شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (3 مِنْ 8) 8/2/2012 07:31 شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (3 مِنْ 8)
الصادق شكري بحث

حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت

زمن عَلي الشعالية وشَارِع كان أسمه سَيِّدِي سَالم (3 مِنْ 8)

بقلم: شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري)

لم تَزِدْنِي، ذِكْرَيَاتِــــــي
غَيْر سَح الــــــــعَبَرَات
يَـــــا! لهَوْل الحَسَرَات
حِيْن آَوَى لِفَرَاشَــــــي
تُلْهِب الأشْوَاق جَاشِي
كَفِرَاش فِي لَهِيْب (11)

شاعر الوطن/ أحمَد رفِيْق المهدوي

الحَلْقَة الثَّالِثَة

علقت بذهني وأنا طفل صغير، أغنية: (شارعنا القديم، شارعنا زمان (12) ) التي غنتها الطفلة تمام محَمّد، ويبدو أن ما شدّني لهذه الأغنيّة الجميلة في ذلك الوقت من العمر، إرتباطها بالأغاني التراثيّة التي كان يرددها الأطفال فِي (الزنقة) وهي: (وين حوش بوسعدية ؟.. قدّم لاقدام اشوية)، (يا كاس يا كاس.. يا داير بين النَّاس)، (دالية يا دالية.. اتعيش ابلادي الغالية)، علاوة على مطلعها البسيط الجميل المكون من ست شطرات المصاغ مِنْ قبل الشاعر الغنائي عبْدالمطلوب محَمّد، القائل:

شارعنا القديم.. شارعنا زمان
ياما لعبنا فيه .. مع عيال الجيران  
قضينا فيه أجمل لوقات
لعبنا اعويلة وبنيات
حكينا في ظله احكايات
وكل واحد منا فرحان
(إستمع)

ورُبّما كان لحنها الذي اعتمد على الفلكلّوّر الشّعْبي، وجمل موسيقيّة أخرى ابتكرها المُوسِيْقار إبراهيم أشرف بإبداع شديد، سبب ثاني وراء العلاقة التي ربطتني وأبناء جيلي بهَذِه الأغنيّة الرّائِعَة. ولا شكّ، أن البيت والشارع كانا يزرعان فينا القيم النبيلة العظيمة، ويربياننا على الأصول. وكان الكثير من مثقفينا ومن بينهم الشُّعَرَاء الغِنّائِيّون والملحَّنون والمُطربون، يُنجِزُون الأعْمَال الخالِدَة التي صَاغت هويّة الأغنِيَة اللِّيبِيَّة وعززت قِيَمِنَا الثَقَافِيّة والارتِبَاط بِأَرض الوطن. وأثناء حكم معمّر القذّافي الذي استمر اثنين وأربعين (42) عاماً، تحوّل الوطن إلى صُورة شخصيّة للحاكم بأمر منه وبمساعدة دخلاء لا يمتلكون أيّ ثقافة  ولا صلة لهم بالفنّ، فتسببوا فِي شرخ عظيم فِي هويتنا وثقافتنا، وتردي وضع الأغنِيَة اللِّيبِيَّة، وابتعاد العديد من الشُّعَرَاء والملحُنِين المبدعين عن السّاحة الفنيّة. واليوم، لابُدَّ أن نذكر بالماضي القريب والبعيد، ونأمل أن يعود وطننا بعد زوال سبب همنا وتخلفنا إلى جماله.. ونقاء ناسه.. وعطاءات مبدعيه دون حدود وقيود. وأخيراً.. كان كل شيء حولنا يُذكِّرُنا بماضينا، ويربطنا بتراثنا، وَيَرْتَقِي بِنَا وبذَوَقنا العام أَعلى الدَّرَجَات. ويبدو أن نظام القذّافي المقبور، كان يعي تماماً ما للشّارع القديم من قيمة وعلاقة بذاكرة النَّاس ووجدانهم.. ويعلم جيداً الدّور الإيجابي للتاريخ فِي حَيَاة الشُّعُوب، ولذا رَاهِن منذ البداية على طمس تاريخ لِيبَيا، لِيُؤَسِّس دولة لِيبِيَّة مَعْزُولة تماماً عَن ماضيها وتراثها الحضاري.

شوارعنا القديمة

الأحياء القديمة المرسومة بريشة الفنان علي مادي

نظام سبتمبر الذي استولى على السّلطة فِي ليبَيا عام 1969م، استهدف منذ بدايات عهده – التّارِيخ والذّاكرة !. فقد عمل منذ البداية على إهمال المواقع الأثرية وعدم حمايتها مِنْ السرقة والتلف، وطمس التّارِيخ وتزويره، وتغييب الذّاكرة، وهدم العديد مِنْ المباني التّاريخيّة والشوارع القديمة وكل شيء ذي صلة بذاكرة النَّاس وثقافتهم وما يعكس البعد الحضاري لدولتهم. هدم نظام سبتمبر الكثير من شوارعنا وأحيائنا القديمة وأهمل ما بقى منها بقصد وتعمد لدرجة أنها صارت مرتعاً للمجرمين والقادمين من المجهول !. كانت الحَيَاة في أحيائنا وشوارعنا القديمة آمنة مطمئنة.. مريحة هادئة.. مترابطة متداخلة، فالصدق والأمانة كان بابها.. الترابط والتضامن كان عنوانها.. الحب والخجل كان من أبرز علاماتها. وبفعل نظام القذّافي المقبور وسياساته المدمرة، انتهت معظم أحيائنا العريقة وشوارعنا وأزقتنا القديمة.. وصارت التي لم تصلها جرارات الهدم بعد، مكاناً للزبالة ومخبئاً للحيوانات الزاحفة والحشرات الدابة والطائرة كذلك صارت بعض بيوتها المهملة مسكناً لكل وافد غير شرعي وهارب من حكم قضائي يطارده. كنت لا تستغرب إذا مشيت فِي هذه الأماكن التي كانت تعج يوماً بالنَّاس الطيبة ويعمها الأمن والأمان والتي سجل سكّانها صفحات مشرقة من التاريخ، أن يخرج عليك شخص يحمل ساطوراً أو سكيناً أو سلاحاً فيهددك بالقتل أن لم تعطِه ما معك ورُبّما يصيبك بأذى فِي وجهك قبل أن تفعل ذلك أو ما قد يعيقك عن الحركة مؤقتاً أو ما يجعلك تعاني من عاهة طول حياتك. إلى هذا المآل ألت بعض شوارعنا وأزقتنا القديمة فِي عهد القذّافي قبل زواله منذ عدة شهور، والتي هي شيء آخر تماماً في دول العالم كافة. هذه الأماكن التي آل مصيرها وحالها إلى ما ألت إليه، لم تكن كذلك ولم يتوقع أحد أن يستهدفها النظام المقبور كمَا استهدف البشر ليصبح حالها سيئاً على النَحوْ المُصور أنفاً.

كيف كانت شوارعنا القديمة ؟ وماذا تعني بالنسبة لنا ؟

فِي ذلك الوقت، لم تكن شوارعنا غريبة علينا ولا نحن غرباء عليها. فقد كان كل شيء في شوارعنا القديمة يذكرنا بقيمنا وأصالتنا، ويعزز فينا قيمة الإنتماء إلى الوطن، ويربطنا بتاريخنا العَرَبيّ والإسْلامي ، بدءاً من أسماء الشوارع !. ومن جهة ثانيّة، كان جميع سكّان الشارع الواحد يعرفون بعضهم البعض تمام المعرفة، بل كانوا يعرفون حتَّى سكّان المناطق المجاورة لهم: بيتاً.. بيتاً، وأسرةً.. أسرةً، وربّما يعرفونهم فرداً.. فرداً. وكانت أسماء شوارعنا ترمز إلى أسماء أقدم الأسر والعائلات الِلّيبيّة التي قطنتها وفِي الغالب الأعم أوّل من سكنها، فذلك شارع نبوس وشمسه والرعيض والبعباع وأقزير وشتوان والبعجة والزوبيك وبن عيسى والمهدوي وابحيح واسنيدل واكويري وسُليمان تربل.. وغير ذلك كثير. وكانت الأزقة تسمّى كذلك على أسماء عائلاتنا الِلّيبيّة فعلى سبيل المثال لا الحصر: زقاق الشعالية والغرياني وبن كاطو وحمّي وبالروين والمغبوب خلف جامع عصمان.. وغيرها كثير. وربّما نضيف معلومة أخرى نراها مفيدة لهذا السياق – تخص عدد شوارع المدينة وأزقتها ساعة إحتلال الطليان لبنغازي. ذكر الدّكتور رؤوف محَمّد بن عامر فِي كتابه المترجم عن الإيطاليّة المُسمّى: (بنغازي فِي العقد الثّاني مِنْ القرن العشرين) لمؤلفه الديريكو تيجاني، عدد شوارع مدينة بنغازي وأزقتها فِي خريف عام 1911م، فقال: ".. يوجد داخل سور بنغازي – السور الذي شيده الإيطاليّون فِي مدة سبعين (70) يوماً بعد احتلالهم لبنغازي – مئة (100) شارع، وخمسة وأربعون (45) زقاقاً..".

ومِنْ جهة أخرى.. سُميت بعض شوارعنا بأسماء رموزنا الوطنيّة أو المناسبات الأهمّ فِي تاريخنا الِلّيبي، ففي الحالة الأولى كدلالة على ما نقول: الشارع الذي سمّي على شيخ الشهداء عُمر المختار، والشارع الذي أُطلق عليه إسم أحمَد رفِيْق شاعر الوطن.. والمثال على الحالة الثانية: الشارع الذي أُطلق عليه إسم (الإستقلال)، والميدان الذي سُمّي بـ(9) أغسطس – ذكرى تأسيس الجيش الِلّيبي. كمَا سُميت بعض شوارعنا بأسماء  بلداننا العربيّة وعواصمها، فالمثال على الحالة الأولى: شارع (الجزائر) المطل على المدرسة الإيطاليّة دي لاسالي (Della Sale) التي تحولت بعد الإنقلاب إلى مقر لكلية الحقوق ثمّ لكلية العلوم، وهو الشارع الواقع وسط مدينة بنغازي بالقرب من المدرسة النموذجيّة الابتدائيّة، والذي كان يسمّى إبّان الإحتلال الإيطالي بإسم شارع (فيومي) وسُمّي بعد الإستقلال بشارع (الجزائر). والمثال على الحالة الثانيّة: شارع (بيروت) في بنغازي وشارع (القاهرة) الكائن بالقرب من شارع (البلدية) وسط مدينة طرابلس. وسُميت شوارع أخرى، على مدننا الِلّيبيّة، كشارع طرابلس وزوارة ودرنة ومصراتة وطبرق والخمس وتوكرة وطلميثة بمدينة بنغازي. ونجد في بعض شوارع بنغازي القديمة أضرحة، فالوليّ الصّالح المدفون بمنطقة ما، يُسمّي الشارع الواقع به ضريحه على إسمه كشارع سيّدِي سالم، وسيّدِي الشّريف، سيّدِي اخريبيش وسيّدِي مؤمن وسيّدِي امحمد بالخير الواقع فِي منتصف سُوْق الجريد، وقد وصل عدد الأضرحة إلى ستة وعشرين (26) ضريحاً وفقاً لقائمة الأضرحة القديمة الواردة في صفحة رقم (64) مِنْ كتاب: (قاموس بنغازي القديمة)  للأستاذ عمران علي المصري الجلالي الصادرة طبعته الثانية عن (دار الكتب الوطنيّة) مطلع عام 2007م. ويضيف الدّكتور رؤوف محَمّد بن عامر (1928م – 2008م) إلى هذا السياق فِي كتاب: (بنغازي في العقد الثّاني من القرن العشرين) الذي ترجمه عن الإيطالية، ما يلي: ".. أُطلقت على بعض شوارع بنغازي الأخرى، أسماء حرف تزاول أو بضاعة تباع، مثل: شارع الصاغة، والقزارين، والملح (بائعي المواد المملحة)، والخضرة (بائعي الخضرة). كذلك هناك شارع الحمام، وشارع المقبرة..". وبالإضافة إلى أسماء عائلاتنا التي سميت عليها الشّوارع، وأسماء رموزنا ومناسباتنا الوطنيّة التي حملتها شوارعنا ومياديننا العامّة، سُمّي الشّارع المُطل على البَحْر والذي يوجد به مبنى الإذاعة في بنغازي باسم إدريّان بلتAdrian Pelt  تكريماً لدور الأمم المتَّحدة الإيجابي فِي إستقلال البلاد والدّور المميز الذي لعبه السِّيّد إدريّان بلت مبعوثها إلى لِيبَيا. ويذكر أن هذا الشارع كان إسمه أيام الإحتلال الإيطالي: (شارع الجنرال دي مارتينو)، وسُمّي بعد الإستقلال باسم (إدريّان بلت) عرفاناً بدوره المميز فِي إستقلال ليبَيا كمَا أسلفنا.

صُورة جويّة لشارع إدريّان بلت فِي بنغازي

وسُمّي أحدى شوارع بنغازي كذلك بإسم ممثل جهورية هايتي في الأمم المتَّحدة عرفاناً بالدّور الذي لعبه الدّكتور (إميل سان لو) في إفشال إعادة إستعمار ليبَيا حينما عُرضَ يوم 5 مايو/ أيار 1949م على الجمعيّة العامّة للأمم المتَّحدة، مشروع (بيفن – سفورزا) الداعي إلى تقسيم لِيبَيا ووضعها تحت الوصاية البريطانيّة والفرنسيّة والإيطاليّة، وقد فشل المشروع بفارق صوت واحد هو صوت الدّكتور (إميل سان لو) ممثل جهورية هايتي فِي الأمم المتَّحدة آنذاك (13). وبالإضافة إلى هذه التسميات، سُميت شوارعنا الأخرى على أسماء أبطال ورموز تاريخنا العَرَبيّ الإسْلامي لتذكرنا بهويتنا وتاريخنا وحقيقة إنتماءنا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: شارع عمرو بن العاص الذي كان يُسمّى إبّان الإحتلال الإيطالي شارع ريجينا (الملكة).. وشارع عُمر بن الخطاب الذي كان يسمّى قبل الإستقلال بشارع (فيا تورينو)، وكانت توجد به صيدلية (جوزيبي) والتي كانت ضمن أربع صيدليات أنشأها لِيبيّون لتكون أوّل صيدليات بالمدينة (14). وبحق، فقد كان كل شيء في حياتنا ابتدءاً من إعلامنا ومناهجنا الدراسية حتَّى أسماء شوارعنا وأزقتنا، يؤكد شخصيتنا ويعزز هويتنا ويزيد من اعتزازنا بوطننا ووطنيتنا، وهذا لم يكن مجرَّد مصادفة بل كان سياسة رسميّة في عهد الملك الرَّاحل الملك إدْرِيْس السُّنوُسي. إذن، كانت لشوارعنا أسماء تنبع من بيئتنا وذات علاقة بتاريخنا الوطنيّ كذلك العَرَبيّ والإسْلامي، وهي أسماء مسجلة في دوائر الدولة وصدرت بحقها قرارات رسميّة.

بدأت أسماء شوارعنا تتلاشى بعد إنقلاب سبتمبر 1969م تدريجياً، فصارت بيوتنا بلا أرقام ومعظم شوارعنا ومياديننا بلا أسماء وحتَّى التي سميت أطلق الإنقلابيون عليها أسماء ما أنزل الله بها من سلطان ولا تخص أحداً سواهم، ورُبّما لا تخص أحداً سوى رأس النظام. وبعد سنوات طالت من الإهمال والفوضى، تبنت سلطات الإنقلاب فِي عَام 2007م مشروع سُمّي بـ(تسمية الشوارع وترقيم المباني)، وبتنسيق بين ما يُسمّى بأمانة التخطيط  (وزارة) وأمانة المرافق تمّ أحالة المشروع لعهدة أمانة المرافق التي شكلت بدورها لجنة من موظفيها للإشراف على هذا المشروع. ويلاحظ  بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على المشروع، أن ما تمّ إنجازه إلى ساعة إندلاع ثورة 17 فبراير 2011م لا يتجاوز حدود خمسة وعشرين بمائة (25%). ويذكر أن اللجنة التابعة للمرافق كانت قد أوصت في اجتماعها الرَّابع المنعقد فِي صيف 2010 م بضرورة الإسراع فِي استكمال تسمية الشوارع وترقيم المباني بعد اعترافها الضمني بتعثر سير المشروع.

غياب الترقيم وفوضى الأسماء جعلتنا نخترع طرق خاصّة لوصف عنوان سكننا أو مقر عملنا أو جهة ما، فحينما نصف لأحد مكان ما لا ننطق بإسم الشارع أولاً ثمّ الرقم كمَا هو متعارف عليه عند غيرنا إنّما نقول بحكم الواقع – وعلى سبيل المثال لا الحصر – في الفويهات بالقرب من مركز الشرط أو المتجر كذا أو البيت الفلاني أو المسجد كذا. كذلك، اضطر النَّاس بحكم فوضى النظام المقبور إلى تسمية بعض الأماكن بأسماء اختاروها هم، فأطلقوا مثلاً على سُوْق شعبي في بنغازي إسم (سُوْق العرب)، وسمّوا جزءاً من الطريق الدائري بمدينة بنغازي بإسم (شارع دبي) حيث أطلق النَّاس إسم (دبي) تحديداً على هذا الشارع لأن التّجّار فِي هذا الشّارع كانوا يستوردون بضائعهم من دبي ولأن النَّاس كانوا يأملون أن تتبدل أحوالهم وترتقي بلادهم وتصبح بنغازي مثل دبي فِي دولة الإمارات العربيّة المتَّحدة. وهذا ما أكده الدّكتور محَمّد المفتي حينما تحدث عن تداعيات شارع دبي في كتابه: (هَدْرَزَةُ فِي بنغازي)، فقال: ".. شارع دبي .. ذلك الجزء من الطريق الدائري الأوّل بين جزيرة دوران النهر والتقاطع التالي غرباً !، بطول 500 متر تقريباً. والتسمية شعبية، أطلقها النَّاس وليس أصحاب المحلات.. تسمية تحمل فِي ثناياها حلماً وتوقاً إلى مستوى جديد من الرخاء.. يضاهي ما يرون من صور على شاشات الفضائيات..".

وفي الختام.. تجسدت في شارع سيّدِي سَالم حَيَاة النّاس، وكان فيه من القصص والحكايات ما يستحق أن يُرْوَى ويُدوِّن ليستفيد منه النَّاس. ووسط شارع سيّدِي سَالم عبر بوّابَة شارع عصمان، يتيح لك المكان أن تسمع أمواج البَحْر الهادرة التي تروى قصص معارك الجهاد التي دارت رحاها فِي بنغازي وحفرت على رمال الشاطئ وقائعها وأحداثها التّاريخيّة، لتكون شاهداً على ما مر ببنغازي ولِيبَيا عموماً من معارك وأحداث جسام من جهة، وتشير إلى صُمُوْد الشَّعْب الِلّيبِي الذي دَحَر جَحَافِل قوَّات المُسْتعْمِر الإِيطَالِي، مِن جِهَة ثَانية. اعتقد معمّر القذّافي أنه قتل في داخل الِلّيبيّين هذا التّاريخ، ولكنه فوجئ في فبراير/ شباط 2011م بأن التَّاريخ لا يموت وأن كل أعماله ومشاريعه لم تتمكن من القضاء عليه حيث نهض التّاريخ فِي نفوس الِلّيبيّين فِي لحظة قلبت موازين القوى وغيّرت المعادلة. ففي تلك اللحظة عاند القذّافي وأراد أن يقنع نفسه بشيء أخر، ولكن الواقع اثبت له بأن التآمر وطمس المَاضِي ومشاريع الهدم والتزييف منتهية لا محالة – وإن طال أمدها – لأن المَاضِي الذي يَضْرِب بِجُذوُرِه فِي أَعَمَاق التَّارِيْخ لا يطوله الموت أبد الدهر.

صُورة لصلاة الجمعة بساحة محكمة شمال بنغازي أثناء ثورة 17 فبراير المجيدة

وفِي المحصلة.. بجوار شاطيء بَحْر الشَّابّي كان هناك مقرّ  لفرقة الشاطئ للتمثيل التي كان الفنان عَلي الشعالية أحد أعْضَائها. وليس ببعيد عن هذا المكان كان هناك شارع أسمه شَارع سَيِّدِي سَالم لم يفصله عن البِحْر إلاّ ممر قصير عُرِفَ بإسم شَارع عصمان، وفِي زقاق الزردومي بشارع سَيِّدِي سَالم قضى الفنان عَلي الشعالية سنوات من حياته. عُرف شَارع سَيِّدِي سَالم بمداخله الشهيرة، وعُرفت بعض بيوته بما تركته من بصمات فِي سجلات التاريخ. أقدم نظام القذّافي المقبور على هَدْم هذا الشَارع العريق بعد إقدامه على جريمته الأخرى ألا وهي هدم سُوْق الظّلام أقدم أسواق مدينة بنغازي. وفِي الجهة المقابلة لأمواج البَحْر الهادر بالقرب مِنْ شارع عصمان الذي يُدخلك على شارع سَيّدِي سَالم، ومن أمام محكمة شمال بنغازي سجل التّاريخ صفحة أخرى من صفحاته التي تذكرنا بقصص معارك الجهاد ضدَّ الطليان الغزاة التي دارت رحاها فِي بنغازي وسجلت رمال شاطيء الشّابّي وقائعها وأحداثها العظام. فقد احتضنت ساحة محكمة شمال بنغازي المطلة على البَحْر، ثوار 17 فبراير الذين أتخذونها مكاناً للتظاهر، وساحةً للصلاة، ومقراً لتبادل الأخبار والمعلومات، ومكاناً للالتقاء والتشاور وتنسيق الأدوار وتقسيم التكليفات إلى جانب جلب المعونات وإيصالها للمحتاجين والثوار فِي جبهات القتال.

وإن كان التَّاريخ لا يعيد نفسه، فأحداثه كثيراً ما تتشابه.... وفِي التّاريخ عبرة ودرس...
 


مِرْفق الصُوَر:

جميع الصُوَر المرفقة من الشبكة الدّوليّة للنت بما فيها صُورة الأحياء القديمة المرسومة بريشة الفنان علي مادي. الصُورة الأولى لشارع عُمر المختار ويظهر مِنْ الطرف على اليمين جامع بن كاطو ومِنْ اليسار عمارة السقراسيوني، والثانيّة لوحة فنيّة بريشة الفنان المرحوم علي مادي، والثالثة  صُورة جويّة لشارع إدريّان بلت فِي بنغازي، والرابعة صُورة لصلاة الجمعة بساحة محكمة شمال بنغازي أثناء ثورة 17 فبراير المجيدة. 

مُلاحَظَات وَإِشَارَات هَامَّة:

11) القصيدة: أبيات من قصيدة (وطني حبيبي) للشاعر أحمَد رفِيْق المهدوي، أعاد نشرها الأستاذ سَالم الكبتي كاملة فِي كتابه: (وميض البارق الغربي)، الصادرة طبعته الثانية عام 2009م عن (دار الكتب الوطنيّة ببنغازي).

12) أغنية شارعنا القديم: نشر هذه الأغنية الناقد الفني زياد العيساوي، فِي موقع: (جيْل ليبَيا ) بتاريخ 25 سبتمبر/ أيلول 2009م. وقال أن هذه الأغنية كتب كلماتها الشاعر/ عبْدالمطلوب محَمّد ولحنها المُوسِيقار/ إبراهيم أشرف وقام بأدائها أحد الأطفال فِي برامج الطفل الإذاعية. وأضاف قائلاً:..".. هذه الأغنية الجميلة مسجلة سنة 1966 ميلادياً، وهي أقرب إلى فنّ الأوبريت، لأنّها تقدّم مجموعة لوحات مِنْ الموروث الشّعبي..".

13) شارع إدريان بلت وأميل سان لو: راجع ما كتبه المؤلف عنهما فِي المقالة المعنونة بإسم: (وجع الفراق وذاكرة المكان.. رحيل ناصر خليف بين الذاكرة والألم)، المنشورة فِي موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) فِي شهر مارس/ آذار 2010م.

14) الصيدليات القديمة فِي بنغازي: ذكر الدّكتور محَمّد محَمّد المفتي فِي الصفحة رقم (86) من كتابه: (هَدْرَزَةُ فِي بنغازي) أوّل صيدليات بمدينة بنغازي، كمَا يلي:

- صيدلية صالح الفلاح فِي ميدان البلدية، وممرضها سَيّدِي عبْدالرسول. 
- صيدلية جملي طرخان (1910م – 1995م) فِي شارع عُمر المختَار، وممرضها يونس نجم.
- صيدلية جوزيبي في شارع عُمر بِن الخطاب ( فيا تورينو سابقاً).  
- صيدلية عبْدالله القزون فِي جهة الفندق البلدي.

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
فتحي الأوجلي

أحسنت يا أخي شكري فنحن بصدد مؤرخ اجتماعي Social Historian يحفظ ذاكرة الزمان والمكان ويوثق تفاصيل حياة الوطن وأهله للحاضر والأجيال القادمة. المقبور القذافي تعمد تجريف ذاكرة الوطن…...
التكملة
سليم الرقعي
عزيزي "شكري" سررت بالإطلاع على مقالتك هذه التي تعكس معرفتك بتاريخ ليبيا وبمدينتك بنغازي وشوارعها القديمة كما سررت بالإطلاع على كافة سلسلة مقالاتك التاريخية العميقة والدسمة التي لطالما متعتنا بها…...
التكملة
ايمن الجارده
شكرا للسيد الكاتب وللاسف المجلس الانتقالى والحكومة المؤقتة ارتكبوا جريمةوهى قيامهم بحذف وتجاهل مناسبة عظيمة من تاريخ ليبيا وهى مناسبة ذكرى تأسيس (الجيش السنوسى) 9 اغسطس نواة الجيش الليبي حيث…...
التكملة