شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (5 مِنْ 8) 11/2/2012 20:27 شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (5 مِنْ 8)
الصادق شكري بحث

حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت

زمن عَلي الشعالية وشَارِع كان أسمه سَيِّدِي سَالم (5 مِنْ 8)

بقلم: شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري)

".. لا يتوفر الأمْن للإنْسَان بمُجرّد ضمان أمنه على حيَاتِه فحسب، فهُو كذلك يُحتاج إلى الأمْن على عقيدته التي يُؤمن بها، وعلى هُويّته الفكريّة والثّقافيّة، وعلى موارد حياته الماديّة. والشُعُوب والدّول، تحتاج - فضلاًً عن الحفاظ على أمنها الخارجي - إلى ضمان أمنها السّياسي والإجتماعي والإقتصادي، ودُون أن يتحقق لها ذلك، لا تتمكّن مِن النُهُوض والتَّطَلُّع إلى المُسْتَقبل، بل يظل الخوف مُهَيْمْناً عَلَى خُطُواتِهَا، ومُقيَّداً لتطَلّعاتِهَا. ولذلك، فإن تكامل عنّاصر الأمْن فِي مجتمع معين، هُو البدَاية الحقِيْقَيَّة للمُسْتقبل الأفضل، وتُوفِّر عنَاصِر الأمْن الدِّيْنِي والإجتماعي والإقتصادي والثّقافي، وبقَاؤُه فِي المُجْتَمَع، ضمان لَه لاستِعادة أَمِنَه الخارجي، حتّى لو فقده بِصِفَة مُؤَقَّتَة أَو عارِضَة..". الدّكتور عبْدالله بن عبْدالُمحسن التركي (25)

الحَلْقَة الخَامِسَة

كانت المباني  فِي شوارعنا وأحيائنا القديمة مُتلاصقة ومُتشابهة إلى حدٍ بعيد. وكان النَّاس مُترَابُطُين كترابط بيوتهم وبالتالي كانت علاقاتهم حميمة والمُشتركات بينهم كثيرة وعظيمة. وكلّ شيء كان معروفاً ومألوفاً لدى النَّاس، ومِن الوُجُوه إلى تفاصيل المكان. لم يكن أحد يشعر بأيّة غربة إن طاف فِي شارعه أو شوارع المدينة الأخرى، فحتَّى الشوارع التي يدخلها أحدهم لأوّل مرَّة، يشقها وكأنه اعتاد على السير فيها أو له ذكريات بين أزقتها تبعث فِي نفسه الألفة والأمان. تميز النَّاس فِي مَاضِي الزّمان، بالصِّدق، والوفاء، وبشاشة الوجوه، وصفاء النُّفوس.. وكانت الحَيَاة مَغمُورة بِالأصَالَة ومُعطَّرَة بِمِسْك النَّاس.. وكان الجَمِيْع يشعُر بِالأمْن والاطمِئنَان أَينَما انتقلُوا أَو ذهِبُوا، فَالأَمَاكِن كلها كانت أَمنة كَأَمَان النَّاس دَاخِل بُيُوتهم. وكان الإنسان حقاً فِي ذلك الزَمان، أَجْمل ما يُزيِّن المكان ويُضفي عليه أَرْوَع الألوَان. وكانت أماكننا القديمة مُريحة وهادئة، وحياتنا جميلة مُطرَّزة بِكُل مَا هُو مُبْهِج ومُفرِّح وبَسِيط. وبعد أن أسقطت ثورة 17 فبراير مِن تسبب فِي شقاءنا وبؤسنا على مدار أربعة عقود مِن الزمان، نأمل من هذه الثورة المباركة أن تعيد للنَّاس صفاء النفوس وبشاشة الوجوه وحبّ الوطن وإتقان العمل، وتعيد لليبَيا زينتها الحقيقيّة المتمثلة فِي الإنسان الِلّيبيّ الذي كان أجمل ألوان خارطة المكان. وفِي المُنتَهى، تجسدت قِصَّة الماضي ومَشاهد الزَمان الجميل فِي شوارع ليبَيا القديمة، وكان شارع سيّدي سَالم واحداً من بين تلك الشوارع الجميلة.

شارع سَيّدِي سَالم

حافظت مُعظم بلدان العالم على مُدُنها القديمة وحوّلت مبانيها إلى فنادق ومطاعم ونواد وقصور متحفية، فتدفقت على خزائن دولها الملايين ورُبّما المليارات مِن الدولارات لأن هذه الأماكن أصّبحّت المركز الرئيسي لجذب الأفواج تلو الأفواج مِن الزوار والسياح. هكذا هو الحال فِي دول العالم المختلفة، وهذا ما نأمل حدوثه فِي ليبَيا الجديدة بعد أن كانت سياسات حاكمها المقبور قهر الِلّيبيّين واستباحة كل شيء فيها بدءً مِن الإنسان وإنتهاءاً بالشّوارع والمباني والحيطان.  ولا يخفى على أحد ألسنة اللهب وبُقَع الدَّم التي عاشتها ليبَيا طوال سنوات حكم معمّر القذّافي.. والمحنة الخطيرة التي مرت بها الثقافة فِي بلادنا، فقد أُهملت المواقع الأثرية، وغُيبت المتاحف، وهُدمت مباني تاريخيّة وأسواق شعبيّة قديمة كـ(سُوْق الظّلام) فِي مدينة بنغازي. وفِي عام 1973م.. حاصر الإنقلابيون المُثقّفُين والثّقافة، وأحرقُوُا الكُتب والمكتبات تحت شعار ما أسمّوه بـ(الثّورة الثّقافيّة). وما حَدَث فِي بلادنا منذ إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م، يحق للمرء أن يصفه بـ(المذبحة الثّقافيّة) كمَا يصف حالات القتل الجماعي فِي السجون التي ارتكبها النّظام كـ(مذبحة سجن أبوسليم) التي راح ضحيتها أكثر مِن ألف ومائي مُعتقل سياسي دُون تُهْمَة أو مُحاكمة، يومي الجُمُعة والسّبت الموافق 28/29 مِن شهر يونيه/ حُزيران مِن عَام 1996م فِي ساحة سجن أبوسليم بطرابلس. وفِي هذه الأجواء المُلتهبة، أقدم الإنقلابيون على هدم شارع سَيّدِي سَالم وإزالته مِن الوُجُود، وزُوْرُوْا التّاريخ وعبثوا بكلّ شيء ذي صلة بالمَاضِي وذاكرة النَّاس. وما حَدَث لشّارع سَيّدِي سَالم حَدّث فِي أماكن أخرى، فلم يكن هو الشّارع الوحيد الذي قضت عليه جرَّافات النّظام وآلياته المُدَمِّرة إنّما الهدم طال الكثير مِن المباني والشّوارع والأحياء القديمة فِي عدِّة مُدُن لِيبيّة. وبمُجمل ما حَدَث، أن نظام سبتمبر اعتمد منذ البداية أسلوب ضرب الذّاكِرة ومقاومة تيار التاريخ بهاجس أن فِي المَاضِي ما يحفز النَّاس على الاعتراض والوقوف ضدَّ الاستبداد والاستعباد. أزال الإنقلابيون شارع سَيّدِي سَالم  مِن الوُجُود، وهو الذي كان يظهر علينا مِن نافذة شارع عصمان مِن ناحية البَحْر أو ندخُلُ إليه مِن ناحية ميْدَان البلديّة أو مِن ميْدَان الحدادة أو عبر سُوْق الظّلام حيث تُدخُلك أحد أركانه إلى شارع سَيّدِِي سَالم، وامتداده يكون شارع عصمان العريق. وكان بشارع سَيّدِي سَالم: بُيُوت، ومدرسة، ومتاجر، ومكاتب، ولافتات، وروتين يومي ومشاهد عارضة تمر عليه مر السّحَاب. وكان مِن بين الشوارع المهمّة بمدينة بنغازي، وأهميته تأتي مِن صلته المُباشرة بأقدم مركز تجاري فِي بنغازي ألا وهو (سُوْق الظّلام).. وصلته بأقدم مسجدين مِن مساجد مدينة بنغازي، وهُما: (المسجد العتيق ومسجد عصمان)!. كمَا يُوجد بالشّارع ضريح سَيّدِي سَالم الولي الصّالح المُتوفّي عام 1622م بمدينة بنغازي، والذي يُعد ضريحه مِن أشهر الأضرحة بالمدينة وأهمّ معلم مِن معالم هذا الشّارع الأصِيْل العريق. ولا شكّ أن هدم شارع سَيّدِي سَالم أمر مُؤلم ومُحزن، ويُعد خسارة كبيرة للوطن والمواطن، نظراً لما يمثله هذا الشّارع مِن تاريخ وما سجلته أركانه مِن حكايات دوِّنت صفحات مِن جِهَاد الِلّيبيّين، وصفحات مِن تاريخ المدينة!.

وقبل الدُّخُول فِي وصف شارع سَيّدِي سَالم، دعونا نتوقف قليلاً  فِي شارع عصمان بحكم تداخل الشارعين وترابطهما مع بعضهما لدرجة أن سكّان الشارعين كانوا يعتبرون أنفسهم سكّان شارع واحد. وَهُم كانُوْا هكذا بالفِعْل.. وبالحساباتِ، فقد تشكل شارع عصمان مِن ثقلين رئيسيين مِن السكّان، الثقل الأوّل شكّلته عائلة (عصمان)، والثقل الثّاني شكّلته عائلة (بن عامر)، وهذا لا ينفي وجود عدد محدود جداً مِن عائلات أخرى سكنته. وقد أكد الأستاذ عمران علي المصري الجلالي على هذا فِي كتابه: (قاموس بنغازي القديمة) الصّادِرَة طبعته الثّانية عَام 2007م عن (دار الكُتب الوطنيّة ببنغازي) وتحديداً فِي  صفحتي (308 و 309)، حيث اعتبر أن عائلتي (عصمان وبن عامر) كادتا تتقاسم الشارع بينهما. وبالتفصيل، يقع (جامع عصمان) فِي مُنتصف الشّارع تقريباً، ويُعد العلامة الأبرز فِي الشّارع، ويعتبر مِن ناحية أخرى مِن بين أقدم جوامع المدينة. بنى الأتراك مسجد عصمان فِي عهد ولاية (رشيد باشا) أو تمّ تجديد بنائه فِي عهده وفقاً للعديد مِن الرِّوايات التّاريخيّة. ويذكر أن مئذنة جامع عصمان كانت قد دُمرت أثناء القصف البحري لمدينة بنغازي ساعة الإحتلال الإيطالي للمدينة يوم 19 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1911م، ثمّ أُعيد بناؤها بعد ذلك على النحو الموجودة عليه الآن.

عموماً.. كان النَّاس يُطلقُون على جامع عصمان إسم (جامع رشيد) فِي البداية  ثمّ سرعان ما استقر اختيارهم على تسميته بإسم الشّارع نفسه بدلاً مِن إسم بانيه أو مجدده حيث يروى أن الذي أسسه شخص يُدٍْعَى (ابوقلاز) فِِي القرن الثامن عشر الميلادي ثمّ قام رشيد باشا فِي النّصف الثّاني مِن القرن نفسه بتجديد بَنَّاء المَسْجِد كمَا بَنَى حُجْرَة بِدَاخِلِه كضَرِيْح لِلوَلِي الصَالِح الذي كان مدفُونَاً بِه. ورُبّما كان النَّاس يعرفون هذا المَسْجِد كذلك بإسم (ابوقلاز) فِي وقت مِن الأوقات، وهذا ما نستنتجه مِن كلام الأستاذ عمران علي المصري الجلالي فِي صفحة (62) مِن كتابه المذكور تحت عنوان: (أئمة المساجد ومؤذنوها)، حيث ذُكر بأن عدد المساجد التي كانت موجودة عام 1914م بمدينة بنغازي بلغ رقم ثمانية عشر مسجداً. وأن الجلالي رصد هذه المساجد فِي قائمة قسمها إلى أربع خانات على الوضع التالي: أسماء الأئمة.. المسجد.. الوظيفة.. أسماء المؤذنين. وجاء فِي هذه القائمة، مسجد (ابوقلاز) على رأس القائمة، وإسم السِّيّد محَمّد محَمّد بن عامر خطيباً للمسجد، والسِّيّد السُّنوُسي المدلقم مؤذناً. واستطراداً، يذكر الجلالي فِي هذا الخصوص، ما يلي: ".. أن عدد المساجد بمدينة بنغازي قبل عام 1914م، كان قد بلغ سبعة وعشرين (27) مسجداً..". ويؤكد أن عدد المساجد بالمدينة:..".. كان قد بلغ قبل الإحتلال الإيطالي عام 1911م، سبعة وعشرين مسجداً، أضيف إليها ثلاثة مساجد في منتصف الثلاثينات، وهي: مسجد بمنطقة الكيش وقد أقيم على نفقة الحاج عبْدالحفيظ بوحلفايا، والثّاني بمنطقة أبي زغيبة وقد أقيم على نفقة الحاج ونيس أبو زغيبة، والثّالث بشارع عبْدالله بالة وقد أقيم على نفقة الحاج حسن بوعوينة..". ويُذكر أن الجلالي كان قد وضع فِي صفحة (58) مِن كتابه المذكور قائمة بأسماء مساجد مدينة بنغازي قبل الإحتلال الإيطالي، وجاء (مسجد عصمان) فِي الترتيب الثّاني فِي القائمة حيث سبقه (المسجد العتيق) أو (المسجد الكبير) كمَا كان يُعرف أيْضاً. على أية حال.. أمتاز جامع عصمان عَن غيره مِن مساجد المدينة بشكل وأسلوب إحتفاله بالمولد النبوي الشريف. فقد كان الاحتفال بالمولد النبوي فِي جامع عصمان مميزاً عن باقي مساجد بنغازي مِن حيث المنشدين والحضور، فمنشدوه كانوا الأشهر، والحضور كان يضم أبرز شخصيّات المدينة مِن الرسميين وغيرهم. وما يميزه أيْضاً احتواؤه على (الشعرة النبوية)، والتي يروي بخصوصها الأستاذ إبراهيم صهّد ما يلي: {.. هي عبارة عَن اسطوانة زُجاجيّة مغلقة الطرفين تحتوي على شعرات من شعر الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحتفظ بهذه الاسطوانة فِي صندوق موشى بالمخمل، ويحفظ الصندوق فِي غرفة تقع بالطابق العلوي، ولا يتمّ إخراجها إلاّ فِي مُناسبة المولد النّبوي أو عند حضور أحد كبار الزوار، ولعلّ الرئيس النيجيري أحمَد أوبللو رحمه الله كان أشهر مِن زاروا مسجد عصمان وأخرجت لهم (الشعرة النّبويّة). وعلى طرف شارع عصمان القريب مِن البَحْر يوجد (هُوتيل سلطان) نسبة إلى صاحبه الذي سمّاه (هُوتيل درنة)، لكن النَّاس استمروا يعرفون الهُوتِيل بإسم صاحبه، وقد كان معظم زبائن الهُوتِيل مستديمين، مِن الموظفين الذين قدموا مِن قرى ومُدُن أخرى للعمل بمدينة بنغازي، وكان أحد أبرز زبائن الهُوتِيل (الشّيخ افضيل بريدان) الذي كان عُضْواً فِي مَجْلِس الشُّيُوخ، وكان يُقِيْم فِي هَذَا الهُوتِيل أَثناء وجُوْدُه فِي بنغازي..}م7. أمّا الطرف الملاصق لشارع سَيّدِي سَالم، فقد كانت تزينه مجموعة مِن دكاكين البقالة: دكان مصطفى باقو ومحَمّد بوزقية ورمضان عصمان وخليفة الشيباني الذي كان يقع - حسبما أظن واعتقد -  فِي أوّل شارع عصمان. كانت هذه الدكاكين تحتوي على كلّ ما يحتاجه سكّان المنطقة مِن مواد غذائيّة كمَا توفر سندوتشات التن (التونة) عند السّاعة الواقعة ما بين 11 و 12 ظهراً، وكنا نسمّي الأكل عند هذه السّاعة بـ(الفطور) رغم أن الفطور يفترض أن يكون في الصباح الباكر إلاّ أن معظم الِلّيبيّين وقتئذ كانوا لا يحبذون الأكل صباحاً ويكتفون بعد الاستيقاظ مِن النوم بفنجان قهوة أو حليب مختلط بقهوة أو شاهي وبجانب ذلك كعكة أو كعكتين على الأكثر.

نتوقف بعد هذا الاستطراد لنتحدث عَن شارع سَيّدِي سَالم، فنقول: كان يخترق هذا الشّارع - شارعان - يوصلك الأوّل إلى البِحْر الشّابّي (26)، ويأخذك الثّاني إلى ميدان الحدادة ومِن ثمة إلى سُوْق الجريد ثمّ سُوْق بوغولة. وتوجد عند نهاية شارع سَيّدِي سَالم القريبة مِن ناحية المدخل إلى ميْدَان الحدادة، حمامات عامّة وساحة شبه مربعة يمكن اعتبارها (ميدان)، إن جاز لنا أن نسميها كذلك. وبالشّارع ممرات أخرى تأخذك إلى شارع سَيّدِي سعيد وغيره مِن الشّوارع والأزقة. وكان بطرف الشّارع القريب مِن ميْدَان البلديّة، مغسلة إسم صاحبها على ما اعتقد (علي بابا ويله) مِن أصل ألباني، وبجانب مغسلته يُوجد محل حلويّات صغير كان يفتح حتَّى ساعات مُتأخِّرة بالليل يمتلِكُه الأخوان: إِسْمَاعِيْل ومُصْطَفَى قوبعه. وبِجانب محل الحُلْوِيَّات، محل آَخر خاص بِالأخْشَاب (أَثَاث) يمتَلِكُه السِّيِّد عزات مفراكس. وبالتفصيل، عند دخولك لشارع سَيّدِي سَالم مِن ناحية ميدان البلدية كان محل عزات مفراكس يأتيك على جهة اليسار، وقبل القوس تحديداً. وبعد محل مفراكس للأثاث، تأتي مغسلة بابا ويله وبعدها مكتب محرر عقود الذي يأتي بعده مقهى (بَابَا) وأبنه أحمَد الذي كان يقوم بطهي القهوة وكل ما يقدمه المقهى مِن مشروبات للزبائن. وكان مقهى بَابَا يقدم الشيشة أو النارجيلة، وهذه النوعية مِن المقاهي فِي ذاك الوقت كانت قليلة جداً ويكاد ينحصر وجودها فِي بعض البلدان، وفِي المناطق الشعبيّة منها تحديداً. كانت الشيشة أو النارجيلة مِِن الأربعينات إلى نهاية سبعينيات القرن الفارط، معروفة فِي الأوساط الشعبيّة فِي مصر ورُبّما فِي الشام والعراق أيْضاً. وكان رواد أغلب مقاهي الشيشة الموجودة فِي الدول العربيّة وقتئذ، مِن العمال المصريين المقيمين فِي تلك الدول. والعمال المصريون المقيمون فِي بنغازي وقتئذ، كانوا هم زبائن الشيشة فِي مقهى بَابَا، ولا اعتقد أن ليبياً واحداً كان مِن بين زبائنها حينئذ، وعلى العكس تماماً ممّا هو حادث اليوم !!.

كان تدخين الشيشة فِي الأمس القريب محصوراً فِي طبقة بعينها، وكان وجود مقاهي الشيشة فِي المدن لا يكاد يذكر كذلك يستحيل وجودها فِي أيّ هُوتيل مصنف كمَا هو الحال اليوم حيث توجد مقاهي الشيشة فِي هُوتيلات ذات النجوم الخمسة وما دونها فِي كافة الدول العربيّة. واليوم، يرجع انتشار الشيشة إلى اللبنانيين فهم الذين أدخلوها إلى المقاهي، وإعلامهم وفضائياتهم المبهرة هي الوسائل التي قامت بالترويج لها وتوسيع دائرة مدخنيها لدرجة أنها امتدت مِن الرجال إلى النساء بل وصلت إلى المراهقين مِن الجنسين فِي كثير مِن الدول العَرَبيّة. أصبحت الشيشة منذ عقد التسعينات – وإلى الآن – ظاهرة تنتشر وتتوسع يوماً بعد يوم. والمقاهي الِلّيبيّة والِلّيبيّون اليوم ليسوا استثناءً عن العرب وعمّا هو جاري فِي الدول العربيّة. واستئنافاً لتفاصيل شارع سَيّدِي سالم، كان محل مُصْطَفَى قوبعه يأتي بعد مقهى بَابَا مباشرة، ويذكر أن السِّيّد قوبعه كان قد قفل محله بعد سنوات مِن عمله فِي قطاع الحُلْوِيَّات وفتح دكاناً في نهاية شارع عصمان ككاتب عمومي. وبعد ذلك يأتي المرابط، ويذكر أن الفقيه عبدالله الذي كان ضريراً ومريده الشاب عبْدالقادر الذي كان يقوده فِي الطريق، كانا يقيمان داخل ضريح سَيّدِي سَالم. وفِي وسط شارع سَيّدِي سَالم.. {.. يُوجد فندق بسيط يسمى (هُوتِيل تونس)، يقال أنّ (الحبيب بورقيبة (27)) نزل فيه عندما مر بمدينة بنغازي فِي الأربعينيات..}م8. ويُضيّف الأستاذ أحمَد الفيتوري فِي كتابه: (سيرة بنغازي) عن نُزَّلاء هذا الهُوتِيل فيُؤكِّد أَنَّه.."..استَقبل الحَبِيْب بَورَقِيبَة كذَلك مِن هَرَب مِن رِجَال جَبْهَة تحرِير الجزَائِر..". وبِجانب الهُوتِيل يُوجد محل لِلخِدْمَات الخَاصَّة بمكوي الَملابس لِصَاحِبِه السِّيِّد سَالم بورقيد. وليس بِبَعِيْد عَن هَذِه الجهة، تُوجد مطْحنة القهْوَة لِصَاحِبِهَا سَيِّدِي محَمَّد اقصودة. ومِن جهة أخرى.. يتداخل شارع سَيّدِي سَالم - وإلى حدٍ ما - مع شارع سَيّدِي سعيد، وكانت تُوجد بهذا الشّارع مَدْرَسَة لِلبنَات تُسَمَّى (مَدْرَسَة المنقوش). أَمَّا المَدْرَسَة الأشهر بِهَذِه المِِنطقَة والتي كَانَت للبنين، فَهِي (مَدْرَسَة سَيِّدِي سَالِم) الكائنة  بِالشَّارع والواقعة بعد الفتحة المُؤَدِّيَة إِلى سُوْق الظَّلام. كَانَت مَدْرَسَة سَيِّدِي سَالِم تَقَع بِالمكَان المذكُوْر مقابل الهُوتيل، وكان السِّيّد رجب بودلال مشرف النظام والنظافة علامة مِن علامات المدرسة البارزة. وقد ضُمَّت المدرسة مِِن بَيْن أَشهر مُدَرِسَّيها، الأساتذة: حُسَيْن الخفيفي ومحَمَّد فَلاق وأَنور شاكير وأَحمَد الرويعي الذِي اشْتَغَل بِالتعليم حتَّى عَام 1961م حيث اسْتَقَال بعدئِذ لِيَتفرَّغ لِلعمل الصَّحَافِي كَمُحلِّل رياضِي وكاتب مقَال إِلَى جَانِب كِتَابَة القِصَّة والعمل الإذَاعِي. يُذْكَر أَن الأستاذ أَحمَد الرويعي كَان قَد أَسَّس فَريقاً مُتَمَيِّزاً لكرة القِدَم بِمَدْرَسَة سَيِّدِي سَالِم، وقد خرج مِن هَذِه المَدْرَسَة لاّعبون مُتميّزون تَأَلَقُوا فِي مُلاعِب الكرة الِلِّيبِيّة. هَذَا مَا أَكَّدَه الأسْتاذ محَمَّد العنيزي فِي مقالته: (ليبي كريم) التي روى فيها سِيْرَة أَحمَد محَمَّد الرويعي، فَقَال: ".. أَثناء عمل أَحمَد الرويعي بِمَدْرَسَة سَيِّدِي سَالِم كَوْن فريقاً لكرة القدم مِن طُلاب المَدْرَسَة وذلك فِي عَام 1956م.. وذهب الفَرِيق في رحلة إِلى منطقة سلوق، وهُنَاك لعب مُبَارَاة فِي كُرَة القدم مع فريق مَدْرَسَة سلوق الدّاخِلِيَّة.. وحكم تلك المُبَارَاة الشَّاعِر محَمَّد المطماطي الذي كان يعمل مُدَرِّسَاً بِمَدْرَسَة سلوق، وانتهت بِفوز فريق مَدْرَسَة سَيِّدِي سَالم..". وعَن المَدْرَسَة أيْضاً، فقد شغل الأستاذ محَمّد الزروق بوكر (1906م  - 1994م) موقع ناظر مَدْرَسَة سَيّدِي سَالم فِي وقتِ مِن الأوقات، وقد سبقه إليه الأستاذ محَمّد فلاق. ويذكر أن الأستاذ محَمّد بوكر كان أحد كتّاب مجلة (ليبَيا المُصورة) المعروفين، والتي بدأت فِي الصّدور فِي أواخر عَام 1935م. وأمام مَدْرَسَة سَيّدِي سَالم، كان يقع محل تصوير (مصوراتي) صاحبه فتحي العريبي، وكان العريبي أواخر السِتِّينيات وطوال سبعينِّيَات القَرن المُنصَرم، مِن أَنشط المُصَوِّرِين المُتابِعِين للنشاط الرِّياضي وقد زينت صُوَر عدسته العَدِيْد مِن التَّقَارير الرِّياضيّة التي نَشرتَها صَحَافِتنا الِلّيبيّة وقتئذ. ويُذكَر أَن العريبي كان قد أقام فِي محله معرضاً خاصَّاً لِصُوَر أللاعب أحمَد بن صويد نَجْم المُنتخب الِلّيبي وكَابتن نَادِي الأهْلِي بِبَنْغَازِي، وتوافد على معرضه زُوَّار كَثِيْرِون مِن مُحِبِّي كُرة القدم ومُشجِّعي نَادِي الأهْلِي العريق. وكان يَقَع إلى جَانِب مصوراتي العريبي، محل الخِيَاطَة الشّهير لِصَاحِبِه رِيَاض بالروين. وعند مدخل شارع سَيّدِي سَالم مِن ناحية ميدان البلَدِيّة، كان هناك مكتبان مشهوران: الأوّل مكتب المحاماة الخاصّ بالسِّيّد سُليمان رجب الصّلابي (1903م – 1985م) المحامي وأحد شخصيّات بنغازي المعروفة، والذي كان مكتبه مُلتقى لعدد مِن نخبة المدينة وأعيانها. والمكتب الثّاني: مكتب محرّر العقود لصاحبه عبْدالرّحمن رجب بونخيلة (28) (1905م – 1984م) الأديب والشّاعر المعروف. كذلك مكتب تحرير العُقُود لصاحبة السِّيّد مُصْطفى الشركسي.

ومن أشهر ما أتذكر عن شارع سَيّدِي سَالم: مطعم السفنز (الفطائر) وسنفازه البدين، قليل الكلام، المعروف لدينا بالسنفاز التونسي. والسفنز من الأكلات الليبيّة الشّعبيّة المعروفة جداً، وهناك مِن يؤكد بأنّه أكلة تركية الأصل أو أنّ تاريخ تعرف الِلّيبيّين عليه يرجع إلى الحقبة العثمانيّة. وهو من الأكلات سهلة التحضير والإعداد، وبالرَّغم مِن هذا، كانت أغلب العائلات الِلّيبيّة تجلبه جاهزاً ولا  تميل إلى إعداده بنفسها داخل بيوتها. كان سنفاز شارع سَيّدِِي سَالم يجلس فوق مكان عالي مبني من الطوب الحجري ومبلط سطحه ببلاط، ووسط هذا المجلس توجد فتحة كبيرة يجلس بجانبها السنفاز، والفتحة مغطى بطاجين (صحن) زيت ضخم توجد تحته نار حامية مِن بابور (موقد) كبير. تُوجد على يمين السنفاز بستيلية (إناء بلاستك كبير) عجينة، يأخذ السنفاز قبضة يد مليانة من عجينة السفنز ويضعها بين يديه بعد تبليلهما بالزيت، فيفطح (تسوية) العجينة رقائق دائريّة ثمّ يضعها فِي الزيت السّاخن مع استمرار التقليب حتَّى تنضج. وإلى جانب السفنز، كانت الزلابيا والمخاريق تزين المحل فِي شهر رمضان الكريم، وهما للتحلية (Dessert ) أيّ حلوى يختم بها الطعام. وكان الجمهورُ، فِي الأيّام العادية، يقبل على السفنز بالدحي (البيض) بشكلِ كبير. وكان السفنز العادي (بدون بيض) يقدّم في الصباح الباكر كافتتاحية إفطار فِي مناسبات الأعراس والاحتفال بيوم الأسبوع للمواليد. كمَا يذكر أنّ السفنز كان يقدّم..{.. للضيوف فِي الفترة التي تعقب صلاة التراويح بساعة أو ساعتين علي الأكثر، مصحوباً بالزلابيا والمخاريق لتحلية ريق الضيف أو الضيفة وأحيانا مع (طواسي الشاهي) الأخضر لتخفيف شدة وطأة الزّيْت الذي يدخل فِي أساس تكوين صناعته..}م9.  عموماً.. كانت مطاعم السفنز حتَّى بداية السبعينيات متوفرة فِي مختلف مناطق بنغازي حيث اشتهرت كلّ منطقة بمحل اسفنزها، ومحل شارع سَيّدِي سَالم كان مِن أشهر محلات السفنز وسط البلاد. كان الإقبال على مطاعم السفنز فِي شهر رمضان المبارك يتضاعف خصوصاً على صنفي الزلابيا والمخاريق، أمّا الآن فقد قلت هذه النوعية مِن المطاعم ولم يعد إقبال النَّاس على هذه الأكلة فِي شهر رمضان كمَا كان فِِي سابق الزّمان، وفِِي أزمنة بنغازي القديمة. ومِن ضمن ما أتذكر بهذا الشارع العريق، محل الحلاقة لصاحبه محَمّد بن اجميعة والآخر لصاحبه الحجام، وأكّد ليّ صديق على وُجُود محل ثالث للحلاقة بنفس الشّارع، يقوم بالحجامة التي نُسَمِّيْهَا (المغاثات)، لصاحبه السِّيّد حسن هيلاجاكس. وإن كنت لا أتذكر للأمانة محل هيلاجاكس، إلاّ أن صورة محل بن اجميعة لازالت عالقة بذهني وكأني مررت عليه بالأمس !. كان سَيّدِي محَمّد بن اجميعة، يرتدي كبّوط أبيض (بالطو) ويغطي رأسه بالشنة البنغازية، وبمحله يوجد كرسيان للحلاقة يتدلى منهما حزام جلد طويل بني اللون يستخدمه لسن موس الحلاقة. وكان سََيّدِِي محَمّد بن اجميعة والحجام، يقومان إلى جانب حلاقة الشعر بعمليات المغاثة (الحجامة) التي تخفف الدّم مِن الرأس والمعروفة لدينا بإخراج الدّم الفاسد مِن الجسم. كان الحلاقون فِي المَاضِي يقومون بعمليّات الحجامة (29)، ويستخدمون شعار (Slogan): "الحجامة لمن يريد السلامة"، كترويج تجاري لهذا العملية. والحجامة تستخدم فِي مناطق متفرقة مِن جسم الإنسان إلاّ أن زبائن الحلاقين فِي ماضي الزمان لا يستخدمونها إلاّ فِي منطقة الأكتاف والرقبة. يجرح الحلاق الزبون على سطح جلده جرحين أو ثلاثة أو أربعة خفيفة ثمّ يضع الكأس الزجاجية. والكأس الزجاجية تكون ضيقة الفم واسعة البطن حجمها حجم الرمانة الصغيرة تعرف بالمحجمة، ثمّ تحرق قطعة مِن الورق أو قليل مِن القطن داخلها حتَّى يزول منها الهواء بواسطة الحرارة وتوضع فِي الحال على موقع الجّرح حيث يراد استخراج الدَّم. والحجامة مفيدة كما أثبتت مؤخراً عدد مِن الدّراسات الطبية، وهي التي أوصانا بها الرسول عليه الصّلاة والسّلام منذ مئات السنين، فقال:..( إِن كَان فِي شَيْء مِن أَدْوِيَتِكُم خَيْر فَفِي شَرْطَة مِحْجَم أَو شَرْبَة مِن عَسَل أَو لَذْعَة بِنَار تُوَافِق دَاء ومَا أُحِب أَن أَكْتَوِي). أَخْرَجَه البُخَارِي ومُسْلِم. وفِي حدِيث أَخَّر قَال:..( نِعْم الدَّوَاء الحِجَامَة، تذهَب الدَّم وتجْلو البَصَر وَتخِف الصُّلْب ) أَخْرَجَه الحَاكِم والتِّرْمِذِي. وقَد جَمَع بعض المهتمين أكثر مِن 79 حَدِيْثاً نبوِياً صحيحاً بِخُصُوصها, وكُتِبَت عنها أَبحَاث ودِرَاسات مِن قَبل عرب وأَجانب. وأضيف مستطرداً، تعتبر الحجامة علاج لآلام العضلات والمفاصل وآلام الظهر كمَا أنّها تُخلِّص الجسم مِن حالات الوهن العضلي والتشنجات. ويقال أنّها مفيدة جداً لجسم الإنسان فقد تقي الجسم مِن الإصابة مِن بعض أمراض العصر، وتساعد المصابين ببعض الأمراض على تفادي المخاطر والآثار الجانبية الناجمة عن تلك الأمراض. وبعد الحلاق بن اجمعية بمحل أو اثنين، كان هناك - وحسبما أظن! - إسكافياً أو محلاً لتصليح الأحذية (كندرجي) لصاحبه محَمّد المطردي. وإلى جانب محلي الحلاقة بهذا الشارع، أتذكر محل الأحذية ذا المساحة الكبيرة نسيباً إذا ما قورنت مساحته بباقي محلات الشارع وهو المحل المملوك لآل النيهوم. وهُنَاك تَفَرَّع بشارع سيّدِي سَالم يُسمّى زُقاق (الزردومي)، وفِي الزُقاق كان يقيم الفنّان على السُّنوُسي الشعالية عازف القانون والمُلَحِّن والمُطْرِب المَشْهُوْر. ومِن ضِمْن جِيْرَان الشعالية وسُكَّان شَارع سيّدِي سَالم الشَّهِيْر - وعلى ما أَذكر - كل مِن: عائلة محَمّد الكوافي، وعلي صوان، والأخوان علي وامحمد بوقرين، والأخوان الصالحين وعلي المطردي، وعلي يوسف بوليفة، ومنصور طرخان، ومحَمّد المبروك الجهاني.

والشاهد.. كان الفّنّان علي الشعالية مِن أوائل الفنانين الِلّيبيّين، وأوّل مُطرب رسمي فِي مدينة بنغازي. أصر الشعالية منذ بدايته أنّ يُعتمد رسميّاً ويقيم حفلاته فِي العلن لا الخفاء. رفضت السّلطات الإيطاليّة فِي حقبة استعمارها لليبَيا، منحه إذناً يخوله بإقامة حفلات غنائيّة بمدينة بنغازي خوفاً مِن أنّ تشحن أغانيه مشاعر الِلّيبيّين وتزيد مِن دعم مواقفهم المُطالبة بِالحُرِّيَّة والإستقلال، ولكن، إِصْرَارِه عَلَى موقفه مَكَّنَه فِي نِهَايَة المطاف مِن الحُصُول عَلَى إِذن المُوَافَقَة، فأعتلى الشعالية خشبة المسرح وقدِّم العدِيد مِن الأغانِي الوطَنِيَّة فِي ثَوْب عَاطِفِي جَمِيْل، فَشدَّت أَغَانِيْه الجُمهُور وكَان لها أثر بالغ على نُفُوس اللِيبِيِّين ومواقفهم. وفِي نهاية الستينيات وبداية سبعينيات القرن المنصرم، كنتُ قد تصادفت فِي مرَّات عديدة مع الفّنّان علي السُّنوُسي الشعالية (1919م – 1973م)، حيث أقام فِي نفس المنطقة التي أقام بها عدد من أقاربي. وفِي هذه المرحلة - كنت على صلة وثيقة بشارع سَيّدِي سَالم وأزقته بحكم أن أهلي مِن تُجَّار سُوْق الْظَّلام، علاوة على إِقَامَة بعض أَقَارِبِي بِزقَاق الزردومي الكائن بِالشَّارِع المذكُور. وفِي مَرَّات عَدِيْدَة، زُرْت فِيْهَا أَقَارِبِي أَو كُنت فِيِهَا بِشارع سَيِّدِي سَالِم، تصادفت مع الفّنّان علي السُّنوُسي الشعالية، عند بيته أَو مارّاً بِالشَّارِع فِي اتِّجَاه معين. وقَبْل تَصَادُفِي معه، كُنت قد شاهدته مِرَارَاً فِي التلفزيون، ورأيت صُوْرَه كثيراً فِي الصُّحُف الِلّيبيّة، وحينما رأيته بِأُم عينَي، لفتت أَنَاقَتِه انْتِبَاهِي إلى حد بعِيد. وكَيف لا يكون أنيقاً وهُو فَنَّان !؟، فَالإحْسَاس أَصْل الفنّ، وصَاحِب الإحْسَاس لا يهمل مظهره أَبَداً بل يحرص عليه كحِرَصّه على الفنّ.  وفِي كلّ مرَّة تصادفت مع الفنّان علي الشعالية، رأيته مرتدياً بدلة أنيقة وكرفتة (ربطة العنق) جميلة أو بابيون، ولم أره قط غير مهتم بمظهره. فقد تميز إلى جانب فنه، بأناقته الملفتة، والتي اعتقد أنها أضافت لشخصه الشيء الكثير!. وفِي العديد مِن أغانيه المصورة، كان الشعالية يظهر مرتدياً بدلة تكسيدو (Tuxedo) بجاكيت طويل أو قصير، وبربطة عنق أو بابيون حسب ياقة القميص التي تكون مفرودة أو مطوية منشاة، وحذاء أسود لامع، وأحياناً يلبس الصديري تحت الجاكيت. عموماً.. رأيت الشعالية بالمصادفة عدة مرَّات، وكنت أراه إمّا واقفاً يتحدث مع أحد الأشخاص فِي شارع سَيّدِي سَالم أو يحيي المارة وهو يسير بهدوء شديد إلى جهة يقصدها، وأحياناً كنت أراه يدخل إلى جامع عصمان فِي أوقات الصلاة، وفيما بعد عَلَّمَت بِرَفْعِه للأذان أَحيانَاً إِذ طلب مُؤَذِّن المسْجِد منه ذلك. ويُذَكِّرُنَا الأستاذ وهَبِي أَحْمَد البُورِي (1916م - 2010م) بِجُزّئِيّة علاقة الشعالية بالمسْجِد، فِي حِوَار عقده معه الصُّحُفِي خالد المهير(30) فِي فَبْرَايِر/ شبّاط 2006م، فيقول: ".. مُنْذ الخَمْسِيْنِيَّات، كَان على الشعالية يقضي شهر رمضان فِي حَي خريبيش فِي مَنْزِل أَخِيْه خليفة الشعالية، وكان يقوم بالأذان طِيْلَة الشَّهر الكَرِيم..". كان عَلي الشعالية  فنّاناً جميلاً مِن زمن الفنّ الجَمِيْل.. والفنّ فِي زمَنِه أختلف مؤكداً على زَمَن الكيلاني ومنصور ومحَمّد حسن!. تولى الضابطان عَلي الكيلاني القذّافي وعبْدالله منصور السليماني مهمّة مدير الإذاعة، وكلف معمّر القذّافي قبلهما العقيد يوسف الدبري برئاسة لجنة إدارة الإذاعة. نظر معمّر القذّافي – ومنذ وقت مبكر جداً – إلى الإذاعة على أنها (ثكنة عسكريّة) بل (الثكنة الأخطر) على حد وصف عبْدالرَّحمن شلقم. كانت الإذاعة..{.. هدف معمّر القذّافي الأوَّل الذي تحركت نحوه قوَّاته للاستيلاء على السّلطة. أرادها أن تكون تابعة له مباشرة، وأن ينفذ القائمون عليها أوامره مِن دون نقاش أو اعتراض، ولهذا قرر ذات مرَّة، أن يقودها عسكريّون، لهم بُعد فني بشكل أو بآخر!. شكّل لجنة لإدارة الإذاعة برئاسة العقيد يوسف الدبري، وهُو مِن (الضباط الأحرار) ومقرب مِن العقيد معمّر القذّافي، وله علاقات واسعة مع الأدباء والفنانين فِي ليبَيا والوطن العَرَبي، وعيّن معه كل مِن عَلى الكيلاني وعبْدالله منصور وهما مِن الضباط الثوريين دفعة الستة أشهر!.. وللاثنين اهتمامات شعرية، فكلاهما مِن كتَّاب الأغاني. قام الضابطان الشاعران عَلي الكيلاني وعبْدالله منصور، بالهيمنة الكاملة على صناعة الأغنيّة الِلّيبيّة، وفرضا لوناً واحداً على الشّعب الِلّيبي، هو لون منطقة سرت، واحتكرا إنتاج الأغاني وأغلقا أبواب الفرص على المطربين الِلّيبيّين باستثناءات مِن بينهم المُطرب محَمّد حسن!؟. كان ذلك مخططاً وبقرار أو اتفاق مع معمّر القذّافي.. اقتصر الإنتاج الفني على موروث ومزاج هذه المنطقة، عن طريق الضابطين الشاعرين عبْدالله وعَلي..}م10.

توقف مشروع نشر الموسيقى الِلّيبيّة والتعريف بموروثنا الشّعبي وتقديمه فِي أحسن صُورة للعالم، والعَرَبي منه على وجه التحديد. وتوقف مشروع تطوير الفنّ، واحتكرا الكيلاني ومنصور الأغنية الِلّيبيّة وأغلقا عليها الأبواب داخل أسوار الحدود الِلّيبيّة. وأرجع السّيّد عبْدالرَّحمن شلقم سبب غياب الأغنيّة الِلّيبيّة وعدم الاهتمام بها إلى سيطرة منصور والكيلاني على الإذاعة وهيمنتهما الكاملة على صناعة الأغنيّة الِلّيبيّة. فقال شلقم.. {.. أن عبْدالله والكيلاني احتكرا الأغنيّة الِلّيبيّة، وأغلقا الأبواب عن الآخرين، ولم تعد الأغنيّة الِلّيبيّة معروفة خارج ليبَيا، بل إنها غير مسموعة حتَّى فِي الدَّاخل، وأصبح الِلّيبيّون يهتمون بأغاني البلدان العَرَبيّة الأخرى. وأن سبب ذلك سيطرة لون واحد وإيقاع واحد على ما يقدمه الشاعران، فكل أعمال الكيلاني التي يقول أنه يلحنها بنفسه هي فِي مقامين فقط، الرصد والبياتي، فِي حين كانت أغاني الخمسينيات والستينيات وأوائل السبعينيات غنية بكل المقامات، إضافة إلى كلماتها المتنوعة التي تحوي كل تموجات اللهجة والمزاج عند الِلّيبيّين..}م11. سيطر معمّر القذّافي على الإذاعة عبر أشخاص ينفذون أوامره مِن دون نقاش أو اعتراض، واحتكرا الكيلاني ومنصور الإنتاج الفني، وكان محَمّد حسن هو المُطرب الوحيد  الذي فتحت له كل الأبواب بينما أغلقت عن الآخرين. طمس نظام معمّر القذّافي المواهب الِلّيبيّة وأجهض المشروع النهضوي الفني الذي بدأت نجاحاته الباهرة تظهر فِي بداية ستينيات القرن المنصرم. وظهرت مع إندلاع ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م، قصائد ذكرتنا بزمن أحمَد رفيق المهدوي (1898م – 1961م) شاعر الوطن الذي لعب دوراً وطنيّاً رائعاً مميزاً، وأشعار ذكرتنا بشعر المناضل محَمّد الشلطامي (1945م – مارس/ آذار 2010م) عَن الحبّ والحريّة والسّلطة والأفراح والموت والحزن العميق والليل فِي المدائن الكبرى.. وأعمال غنائية لاقت أعجاب الكثيرين والتي ستكون حتماً بريق أمل للعودة إلى عصر (بلد الطيوب) و(هـذه الأرض هـي العرض لنا) و(ليبَيا يا نغما فِي خاطري) و(نحن يا ليبَيا الفدا) التي صاغ كلماتها الشّاعر محَمّد بشير المغيربي ولّحنها الفنّان سَالم بشون كمَا لّحنها أيْضاً الفنّان عَلى الشعالية. وأغاني وطنيّة أخرى مِن مثيلات: (أرض الزهر والحنة) و (تعيشي يا بلدي)، وأغنيّة الفنان سلام قدري التي يقول مطلعها:

لو تؤمريني فـوق نسمة نطير.. ونجيبلك حزمة نجوم تنير
تضوي طريق الحبّ للإنسان.. يا ليبَيا وتزرع ترابك خير

وأخيراً أختلف الفنّ فِي زَمَن الفنّان عَلى الشعالية عن زَمَن الكيلاني ومنصور ومحَمّد حسن.

الفنّ الِلّيبي.. زَمَن وزَمَن!، عنوان الوقفة القادمة.
 


مِرْفق الصُوَر:

جميع الصُوَر المرفقة مِن الشبكة الإلكترونيّة الدّوليّة. الصُورة الأولى بداية شارع عًمر المختار وتظهر على اليسار سينما برنتشى (دار عرض بنغازي لاحقاً) ومقابلها (الجردينو) الحديقة العامّة التي تتوسط مبنى المحافظة، وعمارة بنك روما (الأمة لاحقاً) في الطرف المقابل للسينما. الصُورة الثانيّة هي لوحة فنيّة تصور حيَاة النَّاس في شوارعنا القديمة بريشة الفنّان عوض اعبيده. والثالثة هي صُورة لجامع عصمان يرجع تاريخها لعام 1940م. والأخرى صُورة للفنّان علي الشعالية ويظهر معه الموسيقار عطية شرارة على آلة الكمان، والصُورة التي بجانبها لمحَمّد حسن. والصُورة الأخيرة هي شخصيّة لكل من: علي الكيلاني وعبدالله منصور.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات هَامَّة:

25) المقولة أعلى الصفحة: مِن دراسة تحت عنوان: (الأمن فِي حَيَاة النَّاس.. أهميته فِي الإسْلام) للدّكتور عبْدالله بن عبْدالُمحسن التركي، منشورة فِي الشبكة الدّوليّة للمعلومات.

26) البَحْر الشّابّي: المقصُود هُو كُورِنَيش المدينة المُمتد مِن جهة الصابري إلى الميناء، والذي أُطلق عليه إسم: (شارع أحمَد رفِيْق المهدوي) فِي ذكرى أربعينيته الموافق شهر أغُسْطُس/ أب 1961م. ويذكر أن رفِيْق كان قد تُوفى يوم الخميس الموافق 6 يوليو/ تموز 1961م. راجع ما جاء في كتاب: (وميض البَارق الغربي) للأستاذ/ سَالم حُسَيْن الكبتي.

27) الحبيب بورقيبة: ولد بتونس وعاش فيها إلاّ أنّه يَنْحَدِر مِن أُصُوْل لِيْبِيَّة تَعَوَّد إِلَى مدينة مصراتة غرب لِيبَيا. دّرْس المُحَامَاة بِفرنسا وتحصل فِي عَام 1927م على شهادته الجامعيَّة مِن هُناك، وعاد إِلى تُوْنُس بعد إِنهاء دِرَاستُه لِيشتغل بِالمُحَامَاة. اعتقلته السّلطات الفرنسيّة لمدة عامين مِن عام 1934م إلى عام 1936م، بحكم موقفه المضاد للوجود الفرنسي في بلاده ونشاطه الدءوب فِي هذا المضمار. هاجر إلى مصر واستقر بها فترة مِن الوقت، واستمر فِي نشاطه النضالي من المهجر، وأقام شبكة واسعة من العلاقات، وسافر إلى دول عديدة فاعتقلته السّلطات الفرنسيّة مجدّداً هُو ومجموعة مِن رفاقه فسجنته بين السّجون فِي تونس وفرنسا ثمّ شرعت  في التفاوض معه فعاد إِلَى تُوْنُس فِي صَيْف 1955م لِيستقبِله الشَّعْب اسْتِقبال الأبْطَال ويتمكَّن مِن تَحْرِيْك الجَمَاهِيْر، فاضّطُرّت فرنسا فِي 3 يونِيْه/ حُزيْران 1955م إِلَى تُوقِّع مُعاهدة تُمْنح بِمُوْجِبِهَا لَتوْنِس إستقلالها الدَّاخِلِي، وفِي عَام 1956م أُقِرَّت بإستقلالها التَّام. أُعلن إستقلال تونس في 20 مارس/ آذار 1956م بعد أن أقرت فرنسا بإستقلال تونس ووقعت على وثيقة الإستقلال التّام، وألف بورقيبة فِي هذا اليوم أوّل حكومة بعد الإستقلال. قررت الجمعيّة التّأسيسيّة التونسيّة  فِي 25 يوليو/  تموز 1957م إلغاء منصب الباي. وانتخبت الحبيب بورقيبة رئيساً للجمهورية. حكم بورقيبة الجمهورية التونسيّة مِن عَام  1957م إلى عَام 1987م. وأَمَام الحالة الصَّحّيّة المُتردِّية للرئيس بورقيبة، قَام الوزِيْر الأَوَّل زين العابدين بن علي فِي السّابع من نُوُفَمْبَر/ تَشْرِيْن الثاني 1987م بتغييره وأعلن نفسه رئيساً جديداً للجُمْهُوريّة فِيْما عُرِف باسم تحول السّابع مِن نُوُفَمْبَر. أَقَام الحبيب بورقيبة بَعْد إقالته أو عَزْلِه بالمنستير مسقط رأسه، وتُوُفِّي يَوْم 6 أَبرِيل/ نَيْسَان 2000م عَن عُمَر يُناهِز 97 عَاماً. وبعد وَفَاتِه، أعلنت الحكومة التَّوْنُسِيَّة بِرِئَاسَة بن علي الحَدَّاد فِي تُوْنُس لِمُدَّة أسبُوْع، وَدُفِن فِي (رَوْضَة بورقيبة) بِالمنستير. راجع مَا كُتب فِي موقع الموسُوعة الحرّة (ويكيبيديا) الإلكتروني عَن (الحبيب بورقيبة).

28) عبْد الرَّحمن رجب بونخيلة: ولد سنة  1905م فِي بنغازي. تلقى تعليمه في لِيبَيا باللغتين العربيّة والإيطاليّة. كتب الشّعر باللغة العربيّة الفصحى، وباللهجة العاميّة، وله ديوان واحد جمع فيه بعض قصائده بالفصحى والعامية أسماه: (الربيع المتجَدّد) أصدرته (مكتبة قورينا) عام 1975م. كمَا كتب الشّعر باللغة الإيطاليّة التي كان يتقنها كإتقان أهلها لها. اشتغل بالترجمة ثمّ انتقل إلى العمل الإداري وتقلد عدة وظائف هامّة. سجنته سلطات الإستعمار الإيطالي أكثر مِن مرَّة. عاد إلى مدينته بنغازي بعد الحرب العالمية الثانيّة بعد سنوات طويلة قضاها فِي الغربة. عُيّن بونخيلة سنة 1950م مُوثقاً للعقود، ثمّ مستشاراً تجارياً بالسفارة الِلّيبيّة بروما، فمديراً للمركز التجاري الِلّيبي بميلانو إيطاليا. وعُيّن سنة 1966م عضواً بمجلس إدارة النفط الّليبي. وعاد سنة 1968م ليستأنف عمله كموثق للعقود ببنغازي. توفي سنة 1984 م، رحمه الله رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته. أنظر إلى النبذة المنشورة كتعريف بالشاعر فِي الغلاف الخلفي لديوانه: (الربيع المتجَدّد)، الصادر عَن (مكتبة قورينا) عام 1975م.

29) الحجامة: المعلومات الواردة عن الحجامة مأخوذة عَن موقع (الحجامة) الذي يشرف عليه عادل بن عبد الفتاح الضلع الباحث الشرعي، وموقع (شبكة سوفت) فِي دراسة تحت عنوان: (ما هي الحجامة).

30) حوار المهير مع البوري: نُشر حوار خالد المهير مع الأستاذ وهبي أحمَد البُوري، تحت عنوان (بنغازي.. روح قلقة بين ضفاف الملح) فِي الموقع الإلكتروني (دروب) بتاريخ 23 فبراير/ شبّاط 2006م.

مَصَادِر وَمَرَاجِع:

م7) الأستاذ إبراهيم عبد العزيز صهّد - مقالة: (أماكن لها تاريخ.. جامع عصمان) – موقع: (ليبَيا المُسْتقبل).
م8) الدّكتور/ محَمّد محَمّد المفتي – كتاب: " هَدْرَزَةُ في بنغازي.. هوية المكان الجَميل" – دار الكتب الوطنيّة فِي بنغازي بليبَيا / الطبعة الأولى 2004م.
م9) الأستاذ فتحي العريبي – مقالة: (رمضان في بنغازي) – موقع: (ليبَيا وطننا)  يوم الجمعة الموافق 11 سبتمبر/ أيلول 2009م. 
م10) الأستاذ عبْدالرَّحمن شلقم – كتاب: ( أشخاص حول القذّافي) – الصّادر عَن (دار الفرجاني) و (دار مدارك) للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى: يناير/ كانون الثاني 2012م. 
م11) نفس المصدر السّابق.

 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
احمد اقصودة
تصحيح لصاحب قهوة فى شارع سيدى سالم صاحب قهوة هو سعيد اقصوده وليس محمد...
التكملة
من سالم قنيبر إلى شكري السنكي ...ا

العزيز إبن الخال شكري السنكي...

وعندما أتصفح هذا العدد من ليبيا المستقبل .. وأجد نفسي في صفحة من صفحاتها .. أكتب ما أريد وأقول وأنا…...
التكملة
بنغازيه اصليه
بصراحه كل مقال لك احسن من سابقه ان شالله في تقدم مستمر...
التكملة
خالد مصطفى مازن
أسف أغنية الفنان محمد الكعبازي كلماتها لبنت الوطن خديجة الجهي من بنغازي الحبيبة رحمهما الله ..تأكدت من ذلك وأرجو التصحيح وشكرا على رحابة صدركم.......
التكملة
خالد مصطفى مازن
شكرا استاذ شكري ..اتابع كل حلقاتك عن معشوقتي الأبدية بنغازي ..قضيت اجمل سنوات العمر في كلية الآداب خلال أواخرالستينات رغم أني طرابلسي المولد والنشأة والاقامة واسرتي لمدة تزيد عن أربعة…...
التكملة