شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (الثامنة والأخِيرَة) 18/2/2012 23:35 شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري): حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت (الثامنة والأخِيرَة)
الصادق شكري بحث

حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت

زمن عَلي الشعالية وشَارِع كان أسمه سَيِّدِي سَالم (الثامنة والأخِيرَة)

بقلم: شُكْري السنكي (الصّادِق شُكْري)

".. بالتأكيد، فالسّياسي يريد ان يستحوذ على الفنّان ويصبح رغيف الخبز بيده ويعطيه متى ما شاء إلى الفنّان وبالتالي سيسلطون قراراتهم على رقبة الفنّان هذا بالسابق، أمّا بعد سقوط النظام أصبح هناك تحول إلى الحريّة والديمقراطيّة وكل الأشياء تأخذ منحنياتها الحقيقيّة وان كانت بطيئة لكن هناك تأسيساً حقيقيّاً وبالتالي لا يمكن تأسيس دولة حديثة مِن دون فنانين ومثقفين. فِي زَمَن الدّكتاتوريّة كانت جميع الأشياء مركزيّة، وتحتم عليك مراجعتها فِي كل صغيرة وكبيرة وساهم الفنانون إلى حدٍ كبير فِي هشاشةِ الوضعِ إبّان تلك الفترة لكن فِي الوضع الراهن، يجب أن يكون الفنّان الآن له خصوصيّة، وأقصد بتلك الخصوصيّة هي إيجاد ميزانيّة خاصّة بالمؤسسات الفنيّة مِن أجل توفير العيش الرغيد للفنّان، وبالتالي يستطيع ذلك الفنّان مِن العمل بإبداع حتَّى لا يتقرب إلى السّلطة، ويكون بوقاً لها مِن أجل الحصول على لقمة الخبز.. (41)".  


الحَلقَة الثامنة (الأخِيرَة)

عاش علي الشعالية سنوات فِي المنفى فِي عهد الاستعمار الإيطالي، واعتلى خشبة المسرح بعد عودته إلى أرض الوطن متغنياً بحب الوطن ومدافعاً عَن استقلاله وحريته، وكان شعر أحمَد رفِيْق المهدوي فِي مقدمة الكلمات التي اختارها لأغانيه. كان والده السُّنوُسي الشعالية وصديقه أحمَد رفِيْق شاعر الوطن مِن محبي السّيّد إدْريْس السُّنوُسي ويعرفان تمام المعرفة مكانته وقدره وأعماله الجليلة التي قدمها للوطن. وحينما نجح إنقلاب الملازم معمّر القذّافي فِي الأوَّل مِن سبتمبر/ أيلول من عام 1969م، رفض علي الشعالية بحكم خلفيته المعرفية الثقافيّة، ومنبته العائلي، وارتباطاته الإجتماعيّة، أن يغني للإنقلاب أو يقدم لحناً يهلل بالقادمين الجدد. وبعد الإنقلاب، واصل مشواره الفني بمهنيته المعهودة، وجعل المسافة بينه وبين السّلطة ظاهرة رافضاً أن يكون بوقاً لها مهما كانت المغريات وعلا سقف الامتيازات.      

وفِي بداية ثلاثينيات القرن المنصرم، اعتلى علي الشعالية خشبة مسرح (البرنيتشي) بمدينة بنغازي، وانضم إلى الفرقة العربيّة بإذاعة طرابلس عَام 1936م، وسجل لها مجموعة مِن القطع الموسيقيّة، وعدد من الأغاني الِلّيبيّة، وبعض من الأغاني العربية التي غنّاها سيد درويش ومحَمّد عبْدالوهاب. وكان أوَّل صوت ليبي تقدمه إذاعة أجنبيّة، وذلك عام 1948م حينما قدمته (بي. بي. سي / BBC) محطّة الشّرق الأدنى اللندنيّة.  وبعد أن وضعت الحرب أوزرها، ومُضِي خمس سنوات على إستقلال البلاد، صار الشعالية أوّل رئيس لقسم الموسيقى بإذاعة بنغازي بعد افتتاح الإذاعة الِلّيبيّة عام 1957م، وصار الفنّان كاظم نديم رئيساً لقسمها بإذاعة طرابلس. وعُين فِي عام 1964م عضواً باللجنة الفنيّة الخاصّة باعتماد المُلحنين الجدد التي ترأسها وقتئذ الفنّان حسن علي عريبي.

وعمل الشعاليّة على تشجيع {.. وظهور بعض المُطربات الِلّيبيات مثل: خيرية المبروك، فكرية علي، وغيرهما، وكتب بعض الأغاني، ولّحن العديد منها لمُطربين ليبيّين وعرب، وألف العديد مِن المقطوعات المُوسيقيّة المنفردة، وغنّى لمختلف شعراء وكتَّاب الأغنيّة على امتداد حيَاته الفنيّة رحمه الله. ومِن أبرز هؤلاء: عبْدالهادي الشعاليّة إبن عمّه، وأبوبكر جعودة، أحمَد رفِيْق المهدوي شاعر الوطن، بشير المغيربي الناشط السّياسي المعروف، خديجة الجهمي الإذاعيّة المعروفة، مُُصْطفى القرقوري، إلى جانب محَمّد منصور المريمي، محَمّد القداري، ومسعود بشون، وعبْدالحميد الشاعري، وغيرهم..}م28... كان الفنّان علي الشعالية مِن أوائل الفنانين الِلّيبيّين فِي مجال الغناء والتلحين، وكان هو والسّيّد بومدين (إسويدة) أشهر مطربين بمدينة بنغازي، وضمن أهم المطربين الِلّيبيّين. كانت بينه وبين إسويدة ما يمكن أن نسميه بلغة اليوم منافسة (Competition) ولكنها كانت منافسة إن صح لنا أن نسميها كذلك جميلة وذات طابع مختلف تماماً عمّا هو سائد اليوم.

المنافسة فِي زَمَن الشعاليّة

فِي عصر صعب جداً، وبيئة محافظة إلى أبعد الحدود، ظهر جيْل مِن أبناء المدينة ينتسب إلى عائلات محافظة وأسر لها مكانتها الخاصّة فِي المجتمع البنغازي، يحمل راية الفنّ ويدافع عنها بكل بسالة وقوة. ورُبّما لأن البدايات جاءت على يد أبناء المدينة المعروفين ولم تأت على يد أُناس مجهولين أو دخلاء على المجتمع البنغازي، تمكن هؤلاء مِن كسب تعاطف وتأييد الكثيرين ومِن ثمة وضع اللبنات الأساسيّة وتحقيق هدف التأسيس. لم تأت بدايات الفنّ فِي بنغازي وحدها على يد أبناء المدينة المعروفين بل كانت البدايات كذلك فِي طرابلس ودرنة وغيرها على نفس المنوال الذي تمّ فِي بنغازي. ولو رجعنا إلى قائمة المؤسسين للفنّ الِلّيبي بمدينة بنغازي لوجدنا الأسماء التاليّة: رجب البكًّوش، محمود الزردومي، عَلي إقدورة، عبْدالسيد الصابري، خديجة الجهمي، علي الشعالية، السيد بومدين، سُليمان بن زبلح، نجيب السّوادي.. وغيرهم. ولا شكّ أن هذه الأسماء تنتمي إلى أعرق عائلات المدينة وأسرها المعروفة جداً، وظني أن جزء مِن نجاح هؤلاء الفنانين فِي مهمتهم يرجع فِِي درجة من درجاته إلى كونهم ينتمون إلى هذه العائلات التي تشكل فِي الوجدان البنغازي قيمة ومعنى كبيرين. وبعد مشوار التأسيس بسنوات معدودة، أصبح علي الشعالية والسّيّد بومدين (إسويدة) أشهر مطربين بمدينة بنغازي، وضمن أهم المطربين الِلّيبيّين. وفِي بنغازي على وجه التحديد، كان الجمهور يكاد يكون منقسماً بين فنانين هما: عَلى الشعالية وإسويدة أو شادي الجبل كمَا لقبته السيّدة خديجة محَمّد عبْدالله الجهمي.

كان للفنّان عَلى الشعالية جمهور مولع به ويقدمه على الجميع كذلك كان للفنان السِّيّد بومدين (42) جمهوراً يعشقه ويتحمس كثيراً له. وبالرَّغم مِن محبة الجمهور الفني للفنانين إلاّ أنهم كانوا فريقين: فريق يقف خلف الفنّان علي الشعالية ولآخر يقف وراء الفنّان السِّيّد بومدين شأنهم فِي ذلك شأن كلّ مستمعي الطرب فِي كلّ البلاد العربيّة. كانت الأجواء فِي عصر الشعالية وإسويدة تختلف تماماً عَن الأجواء التي عاشها ويعيشها فنانو ليبَيا فِي زَمَن ما بعد إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م. لقد خلقت أوضاع ليبَيا وسياساتها العاقلة فِي الزمن الذي عاشه علي الشعالية والسِّيّد بومدين ما جعل كل مبدع حقيقي يعمل بجد ومثابرة مِن أجل تقديم الأفضل والأحسن والإرتقاء بالفنّ والذوق العام إلى أعلى الدرجات. وكان الزائر فِي ذلك الوقت حينما يزور استوديوهات الإذاعة الِلّيبيّة يلاحظ العمل الدءوب والإتقان فِي الأداء والحرص على التجديد والتطوير، ويلاحظ أن قسم الموسيقى بالإذاعة كان أكثر الأقسام نشاطاً وحيويةً فِي زَمَن ترأس الفنّان علي الشعالية للقسم.

كانت الفرقة الموسيقيّة للإذاعة بما تضمه مِن فنانين أكفاء وعازفين على مختلف الآلات الموسيقيّة الحديثة أكثر الأقسام نشاطاً وحيويةً وتطوراً. تمّ هذا الإنجاز والتطوير فِي زَمَن قياسي حيث كانت البدايات بسيطة جداً فالفرقة الموسيقيّة كانت غير مكتملة سواء فِي عدد العازفين أو الموزعين أو المُطربين، ولكن بفضل سياسات الدولة الراشدة التي كانت تريد التأسيس الصحيح لكل المؤسسات والمرافق والفنون، وبفضل جهود {.. وزارة الأنباء والإرشاد خلقت مِن هذه الفرقة أداة كاملة مِن أدوات الإذاعة وعناصرها أسوة بإذاعات العالم المتقدمة فلقد أرسلت الوزارة البعثات لدارسة المُوسيقى فِي الخارج كذلك رعاية الوزارة للمُطربين الناشئين والفنانين بصورة عامّة وتشجيعها لتراثنا الفني الِلّيبي الشّعبي. ولقد ظهرت أثار ذلك واضحة سواء بالنسبة للأغنيّة مِن حيث الكلمات وانسجامها مع متطلبات تطورنا الثقافي والإجتماعي، وكذلك ما نلاحظه مِن تطور هائل بالنسبة للألحان حتَّى أنها أصبحت تحظى بإهتمام إذاعات العالم وقبل ذلك لم يكن للأغنيّة الِلّيبيّة صوت مسموع..}م29. والذي حدث بعد ذلك، وبعد سنوات قليلة مِن إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م، هو اختلال المعايير والموازين حيث صارت كل الأشياء تدور فِي فلك السّلطة وما يحقق لها مصلحتها هي فقط ولا شيء سواها. 
وبعدما تلخصنا مِن معمّر القذّافي بفضل ثورة 17 فبراير، لابُدَّ أن تهتم الدولة بالفنّ والفنانين كاهتمامها بالعلم والعلماء، وأن ترفع عَن الفنّ كل القيود المعرقلة، وتهيئ للفنانين كل فرص الإبداع والتألق إنطلاقاً مِن القاعدة التي تقر بأن..".. الفنّ والعلم هما عنصران متكاملان يقودان أيّ حضارة.." (43).  

ومِن جديد.. رُبّما يحق لنا أن نُسمّي ما كان سائداً بين الفنانين فِي زَمَن الشعالية وإسويدة  بالمنافسة ولكنها دون شكّ كانت منافسة مِن نوع آخر، وتختلف عمّا جاء بعدهم. فقد كانت المنافسة فِي زمنهم تدار بالأصول الأخلاقيّة، وقواعد الزمالة، وضوابط المهنة، وكان الفنانون يومئذ يدعم بعضهم البعض من أجل إدخال الفنّ الِلّيبي دائرة المنافسة وإيجاد المكان الذي يناسبه بين الكبار. وكانت العلاقات بين الفنانين جميلة رائعة تتسم بالتعاون والتآزر، وكانت المنافسة حينئذ تعني أن يسعى كلّ فنّان لتقديم ما يثري الحركة الفنيّة ويرضي فنه وجمهوره على حدٍ سواء. فلم تكن المادة (الفلوس) وقتئذ مِن أولويات أيّ مبدع فِي أيّ مجال، ولم يتجاوز سقف المادة لدى الشعالية وإسويدة وغيرهما من الفنانين حدود الرضي والستر حيث كان الحرص منصباً على العمل نفسه والمستوى الفني المقدم، وما تحققه أغنيّات كل فنّان مِن نجاح ومتعة للجمهور، فلا (الفلوس) شكلت يوماً عند الشعالية وإسويدة وجيلهما هدفاً أو غايةً أو أولوية ضمن أولويات أحدهما، بل كانت حدودها لا تتجاوز سقف الستر كمَا سبق وأن أشرنا. وفِي اعتقادي، أن المنافسة فِي زَمَن الشعالية وإسويدة، لم تتخذ شكلاً مِن أشكال التعصب فِي يوم مِن الأيّام أو تتخذ منحى شطب قيمة فنيّة على حساب قيمة فنيّة أخرى، فالجمهور الذي خلق هذه المنافسة كان محباً للفنانين ولكن طرفاه يدافع كل منهما عَن ذوقه ومنهجه الفني المنحاز له بقناعة وإقتناع.

وممّا لا شكّ فيه، لم تكن المنافسة حاضرة يوماً فِي حيَاة الفنانين الإجتماعيّة حيث كانت الصداقة بينهما أقوى مِن أيّ شيء آخر، فعلى سبيل المثال: كانت العلاقة بين الشعالية وإسويدة حميمة وقوية جداً إلى درجة أن البعض وصفها بعلاقة الشقيقين. وهذا يذكرني بقصّة سمعتها مِن أحد أقارب الفنّان السِّيّد بومدين، تُلخص علاقة الفنانين، وصارت جملة مِن وقائعها فيما بعد – يرددها النَّاس فِي مجالسهم الخاصّة كلما خاض المتحدثون فِي شيء له علاقة بالمنافسة والمتنافسين!. يروى أن الفنّان السِّيّد بومدين، دخل إلى بيت أخته ذات يوم، فوجد الراديو شغال فأسرعت أخته إلى قفله، فقال لها:.."..لماذا يا حاجة قفلت الراديو خصوصاً أن الذي كان يغني علي الشعالية صاحب الصّوت الجميل..!؟. ردت الحاجة، فقالت له: ".. ورأسك يا (إسويدة)، الراديو كان شغالاً وأنا مشغولة بشئون البيت ولم انتبه لما يبث فيه، وحينما دخلت عليّ انتبهت أنه علي الشعالية، فكيف استمع إليه في وجودك وأنت أستاذ الجميع..". ضحك السِّيّد، وطلب مِن أخته أن تشغل الراديو مجدّداً، ورجاها أن تستمع إلى الشعالية كمَا تستمع إليه، وقال كلمته المشهورة: (خونا وحبيبنا) التي صار البعض يرددها كلما دعت الحاجة لذلك، حيث قال:..".. لا يا حاجة.. شغلي الراديو، فالشعالية: (خونا وحبيبنا)..".... حقاً.. لقد كان الشعالية وبومدين أخوين حبيبين وكانت العلاقة بينهما كعلاقة الشقيق بشقيقه فلا يقبل أحدُ منهما للآخر ما لا يقبله على نفسه... وهكذا كانت المنافسة فِي زَمَن الفنّ الجميل.

وفاته

ترك الفنّان علي الشعالية وراءه تراثاً قيماً مِن الأغاني الجميلة والألحان العربيّة الأصيلة، فوصل عدد الأغاني التي قدمها حوالي (150) أغنية، وألحانه إلى ما يقارب مِن (50) لحناً. كرس الشعالية حياته للفنّ مقتنعاً بأنه رسالة عظيمة لابُدَّ مِن رعايتها والحفاظ عليها. وكان هدف الحفاظ على رسالة الفنّ شغله الشاغل كذلك أقصى أمنياته فِي الحياة، إلى جانب أمنية أن تعيش شعوب العالم كافة فِي أمن وسلام، فقال حينما سأله الصحفي الشعالي علي الخراز (44) سؤالاً أخيراً عَن ما يتمناه فنانا الكبير، فقال الشعالية:..".. أن يسود السّلام الكرة الأرضيّة، وأن يكون الفنّ فِي خدمة الشّعب ويحافظ الفنانون على شرف رسالتهم..". ألمت بالفنّان علي الشعالية وعكة صحية فِي خريف 1973م، فدخل على إثرها فِي الأوَّل مِن فبراير/ شبّاط عام 1973م، إلى مستشفى الجمهورية بمدينة بنغازي، وظل أياماً طريح الفراش فِي أحدى غُرف العناية المركزة. وأذكر أن التلفزيون كان قد زاره فِي المستشفى قبل دخوله إلى غرفة العناية المركزة، وأُجرى معه حواراً خاطفاً للاطمئنان على حالته الصحيّة، ونُقل ذلك اللقاء فِي التلفزيون، واعتقد - إن لم تخنِّي الذَّاكرة !– أن الإعلامي طاهر أرحومة رحمه الله هو مِن أجرى ذلك الحوار معه.... انتقلت روح الفنّان علي الشعالية إلى بارئها يوم الجمعة 6 محرم 1393 هجري الموافق 9 فبراير/ شبّاط 1973م، وشيع جثمانه الطاهر فِي اليوم التالي إلى مقبرة سَيّدِي اعبيد مثواه الأخير بعد صلاة العصر، فِي موكب جنائزي مهيب، شارك فيه جمع غفير مِن سكّان مدينة بنغازي وأعداد مِن الإعلاميين والفنانين مِن كافة أنحاء ليبَيا وأرجائها إلى جانب أهله وأقاربه ومحبيه.... رحم الله علي الشعالية الفنّان الأصيل صاحب الصوت الجميل، وجعل مثواه الجنة والنعيم المقيم.

وفِي الختام لابُدَّ أن تدرك ليبَيا الجديدة أهمية الفنّ فِي عملية تطوير أيّ مجتمع ورقيه فالفنّ إلى جانب كونه متعة وترفيه هو تعميق للنظرة الجمالية وارتقاء بالذوق العام. والفنّ يعتبر أيْضاً المرآة العاكسة لحياة النَّاس وحضارة أيّ مجتمع. ولذا لابُدَّ أن تعيد دولة ليبَيا الجديدة للفنّ مكانه وللفنان مكانته، وأن يكون الفنّ ضمن أولوياتها ولا يغادر دائرة اهتمامها على الإطلاق. وإن كانت لنا دعوة فِي هذا الاتجاه نتمنى أن يقام فِي ليبَيا مركز ثقافي قومي أو ما يعرف بدار الأوبرا (Opera House) حول العالم. ومِن المتعارف عليه أن هذه الدار تحتوي غالباً على مسرح صغير وآخر كبير مزود كل منهما بأحداث وأفضل الأنظمة الصوتيّة والمرئيّة.. وصالات للتعليم والتدريب والتمرين.. وقاعات للندوات والمحاضرات والمعارض والعروض السينمائيّة الخاصّة، بالإضافة إلى مرافق خدميّة ومكاتب لإدارة شؤون الدار والعاملين بها. وتعقد بدار الأوبرا المؤتمرات الكبيرة والتظاهرات الثقافيّة والحفلات الموسيقيّة واحتفالات التكريم كتوزيع الجوائز العالميّة مثل الأوسكار ونوبل.. وغير ذلك. ويعد مبنى الأوبرا فِي العديد مِن الدول مِن أجمل مبانيها المعمارية، وتكون لدى الأوبرا فرقة موسيقيّة (Musical Ensemble) خاصّة بها تُسمّى أوركسترا (Orchestra) وتضم عادة ما يقارب مِن المائة (100) عازف مِن ألمع وأمهر الموسيقيين على الآلات الموسيقيّة بشتى أنواعها كذلك على مجموعة صوتيّة مِن أفضل الأصوات على مستوى الأداء الفردي والجماعي. وتُأسس هذه الفرقة مِن أجل الحفاظ على الأشكال التراثيّة والقوالب الغنائيّة والموسيقى المختلفة، وتعمل على تقديم الفنّ بنغم نقي صافي أصيل كذلك على دعم حركة التجديد والتطوير. وإنشاء هذا المركز وهذه الدار فِي ليبَيا لابُدَّ أن يسهم فِي رفع الوعي الثقافي والفني لدى الجمهور، وربط الماضي العريق بالحاضر مِن أجل النهوض بالوطن عبر قنوات تواصل بين الماضي والمُسْتقبل. ونأمل مِن دار الأوبرا الِلّيبيّة المؤمل إنشائها، أن تبدأ عروضها فِي إطار إحياء ذكرى رموز الفنانين والمبدعين العرب والِلّيبيّين فِي زَمَن الطرب الأصيل والفنّ الجميل، بعرض أهم أعمال الفنّان علي الشعالية وجوانب مِن حياته وسيرته الفنيّة.

وفِي جانب الآثار، لابُدَّ أن تقوم الحكومة الانتقاليّة بحماية الآثار فِِي ظل الانفلاتات الأمنيّة التي تشهدها البلاد فِي مرحلة انتقالها مِن الثورة إلى الدولة، بالتعاون مع الجهات المهتمة بالآثار والمواطنين الشرفاء الذين قاموا إلى الآن، بحماية أغلب المواقع الأثرية دفاعاً عن تراثهم. وأن تتعاون الحكومة مع منظمة الأمم المتَّحدة للتربيّة والثقافة والعلوم (اليونسكو) والمنظمات الدّوليّة الأخرى المعنية بالآثار بغرض تقييم الأضرار، وحصر عدد القطع الأثرية المسروقة، واتخاذ كافة التدابير لإرجاع كافة المسروقات.  ولابُدَّ أن تجعل الحكومة الانتقاليّة، الآثار، ضمن أولوياتها كونها من تراث البلاد، وثروة بالإمكان أن تجلب إلى خزينة الدولة الملايين بل المليارات مِن الأموال. ويكفى ما تعرضت له المواقع الأثرية الِلّيبيّة مِن سرقة ونهب فِي العهد الاستعماري الإيطالي ثمّ إلى السرقة المنظمة والإهمال المتعمد خلال سنوات حكم معمّر القذّافي الطويلة.  وما يُضاف إلى هذا السياق، التأكيد على الثروة الأثرية الهائلة لليبَيا حيث تُعد البلاد متحفاً مفتوحاً لاحتوائها على أثار يونانيّة وفينيقيّة ورومانيّة وإسْلاميّة، وأخرى ترجع إلى عصر ما قبل التاريخ موجودة فِي الجنوب الِلّيبي. ويذكر أن الآثار فِي ليبَيا كانت قد تعرضت للسرقة والنهب فِي عهد الإستعمار الإيطالي، وتشهد متاحف العالم فِي روما وباريس وبريطانيّا على ذلك حيث تُوجد بهذه المتاحف عدد مِن القطع الأثرية المكتوب أسفلها اسم من أسماء المدن أو المناطق الِلّيبيّة. كمَا يذكر أن المستعمر الإيطالي حينما اعتبر ليبَيا شاطيء رابع لإيطاليا أصدر قانوناً يخص الآثار، وكان قد أسس فِي عام 1914م إدارة معينة بالآثار سُميّت (إدارة الآثار).

وفِي العهد الملكي، وضعت الدولة الِلّيبيّة، الآثار، ضمن أولوياتها، فأصدرت قانوناً للآثار فِي عام 1952م، وأضافت عليه فِي عام 1968م تعديلات هامّة. واسترجعت الدولة الِلّيبيّة مِن إيطاليّا فِي عام 1961م ما مجموعة ثمان آلاف وثلاثمائة (8300) قطعة أثرية منهوبة، ووضعتها في (البنك التجاري) بمدينة بنغازي انتظاراً لتوفر الإمكانيّات الماليّة التي تسمح بإنشاء متاحف بالمقاييس العالميّة. ويذكر أن حكومة الدّكتور محي الدَّين فكيني كان لها فِي عام 1963م إدارة معنية بالسياحة والآثار، ترأسها السّيّد عبْدالعزيز إمحمد جبريل (1917م – 1998م). وقد تمّ استحداث (وزارة للسياحة) الذي يأتي (الآثار) فِي مقدمة اهتماماتها، فِي عهد السّيّد عبْدالحميد البكّوش (1932م – 2007م) لرئاسة الحكومة مِن أكتوبر/ تشرين الأوّل 1967م إلى سبتمبر/ أيلول 1968م. واستمرت الوزارة فِي عملها بعد تولي السّيّد ونيس القذّافي (1925م – 1986م) لرئاسة الحكومة مِن 4 سبتمبر/ أيلول 1986م إلى 31 أغسطس/ أب 1969م، حيث ألغيت الوزارة، وتوقف عملها بعد إنقلاب الأوّل مِن سبتمبر/ أيلول مِن عام 1969م. أهمل الإنقلابيّون المواقع الأثرية، واعتبروها إرثاً استعماريّاً  ثمّ غضوا الطرف عَن سرقة الآثار والمتاجرة به بل صارت سرقة الآثار منذ عام 1990م تسير بشكل شبه منظم. وقامت كتائب معمّر القذّافي بالاعتداء على بعض المواقع الأثرية كذلك تحويل بعضها إلى قواعد عسكريّة للدَّفاع عن النظام بعد اندلاع ثورة 17 فبراير/ شباط 2011م. واسترجع الثوار قطع أثرية بلغ عددها خمسة عشر (15) تمثالاً وقطعتان (2) مِن الفخار، فِي أغسطس/ أب 2011م إلى متحف طرابلس بعد أن قام أتباع سيف القذّافي بسرقتها ليلة تحرير طرابلس وفقاً لما صرح به الأستاذ صالح رجب مدير مكتب مؤسسة الآثار الِلّيبيّة. كمَا يذكر أن عدد مِن المواطنين الشرفاء، قاموا أثناء ثورة 17 فبراير، بحماية المواقع الأثرية دفاعاً عَن تراث بلادهم، وبالبحث عن الآثار المسروقة حيث شهدت مدن طرابلس وبنغازي والبيضاء وشحات عودة بعض الآثار المنهوبة عقب تحرير البلاد من نظام معمّر القذّافي. ويذكر أيْضاً أن عناصر مجهولة قامت بسرقة القطع الأثرية المخزّنة كوديعة فِي (البنك التجاري) بمدينة بنغازي، وذلك أثناء الأيام الأولى لثورة 17 فبراير. وتشهد المنطقة الشرقيّة فِي ليبَيا، منذ مطلع عام 2012م، اعتداءات متكررة على المواقع الأثريّة، مِن قِبل عناصر مجهولة، بغرض السرقة والنهب وتهريب الآثار إلى الخارج. ومِن جهة ثانية، قام بعض المواطنين، بتجريف الغابات فِي بعض المناطق الأثرية. وحاول البعض الآخر، تقسيم بعض المواقع الأثرية فيما بينهم بغرض بيعها كأراضي سكنية، ولكن المهتمين بالآثار تمكّنوا، بالتعاون مع بعض سكّان هذه المناطق، مِن إيقاف هذه الجريمة النكراء.

وفِي جانب ثاني، لابُدَّ لدولة ليبَيا الجديدة أن تقف بالمرصاد ضدَّ أيّ مشروع يستهدف الذّاكرة أو يحاول العبث بالتّارِيخ بل تعمل على تدوين التّارِيخ وإحياء الذّاكرة إلى درجة الثراء التي تنعكس بالإيجاب على تصرفات النَّاس وسلوكياتهم. ولابد ان تحافظ الدولة الجديدة على أثار البلاد وكنوزها المعمارية، وتُشرع في تأسيس مجلس أعلى للآثار، وتقيم متاحف قوميّة بمدن البلاد المختلفة. ولابُدَّ أيْضاً أن تصدر مِن التشريعيات ما يكفل المحافظة على كل شيء ذي صلة بذاكرة النَّاس وثقافتهم وما  يعكس البعد الحضاري لدولتهم، وأن تمنع منعاً باتاً هدم المباني والشوارع القديمة ذات العلاقة بذّاكرة المجتمع وتاريخه. 

وأن تعمل الدولة فِي جانب التوثيق وكتابة التاريخ بجد على تدوين الرِّواية الشَّفَهِيَّة أَو التَارِيْخ الشِّفَاهي كذلك جمع القَصائِد الشَّعبِيَّة الَّتِي صوِّرت مشاهِد مِن حيَاة الِليبِيِّين ووقائع فِي تاريخهم. وتعمل على جمع الوثائق وأرشفتها، وترجمة الصّادر منها باللغات الأجنبيّة. وأن تهتم بِصِفَة عامَّة بحركة الترجمة لأن جزء مِن الصادر عن الأجنبي يفيد الجانب التاريخي ألتوثيقي خصوصاً الصّادر منها حول موضوعات سُكَّان لِيبَيا القدماء، فَتْرَة الحُكْم العُثْمَانِي، الاستعمار الإيطالي، جِهَاد الِليبِيِّين ضِدَّ المستعمر الإيطالي، شخص السّيّد إدْريْس السُّنوُسي أميراً وملكاً، عهد الإدارة الأجنبيّة فِي ليبَيا، التناول الدّولي لمسألة إستقلال ليبَيا. وتكمن أهمََِّيَّة الدَّعوَة إِلَى ضَرُوْرَة القِيَام بِتَرْجَمَة المُؤَلَّفَات الأجْنَبِيَّة الَّتِي كُتِبَت عَن لِيبَيا خصوصاً فِي الفترات المُشار إليها فِي إشارة الأسْتَاذ عبْدالَّلطِيْف الشُّوَيْرِف الباحث التاريخي، والتي قال فيها:..".. المَعْرِفَة بِكُل الجَوَانِب المُضِيئَة والقَاتِمَة فِي مَاضِيَهُم.. وأَسْبَاب الضعْف والوَهْن الَّتِي أَدَّت إِلَى انتِكَاسَة أُمَّتِهِم ووُقُوْعِهَا ضَحِيَّة لِمَطَامِع الطَّامِعِيْن وجَشَع المُغَامِرِين..". 

وأن تدرك دولة ليبَيا الجديدة أَهمّيَّة الترجمة حتَّى فِي تقدم المجتمعات ونهوضها أو حَرَكَة النَّهضة الشَّامِلَة حيث أصبحت مِن الأسُس الرَّئِيْسِيَّة التي يُعْتمَد عليها فِي عمَلِيَّات التَّنمِيَّة والتَّطَوُّر، ولذَا أُطْلِق الأسْتاذ تيسِير الشَّامِي الخبِير الاستشارِي لِلُّغَات بِالأمم المُتَّحدة، دعوة هامَّة إِلَى المسئولِيْن فِي الدُّول العَرَبِيَّة بضرورة أَن ".. تَتَحَوَّل حركة التَّرجمة مِن نَشاط هَامِشِي فِي المُجتمعات العَرَبِيَّة إِلَى صِنَاعَة حقّيِقيَّة..". وأن تدرك أيْضاً أثر التَّرجمة فِي التعريف بثقافتك ومعرفة ثقافة الآخرين حيث تُعتبر التَّرجمة مِن لُغَات أُخْرَى إِلَى اللُّغَة العربِيَّة، وتَرجمة أَهَم الإصدَارَات العربِيَّة إِلَى لُغَات أُخْرى، نافذَة هامَّة لِلثَقَافَة العربِيَّة علَى الثَّقَافَات الأخْرى، وعامِل مُسَاعِد فِي توثِيق عُرَى الصَّدَاقَة بَيْن الحضارات والبُلدان المُختلِفَة، بِالإضَافَة إِلَى كَشْف حَقَائِق المَاضِي والتَّعرُّف علَى الحاضِر بِشكل يُفِيد المُسْتقبل وطُرُق الوُصُول إِلَيه (45).

وبعد،،،

أتممت كتابة حلقات هذه السلسلة فِي منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأوَّل 2010م وبنغازي تمتلكني، ونفسي مشدودة إليها ولصفاء أيامها الرَّائعة الجميلة.. أتممت الكتابة ورائحة  بَحْر الشّابّي لازالت عالقة بطرف أنفي وكأن المكان لم يفارقني وأفارقه أو أن خطواتي فارقت كورنيش الشّابّي منذ يوم 31 مارس/ آذار 1981م أيّ منذ ثلاثة عقود مِن الزمان!. وحدث بعد شهور معدودة مِن إتمام الكتابة ما كنت مؤمناً به طوال سنوات هجرتي ألا وهو العودة إلى البلاد مجبور الخاطر مرفوع الرأس. عُدت إلى البلاد، ووقفت أمام كورنيش الشّابّي بين جموع النَّاس المتواجدين في ساحة محكمة شمال بنغازي، وبنغازي تعيش فرحتها بالتحرر مِن قبضة معمّر القذّافي، وثوارها ينسقون مع كافة ثوار المدن الأخرى من أجل تحرير كامل التراب الِلّيبيّ مِن نظام القذّافي الجائر العفن. حرّر الثوار مدينة طرابلس عاصمة البلاد يوم 20 أغسطس/ أب 2011م ثمّ حرّروا سرت وبنى وليد أخر معقلين لمعمّر القذّافي، وقضوا على المعتصم بن القذّافي ومعمّر القذّافي نفسه يوم الخميس الموافق 20 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2011م. ثمّ أعلن المجلس الوطني الانتقالي مِن مدينة بنغازي عن تحرير البلاد من قبضة القذّافي يوم الأحد 25 ذو القعدة 1432 هجري الموافق 23 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2011م. وبعدها تمكن ثوار الزنتان مِن إلقاء القبض على المجرم سيف إبن الطاغية الأخر فِي جنوب ليبَيا بالقرب مِن بلدة أوباري، ومعه أحد الضباط واثنان مِن مساعديه اللذان حاولا تهريبه إلى النيجر صباح يوم السبت 23 ذو الحجة 1432 هجري الموافق 19 نوفمبر/ تشرين الثّاني 2011م، ونُقل بطائرة مروحية إلى بلدة الزنتان.

نصر الله الشّعب الِلّيبيّ الأبي الذي تحلقت حول بحره الأبيض المتوسط الحضارات، ودارت فوق رمال بحره معارك وبطولات، وارتكز التاريخ فِي أعماقه وعلى صخور بحره الجميل متلاطم الأمواج... نصر الله إرادة الشّعب الِلّيبيّ الحرَّة المؤمنة بعد طول صبر وعظيم معاناة.

وأخيراً.. طويت صفحات ما كتبت، ويقيني أن (الإرادة) التي تعيش (الحلم) تصنع الإنجاز والانتصار، وأن الشّعب الذي دفع قوافل مِن الشهداء مِن أجل إنهاء حكم الاستبداد لن يسمح مطلقاً باعتلاء مستبد آخر سدة الحكم. وبهذا.. أكون قد انتهت مِن حديث مسترسل عَن شارع سَيّدِي سَالم والفنّان عَلي الشعالية، وقد أنبأني صاحب العقل، أن الحديث سيستمر وسيستأنفه بإذن الله وعونه آخرون !. والحديث يستحق – وبحق – أن يستأنف ويمشي به غيري إلى أبعد ممّا ذكرت.
 


مِرْفق الصُوَر:

جميع الصُوَر المرفقة مِن الشبكة الإلكترونيّة الدّوليّة. الصُورة الأولى لميدان 9 أغسطس، وعلى اليمين يكون محل (علي لنقي)، وفِي الأمام قرطاسية لامين حسني والصّادِق، وعلى اليسار دار عرض سيارات (صن بيم) ومحل (21 للأحذية) لآل العمامي. والثانيّة، صُورة شخصيّة للفنّان عَلي الشعاليّة والأخرى للفنّان السّيّد بومدين. والرَّابعة، صُورة شخصيّة للفنّان علي الشعاليّة. الخامسة، صُورة للآثار فِي ليبَيا.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات هَامَّة:

41) الفنّان والسّلطة: الجملة أعلى الصفحة منقولة عَن الفنّان العراقي جعفر النّجار فِي موضوع تحت عنوان (المسكوت عنه فِي ثنائية السّلطة والفنّان) منشورة فِي منتدى (الحوار المتمدن) فِي شبكة النت الدّوليّة.

42) السِّيّد بومدين: وُلِدَ بمدينة بنغازي عام 1916م، إسمه الأوّل مركب، وهو: (محَمّد السِّيّد) إلاّ أنّه اشتهر باسمه الثّاني. عُرف بين أصدقائه بلقب (إسويده )، وفِي الوسط الفني بلقب (شادي الجبل) – اللقب الذي أطلقته عليه السيدة خديجة الجهمي. وعائلة (بومدين) مِن عائلات مدينة بنغازي العريقة، وفرع مِن العائلة اشتهر بلقب (الماقني) ومنهم: الشّريف الماقني رجل التعليم وأحد كبار المثقفين الأوائل فِي زَمَن الشاعر أحمَد رفِيْق.. محَمّد خليفة الماقني لاعب كرة القدم الشهير فِي زَمَن محجوب بوكر وديميس الكبير. ووالد السِّيّد بومدين هو الشّيخ محَمّد الشويرف بومدين الذي كان إماماً بمسجد فِي منطقة البركة بمدينة بنغازي. بدأ السِّيّد حيَاته الفنيّة عام 1939م، وأذيعت أغانيه عبر موجات الإذاعة المحليّة فِي الريمي بمنطقة البركة فِي مطلع الخمسينيات. شارك فِي عروض مسرحيّة فِي أربعينيات القرن المنصرم مع نخبة مِن الفنانين الشباب بمدينة بنغازي، ومنهم: رجب البكّوش، عَلي الشعاليه، وعبْدالسيد الصابري، ومُصْطفى المستيري، وعلي  إقدورة. التحق بالإذاعة المحليّة فِي بنغازي فِي سنوات تأسيسها الأولى بالريمي مطلع خمسينيات القرن المنصرم، وأدّى بعض أغانيه التي كانت تذاع على الهواء وفقاً لساعات الإرسال اليومي. واصل بومدين مسيرته وعطاءه الفني مع تكوين وإنشاء الإذاعة الِلّيبيّة فِي يوليو/ تموز 1957م، وسجلت له بعض المحطاّت الإذاعيّة الخارجيّة مجموعة مِن أغانيه كإذاعة لندن، وصوت أمريكا. يعود إلى بومدين الفضل مع زميله الفنان علي الشعالية إلى جانب ملحنين وفنانين آخرين هم: صبري الشّريف، وسَالم بشون، وسُليمان بن زبلح، ومحَمّد مختار، وسَالم زايد، وسَالم الرشداوي، وعَلي إقدورة، فِي تأسيس قسم المُوسيقى والذي كان رئيساً له فِي وقت من الأوقات كذلك ترأس فِي مرحلة أخرى لجنة النّصوص بالإذاعة. قام بومدين بتلحين بعض أغانيه ولحن أعمال بعض المُطربين الآخرين، وكتب الأغنيّة العاطفيّة والوطنيّة والمونولوج، وضم ما كتبه مِن نصوص فِي ديوان أسماه: (فيض العواطف). انتقل فِي عام 1964م للعمل بمصلحة المطبوعات والنشر فِي مدينة طرابلس كمترجم مِن اللغة الإيطاليّة إلى العربيّة، وتقاعد مِن وظيفته فِي عام 1984م. ويذكر أنّه ساهم أثناء عمله بمصلحة المطبوعات والنشر بترجمة عدد مِن المقالات الصحفيّة والكتب الصّادرة فِي فترة جهَاد الِلّيبيّين ضدَّ الاستعمار الإيطالي، وترجم عدد مِن الوثائق الإيطاليّة الخاصّة بالشّأن الِلّيبي. تُوفي مساء يوم الخميس الموافق 22 ديسمبر/ كانون الأوّل 1994م. جزء ممّا جاء فِي التعريف مرجعه مقالة: (مِن ذاكرة الوطن.. السيد بومدين - شادي الجبل) للأستاذ سَالم حُسَيْن الكبتي، المنشورة فِي موقع: (جيْل ليبّيا) بتاريخ 9 مارس/ آذار 2006م.

43) الفن والعلم: فقرة منقولة عَن موقع المُوسوعة الحرّة (ويكيبيديا) الإلكتروني تحت تبويب (الحضارة).  

44) المقابلة التي أجراها الصحفي الشعالي علي الخراز: مقابلة أجراها ألصفحي المذكور مع الفنّان علي الشعالية، ونٌشرت فِي مجلّة (الإذاعة)، والتي نقلناها عن ما نشره الأستاذ بن جوّاد فِي موقع: (ليبّيا وطننا) كمَا سبق وأن أشرنا إلى ذلك فِي مُلاحظاتنا السّابقة.

45) الترجمة: راجع ما كتبه المؤلف حول هذه الفقرة فِي دراسته المعنونة تحت إسم: (مُخْتارات مِن أَرْشِيْف الصَّحَافَة.. جِهَاد اللِّيبِيِّين ودوْلَة الاسْتِقلال) فِي موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) المنشورة بتاريخ 14 مايو/ أيار 2010م. 

مَصَادِر وَمَرَاجِع:

م28) الأستاذ/ سَالم حُسَيْن الكبتي – مقالة: (الذّكرى التاسعة والثلاثون لوفاة الفنّان الِلّيبي الرَّاحل علي الشعاليّة) – موقع: (المنارة) بتاريخ 9 فبراير/ شباط 2012م.

م29) مجلّة (الإذاعة) – مقابلة أجراها الصحفي الشعالي علي الخراز مع الفنّان علي الشعالية، نُشرت فِي ستينيات القرن المنصرم، وأعاد نشرها الأستاذ أبن جوّاد فِي موقع (ليبَيا وطننا) بتاريخ 24 نوفمبر/ تشرين الثّاني 2003م.
 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
زيد افريج محمد البسيوني
كثيرا ما استمتعت بهذه المحطات الرائعة زادت شوقي واشتياقي الي تلك الايام التي لم اشهدها ولكن عشت في زقاقتها ومحلاتها مع كلماتك الرائعة ، دمت لليبيا كاتبا ومآرخا ،بارك الله…...
التكملة
شكري السنكي
لقد سعدت بالكلمات الطيبة والمشاعر النبيلة التي جاءت على لسان السادة القرَّاء الكرام، ولا يسعني إلاّ أن أقول لهم: شكراً جزيلاً، وبارك الله فيكم، وأدعو العلي القدير أن أكون كمَا…...
التكملة
رمضان حسين الحداد
الصديق العزيز شكوى ابدعت فى هذه السلسلة كما فى غيرها ، عاد بنا هذا السرد المشوق للزمن الجميل ..... كما قلت لك فى مناسبة سابقة لابد ان تجمع هذه المقالات…...
التكملة
فوزي كامل السنوسي
السيد الفاضل شكري السنكي(الصادق شكري)سابقا قبل 17 فبراير دائما تفاجئنا بما هو جديد وهذه موهبة حباك الله بهاولقد قرأت الحلقة السابعة وهذه الأخيرة وذلك لظروف أبعدتني رغما عني عن متابعة…...
التكملة
على منصور
السيد الفاضل شكرى أتقدم اليكم بالشكر الجزيل على إحياء هذه الذكريات الطيبة و نتمنى أن نقراء لك من جديد فى ذكريات أخرى من مدينتى التى تغربت عنها لعدة عقود ..…...
التكملة
زكريا سالم صهد
شكري ..صديقي و عزيزي...سلسله رائعه و مشوقه و سرد وتوثيق جيد ،مؤكد سيقرؤها الجيل الجديد ليطلعوا علي تارخ هذا البلد ليكون فخراً لهم و خصوصاً تلك المدينه الخالده بنغازي جازاك…...
التكملة