شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (6 مِنْ 8) 13/2/2012 23:18 شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (6 مِنْ 8)
الصادق شكري بحث

حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت

زمن عَلي الشعالية وشَارِع كان أسمه سَيِّدِي سَالم (6 مِنْ 8)

بقلم: شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري)

مش نًا اللي نًصْبٍرْ عليك ونَقْسَى
ولاَ نَا اللي وِينْ غَبتْ قَادرْ نَنْسَى
م الصغر وأنت في حَنَايا رُوحي
نَصبَحْ عَلَى حُبكْ بشوقْ ونَمْسَى

مِن قصيدة: (نًصْبٍرْ عليك) للشّاعر الغنائي فرج المذبل.

الحَلْقَة السَّادِسَة

كَان علي الشعالية (1919م – 1973م) مُحِبّا لِلفنّ الشَّعْبِي مُنذ مَطْلَع شَبَابِه، ومِن مُحِبِّي أَغَانِي المُوسِيْقار محَمَّد عبْدالوهاب وهُوَاة تردِيد أَغانيه الشَّهِيْرة وقتئذ. تعلم أُصُوْل الفَنّ الشَّعْبِي وقواعد غنائه على يَد عبْدالهادي الشعالية إِبن عَمِّه، وارتبط بِالشِّعر فِي مرحلة مُبَكِّرة مِن حَيَاتِه كَوْن أَحْمَد رَفِيْق المهدوي أَشْهُر شُعراء لِيبَيا كَان أَقرب أَصْدِقَاء والده ومِن حَيْث ارتباطه هُو شخْصِيَّا بِصداقة مع شاعرنَا الكبير. مُجْمَل هَذِه الظّرُوْف، ساعدَّته على دراسة المُوْسِيْقى والتَّخصُّص فِي آَلَة القَانُوْن، وجعلته يُصبح فيْما بعْد مُطرِبَاً مُحتْرِفاً ويتميَّز بعدئِذ فِي أَدَاء الأغْنِيَة الشَّعْبِيَّة. ارتبطت حَيَاة الشعالية بِالبَحْر، وكان شارع سيِّدِي سَالم مِن بيْن أَهم محطّات حَيَاتِه. امتلك صوتاً قوياً مُفعماً بِالإحساس والدِّفْء.. وكان إِنْسَانَاً مُهذَّباً ذُا خُلُق كَرِيْم، ولِسَان رَطْب يُحِب الكلام الطَّيِّب ويُكرِّه ما يُحْرِج النَّاس ويُجَرِّح مشاعرهم. وكان الشعالية فَنَّاناً جميلاً من زمن الفَنّ الجَمِيْل.. والفنّ فِي زمَنِه وزمن مِن سَارُوْا على نَهْجِه، شَهِد نَجَاحَات كبِيرة استمرت لسنَوات قَبْل إِجهَاضِهَا على يد سلطَة غَاشِمَة أَفسدت كل شيء فِي حَيَاة اللِيبِيِّين. واليوم، بعد أن ثار الشّعب الِلّيبيّ على الطاغية وسلطته الغاشمة، وأعلن فِي يوم 23 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2011م تحرير ليبَيا وبداية عهدها الجديد، نأمل أن يعود الفنّ إلى ما كان الأوائل يخططون له ويسعون إلى تحقيقه كالتّعرِيف بِالأغنيّة اللِّيبِيَّة ونشر مُوسِيْقَاها بالإضافة إلى الاهتمام الشديد بالمشاركات الفنيّة وعملية تبادل المعارف والخُبُرات بغية التّحديث والتطوير المستمر. ولنبدأ فِي هَذِه الوقفة، بِإِعْطَاء نبذة عن الفنّ فِي بلادنا الحبيبية بيْن زَمَن الشعالية وزَمَن محَمَّد حَسَن!.

الفنّ الِلّيبي.. زَمَن وزَمَن!

كان الجيْل الأوّل مِن الفنانين الِلّيبيّين مِن أمثال: علي الشعالية (1919م - 1973م) وكاظم نديم  (1923م - 2007م)، والسِّيّد بومدين (1916م – 1994م)، ومحَمّد سَلِيْم (1915م - 1994م)، ومحمود الزردومي، وعلي أقدوره (1920م - 2010م)، وعبْدالسِّيّد الصّابري (1924م - 1997م).. وغيرهم، أصحاب ثقافة ورُؤية وإنتماء حقيقي لِلوَطَن، وقبْل ذلك كانوا يتمتَّعُوْن.. ".. بِطِيْب مَعْشَر يُرَافِقُه حَسَن خَلَق ودماثة وخِفَّة رُوْح.. وجَمِيعُهُم كانوا يتمتَّعُوْن بِأَخْلاق الفّنّان الحَقِيقِي.."، كَمَا قَال الفّنّان سَلام قَدَرِي فِي حَدِيثِه مَع مجَلَة: (المَسْرَح والخَيَّالة) مَطْلع عَام 2010م. هَذِه المُقَوِّمَات مُضافاً إِليها الموهِبَة وعملِيَّات صَقَلها، دَفَعْت هذا الجيْل إلى تُحَمِّل المَسئؤولِيَّة والرَّفع مِن مُسْتوى اهتِمَامَاتِه وعِنايته بِمَا يُقْدِم سعياً إلى التّحديث والتَطوير والإضَافَة. والنَتِيْجة.. وضَع هذا الجِيْل الأصِيل المُرتكزات الأساسِيَّة للفَنّ فِي لِيبَيا، وقدَّمُوا أَعمالاً خَالِدَة، ثمّ تَبنوا مواهب حقيقيّة صَنَعُوا مِِن خِلالها - وفِي فترة وجِيْزة - نَجَاحَات كَبِيْرَة على مُستوَى الوَطَن العَرَبِي. كَمَا اهتمُّوا بِتَبَادِل المعارف والخُبُرات، وحَرِصُوا على التّعرِيف بِالأغنيّة اللِّيبِيَّة ونشر مُوسِيْقَاها. وحدثت نقلة نوعية فِي الأغنيّة الِلّيبيّة عام 1957م حينما أدّى المُطرب محَمّد صدقي أغنيّة: (طيرين فِي عش الوفاء) التي كتب كلماتها الشّاعر الرَّاحل عبْدالسّلام قادربوه (1936م - 1988م) ولحنها المُوسيقار يُوسف العَالم، والتي جاءت كلماتها، على نًحْو التّالي: 

طيرين في عش الوفاء .. باتن سهارى كنهن !؟.
من شوق بالماضي لفى .. وللا الهوى شاغلهن.
وحيرتهن معايا.. في لوعة غلايا .. في ماضي بنيته.

وكان الحب في ماضي زماني .. نار اتقيد .. وأوهاماً غريبة.
نسمع بيه ما يوماً دعاني .. ولا شاكيت من قسوة لهيبه.
برموشه رماني.. خللاني نعاني.. في سهوة لقيته.

بعد الليل.. ما سهّر عيوني.. تشكي دوم.. مشغولة بحالي.
وعاد الموح.. يوقد في ظنوني.. ظلم أيام.. ما فارق خيالي.
وتاه القلب مرة.. وعاد معاه نظرة.. من غالي هويته.

مال الورد.. فوق الغصن زاهي.. يوصف شوق.. في موّال غيّة
يوم شقيت.. بيه وكان لاهي.. زاد النار.. في دموعي الخفية
وسهّرني ليالي.. تايه دوم بالي.. نحلف ما نسيته. 

وعلى أية حال.. وضع المُطرب محَمّد صدقي بهذه الأغنيّة زَمَن ظهورها عام 1957م، حجر الزاوية للأغنيّة الحديثة فِي ليبَيا. استقبلها الجمهور الِلّيبي بفرحة غامرة وترحاب كبير، وحازت.. {.. إعجاب المستمع العَرَبيّ الذي قلّدها أطواق الياسمين وأساور الذهب والفضة فرحة بميلادها، خصوصاً فِي المحتفلات الفنيّة العربيّة إذ أنها حظيت بإشادة المنظمين لهذه المهرجانات فبالنسبة للتحديث الغنائي الحاصل لدينا منذ تلك الفترة، يُعدُّ فوزاً ومكتسباً كبيرين للأغنيّة الِلّيبيّة، مقارنة مع أقطار عربيّة أخرى تأخر التَّحديث المُوُسيقي فيها كمَا دُول الخليج مثَلاً التي على الرَّغم مِن استعانَتها بِالفرق والأَطقم المُوسيقيَّة المُؤلّفة أَعدادها مِن عشرات العازفين، واعتمادها التَّوزِيع المُوُسيِقي الحديث وتصوير الأغنيات بِالطُّرُق الحديثة إلاّ أَنَّها ما زالت إِلى يومنَا هذَا تَقَدَّم غَنَاء يبتعد كُل البعد عن الغنَاء الحديث الذي يعتمد أُصُوْل الغنَاء العَرَبِيّ، فما يُعَرِّض مِن غَنَاء هُناك ونراه على شَاشَاتِنا لم يتحرَّر مِن السلم الخماسي الأفريقي حتَّى فِي أَعمال كِبَار فنانيهم وروادهم، الأمر الذي يعني ـ والحال كذلك – مدى تفتح الحس المُوسيقي لدى هَؤُلاء المُبدعِيْن الثَّلاثَة: (محَمّد صدقي، وعبْدالسّلام قادربوه، يُوسف العَالم).

ومن جديد، وضع المُطرب محَمّد صدقي حجر الزاويّة للأغنيّة الحديثة فِي ليبَيا، وجعل المُطربين من معاصريه، وممّن جاؤوا بعده، يتسابقون نَحوْ هذا اللون الجديد مِن الغناء، الذي سيتيح لهم إظهار ملكاتهم الصّوتيّة الرّفيعة، بالتحرُّر مِن عقال القوالب الكلاسيكيّة اللحنيّة المَعْمُول بها قبل ذلك، فظهرت بعدها مُباشرة أغنيّة حديثة أخرى منافسة لها، بصوت الفنّان الكبير: ( محَمّد مختار) التي نغـّمها له المُلحن (يُوسف العَالم ) الذي يقف وراء كل عمل حديث، وهي أغنيّة: ( ليش دمعتك)، وأعمال المُلحن الرَّاحل: ( كاظم نديم )، والمُوسيقار الكبير:(محَمّد مُرشان)..}م12. 

وكنتاج لهذه الأجواء المشجعة المحفزة، خرجت فكرة دعم توجه: (التعريف والانتشار !) المتمثلة فِي فكرة: (التعريف بالأغنيّة الِلّيبيّة ونشر مُوسيقاها)، فكانت زيارة المُوسيقار محَمّد عبْدالوهاب إلى ليبَيا أنسب وقت لإنطلاق هذا التوجه والمشروع. وهكذا، كان. والذي حَدَث، حينما زار المُوسيقار محَمّد عبْدالوهاب (31) ليبَيا عام 1968م، وكان وقتئذ الأستاذ مُصْطفى بن شعبان مديراً للإذاعة، اُختار قسم الموسيقى عشرة (10) أعمال ليبيّة بغرض تقديمها إلى المًوسيقار الزائر كهدية، مِن أجل الاستفادة منها وتوظيفها فِي أعماله الموسيقيّة القادمة. ويُذكر أن أغنية: (بعت المحبة) كانت ضمن مجموعة الأعمال العشرة التي قُدمت إلى محَمّد عبْدالوهاب، وهي أغنيّة مِن الفلكلور الشّعبي، وقد ضمها عبْدالوهاب إلى المقدمة الموسيقيّة التي وضعها لأغنيّة (دارت الأيّام) التي غنتها أم كلثوم التي كانت تعرف وقتئذ بلقب (كوكب الشّرق). كمَا ضمّ المُوسيقار محَمّد عبْدالوهاب جزءاً مِن المقطوعة الموسيقيّة (ليالي ليبَيا) إلى مقدمة أحد ألحانه لكوكب الشّرق أيْضاً.

وفِي الحقيقة، قد جَمَع هذا الجيْل المجد مِن طرفيه، فإلى جانب البدايات الصحيحة والتخطيط السّليم الذي استهدف التطوير والانتشار، حصدوا جوائز هامّة على مستوى الوطن العَرَبيّ !. فقد تحصل المُطربون الِلّيبيّون والأغنيّة الِلّيبيّة على مراتب متقدمة فِي مهرجانات عربيّة أقيمت فِي أواخر ستينيات وبداية سبعينات القرن المنصرم. تحصلت الأغنيّة الِلّيبيّة على الترتيب الثاني فِي مهرجان قرطاج، وعلى الترتيب الأوّل أو الجائزة الأولى فِي مهرجان الجزائر الذي أقيم أثناء إنعقاد المؤتمر الإفريقي بالعاصمة الجزائريّة. كذلك، تحصلت أغنيّة: (مربوع الطول) على الجائزة الأولى فِي مهرجان الأغنيّة المغاربيّة فِي دورته الأولى المنعقدة فِي المملكة المغربيّة. وعَن هذا يخبرنا الفنّان سلام قدري، فيقول: ".. أوفدت إلى المغرب صحبة: عبْداللطيف حويل، محَمّد صدقي، عطية محسن، إلى مهرجان الأغنيّة المغاربيّة فِي دورته الأولى حيث شاركت بأغنيّة: (مربوع الطول) مِن إعدادي وغنائي وكلمات: (مسعود بشون) التي تحصلت بها على الجائزة الأولى، كانت الجائزة تمنح للأغنيّة التي تلقى الصدى الأكثر لدى الجمهور. كان المشاركون أقطاب الغناء فِي المغرب العَرَبيّ أمثال: عبْدالهادي بلخياط، بهيجة الإدريسي، عبْدالوهاب الدوكالي.. ومحَمّد فويتح مِن الجزائر.. ويُوسف التميمي مِن تونس..".

ومِن المُلاحظات اللافتة للإنتباه، الأعمال الِلّيبيّة التي قُدمت مبكراً إلى الفنّانين العرب، والتي اعُتبرت – وبشهادة الفنانين أنفسهم – أعمالاً هامّةً وإضافة تُحسب فِي السجل الفني لهؤلاء الفنانين. ففي أواخر خمسينيات القرن المنصرم، غنت الفنّانة التونسيّة (عليا)، أغنيّة: (وعيوني سهارة) لسلام قدري، وأغنيّة: (بيناتكم ياساكنين الحارة) التي كتب كلماتها الشّاعر الغنائي علي السني وقام بتلحينها المُوسيقار كاظم نديم. وغنّت الفنّانة التونسيّة (نعمة) – أغنيّة: (قمري يايما) التي حققت لها انتشاراً واسعاً على مستوى الوطن العَرَبيّ. ويُضاف إلى هذه الأعمال – أعمال أخرى لحنها المُوسيقار كاظم نديم والمُوسيقار إبراهيم أشرف لمطربين مِن تونس ولبنان. ويذكر أن الفنّان عَلي الشعالية كان قد لحن عدة أعمال فِي فترة مبكرة مِن حياته لمُطربات مِن تونس كالمطربة: سُلاف، نورة سلطان. ولا ننسى فِي هذه الوقفات، الدويتو الذي قدمته الفنانة المصريّة ليلى جمال مع الفنّان هاشم الهوني والذي كان يحاكي أغاني الدويتو التي كانت تعرض فِي السينما المصريّة فِي عصرها الذهبي فِي خمسينيات وستينيات القرن المنصرم. ولتسليط مزيد مِن الضّوء حول ما تحقق فِي تلك المرحلة مِن نجاحات، نتوقف قليلاً أمام ما حققه المُوسيقار صبري الشّريف ( 1933م – 2009م) أبّان فترة قيادته للفرقة الموسيقيّة العسكريّة. إذ أسّس (32) الفرقة العسكريّة الموسيقيّة عَام 1954 م، ومنحته الدولة بعد تأسيسه للفرقة رتبة عسكريّة تدرج بترقياته بها حتَّى وصل إلى أعلى الرتب. كمَا يُعد صبري الشّريف مِن أوائل المؤسسين للحركة الفنيّة الِلّيبيّة، وصاحب أجمل المقطوعات الموسيقيّة كمقطوعة: دموع الفرح، مِن بلادي، الطريق إلى القدس، الجزائر، الجبل، رقصة الشاطئ، هدى... وغيرها.

تحصلت الفرقة العسكريّة الِلّيبيّة تحت قيادة العقيد المُوسيقار صبري الشّريف على الترتيب الأوّل دوليّاً فِي مهرجانين عسكريين موسيقيين شاركت بهما فِي عامي 75 – 1976م بمدينة (سراييفو بيوغوسلافيا) كمَا كانت تُعرف سابقاً. ورُبّما يستحق مقام إزدهار الأغنيّة والموسيقى الِلّيبيّة إبّان خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، إلى مزيد مِن الاستطراد، فانتهز هذه الفرصة لأذكر كمية الأعمال الناجحة التي تمكن فنّان واحد مِن إنجازها خلال سنوات معدودة مِن عمره الفني، وخلال تلك الفترة المزدهرة مِن عمر الفنّ الِلّيبي. فقد سجل الفنّان سلام قدري خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 1952م و1960م، مائة (100 ) أغنيّة كلها مِن ألحان المُوسيقار كاظم نديم بن موسى المعروف بـ(كاظم نديم)، والمُتوفي بطرابلس يوم 27 يونيه/ حزيران 2007م. وبسبب هذا التميز والكم الهائل مِن الأعمال، خصصت محطة (BBC) البريطانيّة خلال تلك السنوات، الوقت الكافي مِن ساعات بثها لتسجل خمس مقابلات منفصلة مع الفنّان سلام قدري، فِي حين لم تجر مع غيره مِن الفنّانين العرب هذا العدد مِن المقابلات ولم تذع أغانيهم كمَا كانت تذيع فِي أغانيه. وعلاوة على بث أغاني الفنّان سلام قدري فقد كانت الإذاعة البريطانيّة (BBC) ترسل إلى فناننا أجراً دورياً على أعماله كحق بث. وقد ذكر الفنّان سلام قدري هذه الوقائع فِي حديث أجرته معه مجلة: (المسرح والخيالة) مطلع عام 2010م. والشاهد، أن هذا الجيْل اعتمد أصول الغناء العَرَبيّ، وسبق فِي مجال التحديث الموسيقي دولاً عربيّةً عديدة، وحصد شهادات تقديرية كثيرة وجوائز هامّة فِي مهرجانات موسيقيّة عقدت فِي دول المشرق العَرَبيّ ومغربه. وبعد هذا كله، جاء محَمّد حسن ليعيد عقارب الساعة إلى الوراء حيث أعاق بأسلوبه انتشار الأغنيّة الِلّيبيّة وحصرها مجدّداً داخل حدودها ممّا عرقل استمرار عمليّة تطويرها بحكم نفوذه المستمد مِن السّلطة التي أقبرتها ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م !؟.

وفِي ظل المناخ الإنقلابي رُبِطَ الفنّ بالسّلطة وتمّ إيقاف مشروع التحديث والانتشار الفني، ففي حديث صحفي مع الفنّان محَمّد نجم بعد نجاح ثورة 17 فبراير، قال فنانا الرَّائع.. {.. كان هناك مشروع فني كبير بيني أنا المطرب محَمّد نجم وبين المُوسيقار الكبير محَمّد الموجي فِي القاهرة، وأخذنا مجموعة مِن الأغاني مِن كلمات المرحوم الشاعر عبْدالسّلام زقلام وأغنيتين مِن كلمات عبْدالوهاب محَمّد المجموع خمس (5) أغاني كان على أساس أن نقوم بتسجيلهن فِي شريط وأغنيهن في حفلات بالقاهرة كان ذلك سنة 1974م. عرضنا هذا المشروع على إدارة الإذاعة لكي يمول المشروع،  وكان المبلغ المطلوب للتمويل (3500) ثلاثة ألاف وخمسمائة دينار ليبي أيّ أنه مبلغ بسيط جداً فِي ذلك الوقت. أنظر للمساومة باللهِ عليك، قالوا لنا فِي ذلك الوقت، عليك أن تغني أغنيتين للنظام لثورة الفاتح لكي نمول لك المشروع وذلك فِي سنة 1974م. يعني أنا لكي أغني أعمالي يجب أن أغني أغنيتين للنظام  هذا غير ممكن ومات المشروع فِي مهده..}(م13). 

ونظام القذّافي الذي رفض فِي عام 1974م مشروع الفنّان محَمّد نجم الهادف إلى التعريف بالفنّان والفنّ الِلّيبي وخلق قنوات تعاون فني مع موسيقيي مصر وفنانيها والذي قُدرت قيمته بثلاثة ألاف وخمسمائة (3500) جنية ليبي فقط، دفع أكثر مِن خمسة عشر (15) مليون جنيه ليبي فِي عام 2009م فِي عمل غنائي استعراضي أٌقيم على المسرح الصيفي بطرابلس، يمجد معمّر القذّافي بمناسبة عيد إنقلابه الأربعين سُمّي بـ(أوبريت فارس ورجال) مِن تأليف علي الكيلاني وألحان محَمّد حسن وغناء محَمّد حسن ومجموعة مِن المطربين الِلّيبيّين والعرب، ومشاركة ثلاثة ألاف (3000) فناناً استعراضياً من ليبَيا وأوكرانيا والجزائر والمغرب وتونس ومصر، وثلاثين (30) فرقة مِن فرق الفنون الشّعبيّة الِلّيبيّة، وألف (1000) فارس بخيولهم العربيّة الأصليّة... والحاصل، حصر محَمّد حسن مجدّداً الأغاني والألحان الِلّيبيّة فِي لون واحد ومقام واحد والأنكي مِن ذلك ربط الفنّ بالسّلطة القائمة ثمّ ربط الوطن بشخص القذّافي حتَّى صار الوطن فِي عهده وكأنه صُورة شخصيّة للقذّافي!.

ورُبّما تكون نقطة التحوّل الحقيقيّة فِي الأغنية الوطنيّة الِلّيبيّة مِن كونها أغنيّة تمجد الوطن وتعزز الانتماء له إلى أغنيّة خالصة للحاكم، هي أغنيّة (يا قائد ثورتنا على دربك طوالي.. يا مخلي رايتنا مرفوعة فِي العالي) فِي بداية النصف الثّاني مِن سبعينات القرن المنصرم وقام بتلحينها وغناء كلماتها محَمّد حسن. وفي عقد السبعينات والثمانينيات وحتَّى عام 1992م قبل السماح بتركيب صحون الأقمار الصناعيّة لالتقاط موجات بث المحطّات الفضائيّة العربيّة والأجنبيّة، كان تلفزيون القذّافي الذي لم يكن الشّعب الِلّيبيّ يشاهد آنئذ غيره، كل برامجه مرتكزة حول شخص معمّر القذّافي حتّى وصل الأمر بهذه المحطّة إلى تحويل أغنيّة (يا قائد ثورتنا) إلى ما يعادل النشيد الوطنيّ حيث تحولت إلى  نشيد يُغنّى بصوت جماعي تختتم به يومياً ساعات البث!... فرض محَمّد حسن وجوده.. {.. على خارطة الأغنيّة الِلّيبيّة، لأنه أوَّلاً، شارك الشاعرين الضابطين الكيلاني ومنصور فِي التغني بالثورة والقائد والجماهيريّة، أيْضاً قاسمهما اللحن والإيقاع والكلمات التي لا تبتعد كثيراً عَن المنطقة الوسطى..}م14. والمشكلة الكبرى، أن محَمّد حسن بعدما اعتبرته السّلطة مطربها المفضل، أصر على الجمع بين الغناء والتلحين فِي آن واحد، بالرَّغم مِن الفارق الكبير بين إمكانياته فِي المجالين المذكورين !؟... وبحكم صلة محَمّد حسن القوية بالسّلطة الحاكمة، أصبح صاحب النفوذ والسّيطرة المطلقة على الفنّ، واعتقد فِي نفسه – وفِي مرحلة مبكرة مِن حياته الفنيّة –  أنه الأفضل والأجدر بقيادة مسيرة الفنّ الِلّيبي، وأن مشوار البلاد الفني بدأ مع بدايته فتسبب فِي ابتعاد الكثير مِن المبدعين عَن السّاحة الفنيّة وتراجع التطوير والتحديث حيث تحول الفنّ فِي عهده إلى ساحة لتملق الحاكم ونفاقه، وأصبح أداة مِن أدوات الحاكم فِي التخدير والسّيطرة !.

وأشتكى الكثير مِن الفنانين الِلّيبيّين الكبار مِن الإقصاء وهيمنة المُطرب الواحد واللون الفني الواحد، وعلى رأس هؤلاء الفنّان سلام قدري، وقد ذكر السّيّد عبْدالرَّحمن شلقم ذلك فِي كتابه: (أشخاص حول القذّافي) الصّادر فِي شهر يناير/ كانون الثاني 2012م. وفِي الحقيقة، لا أحد ينكر أن محَمّد حسن وثق مِن خلال أعماله بعض الألحان التراثيّة التي رُبّما طالها الاندثار لولا التفاتته إليها. ولا أحد ينكر على محَمّد حسن امتلاكه لخامة صوتية رُبّما تؤهله لأداء جميع ألوان الغناء العَرَبيّ، وقد ظهر هذا مبكراً حينما غنى محَمّد حسن مِن ألحان غيره، كالألحان التي قدمها له: يُوسف العالم وإبراهيم أشرف ومحَمّد عطية. ولكن، مسألة دخوله لمجال التلحين ثمّ هيمنته الكاملة وسيطرته المطلقة عليه، مسألة فيها نظر كمَا يقولون، ولا علاقة لها بإمكانياته الصوتية وتقييم تجربته الغنائية !!. واعتقد أن تجربة محَمّد حسن فِي مجال التلحين أثبتت عدم مقدرته على الابتكار والتجديد بل أثبتت وقوعه الفاضح في فخ..".. التكرار والنسخ "، كمَا قال الناقد زياد العيساوي. والذي حَدَث، أن محَمّد حسن أغرق الموسيقى الِلّيبيّة فِي جملة لحنية واحدة، وقدم ألحاناً تكاد تكون واحدة مِن كثرة التشابه بينها، لدرجة أن أحد المخضرمين الِلّيبيّين شبه موسيقى محَمّد حسن بلعبة (الطِّقيْرَة) (33)!. وما يمكن إضافته إلى وصف (الإغراق) الذي تحدثنا عنه – صفة (الإنغلاق) التي اتسمت بها أعمال محَمّد حسن ومسيرته !!. لأنه أختار مِن الكلام كل ما هو موغل فِي عاميته ومنغلق على ذاته، واختار مِن الألحان والإيقاعات ما يقع فِي نطاق المنطقة الوسطى مسقط رأس معمّر القذّافي ليغازل مزاج القذّافي الذي كان يعتقد – وفقاً لما نقله شلقم فِي كتابه المذكور - ،..".. أن سرت هُمِشت فنياً وأدبياً وثقافياً، وأن موروثها الفني، هو الذي يمثل القاسم المشترك بين الِلّيبيّين، وكمَا أن سرت هي المنطقة التي تتوسط ليبَيا جغرافياً، فهي أيْضاً التي تتوسطها فنياً..".  كذلك إصراره على تقديم أغانيه فِي خيمة وكأن الِلّيبيّين يعيشون فِي خيم لا بيوت، والهدف مِن وراء إصراره هذا البقاء متحكماً ومهيمناً على الغناء والتلحين فِي ليبَيا، فخيمته تحاكي خيمة القذّافي التي يصر على أن يستقبل فيها ضيوفه الرّسميّين وينقلها معه لينصبها فِي حدائق وساحات أيّ دولة يُدعى لزيارتها.

ساير محَمّد حسن قائده بغية منع الِلّيبيّين مِن التطور والتقدم والإصرار على بقائهم خارج إطار العصر الذي يعيشونه، ولذا تبنى القذّافي (الخيمة) وتمسك بها لأنها ترمز – حسب فهمه – إلى الإنغلاق ورفض التطور والإغراق فِِي المحلية أيّ عكس ما يدعيه مِن حيث كونها ترمز إلى الأصالة والتمسك بالقيم والتراث. ولعل القصّة التي رواها الأستاذ نبيل نصر الدّين فِي المقالة التي خصّ بها الفنّان الِلّيبي أيمن الأعتر بعد فوزه فِي عام 2004م فِي لبنان بلقب نجم العرب (Arab super star )، ما يُشير إلى ما ذهبنا إليه !. قال الأستاذ نبيل نصر الدّين: {.. زار بعض الفنّانين والأدباء المصريين ليبَيا، وأثناء زيارتهم التقوا بالعقيد معمّر القذّافي، وجلسوا معه جلسة طويلة استمرت لعدة ساعات. وأثناء الجلسة عبر أحد الفنّانين المصريين عَن استغرابه لوضع الفنّ فِي ليبَيا بالرَّغم من وجود عمالقة ومبدعين !!. ردّ المفكر الثائر! (القذّافي) على استغراب الفنّان المصري، قائلاً..".. هذه موش بلاد إبداع.. اللي يبي يكون مبدع يطلع مِن البلاد..". هكذا ردّ القذّافي وباللهجة العاميّة، قاصداً القول.."..ليبَيا ليست بلد إبداع ومبدعين !، ومِن أراد أنّ يكون مبدعاً، عليه أنّ يغادرها..}م15. وفِي ظني، منذ هيمنة محَمّد حسن على السّاحة الغنائيّة، وسيطرة عبْدالله منصور السليماني وعَلي الكيلاني القذّافي على الكلمة المغناة والإنتاج والتوزيع الفني فِي جماهيريّة القذّافي، ضُرب بالأسس والقواعد الفنيّة التي وضعها علي الشعاليّة وأبناء جيله عرض الحائط..

وتوقفت مسألة التحديث الغنائي التي بدأها المُوسيقار يُوسف العالم عام 1957م بأغنيّة: (طيرين في عش الوفاء) وما جاء بعدها على يد: صبري الشّريف ومحَمّد الكعبازي وإبراهيم أشرف وكاظم نديم وعطية محَمّد وعلي ماهر وحسن عريبي (1923م –  2009م) مؤسس فرقة المألوف والموشحات عام 1964م، وأوَّل نقيب للفنانين فِي لِيبَيا بعد تأسيس النقابة عَام 1974م. وما نأمله بعد نجاح ثورة 17 فبراير ورحيل القذّافي، استئناف مسيرة الأوائل، وفتح المجال أمام كافة المبدعين مِن أجل نشر الموسيقى الِلّيبيّة ووضع الفنّان الِلّيبي فِي مركز ظاهر على خشبة مسرح الفنّ العَرَبيّ. والذي حَدَث، حُصر اللحن الِلّيبي فِي الإيقاع والرتم الواحد، والكلمة فيما هو موغل فِي عاميته، على يد: محَمّد حسن وعبدالله منصور وعلي الكيلاني، وبالتالي توقف التحديث والانتشار الذي ازدهر فِي ستينيات القرن المنصرم. والحاصل.. قدم محَمّد حسن ومِن يتبعون مدرسته فِي التلحين – إن صح أنه صاحب مدرسة ! -  ألحاناً كثيرة لعدد مِن المُطربات العربيات، نرى بعضهن اليوم فِي الصدارة، مِن أمثال: ميادة الحناوي، أصالة نصري، أنغام، سميرة سعيد، لطيفة، ذكرى، غادة رجب، نوال غشام، أسماء لمنور.. وغيرهن.... لم تعتمد هذه المُطربات وغيرهن أعمال محَمّد حسن ورفاقه ضمن ألبوماتهن التي تصدر سنوياً أو كل سنتين أو ثلاث سنوات على الأكثر، ولم تغن أعمال محَمّد حسن وشلته، فِي أيّ حفلة أو مهرجان شاركن فيه، ولم تشر معظمهن فِي أي برنامج تلفزيوني استضافهن، إلى محطّة غنائهن فِي ليبَيا، ولم يتحدثن مطلقاً عَن الفنّ الِلّيبي وفنانيه. وبالتالي، لم تنتشر هذه الأعمال عربيّاً وظل انتشارها المحدود لا يتجاوز مساحة الإعلام الِلّيبي المحلي. والحقيقة، لم يكن الحال كذلك قبل مجيء محَمّد حسن، فقد حققت الأعمال الِلّيبيّة خلال ستينيات وبداية سبعينيات القرن المنصرم، نجاحات كبيرة وشهرة واسعة لفنّانين عرب، وكان هؤلاء الفنانون دائمي الإشارة إلى أعمالهم الِلّيبيّة وسعداء بتجربتهم مع الكلمة والجملة اللحنية الِلّيبيّة.

ولعلنا نذكر فِي هذا السّياق بعض أغاني تلك الفترة، ومنها ما قدمته المُطربة السّوريّة زكية حمدان (1925م – 1987م) مثل أغنيّة: (البارح منام الليل).. وما قدمته المطربة: (ليلى مطر) كأغنية: (مكتوب عليّ) المستند لحنها على التراث الِلّيبي مضاف إليها تقنيات (الدبكة) الإيقاعيّة. كذلك، أغنيّة: (على شط الحب تلاقينا) للمطربة المصرية حورية حسن.. وأغنيّة: (بعد الغلا) التي غنتها نازك المطربة اللبنانية.. وأغنية: (نور القمر) للمُطربة اللبنانيّة سهام شمَّاس أيْضاً أغنيتها: (لو كان كلمة أه تنفع بيه ما عاد يلحقني خطا و لا سيه) التي نجحت نجاحاً كبيراً وانتشرت بشكل واسع النطاق بمعايير زمان صدورها. ولا يفوتنى أن أذكر فِي سياق الإشارات إلى بعض المختارات مِن تلك الحقبة، الأغاني التي قدمتها (الثلاثي المرح) الفرقة اللبنانيّة، والتي غنت لعمالقة الموسيقى فِي العالم العَرَبيّ كسيد درويش مثلاً، فتغنت اللبنانيات الثلاثة بالكلمة والجملة اللحنية الِلّيبيّة، أغنية: (يا العنب.. الله يبارك عالداليا) وأغنيّة: (تعال يا بونا).. وربّما غيرها أيْضاً. وفِي سجلات هذه الفترة أيْضاً، أغنيّة: (امرني) التي كتب كلماتها: عبدالسّلام زقلام، ولحنها: كاظم نديم، وغنتها:عليا التونسية، القائل مطلعها:

امرني الحب حبيتك وعاش قلبي ينادي عليك
يا ناسي القلب ما نسيتك يا بايعني وانا شاريك

كذلك، أغنيات: (حكاية حبي) و (ريدي الغالي) و(خليها فِي سرك) للمطربة التونسيّة سُلاف.. وأغنيّة: (قمري يايمه) التي كتب كلماتها: مسعود بشون، ولحنها: كاظم نديم، وغنتها: المطرب التونسيّة نعمة. وأغنيّة: (قمري يايمه) طُبعت فِي ذاكرة المستمع، وكانت من أكثر أغاني المطربة نعمة انتشاراً وشهرةً، وهي تُعد اليوم ضمن أهم أغاني أرشيفها الفني. وما يُضاف إلى هذه الباقة الجميلة مِن الأغاني الِلّيبيّة التي قُدمت بأصوات عربيّة، أغنيّة: (أمّي يا أمّي) التي صاغ كلماتها الشاعر الغنائي فوزي العمري، ولحنها المُوسيقار عطية محَمّد، وغنتها المطربة زهيرة سَالم. ولا ننسى فِي هذا السياق أيْضاً، أغنيّة: (زين الحبايب) و(اهديني صورة) للملحن إبراهيم أشرف، وأداء هيام يونس المُطربة اللبنانيّة. وعَن أغنيّة: (زين الحبايب) التي انتشرت فِي لبنان انتشاراً واسعاً، يقول الناقد زياد العيساوي، ما يلي: {..استخدم  إبراهيم أشرف فِي هذه الأغنيّة الرَّائعة: ( زين الحبايب)، جميع اللوازم، والآلات الموسيقيّة التي يتغنى على نغماتها مطربو ذلك القطر الشقيق، ومِن بين هذه الآلات، آلهٌ وتريةٌ هي ما بين آلتي العود والجيتار، وهي آلة (البزق) والسر وراء استخدامه لهذه الآلة الغريبة على الأغنيّة الِلّيبيّة، وبشكل ناجح، وهو ذلك الكم الزاخر مِن الجمل الموسيقيّة التي أتاحت لعازف هذه الآلة أن ينصهر فِي نغماتها..}م16.

والحقيقة، أن أعمال محَمّد حسن ومِن ساروا على نهجه أو دربه، لم تقدم أيّ إضافة تذكر إلى تلك المُطربات، ولم تفتح أمامهن مساحات مِن شأنها أن تبرز إمكانياتهن الصّوتيّة، وكانت الجمل الموسيقيّة لتلك الألحان تسير وفق الإيقاع والرتم الواحد، وبشكل رُبّما لا يتذوقه إلاّ المستمع الِلّيبي، بعكس الأعمال التي قدمها الفنانون الِلّيبيّون لفنّانين عرب إبّان ستينيات وبداية سبعينيات القرن المنصرم، والتي كانت كمَا قال الناقد زياد العيساوي: {.. تمتاز بتنوع مقاماتها ومذاهبها وثراء جملها الموسيقيّة، وتُنسب إلى الغناء العربي الصحيح، وبشكل يتذوقه المستمعان المحلي والعَرَبيّ فِي آنٍ واحدٍ، وغُنيت بجمل موسيقيّة حديثة..}م17. وبالإمكان مراجعة الأعمال التي قدمها محَمّد حسن ومجموعته إلى المُطربات المذكورات، ومقارنة ما أفردته موسيقى بليغ حمدي وسيد مكاوي وعمار الشريعي وحلمي بكر وصلاح الشرنوبي وكاظم الساهر من مساحات ونقلات لتلك الفنانات، أبرزت إمكانياتهن الصّوتيّة وتناسق الكلمة مع الجملة اللحنية، عكس ما حدث معهن مع موسيقى محَمّد حسن. 

ومِن جديد.. كان علي الكيلاني القذّافي، شاعر.. {.. نظم الكثير مِن الكلمات، وعاش حالة مِن دوائر الدخان التي ساهم فِي تحولها إلى عتمة شاملة، بوعي أو مِن دون وعي، كان عبر سنوات الحاوي، الذي يطلق الموال إثر الموال، وراء قافلة لم يساهم فِي تحديد هدفها، كان مزهواً بما يفعل، منبهراً وهُو يرى ابن عمّه مختالاً، بأمجاد خياليّة... وآخر إبداعات علي الكيلاني قبل أن يفر هارباً من ليبَيا أمام هدير ثوار 17 فبراير/ شباط 2011م، مولود جديد من رحم نشيد، مِن يجرأ يقول، يتحدث فيها عن عدد من الأشخاص الذين انضموا لثورة 17 فبراير، يعدد في الأغنيّة ما (قدموه) أي أهله حكام ليبَيا لهؤلاء الذين خانوا..!!... ولم يكتف الكيلاني بنظم الشعر، الذي عبأ له الكلمات والألحان بمواجهة ثورة شباب ليبَيا، بل جعل مِن بيوته ومزارعه، ثكنات تفيض بالصواريخ والمدافع والبنادق، ودفع بأولاده، بمواجهة الثوار العزل، وقُتِلَ أبنه عمرو، علي يد ثوار مدينة طرابلس يوم الأحد 21 رمضان الموافق 21 أغسطس/ أب 2011م فِي ساعات الفجر الأولى. هرب الشاعر، لا أعرف ماذا حمل معه، أيام الثورة، كانت خطابات معمّر القذّافي، تكرر الحديث عَن الملايين التي تلتف مِن حوله، تزحف لنصرته، وتتدافع لسحق الثورة. لم يمل الحديث عَن المسيرات المليونيّة، القادمة، مِن كل حدب ومِن كل صوب. وكأنه يردد صدى، ما قاله علي الكيلاني: (وين الملايين). لم يرد أن يدرك أن الملايين فِي كل خلجة، مِن خلجات ليبَيا، (تزحف)، لكن ضدَّ معمّر القذّافي، إلى أن أطبقت عليه، وهُو منبطحٌ فِي أحد أنابيب الصرف بسرت..}م18.   

وإلى ساعة إندلاع ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م، تربع محَمّد حسن فِي الخيمة، يُغني لقائده ويعظم فِي شأنه ويُسوق لأقواله ومقولاته، بدرجة أقرب إلى التقديس مِن أيّ شيء آخر والعياذ بالله. وأصبح الوطن فِي عصر محَمّد حسن صُورة شخصيّة للقذّافي، ولم نعد نسمع طوال هذه السنوات مِن القصائد الوطنيّة ما يجعل محبة الوطن تزداد عمقاً فِي القلوب والنفوس، وما يرفع مِن درجات الانتماء إلى الأرض لأعلى المستويات، كقصيدة: (بلد الطيوب) للفنان محمود كريم.. وقصيدة: (هـذه الأرض هـي العرض لنا) للفنّان محَمّد صدقي التي كتب كلماتها ولحنها الفنّان المبدع سَالم فرج بشون   (1923م – 1974م).. وقصيدة: (ليبَيا يا نغما في خاطري) التي غناها الفنان محَمّد نجم (عبْدالوهاب يُوسف) ولحنها يُوسف العالم.. وأغاني وطنيّة أخرى مِن مثيلات: (أرض الزهر والحنة) التي شجت بها عليّة، و(تعيشي يا بلدي)، وأغنيّة (لو تؤمريني) للفنّان سلام قدري. 

ومرَّة ثانيّة، ومِن جهة أخرى.. وضعت فِي يد المقربين مِن السّلطة في عهد المقبور معمّر القذّافي ميزانيات ضخمة فاقت ميزانيات كبرى المدن الِلّيبيّة بغية التطبيل والتهليل لشخص القذّافي والترويج لنموذج واحد من التراث الِلّيبي !؟. وضعت في يد قطبي الأغنيّة السياسيّة والإنتاج والتوزيع الفني فِي جماهيريّة القذّافي ميزانيّات فاقت ميزانيّات كبرى المدن الليبيّة، وهما: عبْدالله منصور السليماني (مسئول الإذاعة والتلفزيون)، عَلي الكيلاني القذّافي الشهير بإسم (علي الكيلاني) صاحب شركة أجاويد للإنتاج الفني. وتنافس الضابطان الشاعران الكيلاني ومنصور..".. على كرسي مدير الإذاعات الِلّيبيّة، مثلما تنافسا على قلب معمّر القذّافي، مِن خلال الكلمات الشعريّة، والأدوار السّياسيّة والأمنيّة.."، كمَا قال السّيّد عبْدالرَّحمن شلقم. وظلّ كلاً منهما، يتنافس طوال سنوات حكم معمّر القذّافي على كسب ودّ الحاكم، وشراء ذمم الفنّانين، وإصدار أعمال شعريّة وغنائيّة ودراميّة تمجد شخص معمّر القذّافي وتردد أقواله وتهلل لأعماله.. ويتنافسا، على الترويج لنموذج واحد مِن التراث الِلّيبي كالنموذج الذي جسده محَمّد حسن فِي الأعمال: رحلة نغم، النجع، فارس ورجال، الخيمة أو النسخة الجديدة المقتبسة مِن أعمال محَمّد حسن المسماة (الجلسة) والتي يشارك فيها مجموعة مِن الفنّانين الشباب الجدد. 

وأخيراً، لكي نخرج مِن الدائرة التي وضعنا فيها محَمّد حسن لابُدَّ أن يضع الفنّان مسافة ظاهرة بينه وبين السّلطة، ويقدم الفنّ الذي يُرضيه ويُمتع جمهوره ويرقى بالفنّ والمجتمع فِي آن واحد. ولابُدَّ لليبَيا الجديدة أن تفتح أرحب المجالات أمام الفنّ والإنتاج الإبداعي عبر رفع القيود المكبلة للفنّ وتهيئة مناخ إبداعي للفنّان.  وأن تعي دولتنا المنشودة دور الفنّ فِي حيَاة النَّاس وأهميته، فالفنّ ليس إمتاعاً فحسب بل هو أيْضاً أداة مِن أدوات التعبير ووسيلة مِن وسائل التربيّة والتعليم والنهضة حيث أنه"مرآة المجتمع" كمَا يقولون.

وأخيراً.. سيكون عنوان الوقفة القادمة: (علي الشعالية.. سيرة حياته ومسيرته الفنيّة).... فإلى اللقاء.
 


مِرْفق الصُوَر:

جميع الصُوَر المرفقة مِن الشبكة الإلكترونيّة الدّوليّة. الصُورة الأولى بداية شارع عُمر المختَار ويظهر فِي الطرف على اليسار محل عبْدالصمد للأحذية، ويظهر ضريح عُمر المختَار فِي المقابل بنهاية الشارع. الصُورة الثانيّة فرقة إذاعة بنغازي في بداية عقد الستينيات. الصُورة الثالثة للفنّان محمّد صدقي والأخرى للموسيقار يُوسف العالم. الصُورة الخامسة للفنّان سلام قدري يتحدث مع الموسيقار محَمّد عبْدالوهاب أثناء زيارته لليبَيا. الصُورة السّادسة للفنّان محَمّد نجم. الصُورة السّابعة للمُطرب محَمّد حسن.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات هَامَّة:

31) زيارة الموسيقار محَمّد عبْدالوهاب إلى ليبَيا: راجع ما قاله بخصوص هذه الزيارة، الفنّان سلام قدري للأستاذ نوري عبْدالدّايم الصحفي بمجلة: (المسرح والخيالة). 

32) صبري الشّريف: لمعرفة المزيد عَن حيَاة هذا الفنّان الكبير وإسهاماته العظيمة وأعماله الخالدة، يرجى مراجعة مقالة الإعلاميّة هدى صبري الشّريف المعنونة بإسم: (الفنّان صبري منصور الشّريف) والمنشورة فِي موقع: (جيْل ليبَيا) يوم 5 نوفمبر/ تشرين الثّاني 2010م.   

33) الطِّقيْرَة: لعبة شعبية قديمة كان الأطفال يعلبونها فِي ماضي الزمان، وهي عبارة عَن قطعتين خشبتين اسطوانيتين. تُسمّى  القطعة الأولى: بـ(العصا) ويبلغ طولها ما بين 25 و 30 سنتمتراً، والثانية: بـ(السكربيلو) كإصطلاح شعبي، وطولها لا يزيد فِي الغالب عَن 10 سنتمترا، ويكون طرفي (السكربيلو) على هيئة مثلث يضيق فيضيق حتَّى يصبح مدبباً تماماً. تعتمد اللعبة على قوة الضربة التي يواجهها اللاعب بعد قذف السكربيلو فِي الهواء ثمّ ضربه بالعصا قبل أن يسقط، حتَّى يصل إلى أقصى مدى. وفِي اللعبة أيْضاً، يقوم اللاعب حينما يكون السكربيلو في الأرض، برفع السكربيلو في الهواء عن طريق العصا ثمّ يضرب السكربيلو وهو في الهواء ليقذف به إلى أقصى مسافة ممكنة. هذه اللعبة تقوم على حساب مسافات قذف السكربيلو  بين اللاعبين، والمتقدم بحساب المسافات يكون هو الفائز فِي نهاية اللعبة. وللعلم، أن مصدر تشبيه صديقي الأستاذ أحمَد الماقني لموسيقى محَمّد حسن بـ(الطِّقيْرَة)، يكمن  فِي الصوت المتكرر (طَّق، طَّق) المنبعثة أو الناتج عن ضرب السكربيلو بالعصا. أحببت توضيح هذه المسألة حتَّى لا يختلط الأمر على القاريء، حيث أن هناك وزن مِن الأوزان الشعبيّة يٌسمّى بوزن (الطَّق/ الطِّقيْرَة). فمن المعروف، أن هناك مِن الأوزان الشعبيّة فِي شعرنا العامي ما يُسمّى (الطِّقيْرَة)، وهو الشعر المكون مِن ثلاث شطرات على الأقل، والذي يقال أحياناً بصحبة إيقاع دون أيّ آلة موسيقيّة، والإيقاع المصاحب يتكون مِن منضدة (طاولة)، وعصا رقيقة قصيرة تشبه القلم الطويل. وينتج الصوت الإيقاعي الرتيب مِن ضرب عصي الملتفين حول المنضدة على طرفها فِي حركة واحدة أو موحدة. 

مَصَادِر وَمَرَاجِع:

م12) الناقد زياد العيساوي – مقالة: (محَمّد صدقي: الأغنيّة الِلّيبيّة الحديثة الأم كانت بصوته) المنشورة فِي موقع: (جيْل ليبَيا) يوم 2 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2009م.
م13) موقع (ليبَيا اليوم) – حوار مع الفنان محَمّد نجم أجراه الصحفي سراج دغمان، منشور بتاريخ 2 يناير/ كانون الثاني 2012م.
م14) الأستاذ عبْدالرَّحمن شلقم – كتاب: (أشخاص حول القذّافي) – الصّادر عَن (دار الفرجاني) و (دار مدارك) للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى: يناير/ كانون الثاني 2012م.  
م15) الأستاذ/ نبيل نصر الدين – بشيء من التصرف عن مقالة: دور مهم في الفن وفوز أيمن الأعتر.. ولكن كيف ؟؟ – نشرت في موقع أخبار ليبيا في 7 سبتمبر 2004م.
م16) الناقد زياد العيساوي – مقالة: إبراهيم أشرف والأغنيّة الِلّيبيّة الحديثة – موقع: (ميدل ايست أونلاين) بتاريخ 23 يوليو/ تموز 2007م.   
م17) نفس المصدر السّابق.  
م18) الأستاذ عبْدالرَّحمن شلقم – كتاب: (أشخاص حول القذّافي) – الصّادر عَن (دار الفرجاني) و (دار مدارك) للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى: يناير/ كانون الثاني 2012م.

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
احمد عبدالحاكم
شكراً جزيلاً علي هذه النبذة البسيطة من الماضي الذي كاد يختفي عن الوجود... كما اشكر المرحوم صبري الشريف علي تسمتي باسم (احمد) ...  كما اشكر جميع الفنانين والعسكرين الذين انتقلو الي…...
التكملة
عاشقة الوطن و الحرية
الرجاء لا تتركوا هذا التراث يضيع و مشكورين على المجهودات...
التكملة
شكرا يا شكري
مبدع كعادتك وسردك التاريخي جيد وممتع. تصحيح بسيط: الصورة الاولى لشارع عمر بن العاص وليس شارع عمر المختار، لك تحياتي...
التكملة
Sufyan Mavrakis
Well Done Scikrey. Thank you for bringing back memories of the good old days. Hope all is well. See you soon....
التكملة
ابراهيم قدورة
الأستاذ الفاضل شكري ، ابدعت واتقنت في سرد جميل لجوانب شكلت وقفات فيها نجاحات تلتها لمدة اربعين سنة إغتيال للحركة الفنية النابعة من الناس ، حيث وجهت لتمجيد طاغية فلتختفي…...
التكملة