شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (2 مِنْ 8) 1/2/2012 20:36 شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (2 مِنْ 8)
الصادق شكري بحث

حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت

زمن عَلي الشعالية وشَارِع كان أسمه سَيِّدِي سَالم (2 مِنْ 8)

بقلم: شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري)

".. ذاكرة المدن هي مبانيها وأحياؤها التاريخيّة القديمة، والحفاظ على هذه المباني والأحياء
يعني الاحتفاظ بذاكرة المدن قوية منتعشة، أمّا إهمالها فيعني محاولة شنعاء لمحو التاريخ.." (5).


الحَلَقَة الثَّانِيَة

توجد فِي معظم دول العالم مؤسسات تهدف إلى الحفاظ على المواقع الّسّياحيّة والحرف والصناعات والأسواق الشعبيّة وحمايتها من الاندثار، وبها قوانين  خاصّة تمنع وتُحرّم هدم المباني القديمة مهما كانت الأسباب، باستثناء إجراء عمليّات الصيانة والترميم والنظافة، معتبرة الحفاظ على الإرث والتراث يعكس صورة الدّولة الحضاريّة. أمّا عمليّات الهدم للمباني القديمة أو إضاعتها تحت مفهوم الاستثمار العقاري بمواصفات العصر، واستغلال الأرض فِي بناء مشاريع تجاريّة أو خدميّة جديدة، عبث بإرث قومي وجريمة كبرى حيث تفريط الدولة فِي حفظ الذّاكرة وتفريطها فِي حفظ الماضي وإحجامها عن إبقائه حياً فِي أذهان النَّاس. ومن هذا الفهم والتقدير، سنت هذه الدّول، تشريعيات وقوانين صارمة تمنع عمليّات الهدم، حتَّى من قِبل مالكيها، مقابل تقديم دعم معنوي عظيم وحوافز مادية مجزية (6).... ولا شكّ، أن هدم المدن والشوارع القديمة يُعد جريمة كبرى من كل النواحي وبكل المقاييس والمعايير، كون ذلك يُعد إفساداً وعبثاً بالصورة الحضاريّة للدولة. وأنه يؤثر سلبياً على الذّاكرة بمعنى تراجعها من ناحية وإختلالها من ناحية أخرى، وبالتالي إلى إفقارها وهو ما يؤثر سلباً فِي تصرفات النَّاس التي ترتكز فِي الأساس على ثراء الذّاكرة كمَا سبق وإن أشرنا.  وإنطلاقاً من هذا – وكمَا أسْلَفت – حرصت الحكومات المخلصة لأوطانها على حفظ ذاكرة شعوبها من خلال قوانين وتشريعيات تمنع منعاً باتاً هدم المباني والشوارع القديمة ذات العلاقة بذّاكرة النَّاس وتاريخهم.. وتدعم جهود الحفاظ عليها باعتبارها إرثاً قوميّاً يستوجب صونه وصيانته وتقديمه في أحسن صورة.  ورُبّما أضَفْتُ، أن مفهوم المحافظة على التراث لا ينحصر فِي مؤسسات الدولة الرَّسميّة (الحكوميّة) فحسب، ولكنه يحظى باهتمام كافة مؤسسات المجتمع المدني أيّ غير الحكوميّة. فلا شكّ، أن مفهوم المحافظة على التراث..{.. فِي العديد من العواصم والمدن العالميّة أمرٌ هامٌ يحظى بإهتمام مؤسسات الدّولة الحكومية وغير الحكومية نظراً لكونه الخطوة الأولى فِي توثيق المكان وأدواته ومعطياته، بجانب أهمية ما يعكسه من تاريخ الدولة ونشأتها. ولهذا، فقد سنت العديد من الدول مجموعة من القوانين الخاصّة بالمحافظة على هذا الإرث القومي العريق وصيانته وتقديمه بصورة لائقة لمواطينها وزائريها على حد سواء، بالإضافة إلى الحفاظ عليها للأجيال القادمة. لذلك، كانت المحافظة على البيوت والمنازل والمباني الأثرية العريقة والقديمة فِي سلّم أولويّات البلديات فِي جميع عواصم العالم والتي يقع على عاتقها أولاً تنفيذ المشاريع الخاصّة بذلك، وإقرار وسن القوانين الصارمة التي تحافظ على تلك المواقع الأثرية..}م1.

الآثار والمباني القديمة.. انتهاكات نظام القذّافي المقبور للحقوق الثقافيّة

جاهد الشّيخ عبْدالحميد إبراهيم العبّار (7) وحمـل البندقية شاباًَ صغيراً منذ دخول المحتل الإيطالي إلى الأراضي الِلّـيبيّة، عارك المحتلين بالبندقية وفاوضهم من منطلق الحرص على القضيّة والاعتماد على الحجة والإيمان بدعم الله وعونـه، ثمّ هاجر مواصلاً رحلة جهاده حتَّى تحقق إستقلال البلاد وعاد المستعمر من حيث أتى مذمومـاً مدحوراً. عينه الملك إدْرِيْس السُّنوُسي (1890م – 1983م)، عضواً بمجلس الشّيوخ وفيما بعد رئيساً له، تكريماً وإعزازاً لدوره الوطنيّ العظيم. ويذكر أيْضاً أن الملك إدْرِيْس كان قد كرَّم الشّيخ عبْدالحميد العبّار بمنحه أوسمة وأنـواط ونياشين كوسام الجهاد، وميدالية التحرير، ونيشان الاستقلال. كانت لهذا الشّيخ المجاهد الجليل قصّة مع سفير فرنسا بالأمم المتَّحدة جديرة بأن تقرأ بل تعاد قرأتها مرَّات ومرَّات حتَّى نعرف معدن هذا الرجل العظيم ورفاقه.. ونستفيد من تجربتهم على النحو الصحيح.. ونكتشف أشياءً جديدة عند كلّ قراءة لنرى الصورة فِي كلّ مرَّة تتسع أمامنا أكثر من المرَّة التي سبقتها.

الشّيخ عبْدالحميد العبّار جالساً إلى جانب الملك إدْريْس السّنوُسي، وفِي الصُورةِ الأخرى يظهر الشّيخ عبْد الحميد العبّار
مع وفد برقة المؤلف منه والسّيّدين عُمر شنيب وخليل القلال يستمعون إلى الرَّاحل المستر جون فوستر دلاس
رئيس الوفد الأمريكي، ويظهر فِي الصُورةِ الدّكتور علي العنيزي يقوم بالترجمة.

فِي القصّة التي كان بطلها الشّيخ عبْدالحميد العبّار (1880م – 1977م)، دلالة عظيمة ومعنى أعظم على مدى تقدير هؤلاء الأبطال لتاريخ بلادهم وإتفاقهم حول رموز كفاحنا الوطنيّ والمحطّات الأهم في تاريخ جهاد الِلّيبيّين ضدَّ المستعمر الإيطالي. حيث يروى أن الشّيخ المجاهد عبْدالحميد العبّار حينما كان ضمن المبعوثين فِي وفد برقة الأوَّل في إبريل/ نيسان إلى ليك سكسس (Lake Success) بقرب نيويورك، وإلى جانبه كلّ من: عُمر فائق شنيب، خليل القلال، وهو الوفد الذي شارك إلى جانب الوفد الطرابلسي (هيئة تحرير لِيبَيا) المكوّن من: منصور بن قدارة، الدّكتور علي نور الدّين العنيزي، الدّكتور محَمّد فؤاد شكري (مستشار)، بالإضافة إلى ممثل عن الطائفة اليهودية في طرابلس، ومندوبون عن جمعيات الأقليّات الإيطاليّة المقيمة فِي طرابلسِ. وبعد أن بدأت الاجتماعات، وشرعت الأمم المتَّحدة فِي مناقشة المسألة الِلّـيبيّة في دورتـها الثالثـة المنعقدة بالمكان المذكور فِي إبريل/ نيسان 1949م، تحدث بإسهاب كل من: السيّد عُمر فائق شنيب والدّكتور محَمّد فؤاد شكري وسهما في توضيح الصورة على وجه التمام والكمال. وأثناء المداولات الخاصّة مع الوفود، قال مندوب فرنسا بالأمم المتَّحدة فيما معناه: ".. لا توجد بليبَيا أيّ مقومات  لقيام دولة، وهي غير جديرة بمنحها الإستقلال !.."، فردّ الشّيخ عبْدالحميد العبّار، فأفحم مندوب فرنسا والحاضرين حين قال ما معناه: ..".. لا اعتقد يا سعادة السفير بأن ليبَيا التي وقفت في وجه المستعمر الإيطالي على مدى عشرين عاماً مواصلة الليل بالنهار، ودفعت نصف عدد سكانها ثمناً من أجل حريتها وإستقلالها، وهي لاتزال تقاوم من أجل نيل إستقلالها غير جديرة بأن يصدر مجلسكم الموقر قراراً يعترف بحقها فِي الإستقلال، وأن تساند الأمم المتَّحدة  الِلّيبيّين وتدعمهم من أجل تحقيق هذا الحق المشروع. وأذكرك يا سعادة السفير بأن فرنسا التي تتمتع بإستقلالها اليوم والتي وقف معها المجتمع الدّولي بأكمله لم تقاوم كمَا قاوم الِلّيبيّون حيث أنها استسلمت لألمانيا فِي ثلاثة أيام، أليس من حق الِلّيبيّين بعد هذا يا سعادة السفير أن يروا بأنهم أحق من فرنسا فِي نيل إستقلالهم؟، أم لسعادته رأي صادم ثاني كمَا سبق وأن صدمنا برأيه الذي لم يعتمد فيه على حقائق ولم يعقد بشأنه مقارنات  فكانت المسافة بينه وبين الموضوعيّة شاسعة يُقدر حسابها بآلاف الأميال !؟.."..... هذا الشّيخ الوقور الذي جاهد فِي الله حق جهاده، وساهم فِي تحرير البلاد وتأسيس دولة ليبَيا الحديثة، كرمته الدولة الِلّيبيّة حينما حكمها وطني غيور وملك عادل. وبعد أن استولى عسكري على السّلطة فِي ظلام الليل الدامس، وضعه فِي السجن مع بعض رفاقه ثمّ عزلهم سياسياً.

اعترفت الدولة الِلّيبيّة الناشئة بدور الثوار وبفضلهم، وأنزلتهم المنزلة التي يستحقونها ثمّ منحتهم الأوسمة والأنواط وميداليات التحرير ونيشان الاستقلال. وشيدت للشّيخ عُمر المختار ضريحاً جميلاً وسط مدينة بنغازي، والذي قال عنه السيّد حسين يوسُف مازق حينما نُقل جثمانه الطاهر من مقبرة سيدي اعبيد إلى قصره الجديد وسط مدينة بنغازي، ما يلي:..{..نحن مدينون للشّيخ عُمر المختَار ورفاقه، هؤلاء الأبطال المنسيين، ولن نستطيع أن نوفيهم جهادهم من أجلنا مهما دفعنا. ويستطرد قائلاً: إنّه لشرف ما بعده شرف أن أقوم أنا شخصيّاً بالإشرافِ علي هذا اليوم الموعود الذي ينقل فيه جثمان سيدي عُمر الطاهر إلي قصره الجديد، ولكي نتذكرهم دائماً ليس أفضل من هذا الضريح الذي سيصبح شاهداً علي جرائم حضارة إيطاليا، واستبسال وتضحية الأجداد والآباء..}م2. هكذا، نظرت الدولة الِلّيبيّة بعد إستقلالها لمجاهديها وثوارها، وعلى هذا النحو تعاملت معهم ومنحتهم ما يستحقونه من مكانة وتكريم. وفِي هذا درس وعبرة. 

على العموم.. ألقى الإنقلابيون الطّغَاة القبض على الشّيخ عبْدالحميد العبّار فور استيلائهم على السّلطة، وزجَّ به فِي السجن مع أجود رجال ليبَيا وأخيارها من الوطنيين الشرفاء، وشمله قرار (العزل السّياسي) الذي أصدره الإنقلابيون في 8 يوليو/ تموز 1971م، وكان رفاقه الذين شملهم الاعتقال معه متعجّبين من أمر اعتقاله وهو فِي سن متقدمة ومقامه فِي مقام شيخ الشهداء عُمر المختَار، فسأله أحدهم متعجّباً: كيف تجرَّأ هؤلاء الصبية على إعتقالك وأنت رفيق عُمر المختَار!؟، فأجاب: " لا تتعجب يا أبني فحتَّى سيدي عُمر المختَار لو كان حياً لرأيته معنا في غرفة الإعتقال هذه..".

صدق الشّيخ عبْدالحميد العبّار فيما قال لأن الإنقلابيين هدموا ضريح عُمر المختَار وسط مدينة بنغازي بعد سنوات من إنقلابهم المشئوم بأمر من القذّافي، فلو كان الشّيخ عُمر حياً لسجنوه كمَا فعلوا مع رفاقه الأبرار. ويذكر أن رئيس الإنقلاب صاغ البيان الأوّل لإنقلابه الأسود بعبارات تُمجد عُمر المختَار وتُذكر النَّاس بدوره وبطولاته، وأختار ساحة ضريحه وسط بنغازي لتكون أوّل ظهور له علي المسرح السّياسي الوطنيّ والدّولي وكان ذلك يوم 16 سبتمبر/ أيلول 1969م. وكان هذا بغية التقرب إلى النَّاس والتودد لهم حتَّى يتمكن من السّلطة، ثمّ يفعل ما يريد وينسف كلّ شيء كان قبله. وهكذا هو شأن الإنقلابيين، وشأن كلّ الحكام الطّغَاة. 

على أية حال.. قامت سلطات سبتمبر بهدم بعض الصوامع والمساجد والشوارع القديمة وكل ما له علاقة بذاكرة النَّاس والإرث التاريخي الثقافي للبلاد. أرادت سلطات سبتمبر فك الارتباط بين الشّعب الِلّيبي وتاريخه، وقامت بهدم العديد من المباني ذات الصلة بوجدانيّات النَّاس وذاكرتهم، وذات الارتباط بجهاد أجدادهم وتاريخ نضالهم السّياسي والثقافي. وهدف الإنقلابيون محو الأثر التاريخي الثقافي الذي لا يقدر بثمن، وإبعاد التاريخ عن حياة النَّاس حتَّى لا يتحول الماضي إلى عامل محفز لمحاربة الظلم والطغيان، والسعي لإقامة العدل ودولة الحريات والقانون. أو كمَا قال الدّكتور فتحي الفاضلي فِي مقالته: (قبر الشّيخ البشتي ليس مجهولاً ) المنشورة في مدونته:..".. تمثل هذه المعالم، جسراً، يصل أجيال اليوم بتاريخ ليبَيا السياسي، القديم والمعاصر. الأمر الذي لا يطيقه نظام سبتمبر 1969م، لأنه راهن على طمس تاريخ ليبَيا، ليؤسس دولة لِيبيّة معزولة، عن تاريخها الوطنيّ والعَرَبيّ والإسلامي..".

لم تقم سلطات إنقلاب سبتمبر 1969م بالحفاظ على الآثار والمباني التّاريخيّة بترميمها وصيانتها، بل قامت بإهمالها وعدم حمايتها من السرقة والتلف، والأدهى من ذلك قامت بهدم العديد من الشوارع والمباني القديمة ذات البعد التاريخي (8). هدمت سلطات الإنقلاب أوّل مدرسة ثانوية للبنات بمدينة بنغازي كذلك المبنى الإيطالي الجميل بشارع إدريّان بلت الذي أل بعد الإستقلال إلى نادي الهلال الرياضي الثقافي الإجتماعي، كمَا هُدمت مبان تاريخيّة أخرى بالمدينة كمبنى البرلمان، وكاتدرائية البركة (كنيسة البركة) التي حولتها فِي البداية إلى مكتبة أطلقت عليها إسم (مكتبة طارق بن زياد) ثم أزالت مبنى الكنيسة من الوجود.. وغير ذلك كثير.  وبعد أقل من عام من الاستيلاء على الحكم، قامت سلطات إنقلاب سبتمبر 1969م بهدم القوس. هدمت سلطات الإنقلاب عام 1970م القوس (قوس الأخوان فيليني) الذي يرسم الحدود بين إقليمي طرابلس وبرقة، وهو القوس الذي يعود إنشاؤه إلى ما يزيد عن (2500) سنة، أيّ فِي الفترة التي كان فيها الإغريق يسيطرون على شرقي ليبَيا.. ويسيطر (القرطاجينيون) البونيون أو البونيقيون على غربها.

(قوس الأخوان فيليني) الذي يرسم الحدود بين إقليمي طرابلس وبرقة، من تصميم المهندس فلوريستانو دي فاوستو

وفِي مارس/ آذار من عام 1937م  تحت حكم إيتالو بالبو للِيبَيا فِي زمن الإحتلال الإيطالي، تمّ بناء – وعلى بقايا هيكل المبنى القديم –  ممر عبور وقوس يعلوهما تمثالان كبيران للأخوين فلييني، من تصميم المهندس فلوريستانو دي فاوستو. وأضيف إلى القوس عبارة كتبت باللغة الإيطاليّة، تقول: (ها قد عدنا لنكمل ما فعلته روما العظيمة). وبعد الإستقلال تمّ الاهتمام بالقوس على اعتبار أنه أثر تاريخي ثقافي لا يقدر بثمن، وقامت الحكومة بصيانته، وكتبت عليه بعض الأبيات الشعرية التي نظمها أحمَد رفِيْق المهدوي (1898م – 1961م) شاعر الوطن (9). 

ويذكر أن أبناء معمّر القذّافي تاجروا فِي آثار ليبَيا، وأن معمّر القذّافي استخدم أو اتخذ بعض مواقع الآثار كقواعد عسكريّة، منها فيلا تاجوراء وتحويلها لقاعدة للدَّفاع الجوي طيلة سنوات حكمه ومنع مصلحة الآثار وعلماء الآثار حتَّى من زيارتها وفقاً لما جاء في موقع (المنارة) بتاريخ 22 يناير/ كانون الثاني 2012م تحت عنوان: (الملتقى الأوَّل لباحثي الآثار الِلّيبيّين.. خفايا الآثار فِي ليبَيا وتجارة آل القذّافي في الآثار الِلّيبيّة). كذلك، هُدمت سلطات الإنقلاب المبنى الإيطالي الجميل بمدينة طرابلس الذي كان مقراً لوزارة الخارجيّة في العهد الملكي والكائن بين شارعي البلدية والقاهرة بطرابلس العاصمة الِلّيبيّة.. وسُوْق (الثلاثاء) الشّعبي بطرابلس.. و(ميدان الشهداء) الأثري بنفس المدينة وحولته إلى ساحة مطلية باللون الأخضر أطلق عليها إسم (الساحة الخضراء) كان يستخدمها القذّافي وقتما يشاء فِي إلقاء خطاباته الرعناء، وتنظيم إستعراضاته العسكريّة الجوفاء. وهدم مسجد سيّدِي حمودة في نفس الميدان ثمّ هُدمت بعض الزوايا ونبشت قبور عدة في مناطق متفرقة من لِيبَيا.

وفي مدينة (بنى وليد) تمّ هدم القلعة – القصر الكبير الذي بناه الأتراك فِِي عهد حكمهم لليبَيا. تُعرف القلعة التي تمّ هدمها بين سكّان مدينة (بنى وليد) بإسم (قلعة السُوق)، وهي نفس المكان الذي اتخذه الشّيخ عبْدالنبي بلخير مقراً له فِي فترة حكمه لـ(بنى وليد). هدم معمّر القذّافي القلعة الضخمة الواقعة على مساحة أرض كبيرة ثمّ أمر حاشيته ببناء بيت له فِي ركن من أركان أرض قلعة السُوْق الواسعة. وفِي الجغبوب، أغلق الإنقلابيون المعهد الديني والجامع، وفِي عام 1984م أمر معمّر القذّافي بهدم ضريح الإمام محَمّد بِن علي السُّنوُسي، والذي دُفِن بضريح في زاوية  واحة الجغبوب عام 1276 هجري الموافق 1859م.  وقد أشرف على عمليّة الهدم..{.. فِي احتفال كبير من اللجان الثوريّة إبن عم القذّافي المدعو حسن إشكال، كمَا نبشت قبور السّادة والإخوان وزوجات السيّد محَمّد بن علي السُّنوُسي الموجودة في المقبرة الملحقة بالجامع. وبالرّغم من اكتشاف جسد سيّدِي إبن السُّنوُسي فِي قبره على نفس الحالة التي دفن عليها لم يتحلل ولا لحقه البلى كذلك جسد ابنه السيّد محَمّد الشّريف وجسد مريده وصهري سيّدِي عمران بن بركة.، إلاّ أنّ عمليّة الهدم تمّت والقي بالأجساد الطاهرة الثلاثة في الصحراء وجمعت العظام الموجودة فِي بقيّة القبور فِي حفرة واحدة ودفنت فِي مكان مجهول. وقد تمّ نفس الشيء فِي المقبرة الملحقة بمقام سيّدِي رافع الأنصاري بالبيضاء حيث نبشت جميع قبور السّادة والإخوان فِي تلك المقبرة وجمعت العظام فِي حفرة واحدة ودفنت فِي مكان مجهول بعد تركها فِي العراء بقرب الضريح مدة طويلة..}م3.

والمُحزن حقاً ما حدث فِي هذه المرحلة الانتقاليّة حيث أقدمت عناصر مجهولة على هدم أضرحة الأتقياء الصالحين ونبش قبورهم فِي مصراتة وطرابلس وبنغازي ومدن أخرى ثمّ وصل الأمر إلى زاوية (التاج) بالكفرة حيث تمّ فِي يوم الأربعاء الموافق 25 يناير/ كانون الثاني 2012م الاعتداء على ضريح الإمام السّيّد محَمّد المهدي السّنوُسي (1844م – 1902م) ونُبِش قبره وقبور عائلته وإخفائها فِي مكان مجهول. وفِي يوم الأحد الموافق 28 يناير/ كانون الثاني 2012م، أعلن العقيد سُليمان حامد حسن أنّه تمّ العثور على جثمان السّيّد المهدي السّنوُسي فِي مقبرة صغيرة بحي الجوف بمدينة الكفرة كذلك العثور على باقي الجثامين التي سُرِقت من زاوية التاج فِي طريق الحارة بالكفرة. تعرضت هذه المنارات التي تذكرنا بتاريخنا العظيم وسيرة عباد الله الصالحين إلى الهدم ثمّ نبش القبور وكأن هذه الأضرحة كانت تُعبد من دون الله ولم تكن نوعاً من أنواع التكريم وتذكير النَّاس بعطاءات الأولين !!. ولو كانت حجة هؤلاء كمَا يظنون فكان الأولى لهم أن يقوموا بتوعية النَّاس وتوضيح الرأي الشرعي فِي المسألة ولا يقوموا بإخراج الأموات من القبور وترك أجسادهم فِي الخلاء وهو محرماً شرعاً حيث للميت حرمة وللجسد قدسية حيّاً كان أو ميتاً  كمَا حَرَمَ ديننا الحنيف التمثيل بالميت أو العبث برفاته. ثمّ بالله عليكم أيهما أعظم ذنباً عند الله سبحانه وتعالى، زيارة القبور أم نبشها ؟. مجرَّد سؤال.

وهؤلاء السادة الذين نُبِشت قبورهم هم مشايخ الأمّة وعلمائها، وقادة أفضل جهاد إسْلامي فِي القرن الماضي، وهدم أضرحتهم بحجة الحفاظ على الدّين وإبعاد النَّاس عن الشرك هو أمر لا أساس له كون هؤلاء السادة لم يتخذهم النَّاس يوماً وسطاء بينهم وبين الله سبحانه وتعالى أو أنهم كانوا يعبدونهم من دون المولى عز وجل، فالأمر لا يتعدى كون بعض النَّاس كانوا يزورون هذه الأضرحة من باب ذكر الله، ومحاولة الاقتداء بالسيرة الطيبة العطرة لأصحابها، أيْضاً من باب محبة آل البيت ومودتهم كون بعضهم ينتسب إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسّيّد المهدي السّنوُسي ثابت النسب إلى آل البيت. قال عليه الصلاة والسّلام: (أذكركم الله في أهل بيتي، قالها ثلاثاً ) رواه مسلم في صحيحه. وجاء في الصحيح أيْضاً: (ارقبوا محَمّداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته) رواه البخاري، أيّ أحفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم..... والسّيّد المهدي السّنوُسي (1844م – 1902م) الذي هُدِمَ ضريحه ونُبِشَ قبره هو الذي وصلت الدعوة السُّنوُسيّة فِي عهده إلى قمة نشاطها الدعوي وذروة قوتها وانتشارها. وقد تمّ نقل مركز السّنوُسيّة فِي عهده من الجغبوب إلى الكفرة فأصبحت الكفرة المركز التجاري الرئيسي الذي تلتقي فيه قوافل التجار الأفارقة، وكان هؤلاء التجار وقوافلهم سبيلاً لنشر الدَّين الإسْلامي فِي بلدان أفريقيا المختلفة، وسبباً في دخول ملايين الأفارقة إلى الإسْلام. وهو الذي تعلم على يده السّيّد أحمد الشّريف السّنوُسي (1873م - 1933م) الشّيخ العالم والداعية والمجاهد الكبير، كذلك السّيّد عُمر المختار (1861م -1931م) المجاهد الفذ وشيخ الشهداء الِلّيبيّين. وهو والد السّيّد إدْريْس السّنوُسي  (1890م – 1983م) مؤسس الدولة الِلّيبيّة وملك ليبَيا من 24 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1951م إلى تاريخ الإنقلاب فِي الأوَّل من سبتمبر/ أيلول من عام 1969م. وأمام هذه الجريمة النكراء أسأل قائلاً: هل بهذه الطريقة سوف نبني دولة ليبَيا التي حلمنا بها طويلاً وحرمنا معمّر القذّافي عقوداً من الوصول إليها!؟. وهل هكذا تكون محبة أهل البيت ومودتهم التي أوصانا بها الرسول عليه أفضل الصلاة والسّلام، أو هكذا تكرم الدول رموزها وزعمائها ومشايخها وأبطالها !!؟؟. وأُضيف بضم صوتي إلى ما قدمه الأستاذ أحمَد الرَّضا – وبشيء من التصرف – فِي صفحته على الفيسبوك، حيث قال:..".. ماذا يريد هؤلاء !؟. ولا أجد إجابة، ولكني أحس بالخجل أمام هذا الصمت المُرِيب العجيب حيال انتهاك حرمة من بنو مجد بلادنا .. أتسأل هل نحن أمّة تدرك قيمة تاريخها وقدر أبطالها ورموزها!؟. وعلينا أن نتخيل أن ينبش قبر أحد رؤساء أمريكا أو فرنسا السّابقين أو يُلقى برفاة أحد قساوسة الفاتيكان فِي المجهول!؟.. عليكم أن تتخيلوا رد فعل تلك الأمم.

حقاً فأن ما حدث عندنا يُعد أمر خطير والأخطر منه هو صمت الجهات الرَّسميّة كون المسألة تتعلق بعراقة أمتنا ومجدها وبتاريخ أجدادنا الذي تُرِكَ يداس بالأقدام..". ومؤكداً.. لا يحق لكائن من كان العبث بتراثنا وذاكرتنا الوطنيّة وإرثنا الحضاري ولا يجوز مطلقاً أن يترك المجال مفتوحاً أمام مُزوّري التاريخ ومحرّفيه. وأضيف إلى هذا السّياق سؤالاً أخر: هل سيكون لدينا نٌٌصب تذكارية فِي ليبَيا الجديدة !؟. والنصب التذكاري هو عبارة عن بناء عادة ما يكون مبنى مُشيد على طراز هندسي خاصّ لتخليد مناسبة أو موقعة معينة وأحياناً شخص أو مجموعة أشخاص كنصب الجندي المجهول أو شهداء حرب التحرير. وربّما يكون عبارة عن لوحة رخامية وسط ميدان كبير مكتوب عليها أسماء شهداء الحرب أو معركة ما. وقد بلغني بأن مشروعاً كان قد طُرِح في بنغازي بشأن بناء نصب تذكاري بإسم شهداء ثورة 17 فبراير، وتمّ إيقافه تحت مبررات الحرمة والتبذير والإسراف !؟.   ونسأل أيْضاً: كيف سيكون مآل مشروع إعادة بناء ضريح عُمر المختار فِي بنغازي الذي أُعلن عنه فِي مايو/ أيار 2011م وجُمِعت له الأموال من خلال حملة تبرعات كان كل متبرع يحصل بموجبها على شهادة مساهمة فِي إعادة بناء الضريح. وشُكلت للمشروع لجنة مشرفة كُلفت بإعادة بناء الضريح على نفس الشكل القديم ذي الزوايا الثمانيّة حيث تمّ العثور على خرائط المشروع الأصليّة بعد تحرّر المنطقة الشرقيّة من قبضة معمّر القذّافي؟.

وعودة إلى ما كان يحدُث منذ البداية، فقد شهد عام 2008م عمليّات هدم واسعة لأحياء قديمة وأماكن تاريخيّة فِي مدينتي طرابلس وبنغازي، بحجة إقامة منتزهات وأسواق تجاريّة وفنادق وأبراج ومباني شاهقة تحت شعار مواكبة العصر وبناء ليبَيا الغد الذي طرحه سيف إبن المقبور معمّر القذّافي. وقد تسببت عمليّات الهدم فِي قطع الأرزاق وغلاء فِي أسعار العقارات ومشاكل إجتماعيّة وإقتصاديّة للمتضررين الذين قُدّر عددهم بالآلاف. ويذكر أن عمليّات الهدم التي تمّت منذ أكثر من ثلاث سنوات جرى تنفيذها بسرعة البرق، بعدها سُيجت المساحات المهدمة ووضعت فوقها يافطات تعلن عن إقامة مشاريع كبرى لم يُشرع فِي تنفيذ إلاّ القليل منها!، وفِي الوقت نفسه كان  العمل في المشروعات التي شُرع فِي تنفيذها يسير ببطء شديد جداً قبل إندلاع ثورة 17 فبراير التي أنهت نظام القذّافي رسميّاً بإعلان التحرير فِي يوم 23 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2011م.  

ولا شكّ، أن حملات الهدم التي تمّت بسرعة البرق، ما هي إلاّ عمليّات تخريب ودمار منظمة استهدفت تاريخنا ورصيدنا الحضاري لأن كل ما تحتاجه مدننا القديمة لا يتجاوز حدود الترميم والصيانة وبعض اللمسات الجماليّة لا الإزالة والهدم. نقول هذا، لأن سلطات النظام المقبور لم تكن لديها مطلقاً – وكمَا نعتقد – رغبة فِي بناء مدن عصرية، فبلادنا تملك أراضي شاسعة تكفل لها إقامة مشاريع خدميّة عصريّة وإنشاء مدن جديدة بموصفات اليوم، أمّا هدم مدننا القديمة وشوارعنا وأزقتنا الضيقة فهو جريمة كبرى حيث أن جميع بلدان العالم تفخر بمدنها القديمة وتحرص على صيانتها وتجميلها ولا تقوم بهدمها وإزالتها أو كمَا قال الأستاذ عبْدالرَّحمن الشّاطر فِي مقالته: ( لكي لا يتحول الخطأ إلى خطيئة) المنشورة بموقع: (أخبار ليبَيا فِي سبتمبر/ أيلول/ 2009م)،..".. كل مدن العالم بها مدن قديمة وشوارع وأزقة ضيقة وهي‮ ‬تفتخر بها لأنها رصيد تاريخي‮ ‬بالنسبة لها ولا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬مدينة طرابلس استثناءً‮...".  ‬

أيْضاً، تجدر الإشارة فِي هذا السّياق، إلى أن النظام المقبور ترك – وبقصد وتعمد – المتبقي من المباني الأثرية دون صيانة وترميم حتَّى تنهار بفعل عوامل التقادم والتعريّة كبيت شاعر الوطن أحمَد رفيق وقصر البركة المشيد منذ القرن التاسع عشر. ففي نداء للصحفي الِلّيبي خالد المهير بثه فِي موقع (الجزيرة نت) بتاريخ 13 ديسمبر/ أيلول 2008م، طالب المهير المسؤولين بالإسراع فِي إنقاذ بيت أحمَد رفيق المهدوي شاعر الوطن، الكائن بحي (سيّدِي خريبيش) وسط مدينة بنغازي، وحمل المعنيين مسؤوليّة ما قد يحدث له، بتأكيده على أن بيت الشاعر يشكو من تصدع وتهالك في الجدران، وإنهيارات أخرى رُبّما تقضي عليه نهائياً. وبعد أن تخلصنا من نظام القذّافي المخرب المدمر، لابُدَّ أن نؤكد اليوم على ضرورة الاهتمام بهذا المبنى كسائر دول العالم التي تهتم بهذه النوعية من المباني – ومن ضمنها الدول العربيّة - وليس ببعيد عنا متحف الشاعر أحمَد شوقي بالقاهرة، فقد أصدرت الحكومة المصريّة منذ 3 مايو/ أيار 1972م قراراً جمهورياً يقضي بتحويله إلى متحف يحمل اسمه.

وممّا تجدر إضافته فِي السّياق ذاته، أن جماهيرية القذّافي قبل قبرها لم يكن لديها مجلس أعلى للآثار يهتم بإقامة متاحف قوميّة بمدن البلاد المختلفة، ولم تأسس جهاز لحماية الآثار كجهاز (شرطة الآثار) الموجود فِي معظم دول العالم. والأدهى من ذلك، فأن  سلطات النظام المقبور لم تقم إلى الآن حتَّى بحصر عدد المواقع الأثرية فِي البلاد فقد أكد الأستاذ صالح رجب العقاب رئيس مصلحة الآثار الِلّيبيّة فِي برنامج (التَّحرير) الحواري بقناة (ليبَيا لكل الأحرار) بتاريخ 27 يناير/ كانون الثاني 2012م، على التالي:..".. ليس لدينا إلى الآن حتَّى حصر دقيق لعدد مواقع البلاد الأثرية. ومن ناحية ثانية فأن المباني التي توجد بها بعض القطع الأثرية فِي بعض المدن، هي مباني قديمة متهالكة تستخدمها المصلحة للعرض أحياناً وللتخزين فِي معظم الأحيان والحالات، ولا يمكن اعتبارها – بحال من الأحوال – متاحف بالمعنى المتعارف عليه دوليّاً..".

فالحاصل، لم تقم سلطات سبتمبر متاحف بالمدن الِلّيبيّة كسائر دول العالم التي تهتم بتوثيق تاريخ بلدانها من خلال إقامة متاحف رئيسيّة فِي عواصمها ثمّ متاحف قومية أخرى فِي أهمّ مدنها العريقة، فعلى سبيل المثل لا الحصر، يوجد فِي القاهرة العاصمة المصرية عدة متاحف وإلى جانبها متاحف أخرى فِي أهم المدن المصرية كمتحف بورسعيد، ومتحف الإسماعيليّة، ومتحف بني سويف، ومتحف أسوان، ومتحف الأقصر، ومتحف الإسكندريّة ثاني المدن المصريّة والذي يحتوي على 1800 قطعة أثرية تشمل جميع العصور بدءاً من الدولة القديمة وحتَّى العصر الحديث وتصور تلك القطع تاريخ المدينة العريق وحضارة مصر وثقافتها وفنونها (10)، أمّا المدن الليبيّة فلا متاحف بها فحتَّى بنغازي والتي كمَا يقول الدّكتور يونس فنوش:..".. المدينة العريقة، والتي تُعد نظرياً ثاني مدينة فِي ليبَيا، ليس بها متحف يستطيع أن يتعرف النَّاس من خلاله على تاريخها العريق، عبر مختلف الأزمان والعهود التي مرت عليها وتركت فيها بصمات وآثاراً..".

وعن غياب المتاحف.. والإهمال المتعمد للمباني ذات الطابع التاريخي.. وسوء الإدارة، نقل لنا موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 26 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2010م،  صورةً وخبراً عن صفحة المحامى عبْدالسّلام المسمارى، الصورة: للمبنى التاريخي (قصر البركة) المشيد منذ القرن التاسع عشر، والذي كان من المفترض أن يكون متحفاً عاماً لمدينة بنغازي.... أمّا الخبر فهو عبارة عن تعليق قصير كتبه المحامى عبْدالسّلام المسمارى تحت الصورة المنشورة، جاء فيه:..".. هذه الصورة بتاريخ الجمعة الموافق: 15/10/2010 لترصد فصلاً آخر من فصول طمس الذّاكرة لمدينة بنغازي... فبعد هدم سًوْق الظّلام وهدم ضريح شيخ الشهداء عُمر المُختَار جاء الدّور على هذا المعلم الذي شيد أواخر القرن التاسع عشر، والذي ظلّ منذ بداية تسعينيات القرن العشرين تحت رحمة أعمال صيانة غير كفؤة نتج عنها تعرية جدرانه وتركها تحت رحمة العوامل الجوية ممّا أدّى إلى النتيجة التي ترونها في الصورة.. كان المفترض تحويل هذا المعلم إلى ما يُسمّى بالمتحف العام. الذي لم تنجز منه إلاّ اللافتات التي زالت خلال العشرين سنة من الصيانة المتعثرة. وقد ضاعت الملايين هباءً منثوراً بسبب الفساد وسوء الإدارة، ذهبت إلى جيوب المرتشين والمقاولين غير الأكفاء بالطبع لنحصد فِي النهاية هذه المأساة.."..... ويذكر أن الضابط المرحوم محمود التهامي كان قد كُلف فِي بداية التسعينيات بالإشراف على تحويل (قصر البركة) إلى (متحف)، وكُلف بعده الضابط محَمّد البكَّوش، ثمّ توالت بعدهما التعيينات ولم يفتتح المتحف طوال عهد القذّافي حيث لم تكن هناك نية أصلاً لإقامته رغم كلّ الإجراءات الإدارية التي اتخذت.. والميزانيّات التي صُرفت.. والتكليفات الإشرافية التي تمّت !.

(قصر البركة) شيد أواخر القرن التاسع عشر، وظلّ منذ بداية تسعينيات القرن العشرين تحت رحمة أعمال صيانة غير كفؤة

وأثناء حرب التحرير الثانية، تعرَّضت بعض المواقع الأثرية لاعتداءات من قِبل كتائب معمّر القذّافي كذلك تعرّضت بعض القطع الأثرية للسرقة من قِبل مجهولين حيث سُرِقت حوالي (10000) عشرة آلاف قطعة أثرية كانت موجودة كوديعة فِي البنك التجاري بمدينة بنغازي. وضعت مصلحة الآثار فِي العهد الملكي عدد من القطع الأثرية التي تمّ استرجاعها من إيطاليا في عام 1961م فِي البنك التجاري بمدينة بنغازي انتظاراً لتوفر الإمكانيّات الماليّة التي تسمح بإنشاء متاحف بالمقاييس العالميّة وتليق بثروة البلاد الأثرية. استرجعت الحكومة الِلّيبيّة فِي عام 1961م ثمان آلاف وثلاثمائة (8300) قطعة أثرية من إيطاليا ترجع إلى العصر اليوناني والروماني والإسْلامي، وقطع نقدية من الذهب والفضة، وتماثيل من الفخار والطين المحروق. وأُضِيفَ إلى هذه المجموعة فِي عام 2007م مجموعة من القطع الأثرية يبلغ عددها (1700) آلف وسبعمائة قطعة أثرية بعد إقدام سلطات النظام المقبور على هدم عدد من المواقع التاريخيّة والأحياء القديمة.... ولا نملك أمام ما حدث إلاّ أن نطلب من الحكومة الانتقاليّة برئاسة الدّكتور عبْدالرَّحيم الكيب حماية المواقع الأثرية والشروع فِي تأسيس (شرطة الآثار) ضمن مشروع إعادة تأسيس الشرطة الِلّيبيّة. ونطلب منها أيْضاً العمل بجد مع المؤسسات الدّوليّة لإرجاع مسروقات البنك التجاري إلى ليبَيا، والتي قيل أن بعضها وُجِدَ فِي مصر والأردن. ولا يفوتني أن أُذكر الأستاذ صالح رجب العقاب رئيس مصلحة الآثار بضرورة حصر المواقع الأثرية ووضع الخطط لإقامة المتاحف وترميم وصيانة المواقع الأثرية. كذلك فتح باب التعاون الِلّيبيّ الأجنبي من أجل المزيد من الاستكشافات والتنقيب عن الآثار فِي ليبَيا، والعمل على إعادة تأهيل وتدريب الكادر الوظيفي بمصلحة الآثار وفق خطة تتعاون فيه المصلحة مع أفضل الأكاديميّات والجامعات العالميّة. ولابُدَّ لمصلحة الآثار أيْضاً أن تتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها (الجمعيّة الِلّيبيّة للآثار والتراث) التي تأسست مؤخراً ويترأسها الأستاذ عبْدالحفيظ المسلاتي، من أجل الحفاظ على الآثار باعتبارها إرثاً قوميّاً يستوجب صونه وصيانته وتقديمه فِي أحسن صورة. وعلى (الجمعيّة الِلّيبيّة للآثار والتراث) أن تُركز فِي هذه الفترة بالذات على توعية المواطن الِلّيبيّ بقيمة الآثار وأهميتها باعتبارها إرثاً قومياً يستوجب حمايتها والحفاظ عليها خصوصاً أن النظام المقبور أهملها على اعتبار أنها إرثاً استعماريّاً لا علاقة لِلّيبيّين به فتركتها دون صيانة، وتحت رحمة عوامل التقادم والتعريّة. وأضيف – وهذه الفقرة توشك على الانتهاء – أن الِلّيبيّين يتحدثون اليوم – وبمرارة شديدة – عن ضياع التراث والتشوهات البالغة التي لحقت عن عمد بالمدن الِلّيبيّة القديمة. ويتحدث أهل بنغازي خصوصاً – وبأسى عظيم –..{.. عن ضياع تراث هذه المدينة ورونقها، واختفاء جميع رموزها الدالة على تراثها وعراقتها. ابتداء من مركزها التجاري العتيق الذي كان يعرف منذ العهد العثماني الثاني بـ(سُوْق الظّلام) إلى الشجرة التي كانت تتوسط ميدان (عُمر طوسون)  الذي صار يعرف بها. ومروراً بأسماء جميع شوارع وأزقة المدينة القديمة وأحياءها التي كانت تحمل أسماء الأسر والعائلات التي قطنتها منذ أن شاركت فِي تأسيس المدينة..}م4.

وفِي المنتهى.. كان شارع سيّدِي سَالم من بين شوارعنا القديمة بمدينة بنغازي التي أقدم النظام المقبور على هدمه وإزالته من الوجود.... وختاماً.. بقى لدي سؤال مُركب ومُلِح لابُدَّ من ذكره بعد هذا السّياق الطويل: ما هي قيمة الشوارع والأزقة القديمة؟.. وماذا تعني بالنسبة لنا؟. هذا ما سنحاول الإجابة عليه فِي الوقفة القادمة.

راجع الحلقة اولي
إطلع علي ارشيف الكاتب بالموقع القديم
إطلع علي أرشيف الكاتب بالموقع الجديد

 


مِرْفق الصُوَر:

جميع الصُوَر المرفقة من الشبكة الدّوليّة للنت. ويظهر فِي الصورتين الظاهرتين فِي الفقرة الأولى: الشّيخ عبْدالحميد العبّار جالساً إلى جانب الملك إدْريْس السّنوُسي، وفِي الصُورةِ الأخرى يظهر الشّيخ عبْد الحميد العبّار مع وفد برقة المؤلف منه والسّيّدين عُمر شنيب وخليل القلال يستمعون إلى الرَّاحل المستر جون فوستر دلاس رئيس الوفد الأمريكي، ويظهر فِي الصُورةِ الدّكتور علي العنيزي يقوم بالترجمة.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات هَامَّة:

5) الجملة أعلى الصفحة: هذه الجملة من مجلّد: (القاهرية الخديوية) للدّكتورة سهير الحواس.

6) المحافظة على المباني القديمة: أفكار مستمدة ممّا جاء تحت عنوان: (مشروع صيانة المنازل الأثرية والمحافظة عليها) وعناوين مختلفة أخرى حول هذه المسألة فِي شبكة النت الدّوليّة، ولمزيد من المعلومات حول الموضوع، يرجى مراجعة العناوين سالفة الذكر.

7) الشّيخ عبْدالحميد العبّار: المولود عام 1880م، والمتوفي في 20 سبتمبر/ أيلول 1977م في مدينة بنغازي والمدفون بها. جزء ممّا ذكر عن الشّيخ عبْدالحميد منقولة عن دراسة للمؤلف منشورة تحت عنوان: (رجـال حـول المـلك)، الموجود فِي أرشيف المؤلف بموقع: (ليبَيا المُسْتقبل).

8) هدم المباني التاريخيّة بمدينة بنغازي: راجع ما نشره المؤلف تحت عنوان: (وجع الفراق وذاكرة المكان.. رحيل ناصر خليف بين الذاكرة والألم) فِي موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ شهر مارس/ آذار 2010م. للمزيد راجع العنوان المذكور فِي أرشيف المؤلف بموقع: (ليبَيا المُسْتقبل).

9) القوس: راجع ما كُتب فِي الموسوعة الحرّة (ويكيبيديا) تحت عنوان: (القوس فِي ليبَيا).

10) متحف الإسكندرية: راجع ما جاء بخصوصه فِي موقع الموسوعة الحرّة (ويكيبيديا) تحت عنوان: (متحف الإسكندرية القومي).      

مَصَادِر وَمَرَاجِع  

م1) الموقع: الإلكتروني الأردني: (جمعية أصدقاء اللويبدة الثقافيّة) - مقالة تحت عنوان: (مشروع صيانة المنازل الأثرية والمحافظة عليها) - شبكة النت الدّوليّة. 

م2) الدّكتور فرج نجم - مقالة: (قِصّة ضريح ورمز: الشهيد عُمر المختَار) - جريدة (القدس العَرَبيّ) بتاريخ 28 ديسمبر/ كانون الأوّل 2006م. 

م3) السٍّيّد/ دي كاندول - كتاب: (الملك إدْريْس السُّنوُسي عاهل ليبَيا.. حياته وعصره) - الهامش الموجود فِي صفحة أربعة (4) الذي أضافه الشّيخ محمّد بن غلبون (ناشر الكتاب باللغة العربيّة) ضمن مجموعة الإضافات المنشورة فِي حواشي الكتاب.

م4) الأستاذ هشام بن غلبون - مقالة: (العاصية تفقد تاجها) -  نُشرت بموقع (الإتحاد الدستوري) فِي سبتمبر/ أيلول 2000م. 


 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
زيد البسيوني
تحياتي الاستاذ شكري علي هذه الاطلالة الرائعة ، وفيت وكفيت ، دمت لليبيا وللاجيال المستقبل ، الكلامات لاتومت .. فقط لدي ملاحظة الابيات الشعر التي كتبت علي قوس اخوان فليني…...
التكملة
محمود العوامي
بارك الله فيك علي هذا السرد الرائع ،وأحب أن أضيف الأبيات التي كتبت علي القوس (النصب التذكاري للأخوين فليني )
شاد البغاة بناءاً يبتغون به
تخليد روما وشاءالله…...
التكملة
توفيق بن جميعة
أستاذ شكري سرد جميل ممتع تعرفنا فية علي مرحلة كثر الكلام فيها ...
لك كل التحايااااااااااااااااااااااا...
التكملة
بن شعيب
أشكرك سيد صادق على كتاباتك الجميلة داعيا الله لك كل الخير...
التكملة