الْصَّادِق شُكْرِي: مُخْتَارَات مِن أَرْشِيْف الْصَّحَافَة.. جِهَاد اللِّيْبِيِّيْن وَدَوْلَة الاسْتِقْلال 14/5/2010 12:52 الْصَّادِق شُكْرِي: مُخْتَارَات مِن أَرْشِيْف الْصَّحَافَة.. جِهَاد اللِّيْبِيِّيْن وَدَوْلَة الاسْتِقْلال
الصادق شكري بحث

مُخْتَارَات مِن أَرْشِيْف الْصَّحَافَة
جِهَاد اللِّيْبِيِّيْن وَدَوْلَة الاسْتِقْلال

 بِقَلَم/ الْصَّادِق شُكْرِي

 14 مايو 2010م يَقُوْل الْسَّيِّد يُوْسُف البندك مُؤَلِّف كِتَاب: (مِن الأُفُق السَّنوُسي) الْصَّادِرَة طَبْعَتِه الْثَّانِيَة فِي أَبْرِيْل/ نَيْسَان 2002م عَن مَرْكِز الْدِّرَاسَات الَلِّيَبِيَّة / أُكْسُفُورْد فِي أَبْرِيْل 2002م عَن لَحَظَات إعْلان الْمَلِك إِدْرِيْس لإسْتِقْلال لِيبَيا، مَا يَلِي: ".. أَتَذَكَّر أَنَّنِي مَضَيْت إِلَى شُرْفَة قَصْر الْمَلِك (قَصْر الْمَنَار بِمَدِيْنَة بَّنْغَازِي) بَعْدَمَا أَنْهَى الْمَلِك كَلِمَة إِعْلاَن الإسْتِقْلال، وَهَنَأْتُه بِهَذَا الْحَدَث السَّعِيْد. أَحْسَسْت فِي حَرَارَة يَدَه اسْتِسْلامَاً لِحِكْمَة الْلَّه فَكَأَنَّمَا شِعْر الْمَلِك إِدْرِيْس بِأَنَّه قَد جَاوَز قِمَّة الأَلَم، وَقِمَم الأَلَم هِي قِمَم الْمَجْد الْحَقِيقَي الَّذِي يُصْبِح الأَلَم مَعَه ذِكْرَى تَنْحَدِر مَع الأَيَّام، وَيَبْقَى الَّذِي صَعِد إِلَى تِلْك الْقِمَّة، وَحِيْدَاً أَقْرَب إِلَى الْسَّمَاءِ مِنْه إِلَى الأَرْض. وَفِى لَحْظَةِ الاِنْتِصَارِ تَكُوْن الْمُتْعَة بِمِقْدَار الأَلَم الَّذِي حَقَّق الْنَّصْر. وَرَد الْمَلِك إِدْرِيْس السَّنوُسي عَلَى تَهْنِئَتِي بِصَوْت خَافِت تَرْتَجِف فِيْه آَمَال جِيْل مُعَذَّب. وَرَأَيْت فِي عَيْنَيْه وَرِعَاً ذَائِبَاً يَكَاد أَن يَتَسَاقَط قَطَرَات... وَلَم أَر فِيْه زَهْوَاً وَلاَ نَشْوَة بِالْعَرْش وَلاَ اسْتِعْلاء عَلَى الْنَّاس، وَإِنَّمَا رَأَيْت إِنْسَانَاً قَد تَجَرَّد فِي زُهْدِه عَن الْزَّمَن نَفْسِه لأِن قَلْبَه كَان مُتَّصِلاً بِالْلَّه..".

 الأمِير إِدْرِيْس الْسَّنوُسي فِي الْنِّصْف الْثَّانِي مِن الْعِشْرِيِّنَات

 مـُقـَدِّمـَة (1)

 أَشْعُر بِشَيْء مِن الْرِّضَا وَالاطْمِئْنَان فِيْمَا يَخُص إِحْيَاء الذَّاكِرَة وَمُسْتَقْبَل الْتَّوْثِيْق فِي بِلادِنَا بَعْد تَصَاعُد الإهْتِمَام بِالْمَادَّة الْتَّارِيْخِيَّة من جانب، وَتَعَاظَم دَوْر الْرَّصْد وَالْتَّسْجِيْل لِمَا يَحْدُث فِي بلادِنَا لَحْظَة بِلَحْظَة من جانب ثاني.

 وَأَشْعُر بِالْطُّمَأْنِيْنَة بِفَضْل الإهْتِمَام الْمُتَزَايِد مِن قَبل الْعَدِيْد مِن الْكُتَّاب وَالْبَاحِثِيْن وَبَعْض مَرَاكِز الْتَّوْثِيْق، بِمَسَائِل تَسْجِيْل حَوَادِث الْسَّاعَة.. وَإِنْعَاش الذَّاكِرَة أَو تَصْحِيْحُهَا.. وَكَشَّف مَا زَوْرَتِه الْسُّلْطَة مِن صَفَحَات تَارِيْخِنَا الْمُشْرِف وَتَسْلِيْط الْضَّوْء عَلَى أَحْدَاث تَم تَغْيِيبُهَا عَمْدَاً، وَشَخْصِيَّات وَطَنِيَّة تَم طَمَس دَوْرَهَا بِقَصْد مِن الْسُّلْطَة وَلِحَاجَة فِي نَفْسِهَا. فَقَد دَأَبَت سَلَطَة سَبْتَمْبَر مُنْذ الاسْتِيْلاء عَلَى الْحُكْم عَام 1969م عَلَى مُمَارَسَة الْتَّزْيِيْف وَالْعَبَث بِكُل شَيْء فِي مُحَاوَلَة تَهْدِف إِلَى نَزَع الْشَّرْعِيَّة عَن الْعَهْد الْمَلَكِي لأِن الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَى الْسُّلْطَة كَان يَعْلَم تَمَام الْعِلْم أَن الْسَّيِّد إِدْرِيْس مَلِك الْبِلاد هُو مِن قَاد الْجِهَاد وَأُعلن الإسْتِقْلال.. وَتَهْدِف إِلَى طَمَس دَوْر الأشْخَاص فِي حَرَكَة الْجِهَاد حَتَّى لا يَكُوْن لِلْشَّعْب اللِّيْبِي رُمُوْزٌ يَفْتَخِر بِهِم وَيَتَّخِذ مِن سِيْرَتِهِم الْقُدْوَة وَالْمَثَل.. وَبِغَرْض جَعَل تَارِيْخ الْوَطَن يَبْدَأ وَيَنْتَهِي عِنْد سَاعَة الإنْقِلاب الْمَشْئُومَة.

 وَمَا يَجِب أَن يُذْكَر هُنَا، أَن حَرَكَة الْتَّفَطُّن بِأَهَمِّيَّة الْتَّارِيْخ وَمَا صَحِبَهَا مِن نِقَاشَات وَمَقَالات ثُم مُذّكِّرِات وَكَتَب وَمُجَلَّدَات، كَانَت الْمُعَارَضَة الَلِّيَبِيَّة فِي الْخَارِج هِي صَاحِبَّة الْمُبَادَرَة وَالْدُّور الأهَم فِيْهَا.. وَأَن حَرَكَة الْتَّأْلِيْف فِي هَذَا الْمَجَال كَان قَد بَدَأَهَا بَعْض اللِّيبِيِّين الْمُقِيْمِيْن بِالْخَارِج: مُصْطَفِي بْن حَلِيْم رَئِيْس وُزَرَاء لِيبَيا الأسْبَق فِي كِتَاب سَجِّل فِيْه مُذَكِّرَاتِه ثُم أَصْدَر كِتَاباً ثَانِيَاً تَحْت عُنْوَان: (لِيبَيا.. انْبِعَاث أُمَّة وَسُقُوْط دَوْلَة).. مُحَمَّد عُثْمَان الْصَّيْد رَئِيْس وُزَرَاء لِيبَيا الأسْبَق فِي مُذَكِّرَات أَعَدَّهَا لِلْنَّشْر الصُّحُفِي طَلْحَة جِبْرِيْل.. مَحْمُوْد الْناكوع فِي كِتَابَيْن سَجِّل فِيْهِمَا أَجْوَاء الْحُرِّيَّة الَّتِي كَانَت سَائِدَة فِي الْعَهْد الْمَلَكِي، وَمَلامِح الْصِّرَاع السِّيَاسِي وَالْثَّقَافِي فِي لِيبيَا الْحَدِيثَة.. عَلَي مُحَمَّد الْصَّلابي فِي كُتُبِه الَّتِي صَدَرَت فِي أَجْزَاء عَن تَارِيْخ الْحَرَكَة الْسُّنوُسيَّة فِي لِيبيَا.

 ثُم تَوَالَت الإصْدَارَات، فَأَصْدَر عَلَي عَبْدِالَّلطِيْف احميدة كتابه الأوَّل تَحْت عُنْوَان: (الْمُجْتَمَع وَالْدَّوْلَة وَالإسْتِعَمَار فِي لِيبيَا) وَالْثَّانِي بِعنوَان (الأصْوَات الْمُهَمَّشة.. الْخُضُوْع وَالْعِصْيَان فِي لِيبيَا أَثْنَاء الاسْتِعْمَار وَبَعْدَه)، وَأَصْدَر مُحَمَّد بَشِيْر المغيربي كِتاباً تَحْت عِنْوَان: (وَثَائِق جَمْعِيَّة عُمَر الْمُخْتَار)، وَأَصْدَر مُحَمَّد الْمِقَرْيِف أَرْبَع مُجَلَّدَات عَن تَارِيْخ لِيبيَا تَحْت عُنْوَان: (لِيبَيا بَيْن الْمَاضِي وَالْحَاضِر.. صَفَحَات مِن تَارِيْخ لِيبَيا السِّيَاسِي) ثم أصدر مجلداً آخراً تحت عنوان: (لِيبَيا.. مِن الْشَّرْعِيَّة الْدُسْتُورِيَّة إِلَى الْشَّرْعِيَّة الْثَّوْرِيَّة)، وَأَصْدَر مِفْتَاح الْسَّيِّد الْشَّرِيِف كتابه الأوَّل تَحْت عنوَان: (السُّنوُسيّة) وَالْثَّانِي بِعنوَان: (لِيبَيا: نَشْأَة الأحْزَاب وَنِضَالاتِهَا)، وَأَصْدَر فَرج عَبْدُالْعَزِيْز نَجْم كِتاباً عَن: (الشّارف الغرياني) وَكَتَيَباً ثَانِياً تَحْت عُنْوَان: (أَبْطَال وَمَلاحِم)، وَأَصْدَر بَشِيْر السِّنِّي وَزَيْر الْدَّوْلَة لِشُئُون رِئَاسَة مَجْلِس الْوُزَرَاء الأسْبَق مُذَكِّرَاتِه فِي كِتَاب تَحْت عِنْوَان: (مُذّكِّرِات شَاهِد عَلَى الْعَهْد الْمَلَكِي اللِّيْبِي)، وَأَصْدَر إِبْرَاهِيْم فَتْحِي عميش في صيف 2008م كِتاباً تَحْت عُنْوَان: (الْتَّارِيْخ السِّيَاسِي وَمُسْتَقْبَل الْمُجْتَمَع الْمَدَنِي فِي لِيبَيا).

 وَفِي نَفْس السِّيَاق، يُذْكَر أَن مُحَمَّد عبده بن غَلْبُوْن كَان قَد أَعَاد طَبَع الْمَجْمُوْعَة الْمُخْتَارَة لِلإمَام مُحَمَّد بْن عَلِي الْسَّنوُسي ثُم نَشَر كِتَاباً بِعُنْوَان: (الْمَلِك إِدْرِيْس.. حَيَاتِه وَعَصْرِه) لِمُؤَلِّفِه دَي كَانَدول بَعْد تَرْجَمَتِه مِن الإنْجِلِيْزِيَّة إِلَى الْعَرَبِيَّة. وَقَامَت مَجْمُوْعَة مِن الإخْوَان الْسَّنوُسيّين فِي الْخَارِج بِإِصْدَار جَدِيْد لِمَجْمُوْعَة (أَوْرَاد الْطَّرِيْقَة الْسَنُوْسِيَّة)، وَكِتَاب: (الأنْوَار الْقُدُسِيَّة فِي مُقَدِّمَة الْطَّرِيْقَة الْسَّنوُسيّة) لِلْعَلامَة الْسَّيِّد أَحْمَد الْشَّرِيف الْسَّنوُسي. وَمَن نَاحِيَة أُخْرَى، قَامَت (مُؤَسَّسَة الْمَنَار) الَّتِي يَرْعَاها الْسَّيِّد مُحَمَّد الْحَسَن الْرِّضَا الْسَّنوُسي، بِإِعَادَة طَبْع وَنَشْر (الْدُّسْتُور اللِّيْبِي لِعَام 1951م) بنُسْخْتِيْه الْعَرَبِيَّة وَالإنْجِلِيْزِيَّة، وَيُضَاف إِلَى ذَلِك، الْعَدِيْد مِن الْدِّرَاسَات وَالْمَقَالات وَالأوْرَاق الَّتِي قُدِمَت فِي نَدَوَات عُقِدَت فِي مُنَاسَبَات وَطَنِيَّة مُخْتَلِفَة، والَّتِي تَحَدَّثَت عَن تَارِيْخ لِيبَيا أَحْدَاثَاً وَشَخْصِيَّات وَذّكَريِات مكان كَالَّتِي خَطَّهَا: عبْدالْحَمِيْد الْبكّوش، فَاضِل الْمَسْعُودِي، إِبْرَاهِيْم عبْدالْعَزِيْز صَهّد، نُوْرِي رَمَضَان الكيخيا، مُحَمَّد بْن غَلْبُوْن، مُصْطَفَى الْبِرَكِي، مُنْصِف البوري، يُوَسُف المجريسي، فَرج عبْدالْعَزِيْز نَجْم، مُحَمَّد بالروين، جُمُعَة القُمَاطِي، الشّارف الغرياني، فرج الْفَاخْري، مُصَدِّق أَحْمَد بُوهِدمة، مُحَمَّد إحداش، بوخزام العَناني، عِيْسَى عبْدالْقَيوم، هشام بن غَلْبُوْن، عُثْمَان الْعَالَم، السُّنوُسي بلاّلة، عبْدالونِيْس مَحْمُوْد الْحَاسِي، فَتَح الْلَّه ابزيو.. وَغَيْرِهِم.

 وَرُبَّمَا يَأْتِي قَبل بَعْض الَّذِي ذَكَر، الْمُؤْتَمَر الْوَطَنِي الَّذِي انْعَقَد بِلَنْدَن خِلال يَوْمِي 25 و26 مِن شَهْر يونِيْه/ حُزَيْرَان مِن عَام 2005م، لأِن نَتَائِج هَذَا الْمُؤْتَمَر ساهمت بطريقة أو أخرى في تَصْعِيْد الاِهْتِمَام بِالْمَادَّة الْتَّارِيْخِيَّة وَحِقْبَة الْعَهْد الْمَلَكِي بِمَا تُمَثِّلُه مِن قَوَانِيِن وَتَّشْرِيْعَات (دُسْتُوْر عَام 1951م) وَمَا حَقَّقَتْه مِن مَفَاخِر وَإِنْجَازَات وَمَا مَثَّلْتَه مِن شَخْصِيَّات وَتَأْتِي شَخْصِيَّة الْمَلِك إِدْرِيْس فِي مُقَدَّمِهَا. فَقَد كَان الْمُؤْتَمَر الْوَطَنِي نُقْطَة تَحُوُل كَبِيْرَة فِي حركة نضال الْقُوَى الْوَطَنِيَّة بِالْخَارِج مِن حَيْث تَبْنِي وسائل الْعَمَل السِّيَاسِي السُّلَمِي، وَالْدَّعْوَة الْقَاضِيَة بِالْعَوْدَة إِلَى دُسْتُوْر عَام 1951م مِن نَاحِيَة أُخْرَى كَوْن هَذَا الْدُّسْتُور بِتَعْديلاتِه الْلاحِقَة يُمَثِّل الْشَّرْعِيَّة الْدُسْتُورِيَّة الْوَحِيدَة حَيْث أَقَرَّتْه وَصَدَّقَت عَلَيْه الْجَمْعِيَّة الْوَطَنِيَّة الْتَّأْسِيْسِيَّة تَحْت إِشْرَاف مَجْلِس الأمَم الْمُتَّحِدَة الْخَاص بِلِيبَيا، وَأَن إِلْغَاء دُسْتُوْر عَام 1951م مِن قَبل سَلَطَة الإنْقِلاب مَا هُو إِلاّ قَرَار تَعَسَّفَى وإِجْرَاء غَيْر شَرْعِي لا يُعْتَد بِه. وَلَعَل فِي الْمُؤْتَمَر الْدُّسْتُورِي الَّذِي عَقَدْتُه مُؤَسَّسَة (أَلْفَا) الَّتِي يَتَرَأَّسُهَا الدُّكْتُوْر مُحَمَّد بوقعيقِيص، بَعْد سَنَة مِن انْعِقَاد الْمُؤْتَمَر الْوَطَنِي، صُوْرَة مِن بَيْن صُوَر ذَلِك الاِهْتِمَام الْمُتَصَاعِد الَّذِي تَحَدَّثْنَا عَنه. فَبمَقر الْمُؤَسَّسَة الْدُسْتُورِيَّة الأمْرِيْكِيَّة الأوْلَى (الْكُونْغِرْس) بِوَاشِنْطن، عقدت مُؤَسَّسَة (أَلْفَا) مُؤْتَمِرَاً دُسْتُوْرِيّاً بِتَارِيْخ 23 - 24 يُوْنْيُو/ حُزَيْرَان 2006م، قَدَّمَت فِيْه أَوْرَاق تَخُص دُسْتُوْر 1951م مِن حَيْث ظُرُوْف الْنَّشْأَة وَالْنُّصُوص وَالْشَرْعِيَّة الَّتِي قَام عَلَيْهَا.

 وَإِنْصَافَاً لِلْوَاقِع وَالْمَنْطِق، فَأَن أَي مُنْخَرِط فِي الشَّأْن الْعَام الِلّيبي أَو سِيَاسِي رَسْمِي مهِمَا فَعَل فَلَن يَكُن بِمَقْدُوْرِه تَجَاوَز فِكْرَة شَرْعِيَّة دُسْتُوْر 1951م وَمَا تَشْهَدُه الْسَّاحَة الَلِّيَبِيَّة فِي مَجَال حَرَكَة إِعَادَة الاِعْتِبَار لِلْتَّارِيْخ. فَقَد تَصَاعُد إِهْتِمَام اللِّيبِيِّين بِالْمَادَّةِ الْتَّارِيْخِيَّةِ فِي الْسَّنَوَات الْعَشَر الأخِيرَة، وَأَصْبَح تَجَاوَب الْنَاس مَع الْمَادَّة الْمَطْرُوْحَة لا يُنْكِرُه إِلاّ الْمُجَافِي لِلْحَقِيْقَة، وَحَالَة الْتَّجَاوُب هَذِه تَدْعُوْنَا بِإِلْحَاح إِلَى مَزِيْد مِن الْبَحْث وَالتَّنْقِيْب وَالْتَّسْجِيْل وَالتَّوْثِيْق.

 وَلاشَك، أَن الإِيْمَان بِمَسْأَلَة الْتَّوْثِيْق يَدَعُوْنَا إِلَى إِعَادَة طَبَع بَعْض الْكُتُب الَّتِي لَم يَعُد لَهْا وَجُوْدَاً فِي الْمَكْتَبَات.. وَتَرْجَمَة أَهَم الإِصْدَارَات الأَجْنَبِيَّة الَّتِي تَخُص تَارِيْخِنَا الْوَطَنِي، إِلَى الْلُّغَة الْعَرَبِيَّة. ولابُد مِن الإعْتِرَاف َفِي هَذَا السِّيَاق بِأَن أَغْلَب الْدِّرَاسَات الْعِلْمِيَّة الْجَادَّة الَّتِي كُتِبَت عَن سُكَّان لِيبَيا وَفَتْرَة الْحُكْم الْعُثْمَانِي لَهَا ثُم جِهَاد الِليبِيِّين ضِد الْمُسْتَعْمِر الإِيطَالِي، كَانَت بِالْلُّغَات الأجْنَبِيَّة. وَرَغِم مَا قَد يُقَال عَن تِلْك الْكِتَابَات مِن غُمُوْض سَاد بَعْض جَوَانِبِهَا أَو الْمَقَاصِد الَّتِي كُتِبَت مِن أَجْلِهَا إِلاِّ أَن مُعْظَمُهَا كَان أَكْثَر إِنْصَافَاً مِن كُتُب عَدِيْدَة صُدِّرَت بِالْلُغَة الْعَرَبِيَّة مِن حَيْث الدَّقَة وَغَزَارَة الْمَعْلُوْمَات وَالإجَابَة عَن أَسْئِلَة هَامَّة تَكْشِف لَنَا الْصُّوَرَة الْعَامَّة بِشَكْل أَوْضَح وُحَصِيْلَة أَوْفَر مِن الْحَصِيلَة الَّتِي قَصَد بَعْض مُؤَلِّفَي تِلْك الْكُتُب أَن نَّعُوْد بِهَا. وَقَد أَكَّد الأسْتَاذ خَلِيْفَة مُحَمَّد التَّلِيسِي عَلَى أَهَمِّيَّة مَا كتبه الأجَانِب عَن لِيبَيا – وَبِعِبَارَات مُتَشَابِهَة مِن الْعِبَارَات الَّتِي سُقْنَاهَا – فِي الْمُقَدِّمَة الَّتِي كَان قَد كَتَبَهَا عِنْد تَرْجَمَتِه لَكِتَاب: (بِرِقَّة الْخَضْرَاء) لِمُؤَلِّفِه الإيطَالِي اتِيلْيو تِروتَسي.

 وَأَكَّد عَلَى نَفْس الْمَعْنَى كذلك الأسْتَاذ عَبْدِالَّلطِيْف الشُّوَيْرِف الأكَادِيْمِي اللِّيْبِي فِي مُقَدِّمَة كِتَاب: (طْرَابْلُس مِن 1510م إِلَى 1850م) لِمُؤَلِّفِه كوستا نزيوُبرنيَا الذِي تَرْجَمَه الأْسْتَاذ خَلِيْفَة مُحَمَّد التَّلِيسِي، فَقَال: ".. لا نَسْتَطِيْع بِأَي حَال أَن نَسْتَغْنِي عَن الْمُؤَلَّفَات الأجْنَبِيَّة الَّتِي كُتِبَت عَن لِيبَيا أَو نُخْرِجَهَا عَن دَائِرَة اهْتِمَامِنَا، بَل أَنَّنَا لا نَجِد الْمُنْطَلَق إِلاّ مِن تِلْك الْكُتُب، وَلا نَهْتَدِي فِي سَيْرِنَا إِلاّ عَلَى الْقَبَسات الَّتِي أَشِعَّتُهَا، فَهِي الْمَصَادِر الْرَّئِيْسِيَّة الَّتِي نَرْجِع إِلَيْهَا، وَهِي الإشَارَات الَّتِي سَبَق وَضَعَهَا فِي الْطَّرِيْق أَمَامَنَا، وَالَّتِي لابُد لِكُل سَائِر فِيْه أَن يَتَرَسَّمُهُا وَيَعْتَمِد عَلَيْهَا، رَغِم كُل الْمَسَاوِيَء الَّتِي قَد تَنْطَوِي عَلَيْهَا، وَرَغْم الأهْدَاف الْشَخْصِيَّة الَّتِي قُصِدَت مِن وَرَائِهَا..".

 وَفِي سِيَاق أُخَر، لابُد مِن الإشَارَة إِلَى الجُهُوّد الْفَرْدِيَّة الْمُبَارَكّة الَّتِي بُذِلَت سابقاً فِي اتِّجَاه الْتَّرْجَمَات - وَإِن كَانَت قَلِيْلَة - فَهِي تَسْتَحِق الإشَارَة بَل الإشَادَة وَالإكْبَار. وَقَد كَان الأسْتَاذ خَلِيْفَة مُحَمَّد التَّلِيسِي (9 مَايُو/ أَيَّار 1930م – 13 يَنَايِر/ كَانُوْن الْثَّانِي 2010م) مِن بَيْن هَذِه الْقِلَّة الْمُتَمَيِّزَة الَّذِيْن تَصَدَّوْا مُبَكِّرَاً لِتَرْجَمَة الْكُتُب الإِيطَالِيَّة إِلَى الْعَرَبِيَّة.

 تُرْجِم التَّلِيسِي عَن الإِيطَالِيَّة أَكْثَر مِن عَشْرَة كُتِب، وَمِن أَهَم تَرْجَمَاتِه: "لِيبَيا مُنْد الْفَتْح الْعَرَبِي حَتَّى سَنَة 1911م".. "سُكَّان طَرَابُلِس الْغَرْب".. "طْرَابْلُس مِن 1510م إِلَى 1850م".. "لِيبَيّا أَثْنَاء الْحُكْم الْعُثْمَانِي".. "مُذّكِّرِات جِيُولَتِي".. "نَحْو فَزَّان".. "بِرِقَّة الْخَضْرَاء".. وَغَيْرِهَا.

 وَقَد قَدَّم التَّلِيسِي إِلَى جَانِب تَرْجَمَاتِه الْتَّارِيْخِيَّة، الْعَدِيْد مِن الْتَّرْجَمَات الأدَبِيْة عَن الإيطَالِيَّة إِلَى الْعَرَبِيَّة، وَكَان وَاحِدَاً مِن رُوَّاد هَذَا الْمِضْمَار. وَلِذَا، كَرَم الْمُؤْتَمَر الْدَّوْلِي لِلْتَّرْجَمَة بِالْقَاهِرَة الَّذِي افْتَتَحَه فَارُوْق حُسْنِي وَزَيْر الْثَّقَافَة الْمِصْرِي صَبَاح يَوْم 28 مَارَس/ آَذَار 2010م، التَّلِيسِي ضِمْن تِسْعَة (9) أَسْمَاء مَن بُلْدَان مُّتَفَرِّقَة مِن الْعَالَم، لأِنَّهُم الأبْرَز عَلَى صَّعِيْد إِثْرَاء الْتَّرْجَمَة وَقَضَايَا الْحِوَار الْثَّقَافِي.

 وَفِي إِطَار التَّجْمِيْع مِن جِهَة، وَإِعَادَة طَبْع الْكُتُب مِن جِهَة أخرى، لابُد أَن أُشَيْر إِلَى مُبَادِرَّتَين كَانَتَا مِن بَيْن أَهَم الأعْمَال فِي هَذَا الاتِّجَاه، وَهُمَا: كِتَاب: (زَيْت الْقَنَادِيْل: رَشَاد الْهوَنِي.. سِيْرَة وَنُصُوْص)، وَكِتَاب: (السُّنوُسيّة دِين وَدَولةُ).

 جَمْع الأُسْتَاذ سَالِم حُسَيْن الْكبتي فِي كِتَابِه: (زَيْت الْقَنَادِيْل) إِنْتَاج الأُسْتَاذ رَشَاد الْهوَنِي (1937م – 1993م) الأَدَبِي وَعُصَارَة مَقَالاتُه الْصُحُفِيَّة الَّتِي اخْتَطَّهَا بِمِهَنِيَّة عَالِيَة وَقَلَّم رَشِيْق خُصُوْصَا مَا نَشَرَه فِي صَحِيْفَة (الْحَقِيقَة) الَّتِي تَرَأَّس تَحْرِيْرِهَا، وَالَّتِي اسْتَمَرَّت فِي الْصُّدُوْر مِن تَارِيْخ تَّأْسِيْسِهَا عَام 1964م إِلَى تَارِيْخ إِيْقَافُهَا بِقَرَار مِن الْنِّظَام الإِنْقْلابي فِي مَطْلَع عَام 1972م. وَبِهَذَا الْكِتَاب الْصَّادِر عَام 2006م، أَضَاف الْكبتي كِتَاباً هَامّاً لِلْمَكْتَبَة اللِّيبِيّة، وَحَافِظ عَلَى إِنْتَاج أَدِيْب وَصَحَفِي كَبِيْر سجَّلت كِتَابَاتِه جَوَانِب مُخْتَلِفَة مِن حَيَاة اللِيبِيِّين مِن مِّنْتَصَف الْخَمْسِيْنِيَّات حَتَّى مُنْتَصَف الْسَبْعِينِيَّات.. وَحِقْبَة هَامَّة مِن تَارِيْخ الْوَطَن بِكُل مَا اعِتُرَهَا مِن إِيجَابِيَات وَسِلْبِيَّات. وَالْحَقِيْقَة الَّتِي لا مِرَاء فِيْهَا، أَن مَا يَنْشُر خِلال فَتْرَة زَمَنِيَّة يُعَبِّر عَن مَا اتَّسَمَت بِه مِن إِنْجَازَات وَإخَفَاقَات.. شُؤُوْن وَشُجُوْن.. آَلام وَأَحْلام.. صِرَاعَات وَسِجَال، وَفِي ذَلِك مُعَيَّن لِلْبَاحِث وَالْمُؤَرِّخ عَلَى حَد سَوَاء.

 وَلَوْلا إِقْدَام الْكبتي عَلَى هَذِه الْخِطَّوَة الَّتِي تَسْتَحِق الإِشَادَة، كَان مِن الْمُمْكِن أَن يُضَيِّع الإِنْتَاج الصُّحُفِي لَرَّشَاد الْهوَنِي الَّذِي سَجِّل قَلِمَه أَحْدَاث وَمَوَاقِف وَحِكَايَات سلطَت الْضَّوْء عَلَى مُشْكِلات إِجْتِمَاعِيَّة عَاشَهَا الْمُجْتَمَع اللِيبِي فِي عَهْد تَأَلَّق قَلِمَه. وُبِتَجَمِيع هَذِه الْمَقَالات الَّتِي أَصْبَحَت الْيَوْم ذَات أَهَمِّيَّة تَارِيْخِيَّة خَاصَّة، يَكُوْن الْكبتي قَد وضع بَيْن أَيْدِي الْبَاحِثِيْن وَالْمُؤَرِّخِيْن وَالْقُرَّاء مَادَّة مُفِيْدَة رُبَّمَا سَتَكُوْن مُصَدِّراً رَئِيْسِيَّاً عِنْد تَنَاوُل مَوْضُوْعَات بِعَيْنِهَا.

هذا، وَقَد سَبَق لِلأسْتَاذ سَالِم حُسَيْن الْكبتي أَن جَمَع فِي عَام 2001م مَا كَتَبَه الأسْتَاذ الْصَّادِق الْنَّيْهُوم (1937م – 1994م)، مِن مَقَالات نَشَرَهَا فِي الْصَحَافَة اللِّيبِيّة بِالإِضَافَة إِلَى بَعْض مِن رَسَائِلِه الْخَاصَّة إِلَى أَصْدِقَائِه، فِي كِتَاب تَحْت عِنْوَان: (طُرُق مُغَطَّاة بِالْثَّلْج). وَالْصَّادِق الْنَّيْهُوم كَاتِب أثارت آرَائِه جَدَلاً وَاسْعَاً وَخِلافَات لا حَد لَهَا، وَأَسَرَت أَفْكَارَه وَأَسْلُوبِه فِي الْكِتَابَة الْكَثِيْرِيْن لِدَرَجَة أَن بَعْضَهُم أَصْبَح نَّيهوميّاً أَكْثَر مِن الْنَّيْهُوم نَفْسِه. وَيُذْكَر أَن الْنَّيْهُوم بَرَز كَكَاتِب فِي زَمَن صُعُوْد نَجْم الاشْتِرَاكِيَّة وَالْفِكْر الْقَوْمِي فِي وَقْت تُراجع فِيْه بَرِيْق الإسْلامِيِّين وَأَفْكَارُهُم لِدَرَجَة أَن بَعْضَهُم حَاوَل الْرُّبُط بَيْن الإِسْلام وَالاشْتِرَاكِيّة مِن جِهَة وَبَيْن الإِسْلام وَالْقُوَّمِيَّة الْعَرَبِيَّة مَن جِهْة أُخْرَى، وَفي الْكُتُب الْصَّادِرَة طَوَال الْفَتْرَة الْمُمْتَدَّة مِن الْسِتِّينِيَات إِلَى مُنْتَصَف الْسَبْعِينِيَّات الْدَّلِيل وَالْشَّاهِد عَلَى ذَلِك.

وَفِي عَام 2008م، أَصْدَر الكبتي كِتَاباً آخُرَاً عَن الْنَّيْهُوم تَحْت عُنْوَان: (الْرَّمْز فِي الْقُرْآَن). وَقَد جَمَع فِي هَذَا الْكِتَاب دِرَاسَة للنَّيُهُوْم فِي سِلْسِلَة مِن الْحَلَقَات نَشَرَهَا فِي صَحِيْفَة (الْحَقِيقَة) عَلَى مَدَى أَسَابِيْع فِي شَهْرِي يُوَلْيُو/ تَمُّوْز وسَبْتَمْبّر/ أَيْلُوْل 1967م ثُم تَوَقَّف عِنْد الْحَلْقَة الْسَّابِعَة بَعْد حَمْلَة انْتِقَادَات وَاسِعَة قَادَهَا أَئِمَّة الْمَسَاجِد مِن عَلَى مَنَابِرَهُم، وَرَد الْجَامِعَة الإسْلامِيَّة الْمَطَالِب بِإِيْقَاف نُشِر هَذِه الْدِّرَاسَة، فِي كُتَيِّب صَدَر عَن الْجَامِعَة مُكّوِن مِن (11) إحْدَى عَشَرة صَفْحَة ثُم نَشَرَت الْجَامِعَة هَذَا الرَّد عَلَى حَلَقَات فِي صَحِيْفَة (طَرَابْلُس الْغَرْب). وَإِلَى جَانِب إِعَادَة نَشْر الْدِّرَاسَة، أَرْفَق الْكبتي مَعَهَا الْحِوَارَات الَّتِي تَمَّت حَوْلَهَا وَالْرُّدُوْد الْنَاقِدَة لِلَّدِّرَاسَة الْمَنْشُوْرَة فِي الْصَحَافَة اللِّيبِيّة وَقْتَئِذ. وَيُسَجَّل هَذَا الْكِتَابُ، أَجْوَاء الْحُرِّيَّة الَّتِي كَانَت سَائِدَة فِي لِيبَيا آَنَذَاك، وَمَدَى تُسَامِح الْمُجْتَمَع اللِيبِي وَقَبُوْل الْنُّخْبَة بِحَق الاِخْتِلاف فَيُؤَكِّد الْكبتي عَلَى هَذَا بِقَوْلِه: ".. لُوْحِظ فِي حِيْنِه، بِأَن بَعْض الْرُّدُوْد – عَلَى شِدَّتِهَا – لَم تُتَّهَم الْنَّيْهُوم بِالْكُفْر أَو تَرْمِيَه بِالْزَّنْدَقَة وَالإلْحَاد، وَلَم تُطِالِب بِتَقْدِيْمِه لِلْمُحَاكَمَة، وَلَم يَتَبَرَّع أَحَد بِالْدَّعْوَة إِلَى إِهْدَار دَمُه وَإِقَامَة الْحَد عَلَيْه!.

وَمَن جِهَة ثَانِيّة، لَم يُضْطَهَد الْنَّيْهُوم أَو يُمْنَع مِن الْكِتَابَة، وَلَم تُصادَر بَقِيَّة مَقَالاتُه، وَلَم يُسْحَب مِنْه جَوَاز سَفَرِه أَو يُوْضَع اسْمُه فِي (الْقَائِمَة الْسَّوْدَاء)، بَل اخْتِيْر عُضْوَاً فِي وُفُوْد أَدَبِيَّة لِيْبِيَّة لِلْمُشَارَكَة فِي مُؤْتَمَرَات وَنَّدَوَات فِي الْدَّاخِل وَالْخَارِج..".

وَالْمُبَادَرَة الْثَّانِيَّة، قَام بِها الأسْتَاذ يُوَسُف الْمجريِسي رَئِيْس مَرْكَز الْدِّرَاسَات اللِّيبِيّة – أُكْسُفُورْد حِيْنَمَا أَعَاد طِبَاعَة كِتَاب: (السُّنوُسيّة دِيْن وَدَوْلَة)، لِمُؤَلِّفِه الدُّكْتُوْر مُحَمَّد فُؤُاد شُكْرِي، الْصَّادِرَة طَبْعَتِه الأوْلَى عَام 1948م، وَهُو كِتَاب يُعَد مِن أَهَم مَرَاجِع الْتَّارِيْخ اللِيبِي خُصُوْصَاً (السُّنوُسيّة)، حَيْث يُسَجِّل الْكِتَاب أَهَم مَحَطّات الْتَّارِيْخ اللِيبِي لأِكْثَر مِن مِائَة وَخَمْسِيْن عَامّاً، وَيُؤَرَّخ للسُّنوُسيّة مُنْذ ولادَتِهَا عَلَى يَد مُؤَسِّسِها السِّيّد مُحَمَّد بِن عَلَي السُّنوُسي شِتَاء عَام 1787م إِلَى سَاعَة هَزِيْمَة إِيْطَالِيَّا وَرُجُوْع الْسِّيِّد إِدْرِيْس السُّنوُسي صَيْف عَام 1944م مِن مَنْفَاه فِي مِصْر إِلَى لِيبَيا.

وَيُذَكِّر أَن الْكِتَاب لِم تُصَدِّر مِنْه إِلاّ طَبْعَة وَاحِدَة قَبْل إِصْدَار طَبْعَتِه الْثَّانِيَّة الْمُحَقَّقَة عَام 2005م رَغْم أَهَمِّيَّتِه وَانْقِضَاء الْفَتْرَة الْخَاصَّة لِحِفْظ حُقُوْق الَنّشِر، وَلَم يَكُن مُتَوَفِّرَاً فِي الأسْوَاق وَالْمَكْتَبَات الْعَامَّة وَلا يُوْجَد مِنْه إِلاّ نُسِخ مَعْدُوْدَة – لِلإطْلاع فَقَط – فِي الْمَكْتَبَات الْعَالَمِيَّة.

وَبِهَذَا يَكُوْن الْمَرْكَز قَد قَدَّم بِإِصْدَارِه لِلطَبَعَة الْثَّانِيَّة مِن كِتَاب: (السُّنوُسيّة دِيْن وَدَوْلَة) خِدْمَة جَلِيْلَة لِلْدَّارِسِيْن وَالْبَاحِثِيْن، وَسَاهِم الْمجريِسي رَئِيْس الْمَرْكَز مِن خِلال هَذَا الإِصْدَار وَغَيْرِه مِن الْكُتُب الْمَعْنِيَّة بِالْتَّارِيْخ اللِيبِي بِالإِضَافَة إِلَى أنْشِطَةِ الْمَرْكَز الْمُتَنَوِّعَة ذَات الْصِّلَة بِإِنُعَاش الذَّاكِرَة وَكُل مَا يَخُص تَارِيْخِنَا الْوَطَنِي، فِي تصعيد الإهْتِمَام بِالْمَادَّة الْتَّارِيْخِيَّة وَتَنْشِيْط الذَّاكِرَة اللِّيبِيّة وَتَسْلِيْط الْضَّوْء عَلَى أَحْدَاث وَشَخْصِيَّات وَطَنِيَّة تَم تَغْيِيبُهَا عَمَدَاً مِن قَبْل سَلَطَة الإنْقِلاب.

وَيُذْكَر أَن مَرْكَز الْدِّرَاسَات اللِّيبِيّة، كَان قَد أَعَاد فِي صَفَر 1423هَجْرِي الْمُوَافِق أَبْرِيْل/ نَيْسَان 2002م طِبَاعَة كِتَاب نادِر أَلَّفَه الأسْتَاذ يُوَسُف عِيْسَى البندك، وَأَصْدِرُه بِتَارِيْخ 28 رَمَضَان 1374هَجْرِي الْمُوَافِق 20 مَايُو/ أَيَّار 1955م. وَهَذَا الْكِتَاب يُعَد شَهَادَة صَادِقَة فِي شَخْص الْمَلِك إِدْرِيْس لا نِفَاق فِيْهَا وَلا رِيَاء، وَهِي شَهَادَة جَاءَت عَلَى لِسَان رَجُل فِلَسْطِيْنِي، تَوَثَّقْت عَلاقَتَه مَع الْمَلِك قُبَيْل الاسْتِقلال وَاسْتَمَرَّت عَبْر الْسِّنِيْن حَيْث وَصَل البندك إِلَى لِيبَيا ضِمْن أَعْضَاء وَفْد الأمَم الْمُتَّحِدَة وَعَمِل كَمُتَرْجِم لِلْسِّيِّد إِدْرْيَان بَلَّت. كَمَا أَصْدَر الْمَرْكَز عِدَّة كُتِب أُخْرَى فِي سِلْسِلَة مِن الْمُجَلَّدَات سُطِّرَت فِيْهَا صَفَحَات مِن تَارِيْخ لِيبَيا السِّيَاسِي.

وَمن جهة أخرى، لابُد لَنَا أَن نُذَكِّر كذلك الْجَهْد الْهَام الْمَبْذُول مِن قَبْل مَرْكَز جَهَاد الِليبِيِّين لِلَّدِّرَاسَات الْتَّارِيْخِيَّة فِي طَرَابُلُس بِرِئَاسَة الّسِّيّد مُحَمَّد الْجرارِي، الْمَرْكَز الَّذِي قَام بِجَمْع أَعْدَاد مَهُوْلَة مِن الْوَثَائِق.. وَاشْتَغَل لَسَنَوَات طَوِيْلَة عَلَى قَوَائِم جَمْع فِيْهَا أَسْمَاء الْشُّهَدَاء وَالْمُجَاهِدِيْن وَمَن نَفَتْهُم إِيْطَالِيَّا إلى جزرها المعزولة.. وَعَمِل عَلَى تَدْوِيْن الْرِّوَايَة الْشَّفَهِيَّة أَو الْتَارِيْخ الْشِّفَاهِي.. وَجَمَع الْقَصَائِد الْشَّعْبِيَّة الَّتِي صوِّرت مَشَاهِد وَأَحْدَاث مُخْتَلِفَة مِن جَهَاد الِليبِيِّين.. وَأَصْدَر الْعَدِيْد مِن الْدِّرَاسَات وَالْتَّرْجَمَات كَمَا قَام بِإِعَادَة إِصْدَار بَعْض الْكُتُب الْمُتَرَجَّمَة وَالَّتِي يَأْتِي فِي مُقَدِمَتِهَا كِتَاب: (إِعَادَة إِحْتِلال فَزَّان) لِمُؤَلِّفِه الْجِنّرَال روَدلِفُو غَراتْسْيَانِي RODOLFO GARZIANI.

وَلا شك، أَن الْجَهْد الْمَبْذُول فِي اتِّجَاه الْتَّوْثِيْق وَإِحْيَاء الذَّاكِرَة وَإِنّعَاشَهَا مُقَدَّراً مثمناً ولكن لازلنا نراه أقل بكَثِيْر مِمّا هُو مِأمُول إِنْجَازُه فِي هَذَا الاتِّجَاه. وَعَلَيْه، نُؤَكِّد عَلَى ضَرُوْرَة تَكَاتَف جَمِيْع الْجُهُوْد لأِجْل تسليط الضوء على مناطق وأحداث وشخصيّات لم يسلط الضوء عليها بقدر كافي أو لم يسلط أساساً الضّوء عليها.. وَإِنْجَاز الْمَزِيْد مِن الْمَطْبُوْعَات، فَهُنَاك الْعَدِيْد مِن الْكُتُب تَحْتَاج إِلَى إِعَادَة إِصْدَار، وَمِن تِلْك الْكُتُب عَلَى سَبِيِل الْمِثَال لا الْحَصْر: مَجْمُوْعَة الْكُتُب: (السُّنوُسي الْكَبِيْر، الْمَهْدِي السُّنوُسي، بِرِقَّة الْعَرَبِيَّة أَمْس وَالْيَوْم، إِدْرِيْس السُّنوُسي، عُمَر الْمُخْتَار) الَّتِي أَصْدَرَهَا الْمُؤَرِّخ اللِيبِي مُحَمَّد الْطَّيِّب الأشْهَب.. وَكِتَاب: (مِيْلاد دَوْلَة لِيبَيّا الْحَدِيثَة) الْمُكّوَّن مِن مُجَلَّدَيْن لِمُؤَلِّفِه الدُّكْتُوْر مُحَمَّد فُؤُاد شُكْرِي.. وَكِتَاب: (لِيبَيا الحديثة) لِمُؤَلِّفِه الدكتور مجيد خدوري وَتَرْجَمَه الدكتور نقولا زيادة ومراجعة الدكتور ناصر الدّين الأسد.. وَكِتَاب: (أَيَّامِي فِي لِيبَيا) لِمُؤَلِّفِه الأدِيْب محَمَّد فَرِيْد أَبُو حَدِيْد.. وَكِتَاب: (نَحْو فَزَّان) لِمُؤَلِّفِه الْجِنّرَال رَوَدَّلـفَو غَراتْسْيَانِي وَتَرْجَمَه الأسْتَاذ طَه فـَوزي.. وَكِتَاب: (رَفَع الْسِّتَار عَمَّا جَاء فِي كِتَاب عُمَر الْمختَار) لِمُؤَلِّفِه الْشَّيْخ مُحَمَّد الأخْضَر العِيسَاوِي.. تَأْثِيْر اللِيبِيِّين فِي الحَضَارَّتَين الْمِصْرِيَّة وَالْيُوْنَانِيَّة وَتَأَثُّرِهِم بِهِمَا، ضِمْن كِتَاب: (لِيبَيا فِي الْتَّارِيْخ) لِمُؤَلِّفِه الأسْتَاذ مُحَمَّد مُصْطَفَى بَازَامه.. وَغَيْرِهَا الْكَثِيْر مِن الْكُتُب الْنَّادِرَة الْهَامَّة الَّتِي لَم تَعُد مَوّجُوْدَة على أَرْفُف الْمَكْتَبَات.

وَفِي السِّيَاق نَفْسِه، أَتَمَنَّى أَن تُسْرِع الْنُّخْبَة اللِّيبِيّة فِي الْمِهْجَر، فِي إِنْشَاء مَرْكِز يَهْتَم بِتَرْجَمَة الْكُتُب الَّتِي تَخُص لِيبَيا وَتَحَفَّل بِهَا الْمَكْتَبَات الْعَالَمِيَّة، وَالَّتِي لَم تُتَرْجِم حَتَّى الآن إِلَى الْعَرَبِيَّة رَغِم أَنَّهَا صَدَرَت مُنْذ عُقُوْد مَضَت.

وَبِصِفَة عَامَّة، تُعْتَبَر الْتَّرْجَمَة مِن لُغَات أُخْرَى إِلَى الْلُّغَة الْعَرَبِيَّة، وَتَرْجَمَة أَهَم الإْصْدَارَات الْعَرَبِيَّة إِلَى لُغَات أُخْرَى، نَافِذَة هَامَّة لِلْثَقَافَة الْعَرَبِيَّة عَلَى الْثَّقَافَات الأخْرَى، وَعَامِل مُسَاعِد فِي تَوْثِيْق عُرَى الْصَّدَاقَة بَيْن الْحَضَارَات وَالْبُلْدَان الْمُخْتَلِفَة، بِالإضَافَة إِلَى كَشْف حَقَائِق الْمَاضِي وَالتَّعَرُّف عَلَى الْحَاضِر بِشَكْل يُفِيْد الْمُسْتَقْبَل وَطُرُق الْوُصُول إِلَيْه.

وَلَيْس هُنَاك أَدْنَى شَك فِي كَوْن الْتَّرْجَمَة ذَات أَهَمِّيَّة خَاصَّة فِي حَرَكَة الْنَّهْضَة الْشَّامِلَة فهي مِن الأسُس الْرَّئِيْسِيَّة الَّتِي يُعْتَمَد عَلَيْهَا فِي عَمَلِيَّات الْتَّنْمِيَّة وَالْتَّطَوُّر، ولذَا أُطْلِق الأسْتَاذ تَيْسِيْر الْشَّامِي الْخَبِيْر الاسْتَشَارِي لِلُّغَات بِالأمَم الْمُتَّحِدَة، دَعْوَة هَامَّة إِلَى الْمَسْئُوْلِيْن فِي الْدُّوَل الْعَرَبِيَّة بضرورة أَن ".. تَتَحَوَّل حَرَكَة الْتَّرْجَمَة مِن نَشَاط هَامِشِي فِي الْمُجْتَمَعَات الْعَرَبِيَّة إِلَى صِنَاعَة حَقّيِقِيَّة..".

وَمَن الْمَعْلُوْم، أَن الأجَانِب الَّذِيْن كَتَبُوْا عَن لِيبَيا كَانُوْا قَد سَّجَّلُوا الأحْدَاث الْكُبْرَى الَّتِي عَصَفَت بِبْلادْنَا وَبُلْدَان عَالَمِنَا الْعَرَبِي وَالإْسْلامِي، وَرَصَدُوا مُعْظَم الْمَعَارِك الَّتِي دَارَت فَوْق أَرْضِنَا اللِّيبِيّة، وَوَثِقُوا مُخَطَّطَات الْمُسْتَعْمِر وَأَهَدَافِه الْعَسْكَرِيَّة مِن جِهَة وَمَن جِهَة ثَانِيّة مَوَاقِف الْقَادَة الْوَطَنِيّين ضِد الْغَازِي الإيطَالِي وَحَرَكَة الْمُقَاوَمَة الْوَطَنِيِّة الَّتِي أُجْبِرَت الإيطَالِيُّون عَلَى التَّرَاجُع فِي مَوَاقِع كَثِيْرَة. هَذِه الْكُتُب هَامَّة جَدَّاً، وَأَهَمِّيَّتِهَا تَزْدَاد دَرَجَات وَدَرَجَات فِي ظِل الْظُرُوْف الْرَّاهِنَة لِلْقَضِيَّة الَلِّيَبِيَّة، وَهَذَا مَا يَدَعُوْنَا إِلَى دَعْوَة الْنُّخْبَة الَلِّيَبِيَّة فِي الْمِهْجَر إِلَى تَّأْسِيْس مَرْكَز يَهْتَم بِتَرْجَمَة مَا كَتَبَه الأَجَانِب عَن تَارِيْخِنَا الْوَطَنِي. وَلا شَك، أَن هُنَاك جُهَوَدَاً فَرْدِيَّة مُبَارَكَة بَذَلْت فِي اتِّجَاه الْتَّرْجَمَات تَسْتَحِق الإِشَادَة وَالإكْبَار، وَلَكِن مَا نَدْعُو إِلَيْه هُو بَلْوَرَة هَذَا الْعَمَل الْهَام الْجَلِيْل فِي إِطَار جَمَاعِي مُنَظَّم أَي عَمَل مُؤَسَّسِي تَتَبَنَّاه هَيْئَة مُخْتَصَّة. فَالْعَمَل الْجَمَاعِي الْمُنَظَّم الْقَائِم عَلَى الْتَأْهِيْل وَالْمِهَنِيَّة سَتَكُوْن لَه نَتَائِج هَائِلَة عَظِيْمَة، فَتَرْجَمْت الْمُؤَلَّفَات الأجْنَبِيَّة الَّتِي كُتِبَت عَن لِيبَيا سَيُبَيِّن لَنَا مَكَامِن الْقُوَّة وَمَوَاطِن الْضَعْف الَّتِي أَدَّت إِلَى انْتِكَاسَة الأمَّة.. وَسَيُسَاهُم فِي إِبْرَاز الْحَقِيقَة.. وَسِيُشَكل ضَمَانَة مِن بَيْن الْضَّمَانَات الْهَامَّة لإنجاح الْمَشْرُوْع الْوَطَنِي الَّذِي نَسْتَهدفُه.

وَعَن أَهَمِّيَّة الْتَّرْجَمَة، جَاء عَلَى لِسَان الأسْتَاذ عَبْدِالَّلطِيْف الشُّوَيْرِف، مَا يَلِي: ".. تَنْبَثِق أَهَمِّيَّة الْدَّعْوَة إِلَى ضَرُوْرَة الْقِيَام بِتَرْجَمَة الْمُؤَلَّفَات الأجْنَبِيَّة الَّتِي كُتِبَت عَن لِيبَيا أَو تَرْجَمَة الأهَم مِنْهَا حَتَّى تَكُوْن مَرَاجِع مَيْسَرَة لَدَى الْدَّارِسِيْن وَالْبَاحِثِيْن مَن أَصْحَاب الْتَّخَصُّص، وَمَصَادِر تَسْتَقِي مِنْهَا طَبَقَة الْمُثَقَّفِيْن وَمُحِبُّو الإطِّلاع، الْمَعْلُوْمَات عَن بِلادِهِم وَشُؤُون وَطَنِهِم.. وَالْمَعْرِفَة بِكُل الْجَوَانِب الْمُضِيئَة وَالْقَاتِمَة فِي مَاضِيَهُم.. وَأَسْبَاب الْضَعْف وَالْوَهْن الَّتِي أَدَّت إِلَى انْتِكَاسَة أُمَّتِهِم وَوُقُوْعِهَا ضَحِيَّة لِمَطَامِع الطَّامِعِيْن وَجَشَع الْمُغَامِرِين..".

وَمَن الْمُمْكِن تَوْسِيْع دَائِرَة إِهْتِمَام الْمَرْكَز فِيْمَا بَعْد إِلَى أَكْثَر مِن ذَلِك إِذَا مَا سَمَحْت الإمْكَانِيَّات الْمُتَاحَة بِهَذَا، كَتَرْجَمّة الْوَثَائِق وَمَا رَصَدَتْه الْصَّحَافَة الأوْرُبِّيَّة الْمُحايَدّة مِن وَقَائِع وَأَحْدَاث مُتَعَلِّقَة بِفَضَائِح الاسْتِعْمَار الإيطَالِي فِي لِيبيَا، وَحَوْل رَصَد الْصَّحَافَة الأَوْرُبِّيَّة لأِحْدَاث الْتَّارِيْخ اللِّيْبِي كَانَت الدُّكْتُوْرَة أَم الْعِز الْفَارِسِي – نُقْلاً عَن مَوْقِع لِيبَيا الْيَوْم – قَد ذُكِرَت فِي نَدْوَة عُقِدَت مَسَاء 21 أَبْرِيْل/ نَيْسَان 2010م بِمَدِيْنَة دَرْنَة تَحْت عُنْوَان: (نَقْد الْكِتَابَة الْتَّارِيْخِيَّة فِي لِيبيَا) بمَهْرْجَان الأسْطَى، مَا يَلِي: ".. عَلَى سَبِيِل الْمِثَال رُصِدَت الْصَّحَافَة الألْمَانِيَّة وَالسْوَيدِيّة الْكَثِيْر مِن الْوَقَائِع وَالأحْدَاث الْمُتَعَلِّقَة بِفَضَائِح الاسْتِعْمَار الإيطَالِي، إِلاّ أَن الْتَّارِيْخ اللِّيْبِي لَم يُعْنَى بِهَا، وَبِالتَّالِي فِي تَارِيْخ لِيبيَا الْكَثِيْر مِن الأسْئِلَة الَّتِي لَم نَبْحَث عَنْهَا حَتَّى الآْن..".

وَمِن هُنَا، َنُؤَكِّد عَلَى ضَرُوْرَة بَذْل جُهْد إِضَافِي لِتَجْمِيْع الْمَقَالات الَّتِي نُشِرَت فِي الْصَحَافَة مُنْذ عَدَّة عُقُوْد لأِن بَعْضَهَا لا يَقُل فِي أَهَمِّيَّتِه عَمَّا صَدَرَ فِي بَعْض الْكُتُب الْهَامَّة وَالمُجَلَّدَات. فلا شَك أن الْكُتُب الَّتِي صَدَرَت عَن تَارِيْخِنَا الْوَطَنِي مُنْذ عَدَّة عُقُوْد – وَإِن كَان بَعْضُهَا فِي حَاجَة إِلَى إِعَادَة طَبْع الآن – هِي أَقَل عُرِضة لِلْضَّيَاع مُقَارَنَة بِالْكِتَابَات الَّتِي تَم نَشَرَهَا فِي الْصَحَافَة!، وَلِذَا نَدْعُو إِلَى تَجْمِيْعَهَا وَإِعَادَة نَشَرَهَا ثُم إِصْدَارِهَا فِي كُتُب، فهذا مَسْعَى نَبِيّل يَخْدِم قَضَايَا الْوَطَن حَاضِرَاً وِمُسْتَقْبَلاً دُوْن أَدْنَى شَك.

وَلا شَك فِي أَن لِلْصِّحَافَة أَهَمِّيَّة لا غِنَى عَنْهَا عِنْد تَنَاوُل مَادَّة الْتَّارِيْخ، وَأَن فِيْهَا مَا يُغَطِّي فَرَاغَات لا يَجِد الْبَاحِث وَالْمُؤَرِّخ سَبِيِلاً لِسَدِّهَا إِلاّ فِي سِجِلاّتِهِا. وَمِن هُنَا، نُؤَكِّد عَلَى أَن الْحِوَارَات الْصُحُفِيَّة وَالْمَقَالات الَّتِي كُتِبَت فِي فَتْرَة جِهَاد اللِيبِيِّين ضِد الْمُسْتَعْمِر الإيطَالِي ثُم إِبَّان مَرْحَلَة تَّأْسِيْس الْدَّوْلَة اللِّيبِيّة تَحْت تَاج الْمَلِك إِدْرِيْس السُّنوُسي، تُلْقِي الْضَوْء عَلَى رِحْلَة كِفَاح، وَبُطُوْلَة رِجَال، وَحِكَايَة إِنْجَاز بَدَأَت مُنْذ الْيَوْم الأوَّل مِن إِعْلان الإسْتِقْلال فِي الْرَّابِع وَالعِشْرِيْن مِن دِيْسَمْبِر/ كَانُوْن الأوَّل مِن عَام 1951م وَالَّتِي اسْتَمَرَّت حَتَّى يَوْم 1 سَبْتَمْبَر/ أَيْلُوْل 1969م - تَارِيْخ اسْتِيْلاء حِفْنَة مِن الْعَسَاكِر عَلَى مَقَالِيْد الْحِكَم فِي الْبِلاد لِيَنْقَلِب حَال الْوَطَن وَالْمُوَاطِن بَعْد هَذَا الْحَدَث الْمَشْئُوم رَأَسَاً عَلَى عَقِب.

وَيَوْمَا بَعْد يَوْم وَجَدْتُنِي أَفَكِّر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَأَخْرِجُهَا مِن دَائِرَة الْتَّفْكِيْر إِلَى حَيِّز الْتَّنْفِيْذ، فَأَقْدَمْت عَلَى اخْتِيَار مَجْمُوْعَة مِن الْمَوَاد رَأَيْت فِيْهَا شَيْئا يَسْتَحِق أَن يَثْبُت وَيَحْفَظ فِي الدَّفَاتِر مِن جَدِيْد.

وَكَان الْخِيَار الَّذِي إسْتَقْرَيْت عَلَيْه فِي إِعَادَة الْنَّشْر هُو مُتَابَعَة مَوَاد مُتَنَوِّعَة نُشِرَت فِي تَوَارِيْخ مُتَبَايِنَة فِي جَرَائِد وَمَجَلات مُخْتَلِفَة بِحَيْث لا أَرْبَط نَفْسِي بِصِحَافَة بَلَد مَا أَو صَحِيْفَة بِعَيْنِهَا أَو كَاتَب مُعَيَّن، وَأَفْتَح لِنَفْسِي الْمَجَال لِلانْتِقَال مِن مَوْضُوُع إِلَى آَخِر وَمِن كَاتَب إِلَى كَاتِب ثَانِي وَمَن تَارِيْخ إِلَى تَارِيْخ دُوْن الْتَّقْيِيْد بِأُسْلُوب الْرَّصْد الْمُتَسَلْسِل الْمُتَعَارَف عَلَيْه عِنْد تَنَاوُل هَكَذَا مَوْضُوْعَات كُمُتَابِعَة ذَوِي الاِخْتِصَاص لصِحَافَة بِعَيْنِهَا فِي فَتْرَة زَمَنِيَّة مُحَدَّدَة بِأُسْلُوب (الْيَوْمِيَّات) كَمَا فَعَل الأسْتَاذ مُحَمَّد صَالِح الْجَابِرِي حِيْنَمَا أَصْدَر كِتَاب مِن مُجَلَّدَيْن سَجِّل فِيْه يَوْمِيَات الْجِهَاد اللِّيْبِي فِي الْصَحَافَة التَّوْنُسِيَّة.

وَمَن نَاحِيَة أُخْرَى، لَن يَكُوْن نُشِر الْمَوَاد الَّتِي بِحَوْزَتِي بِشَكْل مُنْتَظِم إِنَّمَا عَلَى فَتَرَات قَد تَكُوْن مُتَبَاعِدَة أَو مُتَقَارِبَة وِفْقَاً لِلْوَقْت الَّذِي تَحْتَاجُه مِن حَيْث الْفَرْز وَالتَّصْنِيْف وَالْتَّرْتِيْب حَسَب الأهَمِّيَّة أَو لأِي سَبَب أُخَر كَانتظار مَادَّة مُعَيَّنَة وعدت بِالْحُصُوْلِ عَلَيْهَا!.

وَأَخِيْراً – وَلَيْس آَخِرَاً كَمَا يَقُوْلُوْن – سَأَقُوْم بِعَوْن الْلَّه وَإِذْنَه بإِعَادَةِ نَشْر مَجْمُوْعَة مِن الْمَوَاد الَّتِي أَرَى فِيْهَا الإْفَادَة وَالإضَافَة الَّتِي تَحْتَاج إِلَى إِعَادَة قِرَاءَة وَالْغَوْص فِي أَعْمَاقِهَا لاِسْتِخْرَاج مَا يُفِيْد الْتَّفْسِيْر وَالتَّحْلِيْل وَالْعِبْرَة وَبَيَان الأوْضَاع.

وَفِي الْخِتَام، أَرْجُو أَن يُدْرِك الْجَمِيْع، أَن الْغَايَات الَّتِي اسْتَهَدَفَهَا مِن إِعَادَة نَشْر مَقَالات وَحِوَارَات نُشِرَت مُنْذ عَدَّة عُقُوْد فِي الْصَحَافَة جَرَائِد كَانَت أَم مَجَلاّت، هُو الْتَّوْثِيْق لِمَوَاد نُشِرَت فِي الْصَحَافَة لأِن مَا نُشِر فِي الْصَحَافَة هُو الأكْثَر عُرِضة لِلْضَّيَاع أَو الانْدِثَار مِن الْمَوَاد الَّتِي تَم إِصْدَارِهَا فِي مُجَلَّدَات وَكَتَب!.. وَالإحَاطَة بِحَقِيْقَة مَا كَان جَارِي أَحْدَاثَاً وَرِجَالاً بُغْيَة اكْتِشَاف حَقّائِق تُفِيْد الْتَّعَامُل مَع الْحَاضِر وَالْمُسْتَقْبَل.

وَلَيْس مِن أَهْدَافِي الْتَّعْلِيْق عَلَى الْمَوَاد الَّتِي سَوْف أَقُوْم بِإِعَادَة نَشَرَهَا، وَإِن فَعَلْتُ ذَلِك مَع بَعْضِهَا فَسَوْف يَكُوْن بِشَكْل مُخْتَصَر لا يَطْغَى الْتَّعْلِيْق فِيْه عَلَى الْمَتْن الْمَنْقُوْل تَارِكَاً لِلْبَاحِث وَالدارِس مُهِمَّة الْنَّفَاذ إِلَى أَعْمَاق الْوَقَائِع وَالْكَلِمَات بُغْيَة رَبَط الأشْيَاء بِبَعْضِهَا فَيُقَدِّم كُل وَاحِد مِنْهُم رُؤْيَتُه وَإِضَافَتُه فِي الْتَّفْسِيْر وَشرح الأوْضَاع وتبيانها.

وَلَكِن، سَتَكُوْن الإشَارَة إِلَى الْمُنَاسَبَات وَالأمَاكِن، وَالْتَّعْرِيْف بِالشَخْصَيَات الْمَذْكُوْرَة فِي الْمَادَّة الْمَنْقُوْلَة مِن أَهْدَافِي لأن ذَلِك يُقَرِّب الْصُّوَرَة وَيَضَع الْقَارِيِّء فِي أَجْوَاء مَا كَان سَائِدَاً فِي زَمَن مَضَى. وَسَوْف أَقْوَم بِهَذِه الْمُهِمَّة كُلَّمَا وَقَع بَيْن يدِيَّ شَيْئا يَسْتَحِق إِعَادَة الْنَّشْر، وَآمُل أَن تُسَاعِدَنِي الْظُّرُوْف عَلَى الإسْهَام فِي هَذِه الْمُهِمَّة بِطَرَف كَمَا أَمَل مِن غَيْرِي الْقِيَام بِذَلِك نَظَرَاً لِمَا لَهَا مِن قِيَمَة وَأَهَمِّيَّة كُبْرَى.

الْعَدَد رَقِم (965) مِن مَجْلـة الاِثْنَيْن

إِنْطِلاقَاً مِن هَذَا الْفَهِم، وَإِيمَاناً بِأَهَمِّيَّة الْتَّوْثِيْق الَّذِي هُو أَقْرَب طَرِيْق إِلَى الْحَقِيقَة وَعَلَى اعْتِبَار أَنَّه هَمَّاً وَطَنِيَّاً حَقِيْقِيّاً لْعَمِيق صِلَتِه بِمَاضِي وَحَاضِر وَمُسْتَقْبَل لِيبَيا، رَأَيْت فِيْمَا كَتَبَه الأسْتَاذ حَبِيْب جَامـاتِي (2) فِي مجلـة (الاِثْنَيْن)، فِي عَدَدِهَا رَقِم (965)، الْصَّادِر بِتَارِيْخ 20 رَبِيْع الأوَّل 1372 هَجْرِي الْمُوَافِق 8 دِيْسَمْبَر 1952م، تَحْت عُنْوَان: (ضَيْف مِصْر الْعَظِيْم: الْمَلِك.. الَّذِي تَنَازَل عَن لُقِّب "الْجَلالَة")، مَعْنَى وَقِيْمَة حَرَصْت عَلَى إِيصَالَهُما إِلَى أَكْبَر عَدَد مِن الْنَّاس كَذَلِك صِلَة مُبَاشِرَة بِالْمَعْنَى وَالْفِكْرَة الَّتِي دَعَوْت إِلَيْهَا فِي الْسُّطُوْر الْسَّابِقَة.

كتب جَامـاتِي لمَجَلّـةِ الاِثْنَيْن مَوْضُوعَا رَئِيْسَاً عَن الْمَلِك إِدْرِيْس، وَاخْتَارَت أَسِرَّة تَحْرِيْر المَجَلَّة فِي عَدَدِهَا الْمَذْكُوْر، الْمَلِك كَشَّخْصّيّة الأسْبُوْع وَأَشَارَت إِلَى ذَلِك فِي صَفْحَة (29)، وَوَضَعَت فِي صَفْحَة (3) صُوْرَة كَارِيْكَاتِيرِيّة تَضُم الْمَلِك وَمُحَمَّد نَجِيْب.

عَلَى أَيّة حَال، نشرت مجلـة (الاثْنَيْن) الأسْبُوْعِيَّة الَّتِي كَانَت تَصْدُر عَن دَار الْهِلال (شَرِكَة مِصْرِيَّة مُسَاهَمَة)، وَتَرَأَّس تَحْرِيْرِهَا: الأسْتَاذ أَمْيَل زَيْدَان وَالأسْتَاذ شُكْرِي زَيْدَان (3)، مَقَالَة عَن الْمَلِك إِدْرِيْس بِمُنَاسَبَة زِيَارَتِه لِمِصْر، وَجَاء نَصَّهَا عَلَى الْنَّحْو الْتَّالِي:

الْمَلِك إِدْرِيْس أَثْنَاء زِيَارَته لِمِصْر فِي دِيْسَمْبِر 1952م،
وَيَظْهَر إِلَى جَانِبِه مُحَمَّد نَجِيْب الْرَّئِيْس الْمِصْرِي

*******

 حَبِيْب جَامـاتِي يكْتَب عَن الْمَلِك إِدْرِيْس.. نَص الْمَقَالَة
ضَيْف مِصْر الْعَظِيْم:
الْمَلِك.. الَّذِي تَنَازَل عَن لُقِّب (الْجَلالَة)
بِقَلَم الأسْتَاذ حَبِيْب جَامَاتِي

 مَا ظننتُ فِي يَوْم مِن الأيَّام – وَأَنَا أُدَوِّن عِبَارَات مُقْتَطَفَة عَلَى أَوْرَاق مُتَنَاثِرَة، عَن زَعِيْم دِيْنِي.. وَشَيْخ طَرِيْقَة، مَنْفِي شَرِيْد طَرِيْد – أَنَّنِي سَأَعُوْد إِلَى هَذِه الأَوْرَاق لأَنْشَرَهَا فِي وَقْت يُصْبِح فِيْه الْزَّعِيْم شَيْخ الْطَّرِيْقَة مِلْكَاً عَلَى دَوْلَة عَرَبِيَّة فِتْيَة !، وَلَكِن هَذَا هُو الَّذِي حَدَث.. فَشَيْخ الْطَّرِيْقَة الَّذِي أَعْنِيْه هُو بِذَاتِه الْمَلِك مُحَمَّد إِدْرِيْس السُّنوُسي، صَاحِب الْعَرْش اللِيبِي، الَّذِي كَانَت أُحْدَى رَغَبَاتِه الأُوْلَى – بَعْد تُبَوِّئُه الْعَرْش وَتَوْحِيْد بِرِقَّة وَطَرَابُلُس وَفـَزّان فِي عَهْدِه – أَن لا يُخَاطِبُه شَعْبِه بِلَقَب (صَاحِب الْجَلالَة) لأِن الْجَلالَة صِفَة مِن صِفَات الْلَّه، وَلأِن الْمَلِك لَن يَكُوْن صَالِحَاً بِلَقَبِه، بَل بُنَيَّاتِه وَأَعْمَالُه وَأَخْلاقُه. وَيَعُوْد تَدْوِيْن الْعِبَارَات الَّتِي اسْتَخْلَص هُنَا بَعْضُهَا، إِلَى أَكْثَر مِن رُبْع قَرْن!، فَقَد عَرَفْت (مُحَمَّد إِدْرِيْس السُّنوُسي) بَعْد الْتِجَائِه إِلَى مِصْر بِبَضْعَة أَعْوَام، إِذ جَاءَهَا مُسْتَجِيْرِاً فِي سَنَة 1923م، عَلَى أَثَر قِيَام الْنِّظَام الْفاشِسَتِي فِي إِيْطَالْيَا، وَإِقْدَام الْدِّكْتَاتُور مَوَسُوَلِيْنِي عَلَى تَطْبِيْق سِيَاسَة الْعُنْف وَالإرْهَاب مِن جَدِيْد، وَكَان الإِيطَالِيُّون قَد اعْتَرَفُوْا بِالْسِّيِّد السُّنوُسي أَمِيْراً عَلَى (وَاحَات بِرِقَّة) وَلَكِن الْوِفَاق لَم يَدُم طَوَيْلاً بَيْنَهُم وَبَيْنَه، فَرَحَل عَن دِيَارَه، وَأَقَام فِي مِصْر عِشْرِيْن سَنَة أَو أَكْثَر، قَبْل أَن يَعُوْد إِلَى وَطَنِه وَقَد زَال عَنْه الاسْتِعْمَار الإِيطَالِي. كَان الْبَطَل الْمِغْوَار عُمَر الْمُخَتَار قَد امْتَشَق حُسَام الْجِهَاد مِن جَدِيْد، فَالتَف حَوْلَه الأحْرَار مِن أَبْنَاء الْمُدُن وَالْبَادِيَة، وَاسْتُؤْنِف الْقِتَال بَيْنَهُم وَبَيْن الإيْطَالِيِّيْن، فَانْصَرَف الْسِّيِّد السُّنوُسي إِلَى تَغْذِيَة هَذِه الْحَرَكَة الْتَحْرِيرِيَّة الْمُبَارَكَة بِمَا اسْتَطَاع مِن مَعُوْنَة أَدَبِيَّة وَمَادِّيَّة. وَفِي تِلْك الأثْنَاء عَرَفَتْه فِي الْقَاهِرَة.. وَكَان ذَلِك فِي ظَرْف طَارِيْء: فَقَد دَعَانِي صَدِيْق مِن رِجَال الأعْمَال – هُو الْمَرْحُوْم نَجِيْب زَلْزَل – إِلَى قَضَاء الْسَّهْرَة فِي مَسْرَح (بْرِنْتَانيّا) حَيْث كَانَت فِرْقَة عَلَي الْكسار تَقَدَّم أُحْدَى رِوَايَاتَهَا الْفُكَاهِيَّة، وَقَال لِي: "سَأُعَرِّفُك بِالْسِّيِّد السُّنوُسي الَّذِي سَيَكُوْن فِي مُسْتَقْبَل قَرِيْب أَو بَعِيْد أَمِيْراً عَلَى لِيبَيا!".

وَكَان ثَالِث الْمَدْعُوِّيْن صِدِّيْقَاً آَخَر هُو الْسِّيِّد بَشِيْر السعداوِي، الَّذِي كَان يَسْعَى لإِنْشَاء هَيْئَة لِلْدِّفَاع عَن حُقُوْق (طَرَابُلُس وَبَرِقَّة) بِإِرْشَاد الْسِّيِّد السُّنوُسي نَفْسِه، وَقَد دَارَت الأْيَّام وَدَب الْخِلاف بَيْن الْرَّجُلَيْن، وَلَكِن لَيْس هَذَا مَقَام شَرْح هَذَا الْخِلاف....

الْمَسْرَح فِي خِدْمَة الثَّوْرَة

شَاهَدْنَا رِوَايَة الْكسار إِذَن، وَكَان مَوْضُوعَاً وَطَنِيَّاً، وَعِبَارَاتِهَا قَدْحَاً فِي حَق الاسْتِعْمَار وَالْمُسْتَعْمِرِيْن، فِي وَقْت كَان الْهَيَّاج فِيْه عَلَى الإنْجْلِيز فِي مِصْر قَد بَلَغ أَشُدَّه، وَقَد صَفَّق الْسِّيِّد السُّنوُسي كَثِيْراً لِلْرِّوَايَة.... وَاغْتَنَمْت مِن نَاحِيَّتِي فُرْصَة الاِسْتِرَاحَة الأُوْلَى، فَصَعِدْت إِلَى الْمَسْرَح، وَنَبَّهْت عَلَي الْكسار(4)، إِلَى وُجُوْد الْزَّعِيْم الِلّيبِي فِي أَحَد الالوَاج، فَطَفِق الْكسار، بِمَا عُرِف عَنْه مِن سُرْعَة الْخَاطِر، يُرْتَجَل الْنُّكَت وَالْعِبَارَات الْجَارِحَة عَن الإِسْتِعْمَار الإيطَالِي – فَضْلاً عَن الإِسْتِعْمَار الإنْجِلِيْزِي مِمَّا أَثَار دَهْشَة الْجُمْهُوْر الَّذِي لَم يَكُن قَد فَطَن إِلَى شَخْصِيَّة السُّنوُسي، الَّذِي كان فِي تِلْك الْلَّيْلَة يَرْتَدِي بَدْلَة وَعَلَى رَأْسِه طَرْبُوْش.... وَكَان فِي الْصَالَة اثْنَان مِن الْطِّلْيَان، فَغَضِبا، وَخَرَجَا الْوَاحِد فِي أَثَر الآخِر، وَفَطِن الْكسار إِلَى خُرُوْجَهُمَا غَاضِبِيْن، فَصَاح يُخَاطَبِهُما مِن فَوْق الْمَسْرَح: "رَايِح فَيْن يَا خَوَاجَة؟. رَايِح – لِيبَيا !؟، وقعتُك سَوَّدَه !..".

ثُم أَرْدَف مُخَاطِبَاً الآخِر: "وَأَنْت كَمَان رَايِح فَيْن؟.. لِيبَيا!؟.. الْلَّه يَرْحَمُك مُقَدَّمَاً، وَإِنَّا لِلَّه وَإِنَّا إِلَيْه رَاجِعُوْن". وَأَضَاف أَحَد الْمُمَثِّلِين، قَائِلاً: "وَمَن لَم يَمُت بِالْغَيْظ مَات بِيَد السُّنوُسيِّين!". وَضَجَّت الّصَالَة بِالْضَّحِك وَالْتَّصْفِيْق !. وَفِي أَحَد الْمَشَاهِد لاحَظَت تَأَثُّراً شَدِيداً عَلَى السُّنوُسي وَخُيِّل إِلَي أَن عَيَّنَه تَدْمَع. فَتَنَبَّه إِلَى أَنَّنِي لاحَظَت ذَلِك، وَقَال بِصَوْتِه الْهَادِيْء الْخَافِت: "أَن هَذَا الْتَّمْثِيْل الْشَّعْبِي يَخْدِم الْقَضِيَّة الْمِصْرِيَّة أَكْثَر مِمَّا تَخْدُمُهَا خَطَب الزُعْمَاء الْسِيَاسِيِّيْن!. وَلَو كَان عِنْدَنَا فِي بَرْقَة جَوْقْة مِثْل هَذِه، تَتَجَوَّل فِي الْبَوَادِي وَالْوَاحَات، لاِسْتَطَعْنا بِوَاسِطَتِهَا أَن نَدْعَم ثَوْرَة عُمَر الْمُخَتَار وَجِهَاد إِخْوَانَه بِمَا لا يَقِل مُضَاء عَن الأسْلِحَة وَالَّذَّخِيْرَة!".

لا مُسَاوَمَة فِي الْحُرِّيَّة وَالْكَرَامَة

وَبَعْد تِلْك الْحَادِثَة بِمُدَّة قَلِيْلَة، وُصِل إِلَى عِلْمِي أَن رَجُلاً فِي مِصْر عَهْد إِلَيْه فِي مُفَاوَضَة الْسِّيِّد السُّنوُسي، أَو جَس نَبْضِه عَلَى الأقَل، فِي مَسْأَلَة الْتَّفَاهُم مَع الإيْطَالِيِّيْن وَإِعْلان قَبُوْلِه بِالأمْر الْوَاقِع فِي لِيبَيا. ثُم تَأَكَّدَت مِن الْرِّجْل نَفْسِه أَنَّه كُلِّف بِأَن يُعَرِّض عَلَى الْزَّعِيْم اللِيبِي الْمُوَافَقَة عَلَى أَحَد الْحُلُول الآْتِيَة:

1- التَّنَازُل عَن أَمْلاكَه فِي بَرْقَة وَعَن كُل حَق فِي الْمُطَالَبَة بِهَا، مُقَابِل إِعْطَائِه أَمْلاكَاً تُسَاوِي قِيْمَتُهَا أَو أَكْثَر فِي مُدِيْرِيَّة الْفَيُّوم، حَيْث كَان أَحَد أَثْرِيَاء الإيْطَالِيِّيْن يَمْلِك مُزَارِع شَاسِعَة – وَاسْمُه عَلَى مَا أَظُن (أُمِييل)....

2- يُضَاف إِلَى مَا تَقَدَّم مَعَاش شَهْرَي تَدْفَعُه حُكُوْمَة إِيْطَالِيَّا لِلْسِّيِّد السُّنوُسي مَع الإعْتِرَاف بِسُلْطَتِه الْرُّوحِيَّة فِي بَرْقَة، عَلَى أَن يَتَنَازَل عَن كُل حَق فِي مِضْمَار الْسِيَاسَة....

3- إِعَادَة أَمْلاَكَه فِي بَرْقَة، وَدَفْع مَعَاش شَهْرَي، وَالْعَوْدَة إِلَى بِرِقَّة بِاعْتِبَارِه الْرَّئِيْس الْرُّوْحِي للسُّنوُسيِّين، وَلَكِن شَرْط أَن يَمْتَنِع نِهَائِيّاً عَن الاِشْتِغَال بِالْسِّيَاسَة....

4- الْعَوْدَة إِلَى بِرِقَّة وَاسْتِرْجَاع أَمْلاكَه وَلُقِّب الإمَارَة أَيْضاً، عَلَى شَرْط أَن يُعْلِن وَلاءَه لإِيطَاليّا وَيَتَعَاوُن مَع الْسُّلُطَات الإيطَالِيَّة، وَيَعْتَرِف بِأَن لِيبَيا قِطْعَة مِن (الإمْبْرَاطُورِيَّة الإيطَالِيَّة) الَّتِي كَان مَوَسُوَلِيْنِي يَسْعَى إِلَى إِحْيَائِهَا.... وَلَكِن الْسِّيِّد السُّنوُسي رَفَض هَذِه الْحُلُوْل جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً.. وَأَرَاد (الْوَسِيْط) أَن يُغْرِي الْسِّيِّد بَشِيْر السعداوِي بِالْمَال لِكَي يُقْنِع الْسِّيِّد السُّنوُسي فَرَفَض.. وَأَرَاد هَذَا (الْوَسِيْط) أَن يُغْرِي أَيْضاً الْسِّيِّد عُمَر شَنَيْب بِالْمَال، وَكَان عَلَى مَا أَظُن فِي (دِمَشْق)، بِأَن يُقْنِع الْزَّعِيْم بِالْمُوَافَقَة عَلَى مَا يَعْرِضُه الإيطَالِيُّون، فَرَفَض.... وَلَمَّا أَفْضَيْت إِلَى الْسِّيِّد السُّنوُسي بِأَنَّنِي عَالِم بِمَا حَدَث، وَأَن أَعْوَانِه أَبَوْا أَن يَكُوْنُوْا أَدَاة بِيَد الإيْطَالِيِّيْن، قَال بِنَفْس الْصَّوْت الْهَادِيْء الْخَافِت: "إِن هُنَاك أَشْيَاء لا يُمْكِن لِلإنْسَان أَن يُتاجر بِهَا أَو يُسَاوْم عَلَيْهَا، وَمِنْهَا الْحُرِّيَّة وَالْكَرَامَة.. وَسَوَاء فِي ذَلِك حُرِّيَّة الْفَرْد وَكَرَامَتِه. أَو حُرِّيَّة الْوَطَن وَكَرَامَتِه". وَعَرْض عَلَيْه مَرَّة الْدِّكْتَاتُور مَوَسُوَلِيْنِي سِتَّة (6) مَلايِيْن لِيَرَة إِيْطَالِيَّة لِلإعْتِرَاف بِالْسُّلْطَة الإيطَالِيَّة وَدَعْوَة مُوَاطِنِيَّه إِلَى الْتَّعَاوُن مَع إِيْطَالِيَّا، فَرَفَض أَيْضاً.. وَقَد ذَكَرَتْه بِهَذَا فِي أَثْنَاء الْحَرْب الْعَالَمِيَّة الأخِيرَة، وَقُلْت لَه: " لِمَاذَا لَم تَأْخُذُوْا أَمْوَال الإيْطَالِيِّيْن وتَتَظَاهَرُوا بِمُوَالاتِهِم، ثُم تُحَارِبُوْهُم بِتِلْك الأمْوَال؟". فَأَجَاب، وَالْصَّوْت هَادِيْء خَافَت كَالْمُعْتَاد: "لَو فَعَلْت هَذَا لْحَنَثت بِالْيَمِيْن وَخُنْت الْعَهْد. وَأَنَا لا أَبِيْع يَمِيْنِي وَعَهْدِي بِسِتَّة مَلايِيْن، وَلا بِكُنُوز الأرْض".

اللِيبِيُّون فِي مَيْدَان الْتَّحْرِيْر

مُنْذ دُخُوْل إِيْطَالِيَّا الْحَرْب إِلَى جَانِب أَلْمَانْيَا، فِي سَنَة 1940م، جَعَل الإنْجِلِيْز يَضَعُوْن الْخُطَط لِغَزْو لِيبَيا وَطُرِد الإيْطَالِيِّيْن مِنْهَا. وَكَان لابُد لَهُم مِن مَعُوْنَة الْسُّكَّان أَنْفُسِهِم، وَعَلَى الْخُصُوْص تَأْيِيْد الْسِّيِّد السُّنوُسي.

وَتَأَلَّفَت فِي مِصْر كَتَائِب الْمُتَطَوِّعِيْن اللِيبِيِّين، وَتَسَلَّل مِئَات مِنْهُم إِلَى مَا وَرَاء الْحُدُوْد لإثَارَة الْشَّعْب اللِيبِي وَتَّنْظِيْم الْمُقَاوَمَة فِي دَاخِل الْبِلاد.. وَلَم يُنْكِر الإنْجِلِيْز أَنْفُسِهِم مَا بَذَلَه اللِيبِيُّون مِن مَجْهُوْد وَمَا كَان لَهُم مِن نَصِيْب فِي تَحْرِيْر وَطَنِهِم.... وَأَذْكُر أَن الْسِّيِّد السُّنوُسي كَان ذَات لَيْلَة فِي مَجْلِس يَضُم بَعْض أَعْضَاء (الإتِّحَاد الْعَرَبِي) بِمِصْر، وَهُو مِن مُؤَسِّسِيه، فَقَال أَحَدُنَا: "نَرْجُو أَلا يَغْدِر بِكُم الإنْجْلِيز فِي الْمُسْتَقْبَل كَمَا غَدَرُوْا بِغَيْرِكُم مِن قَبْل، وَكَمَا يَغْدِر الْمُسْتَعْمِرُون جَمِيْعَاً بِمَن يَتَعَاوَن مَعَهُم فِي وَقْت الْشِّدَّة مِن الْشُّعُوْب الْعَرَبِيَّة الْشَّرْقِيَّة، بَعْد أَن يَتِم لَهُم الْنَّصْر وَيُصْبَحُوا فِي غِنَى عَن الْتَّعَاوُن!". فَكَان جَوَاب الْسِّيِّد السُّنوُسي: "أَنَّنَا نُحَالف الْيَوْم مِن يُسَاعِدُنَا عَلَى الْخَلاص مِن شَر نَحْن فِيْه. وَمَا نَفْعَلُه الآن، فَعَلَه مِن قَبْل غَيْرِنَا.. فَالَعرب حَالَفُوُا الإنْجْلِيز فِي ثَوْرَتَهُم الْكُبْرَى 1916م، وَالْمِصْرِيُّوْن الْيَوْم يُنَفِّذُون شُرُوْط الْمُعَاهَدَة الَّتِي تَرْبِطُهُم بِالإنْجِلِيْز.. وَالسُورِيُّون وَاللُّبْنَانِيُّون يُوَالُوْن فَرَنْسَا وَحُلَفَاءَهَا، لأن الْمَصْلَحَة تَقْضِي بِهَذَا. أَمَّا الْمُسْتَقْبَل، فَهُو بِيَد الْلَّه، وَبِيَدِنَا نَحْن مِن بَعْد الْلَّه، وَلَكِن لَن يَكُوْن بِيَد الإنْجِلِيْز وَلا بِيَد غَيْر الإنْجِلِيْز، إِذَا عَرَفْنَا كَيْف نَسُوْس أُمُوْرِنَا وَنَرْعَى مَصَالِحِنَا".

الْمَلِك إِدْرِيْس عَام 1955م فِي مِصْر. وَالْجُلُوْس مِن الْيَمِيْن: البُوَيْصِيْري الْشَّلْحِي، خطاب بِك (مِن مِصْر وَهُو صَدِيْق شَخْصِي لِلْمَلِك)، مُصْطَفَى أَحْمَد بن حَلِيْم (رَئِيْس الْوُزَرَاء)، الْمَلِك إِدْرِيْس، أَبُوَالأسعَاد الْعَالَم (الْمُفْتِي)، مُحَمَّد سُلْطَان (مِن مِصْر وَهُو صَدِيْق شَخْصِي لِلْمَلِك)، عبْدالْسَّلام البُوَيْصِيْري (رَئِيْس الّدِّيْوَان).الْوُقُوْف مِن الْيَمِيْن: تَوْفِيْق عبْدالْحَكَم (الْمُسْتَشَار الْقَانُوْنِي لِلْمَلِك/ مَصْرِي)، مَبْرُوْك الْجَبَّالَي (مُلْحَق صُحُفِي بِالْسِّفَارَة فِي مِصْر)، وَهَبِي الْبُورِي (الْخَارِجِيَّة الَلِّيَبِيَّة)، عُمَر الْشَّلْحِي، عبْدالْسَّلام الْكتَاف (ياوِر رَئِيْس الْوُزَرَاء)، عبْدالْحَمِيْد الْمَبروك بن حَلِيْم (مِن سِكِرْتِيْرة رَئِيْس الْوُزَرَاء)، حُسَيْن مَخلوف، خَيْرِي بن عَامر، (دِبْلُومَاسِي فِي الْسِفَارَة بِمِصْر)، أَمِيْن صَالِح (دِبْلُومَاسِي فِي الْسِفَارَة الْمِصْرِي بِبَنْغَازِي)، سَيْف الْنَّصْر عبْدالْجَلِيْل سَيْف الْنَّصْر (وَزَيْر)، مفتَاح بِوشَاح، مَحْمُوْد أَحْمَد بْن حَلِيْم (الْقُنْصُل اللِّيْبِي بِالإسْكَنْدَرِيَّة)، يَظْهَر شَخْص خَلْفِه لَم نَتَمَكَّن مِن مَعْرِفَتِه، الْطَّيِّب الأشْهَب (مِن تَشْرِيفَات الْمَلِك)، بِالْقَاسم الْغُمَارِي، عُمَر الأشْهَب.

زَعِيْم وَقَائِد وَمَلِك..

وَقَد حَدَّث أَن أَثْنَيْت عَلَى الْسِّيِّد السُّنوُسي حِيْنَاً، وَانْتَقَدَتْه أَحْيَانَاً، وَلَكِنَّنِي وَجَدْتُه فِي الْحَالَتَيْن شَهْمَا نَبِيّلاً: فَقَد تَلْقَى الْمَدِيْح وَالْثَّنَاء بِشَيْء مِن الْحَيَاء وَالَتَّوَاضُع، وَتَقَبَّل الْنَّقْد وَالْمُخَاصَمَة بِكَثِيْر مِن الْحُلْم وَرَحَابَة الْصَّدْر. وَهَذَا خَيْر مَا يَتَحَلَّى بِه الْزَّعِيْم إِذَا مَا صَفَت نِيَّتُه، وَخَلا قَلْبِه مِن الضَّغَائِن. وَأَرَاد الْسِّيِّد السُّنوُسي فِي أَثْنَاء الْحَرْب أَن يَعُوْد إِلَى وَطَنِه مَع الْمُجَاهِدِيْن الَّذِيْن سَبَقُوَا الْجَيْش الْبِرِيْطَانِي إِلَيْه، وَلَكِن رِفَاقِه فِي ذَلِك الْوَقْت أَلَحُّوا عَلَيْه بِأَن لا يَفْعَل، لأِن الْقَضِيَّة اللِّيبِيّة كَانَت تَقْتَضِي بَقَاءَه حَيّاً، وَتَجَنَّبَه الْمَخَاطِر وَالْمُغَامَرَات. وَقَد فَعَل بِالْنَّصِيْحَة مُرْغَمَاً، وَكَان دَائِمَاً يَقُوْل: "إِن مَكَانِي لَيْس هُنَا، بَل هُنَاك". وَعَاب عَلَيْه خَصَوْمُه، وَفَرِيْق مِن أَصْدِقَائِه، فِي بَعْض الأحْيَان، تُرَدِّدُه وَمَا ظَنُّوْه فِيْه خِدَاعَاً ومُرَاوَغة. وَلَكِن، الَّذِيْن تَتَّبِعُوَا أَعْمَال الْرَّجُل فِي رُبْع قَرْن، لابُد لَهُم مِن الإعْتِرَاف الآن بِأَن مَا عَابُوْه عَلَيْه لَم يَكُن إِلاّ نَوْعَاً مِن الْحَذَر وَالْتَّرَيُّث. وَهَذَا أَيْضاً وَصَفَه الْسِّيِّد السُّنوُسي نَفْسَه فِي عِبَارَة دَوَّنْتُهَا عَنْه، وَهِي قَوْلُه: " خَيْر لَي أَن لا أَعْمَل شَيْئاً، مِن أَن أقَدم عَلَى عَمَل أَعْرِف أَنَّه فَاشِل!". وَهَذَا الْمَبْدَأ، أَو هَذَا الْرَّأْي، يُفَسِّر كَثِيْراً مِن مَوَاقِف الْسِّيِّد السُّنوُسي قَبْل الْحَرْب الأخِيرَة، وَفِي خِلالَهَا، وَخُصُوصاً بَعْدَهَا، فِي أَثْنَاء التَّطَوُّرَات الَّتِي مَرَّت بِوَطَنِه لِيبَيا، إِلَى أَن أَصبحت الْيَوْم دَوْلَة مُوَحَّدَة تَحْت تَاج وَاحِد. هَذَا بَعْض مَا حَوَتْه الْذِّكْرَيَات وَالْمُذَكَّرات، عَن الّسِّيّد مُحَمَّد إِدْرِيْس السُّنوُسي، الْرَّئِيْس الْرُّوْحِي، وَالْزَّعِيْم الْوَطَنِي، وَالْقَائِد الْمُجَاهِد، وَالْمَلَك الْمُتَوَّج، وَالْصَّدِيق الْوَفِي، الَّذِي اسْتُضِيف واستضاف، وَاسْتَجَار وَأَجَار!. (انْتَهَت مَقَالَة الأسْتَاذ حَبِيْب جَامَاتِي)

*******

مِرْفَق الْصُّوَر:

* (إضغط على الصور للمشاهدة بحجم أكبر)

- الْصُّوَرَة الأوْلَى: الأمِير إِدْرِيْس الْسَّنوُسي فِي الْنِّصْف الْثَّانِي مِن الْعِشْرِيِّنَات، فِي أَسَتَوَدّيْو يُوَسُف حنين (Studio Hanein) بِالْقَاهِرَة. (مِن أَرْشِيْف الْمُؤَلِّف، تُنشر لأوّل مَرَّة).

- الْصُّوَرَة الْثَّانِيَة: الْمَلِك إِدْرِيْس أَثْنَاء زِيَارَته لِمِصْر فِي دِيْسَمْبِر 1952م، وَيَظْهَر إِلَى جَانِبِه مُحَمَّد نَجِيْب الْرَّئِيْس الْمِصْرِي. (مِن أَرْشِيْف الْمُؤَلِّف، تَنشر لأوّل مَرَّة).

- الْصُّوَرَة الْثَّالِثَة: الْمَلِك إِدْرِيْس عَام 1955م فِي مِصْر. وَالْجُلُوْس مِن الْيَمِيْن: البُوَيْصِيْري الْشَّلْحِي، خطاب بِك (مِن مِصْر وَهُو صَدِيْق شَخْصِي لِلْمَلِك)، مُصْطَفَى أَحْمَد بن حَلِيْم (رَئِيْس الْوُزَرَاء)، الْمَلِك إِدْرِيْس، أَبُوَالأسعَاد الْعَالَم (الْمُفْتِي)، مُحَمَّد سُلْطَان (مِن مِصْر وَهُو صَدِيْق شَخْصِي لِلْمَلِك)، عبْدالْسَّلام البُوَيْصِيْري (رَئِيْس الّدِّيْوَان). الْوُقُوْف مِن الْيَمِيْن: تَوْفِيْق عبْدالْحَكَم (الْمُسْتَشَار الْقَانُوْنِي لِلْمَلِك/ مَصْرِي)، مَبْرُوْك الْجَبَّالَي (مُلْحَق صُحُفِي بِالْسِّفَارَة فِي مِصْر)، وَهَبِي الْبُورِي (الْخَارِجِيَّة الَلِّيَبِيَّة)، عُمَر الْشَّلْحِي، عبْدالْسَّلام الْكتَاف (ياوِر رَئِيْس الْوُزَرَاء)، عبْدالْحَمِيْد الْمَبروك بن حَلِيْم (مِن سِكِرْتِيْرة رَئِيْس الْوُزَرَاء)، حُسَيْن مَخلوف، خَيْرِي بن عَامر، (دِبْلُومَاسِي فِي الْسِفَارَة بِمِصْر)، أَمِيْن صَالِح (دِبْلُومَاسِي فِي الْسِفَارَة الْمِصْرِي بِبَنْغَازِي)، سَيْف الْنَّصْر عبْدالْجَلِيْل سَيْف الْنَّصْر (وَزَيْر)، مفتَاح بِوشَاح، مَحْمُوْد أَحْمَد بْن حَلِيْم (الْقُنْصُل اللِّيْبِي بِالإسْكَنْدَرِيَّة)، يَظْهَر شَخْص خَلْفِه لَم نَتَمَكَّن مِن مَعْرِفَتِه، الْطَّيِّب الأشْهَب (مِن تَشْرِيفَات الْمَلِك)، بِالْقَاسم الْغُمَارِي، عُمَر الأشْهَب. (مِن أَرْشِيْف الْمُؤَلِّف، تَنشر لأوّل مَرَّة)

مُلاحَظَات وَإِشَارَات:

1) مـُقـَدِّمـَة: مَصْدَر بَعْض الْمَعْلُوْمَات الْوَارِدَة فِي هَذَا الْتَّقْدِيْم عَن كِتَابِين لِلأسْتَاذ سَالِم الْكبتي، هُمَا: (زَيْت الْقَنَادِيْل: رَشَاد الْهوَنِي.. سِيْرَة وَنُصُوْص) الصَّادِر عَن دَار وَمَكْتَبَة الْفُضَيْل عَام 2006م، وَكِتَاب: ( الْصَّادِق الْنَّيْهُوم.. الْرَّمْز فِي الْقُرْآَن) الْصَّادِر عَن تَالَة لِلْطِّبَاعَة وَالْنَّشْر وَمُؤَسِّسَة الاِنْتِشَار الْعَرَبِي عَام 2008م.. وَكِتَاب: (السنُّوُسيّة دِيْن وَدَوْلَة) لِمُؤَلِّفِه الأسْتَاذ مُحَمَّد فُؤُاد شُكْرِي، وَرَاجَعَه وَحَقَّقَه الأسْتَاذ يُوَسُف الْمجريِسي، الصَّادِر عَن مَرْكِز الْدِّرَاسَات اللِّيبِيّة – أُكْسُفُورْد، عَام 2005م.

2) حَبِيْب جَامَاتِي: صُحُفِي وَأَدِيب وَرُوَائِي وَمُؤَرِّخ وَمُنَاضِل لُبْنَانِي، كُتِب الْتَّارِيْخ أَدِيْبَا وَلَيْس مُؤَرِّخا. عَرَفَه الْكَثِيْرُوْن مِن الْعَامِلِيْن فِي الْحَقْل الْعَرَبِي الْوَطَنِي وَالْسِّيَاسِي خَاصَّة إِبَّان فَتْرَة وَجُوْدُه فِي مِصْر، وَصَار حَجَّة فِي الْقَضَايَا الْعَرَبِيَّة. وُلِد فِي لُبْنَان بِبَلْدَة (زَوَّق مِيْكَائِيْل) الْقُرَيْبَة مِن جُوْنِيَه عَام 1887م، وَدَرَس فِي كُلِّيَّة (عَيَنُطُورَة). هَاجَر إِلَى مِصْر لَيَعْمَل فِي الْصَحَافَة وَالْكِتَابَة وَالْتَّرْجَمَة، وَفِي الْقَاهِرَة اسْتَعَانَت بِه مَدْرَسَة الْمُهَنَّد سنحانَة الْمِصْرِيَّة لِتَدْرِيْس الْتَّرْجَمَة لَطُلابِهَا، ثُم رَحَل إِلَى فَرَنْسَا وَأَنْشَأ مِطْبَعَة فِي مَدِيْنَة أُنَجِيه (Angers) وَأَصْدَر جَرِيْدَة عَرَبِيَّة مُصَوَّرَة أَسْمَاهَا (الْشُّهْرَة) اسْتَمَرَّت سَنَة وَاحِدَة فَقَط.

عَمِل فِي وَزَارَة الْخَارِجِيَّة الْفَرَنْسِيَّة بَعْد إِغْلاق الْجَرِيْدَة، وَبَعْد قِيَام الثَّوْرَة الْعَرَبِيَّة فِي الْحِجَاز عَام 1916م، الْتَحَق بِالْجَيْش الْعَرَبِي مِن سَنَة 1916م حَتَّى 1918م وَصَار مِن أَقْرَب الْمُقَرَّبِيْن مِن الْمُلْك فَيْصَل الأوَّل.

عَاد إِلَى مِصْر بَعْد نِهَايَة الْحَرْب الْعَالَمِيَّة الأوْلَى، وَأَنْشَأ جَرِيْدَة (لُبْنَان الْفَتَى) بِاللُّغَتَيْن الْعَرَبِيَّة وَالْفَرَنْسِيَّة، لَكِنَّه اضْطُر إِلَى إِغْلَاقِهَا بَعْد مُدَّة مِن الْوَقْت. تَنَقَّل بَعْد ذَاك بَيْن عَدَد مِن الْصُّحُف الَّتِي كَانَت تَصْدُر فِي الْقَاهِرَة، سَوَاء بِالْلُغَة الْعَرَبِيَّة أَو بِالْلُغَة الْفَرَنْسِيَّة، إِلَى أَن اسْتَقَر بِه الْمَقَام فِي دَار الْهِلال، فَأَخَذ يُغَذِّي صُحُف الْدَار وَمَجَلاتِهَا بِمَقَالاتِه، وَكَانَت دَارُه فِي الْقَاهِرَة مَوْئِلاً وَمَلاذاً لِكُل الْمُضْطَهَدِيْن مِن رِجَال الاسْتِقْلال فِي الْبِلاد الْعَرَبِيَّة وَدُوَل الْمَغْرِب الْعَرَبِي. كَتَبَ ِلِعِدَّة مَجَلاّت تَصْدُر فِي مِصْر، مِن أَهَمِّهَا: الاثْنَيْن، روَزر يُوَسُف، الْمُصَوِّر الَّتِي تَرَأَّس تَحْرِيْرُهَا فِي وَقْت مِن الأوْقَات.

نَشَرَ طَائِفَة مِن الْكُتُب الَّتِي ظَهَرَت فِي الْسَّلاسِل الْشَّعْبِيَّة، فَفِي سِلْسِلَة (خَفَايَا الْقُصُور.. تَارِيْخ مَا أَهْمَلَه الْتَّارِيْخ) يُعَرِّض أَقَاصِيَص غَرَامِيَّة وَسِيَاسِيَّة وِإجْتِماعِيّة وَقَعَت حَوَادِثِهَا فِي قُصُوْر الْسَّلاطِيْن وَالْمُلُوْك وَالأمَرَاء فِي مُخْتَلِف عُصُوْر الْتَّارِيْخ. وَقَد سَبَق أَن نُشِر مُحْتَوَى هَذِه السِّلْسِلَة فِي مَقَالَة أُسْبُوْعِيَّة تَحْت عُنْوَان: (تَارِيْخ مَا أَهْمَلَه الْتَّارِيْخ) كَان يَكْتُبُهَا لِمَجلَّة (الْمُصَوِّر).

وَصَدَرَت لَه الْكُتُب الْتَّالِيَة: (إِبْرَاهِيْم فِي الْمَيْدَان) عَام 1934م، و(الْحُرِّيَّة الْحَمْرَاء) عَام 1954م، و (الْجُزُر الْخَضْرَاء - إِنْدُونِيسِيّة) عَام 1957م، (أَغْرَب مَا رَأَيْت) عَام 1962م وَهُو رِحْلات وْأَسْفَار، و(مِصْر مَقْبَرَة الْفَاتِحِيْن) عَام 1962م، و(الْنَّاصِر صَلاح الْدِّيْن) عَام 1963م، و(تَحْت سَمَاء الْمَغْرِب) عَام 1964م، و(بَيْن جُدْرَان الْقُصُور)، و(شَهْر يُوَلْيُو الأعَز فِي تَارِيْخ الْعَرَب)، و(الْجَنَّة فِي ظِلاِل الْسُّيُوْف)، و(بُطُوْلات عَرَبِيَّة)، و(مَهَازِل الْحَيَاة). وَتَرْجَم كِتَاب: (تُيُوَدُوّرا الْمَلِكَة الْمُتَوَّجَة) لشَارْل وَيْل، و(مَاجُلاَن قَاهِر الْبِحَار) لسْتيفَان تسَفَايِغ. سَاهَم فِي الْمَجَال الْفَنِّي الْمَسْرَحِي السِينَمَائِي فَوَضَع حِوَارَات بَعْض الرِّوَايَات مِنْهَا رِوَايَة (ابْن الْشَّعْب) الَّتِي كَتَبَهَا مُوْرِيْس قُصَيِّري وَوَضَع مُوْسِيْقَاهَا الْمُطْرِب الْمَعْرُوْف جَمِيْل عَزَّت‏. كَمَا كَان يَتَمَتَّع بِصَوْت جَمِيْل، وَإِلْقَاء مَسْرَحِي بِارِع عِنْد قِرَاءَة مُحَاضَرَاتِه أَو حِكَايَاتِه الْمُسْتَمَدَّة مَن بُطُوْن الْتَّارِيْخ.

أُعْجِب بِه الْكَثِيِر مِن أُدَبَاء الْعَرَب وَالبَحَّاثَة، وَشَارَك فِي كَافَّة الْمَنَاشِط الْثَّقَافَة بِالْقَاهِرَة فِي الْفَتْرَة الْمُمْتَدَّة مِن الثَلاثِينِّيَات حَتَّى خَمْسِيْنِيَّات الْقَرْن الْمُنْصَرِم، وَارْتَبَط بِعَلاقَات حَمِيْمَة مَع عَدَد مِن كُبَّار الزُّعَمَاء وَالسِّيَاسِيِّين فِي فَتْرَة حَيَاتِه. تُوُفِّي عَام 1968م، فِي حَي (شِبْرا) الْشَّعْبِي بِالْقَاهِرَة، وَلَكِن خَيْر الْدِّيْن الزِّرِكْلِي فِي الأعْلام يَقُوْل أَن وَفَاتَه كَانَت بِلُبْنَان.

أَنْظُر إِلَى الْتَّعْرِيْف بِحَبِيْب جَامَاتِي الَّذِي كَتَبَه الأسْتَاذ عِيْسَى فُتُوْح فِي مَوْقِع: (الْمَوْسُوعَة الْعَرَبَيَّة).

3) أَمْيَل وَشُكْرِي زَيْدَان: هُمَا ابْنَا جُوّرْجِي حَبِيْب زَيْدَان (1861م – 1914م) الأدِيب والْرُوَائِي (ثَلاَثَة وَعِشْرُوْن رِوَايَة تَارِيْخِيَّة) وَالْمُؤَرِّخ وَالْصُّحُفِي اللُّبْنَانِي مُؤَسِّس دَار الْهِلال الَّتِي أَصْدَرَت مَجَلَّة (الْهِلال) سُنَّة 1893م.

تَوَلَّى أَمْيَل زَيْدَان إِصْدَار مَجَلَّة الْهِلال بَعْد وَفَاة وَالِدِه سُنَّة 1914م ثُم أُسِّس بِالاشْتِرَاك مَع أَخِيْه شُكْرِي زَيْدَان عِدَّة مَجَلاّت أُسْبُوْعِيَّة وَشَهريَة مِنْهَا: كِتَاب الْهِلال وَالْمُصَوِّر وَايمَاج الْفَرَنْسِيَّة كَمَا أَسَّس قَسَمَاً ثَقَافِيَّاً بِدَار الْهِلال. وَيُذْكَر أَن مَجَلَّة (الْمُصَوِّر) أُقَدِّم الْمَجَلاّت الْمِصْرِيَّة، الْصَّادِر عَدَدُهَا الأَوَّل يَوْم 24 أُكْتُوْبَر/ تَشْرِيْن الأوَّل 1924م، كَانَت تَصْدُر عَن مُؤَسَّسَة (دَار الْهِلال)، وَهِي مَجَلَّة لازَالَت تُصَدِّر بِشَكْل أُسْبُوْعِي حَتَّى يَوْمِنا هَذَا، وَقَد تَوَلَّى رِئَاسَة تَحْرِيْرِهَا عَدَد مَن رُوَّاد الإعْلام فِي مِصْر أَبْرَزِهِم إِمِيْل وَشُكْرِي زَيْدَان، فِكْرِي أَبِاظَة، عَلَي أَمِيْن، أَحْمَد بَهَاء الْدِّيْن، صَالِح جَوّدْت... وَآَخَرُون.

رَاجِع مَوْقِع الْشَّبَكَة الْدَّوْلِيَّة لِلْمَعْلُوْمَات، وَمَوْقِع (الْمَوْسُوْعَة الْحُرَّة) مِن وِيْكِيْبِيْدِيَا.

4) عَلَي الْكسار: فَنَّان كَبِيْر وَصَاحِب مَدْرَسَة فَنِّيَّة، وَيُعَد رَائِدَاً مِن رُوَّاد الْمَسْرَح الَكُوُمِيْدِي الْغِنَائِي. اسْمُه بِالْكَامِل هُو (عَلَى خَلِيْل سَالِم)، وَاشْتُهِر بـ(عَلَي الْكسار)، وَالْكسار هُو لَقَب عَائِلَة وَالِدَتِه. وَهُو أَوَّل فَنَّان مَصْرِي يُحَقِّق نَهْضَة مَسْرَحِيَّة كُوُمِيدِيّة لأِنَّه تَفَرَّد بْمِصْرِّيْتِه عَن سَائِر الْفَنَّانِين الَّذِيْن سَبَقُوْه وَعَاصُرُوه بِفِرَقِهِم الَّتِي أَتَت مِن بِلاد الْشَّام أَو مِن الْيَهُوْد أَمْثَال: صَّنُّوْع وَسُلَيْم نِقَاش، يَعْقُوْب رُوْفَائِيْل، جُوَرْج دُخُوْل، عَزِيْز عِيْد، نَجِيْب الْرَّيْحَانِي.

وَيُسَجَّل لَعَلِّي الْكسار وَالرَيْحَانِي أَنَّهُمَا كَانَا طَرَفا فِي أَنُعَاش الْحَرَكَة الْمَسْرَحِيَّة، وَأَنَّهُمَا الْمُدَرِّسَتَيْن الأهَم فِي الْمَسْرَح الَكُوُمِيْدِي. وَلَد عَلَي الْكسار بِالْقَاهِرَة فِي حَي الْسَيِدَة زَيْنَب يَوْم 13 يُوَلْيُو/ تَمُّوْز عَام 1887م. كَوْن فِي عَام 1916م أَوَّل فِرْقَة مَسْرَحِيَّة تُحَمِّل اسْمُه مَع الْمُمَثِّل مُصْطَفَى أَمِيْن. عَرَض إِنْتَاجُه الْفَنِّي عَلَى مَسْرَح (كّازيْنّو دَي بَارَى) بِشَارِع عِمَاد الْدِّيْن بِالْقَاهِرَة. انْتَقَل إِلَى مَسْرَح (المَاجِسْتِيك) بِنَفْس الْشَّارِع، بِتَارِيْخ 6 يَنَايِر/ كَانُوْن الْثَّانِي 1919م مَع شَرِيْكِه وَكَاتَب مَسْرَحِيَاتِه أَمِيْن صِدْقِي. انْفَصَل عَن أَمِيْن صِدْقِي مَع نِهَايَة صَيْف 1925م، وَاسْتَمَر فِي عِرْض مَسْرَحِيَاتِه عَلَى نَفْس الْمَسْرَح حَتَّى عَام 1939م. سَافَر بِفُرْقَتِه إِلَى الْوَجْه الْبَحَرِي و الْقِبْلِي فِي مِصْر كَذَلِك إِلَى الْعَدِيد مِن الْبُلْدَان الْعَرَبِيَّة. قَدَّم لِلْمَسْرَح أَكْثَر مِن مائتي عَمِل، وَكَتَب مَسْرَحِيَاتِه الْعَدِيْد مِن الْكُتَّاب الْكِبَار، أَمْثَال: أَمِيْن صِدْقِي، بَدِيْع خَيْرِي، حَامِد الْسِّيِّد.. وَغَيْرِهِم.

اسْتَمَر فِي عَرُوْضِه الْمَسْرَحِيَّة حَتَّى حَل فِرْقَتِه عَام 1950م. دَخَل بَعْد ذَلِك إِلَى الْمَجَال السِينَمَائِي، فَقَدِم سِتَّة وَثَلاثُيْن فْلِيّماً، تَم أَخْرَجَهَا مِن قَبْل أَشْهُر الْمُخْرَجِيْن وَقْتَذَاك، مِن أَمْثَال: عَبْد الْفَتَّاح حُسْن، وَحُسَيْن فَوْزِي، وَحَسُن الإمَام، وَمَحْمُوْد ذُو الْفِقَار، وَفُؤَاد خَلِيْل. لُقِّب بـ(صَاحِب الْرِّفْعَة الْوَجِيْه عَلَي أَفَنْدِي الْكسار) و(الْمُلْيُوْنِيِر الْخَفِي) و(الْبَرْبَرِي الْمِصْرِي الْوَحِيْد). تُوُفِّي يَوْم 15 يَنَايِر/ كَانُوْن الْثَّانِي 1957م. وَأقيم لَه حَفَل تَأْبِيْن فِي وَزَارَة الإِرْشَاد الْقَوْمِي بِمَسَرَّح حَدِيْقَة الازْبَكِيّة.

أَنْظُر مَا جَاء تَحْت عُنْوَان: (عَلَي الْكسار – السِّيْرَة الْذَّاتِيَّة) الْمَنْشُوْرَة فِي مَوْقِع: (السِّيْنَمَا / قَاعِدَة الْبَيَانَات الأَفْلام الْعَرَبِيَّة).

مقالات سابقة للكاتب

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
باحث فى الشأن الليبى
الاستاذ الصادق الشكرى.nلقد وضعت والله يدك على موضع الجرح الا وهو النقص الممنهج للمراجع التاريخية المتخصصة فى أهم حقبة من تاريخ البلاد الا وهو منذ تحرير البلاد بعد الحرب الكونية…...
التكملة
محمود شقلوف
أرجو من الأخوة المهتمين، التعرف على الشخص الوحيد الذي لم يتمكن السيد الصادق شكري من التعرف عليه في الصورة رقم 3 ، وهو الشخص الوحيد الذي لم يتمكن من ذكر…...
التكملة
سالم عبدالنبي
أحب أن أضيف إلى السيد الصادق شكري بأن الأستاذ مبروك الجيباني كان من أوائل المنضمين إلى جمعية عمر المختار ساعة تأسيسها بدرنة عام 1944م والتي ترأسها علي باشا العبيدي. وكان…...
التكملة
الصادق شكري
في البداية أشكر كل الأخوة على التجاوب الذي أقدره وأثمنه مع هذه السطور، وعلى كلماتهم الطيبة وأدعو الله أن أكون عند حسن ظن الجميع. وأحب التوضيح بشأن أحد الأسماء الواردة…...
التكملة
تقدير
كمتابع بؤدي أن اسجل شكري وتقديري الى السيد الصادق شكري على مجهوده الكبير المتواصل في تقصي ونشر الاسس والحقائق التاريخية الوطنية المتعلقة بإنقاذ الامة الليبية من ظلمات الامية والفقر والجاهلية…...
التكملة
ليبى
شكرا للكاتب وارجوا منه طباعة الكلمات بالطريقة التى عودنا بها فى المرات السابقة وهى طريقة سهلة وبسيطة ولاتربك او تجهد عين القارىء...
التكملة
الصبراوي
لك كل الشكر والتقدير لما تقوم به من دراسات قبمة حول التاريخ السياسى فى ليبيا ، فعلاً نحن مااحوجنالمثل هذه المؤلفات والكنوز القيمة حول تاريخ ليبيا نحن الآجيال الجديدة التى…...
التكملة
سليم الرقعي
السيد الصادق شكري - العود أحمد - والله إنك لتقوم بمجهود في مجال بيان الحقائق التاريخية المسنودة بالوثائق مما يساهم في إستعادة ذاكرتنا الوطنية التي حاول القذافي أن يزيفها ويطمسها…...
التكملة