إلى درجة الإسراف، فبياض ماضينا بلا شك كانت فيه شوائب وظلال، ولكن لا جدال أنه كان جميلاً ببساطته وعفويته.. ورائعاً بطيبة ناسه ونقاء نفوسهم.. وأن حركته نحو الإعمار والنهوض كانت واعدةً وخطواتها محسوسة وملموسة.

شتان بين الذي قد كـان والآنـا (3)

فقد كان جمال وطننا هو الإنسان ذاته، وأن أشد ما حدث لوطننا إيلاماً وأكثرها قسوة هي التشوهات التي أحدثها إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م فِي شخصيّة الإنسان الِلّيبي والتي نأمل أن تعالجها ثورة 17 فبراير. وفِي قلب مدينة بنغازي، كان ضريح عُمر المختار أشهر علامات المدينة وعنوانها الأهمّ. كان تصميم الضريح المعماري رائعاً وغاية في الخصوصية والجمال، وقد تمّ بناؤه في عهد ولاية السّيِّد حسين يوسُف مازق (1918م – 2006م) لولاية برقة. وبعد إتمام عملية البناء في أغسطس/ آب عام 1960م، نُقل جسد شيخنا الجليل في موكب رسمي من مقبرته في سيّدِي اعبيد إلى ضريحه الجديد بوسط المدينة. وأصبح الضريح منذ انتقال شيخنا إليه في أغسطس/ آب عام 1960م مزاراً لأبناء مدينة بنغازي وزوارها من كافة أنحاء البلاد كذلك مزاراً لزوار المدينة من الرسميين والسياح. زار معمّر القذّافي بنغازي في سبتمبر/ أيلول 2010م في الذكرى الواحدة والأربعين لإنقلابه المشئوم، مر على ميدان البلدية ورأى ما فعلت يداه بشارع عُمر المختَار وسُوْق الظّلام وشارع سيّدِي سَالم وشارع عصمان، وزار مكان ضريح عُمر المختَار الذي أمر بنقل رفاته من بنغازي إلى قرية سلوق فِي 16 سبتمبر/ أيلول 1980م ثمّ أمر بعد ذلك بهدم ضريحه، وأثناء زيارته للمكان، قال لمرافقيه:..".. سيتم بناء برج تجاري كبير في هذا المكان باسم عُمر المختار وذلك بمناسبة الذكرى التاسعة والسبعين (79) لإعدامه التي توافق 16 سبتمبر/ أيلول !؟".  قرر القذّافي في تلك اللحظة، بناء برج تجاري فِي الأرض التي كان عليها الضريح معتقداً أن عمله هذا سيلغي حتماً لدى الجميع – وإلى الأبُدَّ – التفكير في إعادة بناء الضريح على النحو الذي كان عليه في مكانه السّابق، ويمنع بالتالي عودة جسد شيخ الشهداء إلى مرقده وسط مدينة بنغازي. ويقال أن معمّر القذّافي كان قد أمر حاشيته خلال هذه الزيارة بهدم (الفندق البلدي) أحد معالم مدينة بنغازي البارزة وسوقها الوحيد الباقي من أسواقها القديمة بعد هدم سُوْق الظّلام أقدم أسواق المدينة. ومن المؤكد أن معمّر القذّافي كان قد وقف خلال زيارته لمكان الضريح على الأرض التي كان عليها المبنى، وقال لمرافقيه:..".. أنني أريد أن أرى من هذا المكان، شاطيء بَحْر الشّابّي..!!". وكان المستهدف: هدم منطقة واسعة وشوارع قديمة ممتدة قبالة المكان السّابق للضريح إلى شاطيء البَحْر، أهمها شارعا المهدوي وسيّدِِي الشّريف العريق الذي يعد ضمن أقدم شوارع المدينة وأشهرها. وقفت النخبة الِلّيبيّة في الداخل والخارج وكان لها موقفاً مُشرفاً حيال الموضوع حيث استهجنت القرار، وأصدرت بياناً تدعو السّلطات المعينة بعدم الإقدام على خطوة بناء برج تجاري مكان ضريح شيخ الشهداء، وذيلته بتوقيعات ضمت شرائح واسعة من المجتمع الِلّيبي. كان القذافي عازماً على تنفيذ مخططه الهدام ولكن ثورة 17 فبراير 2011م قلبت موازين القوى حيث تمكن الثوار في الأسبوع الأوّل من الثورة من تحرير المنطقة الشرقيّة بالكامل وتشتيت شمل النظام ومحاصرته ثمّ واصلوا انتصارهم وتقدمهم إلى أن حرروا مدينة طرابلس في يوم 20 أغسطس/ أب 2011م ثمّ قبضوا على معمّر القذافي وقُتلوه يوم 20 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2011م، وتوّج مشوارهم بإعلان تحرير ليبََيا من حكم الخراب والاستبداد في احتفال شعبي بمدينة بنغازي يوم 23  أكتوبر/ تشرين الأوّل 2011م، وبعد ذلك مباشرة ختموا مسار التحرير بأخر مهمة لهم بتحرير سرت وبنى وليد أخر معقلين لبقايا كتائب معمّر القذّافي، ثمّ البدء في مشوار الانتقال إلى حكم صناديق الاقتراع والتداول السّلمي على السّلطة بتكليف الدّكتور عبْدالرَّحيم الكيب برئاسة الحكومة الانتقاليّة يوم 22 نوفمبر 2011م بمساعدة نائبين هما: الدّكتور مصطفى غيث بو شاقور (نائب أوّل) والدّكتور عُمر عبدالله عبدالكريم (نائب ثاني). انتهى نظام القذّافي مركز العرقلة ومصدر البؤس والتخلف، والنقلة الثانية المرجوة: منع الاستبداد وتأبيد السّلطة ثمّ كفالة الحريات وضمان التداول السلمي على السّلطة. أخيراً.. أراد القذّافي هدم ما تبقى من شوارع قديمة في مدينة بنغازي، ونجحت ثورة 17 فبراير فِي إيقاف مشروعه الذي استهدف ما تبقى من ذاكرة المدينة ؟؟.  

سوف أعرض فِي هذه السلسلة ما كنت قد كتبته عن شارع سيّدِي سَالم الذي تمّ هدمه في الوقت الذي هُدم فيه (سُوْق الظّلام) أقدم مركز تجاري بمدينة بنغازي.. حياة النَّاس فِي ماضي الزمان وأشياء أخرى، أهمها لمحات من سيرة حياة الفنان علي الشعالية الذي كان من سكّان زقاق الزردومي بشارع سيّدِي سَالم. وهذه السلسلة تأتي في إطار مشروع بدأته مند سنوات ألا وهو تدوين التاريخ والكتابة عمّا عاصرت من أحداث، وما عرفت من أماكن وشخصيّات ورموز. وسَوْف أعرض موضوعات هذه السلسلة فِي ستة وقفات، هي كالتَّالِي:

♦ الآثار والمباني القديمة.. انتهاكات نظام القذّافي المقبور للحقوق الثقافيّة. 
♦ شوارعنا القديمة. 
♦ مداخل شارع سيّدِي سَالم، وذاكرة المكان.   
♦  شارع سيّدِي سَالم.  
♦ الفنّ الِلّيبي.. زمن وزمن !.
♦ علي الشعالية.. فنه وسيرة حياته.

الفنان علي الشعالية

وبقى لدي أن أقول، أنني سأعتمد فِي حلقات هذه السلسلة على الكتب التالية: كتاب: (مدخل إلى المقام الِلّيبي)، للأستاذ السُّنوُسي محَمّد، الصادرة طبعته الأولى عام 2007م عن المركز العَرَبيّ الدّوليّ للإعلام (القاهرة – لندن).. وكتاب: (قاموس بنغازي القديمة) للأستاذ عمران عَلي المصري الجلالي، الصّادرة طبعته الثانية عام 2007م عن (دار الكتب الوطنيّة ببنغازي).. وكتاب: (وميض البارق الغربي) للأستاذ سَالم حسين الكبتي، الصّادرة طبعته الثانية عام 2009م عن (دار الكتب الوطنيّة ببنغازي). ومقالات منشورة في شبكة النت الدّوليّة، أهمها: ما كتبه الناقد زياد العيساوي عن الفنّ والفنانين الِلّيبيّين. كمَا استفدت كثيراً من مراجع عديدة أخرى، سيجد القارئ الإشارة إليها في قائمة المَصَادِر والمَرَاجِع. أيْضاَ.. سأسرد في هذه الأحاديث، أشياء عن المكان والزمان والمناخ الذي كان سائداً.. وأرسم صوراً التقطتها الذّاكرة وأنا في مرحلة الطفولة وبداية الشباب، وأخرى نقلتها عمن كان التصاقهم بالمكان أكثر مني!. أيّ، سأسجل ما ترسَّبَ فِي ذاكرتي، وما سمعته، وما قرأته، ورجائي ألا تتداخل عندي الأقوال بعضها فِي بعض، أو أذكر مكاناَ لا يكون موقعه المكان الذي أسرد تفاصيله أو أنسب قولاً لسين من النَّاس في حين أن قائله شخص ثاني. ومع هذا، فأنا وحدي أتحمل نتيجة الخطأ والسهو وما يلتبس عليّ من الأمر، فكله على مسؤوليتي وحدي ولا يحسب ذلك على غيري!. وأضيف مؤكداً بأن هذه الأحاديث ليس الغرض منها الاستمتاع فحسب، فإن كانت تحمل بين جنباتها شيئاً من هذا، فأن هدفها الحقيقي أن نستعين بمصابيح الماضي لننير طريق المُسْتقبل!. وفِي الختام.. كلّ ما أتمناه أنّ يهتم الجميع بمسألة التدوين ويدركوا أهميته (4)، وإذا كان معظم من يكتبون يتأسفون غالباً على عدم تسجيل يومياتهم وتدوين مشاهداتهم على الفور كذلك ما يصلهم من معلومات وأخبار، وما دار بينهم وبين آخرين من نقاشات وحوارات هامّة، عليهم أن يفعلوا ذلك من الآن ويجعلوها عادة، لأن الإنسان ينسى وتضيع منه الكثير من التفاصيل مع مرور الأيّام. ولأن حركة النَّاس والمجتمع مستمرة دون إنقطاع.. والأحداث تتوالى.. والإنسان يدركه المرض والموت – وكثيرون قُبرت ذاكرتهم معهم دون أن يتركوها مكتوبة أو مسجلة صوتياً، وآخرون أقعدهم المرض أو أدركتهم الشيخوخة قبل أن يكتبوا فتبخرت ذاكرتهم وتاهت ذكرياتهم. كمَا أتمنى أن تدفع هذه الحلقات، آخرين.. ليكتبوا عن ذكرياتهم ومعايشاتهم، أو عن مرحلة خبروها أو بقعة عرفوها أو مراحل استهووها أو أحداث شاركوا فيها وشهدوا عليها حتَّى يستمر التواصل والتفاعل بين الأجيال. إذن، لابُدَّ من الكتابة والتدوين، فالتّاريخ ورق مكتوب لا روايات تحكى تحت سقف مربوعة (صالون خاصّ) دون أن تدون وتسجل!.. فلا حياة لذاكرة بدون ورق!، أو بدون أدوات إليكترونيّة فِي عصر الشبكة العنكبوتيّة. فهي بالنسبة لذاكرة تنشد الحياة كالأكسجين تماماً في حياة الإنسان. وفِي الختام.. شارع سيّدِي سالم، واحد من أعرق شوارع مدينة بنغازي، وهو شارع يحمل عبق التاريخ.. وطيبة قلب سكّان مدينة بنغازي.. وشواهد حرب التحرير. هذا الشارع الذي كان من المفترض الاهتمام به والحفاظ عليه كمَا تفعل كافة الدول بشوارعها القديمة، قام نظام القذّافي المقبور بهدمه في الوقت الذي هُدم فيه (سُوْق الظّلام) أعرق مركز تجاري في بنغازي كذلك شوارع ومباني قديمة أخرى بنفس المدينة. وباختصار، الحكاية كلها يختصرها: شارع وحياة فنان!.  أصل الحكاية شارع سيّدِي سَالم.. والتفاصيل معزوفة جميلة يقدمها علي الشعالية المطرب وعازف آلة القانون. ولنبدأ من هنا... وما توفيقي إلاّ بالله.
 


مِرْفق الصُوَر:

جميع الصُوَر المرفقة من الشبكة الدّوليّة للنت بما فيها صُورة محل البقالة المرسومة بريشة الفنان عوض اعبيدة.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات هَامَّة:

1) القصيدة: نقلت القصيدة عن صفحتي (95 و 96) من كتاب: (قاموس بنغازي القديمة) للأستاذ عمران علي المصري الجلالي، الصادرة طبعته الثانية عام 2007م عن ( دار الكتب الوطنيّة ببنغازي). وهي قصيدة نظمها الشّاعر أحمَد رفيق في (جيحان) سنة 1926م، وأرسل بها إلى صديقه موسى أحمَد بوشناف البرعصي (1870م – 1940م) وفقاً لرواية الأستاذ سالم الكبتي فِي كتابه: (وميض البارق الغربي). واستطرد الكبتي بخصوصها قائلاً:..".. موسى البرعصي الذي أرسلت إليه القصيدة كان صديقاً للشاعر، وقد قام بعض المرَّات بتشطير قصائد لرفيق. وربطته بالشاعر صلة وثيقة، وبينهما مداعبات ومساجلات شعرية..".

2) الجملة أعلى الصفحة: الجملة منقولة عن الأستاذة سلوى حماد مشرفة منتدى حمامة، وموجودة في شبكة النت في المنتدى المُشار إليه.

3) البيت الشعري: شطرة من قصيدة: (من ذكريات 1961م) للشاعر راشد الزبير السُّنوُسي، ديوان: (المجموعة الشعرية الأولى) الصادر عام 2008م عن (إدارة الكتاب والنشر) لما يسمّى باللجنة الشعبيّة العامّة للثقافة والإعلام.

4) التدوين وأهميته: ما جاء حوله في أعلى السطر كنت قد أشرت إليه فِي مقدمة الجزء الثاني من سلسلة: (هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ /  الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج) المنشورة فِي موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 12 مايو/ أيار 2006م. يرجى الرجوع إلى السلسلة المُشار إليها، لمعرفة المزيد حول التدوين وأهميته. 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ليبا المختار
الاخ الرائع شكري..عندما فرأت مقالك تذكرت ذلك الزمن الجميل..لفد اعدتنا الي ايام عي الزاد لنا لمقاومة مامر بنا من يأس وقهر..لقد علقت باسمي المستعار الذي كنت استخدمه اثناء ثورتنا حيث…...
التكملة
ولد بنغازي
شكرا استاذ شكري على سردك لتاريخ اجمل ايام ليبيا, سواء قبل مجئ اليهودي, او بعد زواله ملاحظة: ياريتك ترتبها في شكل حلقات او اجزاء واعدك بقرائتها حتى اخر حرف انشاء…...
التكملة
عبد السلام الزغيبي
الاستاذ شكري وهو الاسم الذي توعدت عليه..

دائما انا في انتظار كتاباتك الرائعة، واستعير منها في كثير من الاوقات عندما أكتب عن بنغازي حبيبتي ، وأغار من…...
التكملة
اسعد العقيلي
الله ياشكري ..ما اجمل ما تكتبه عن ليبيا .. مخزون من القيم والحكاياالطيبة.. وصورة صادقة للانسان الليبي النبيل ..
تحياتي .. ودمت راوياً صادقاً...
التكملة
د.عاشور عمر جبريل
شكرا لكم لتذكرين بايام الحلوة الجميلة...الموضوع فيه سرد لتلريخ الربيع العربى...انه سرد سهل ممتنع.......
التكملة
بشير إبراهيم
كنت أتابع كتابات الاستاذ شكري السنكي بتوقيع الصادق شكري بكثير من الأهتمام والمتابعة . فقد أتسمت كتاباته بالواقعية وإحترام الناس فلميكن كاتبا حاقدا ككثيرين ولا مادحا متزلفاكالبعض من الكتاب .كان…...
التكملة
احمد
شكرا للكاتب ولى ملاحظة وهى ان المقال طويل وملىء بالمواضيع المختلفة مما يشتت تركيز القارىءويبعده عن الخلاصة والمعنى...
التكملة
الدكتور الهادي شلوف
كتابات الصادق شكري هي كتابات رائعة ودائما تعطي وتطابق الواقع وتحدد نقاط اساسية تاريخية واجدها دائما منصفة بدون تطرف او مبالغة تحية للاستاذ شكري...
التكملة
عيسى عبدالقيوم
شكرا عزيزي شكري .. انت الاقدر على رصد المرحلة والتأريخ لها ، فلا تتاخر وننتظر منك الكثير . تحياتي...
التكملة
من سالم قنيبر إلى العزيز شكري السنكي....تحية
في أحد ليالي ديسمبر 2010 كنت أتناول العشاء عند الصديق الاستاذ أحمد الشريف التلمساني.. وكان معنا جمع من أقاربه بمناسبة خاصة عنده. وكانت الثورة التونسية آنذاك قد قامت... واتخذت من…...
التكملة