الليبية: عدنا بالحق فعادوا بالباطل 19/5/2010 01:10 الليبية: عدنا بالحق فعادوا بالباطل
الليبية بحث

إثنـانِ في أوطانِنـا
يرتَعِـدانِ خيفَـةً
من يقظَـةِ النّائـمْ:
اللّصُّ .. والحاكِـمْ!

 

في نهاية السبعينات كنت طالبة في جامعة قاريونس، وكان أعضاء اللجان الثورية حينها في بدايه نشاطهم وجبروتهم، وقد أُطلق العنان لهم لإرهاب طلبة الجامعة، وتم تزويدهم بالسلاح الخفيف، والسلطة وصلاحيات لا محدودة بالإضافة إلى الحماية من قبل رأس النظام. حدث هذا التغيير كرد فعلٍ إثر "أحداث الطلبة" عام 1976 . إحدى الممارسات التي نغّصت علينا أيامنا حينها كانت دخول أعضاء اللجان الثورية إلى قاعات المحاضرات فجأة وبدون سابق إنذار، ليعلنوا إلغاء المحاضرة، ثم يُخرج المحاضر من القاعة وتُغلق منافذها ليبدأ بعدها أحدهم بإلقاء درس طويل محشو بالمفردات الجديدة منبعها فلسفة اللامعقول، بينما تتلخص جميعها في معنى رئيسي واحد ألا وهو "إرهاب الطلبة" وكذلك زرع بذور الشك بينهم مع تحذيرهم من مغبة الإشتراك في أي عمل أو حتى التفوه بما لا يتمشى مع هراء الكتاب الأخضر أو توجهات كاتبه. كانت تتخلل المحاضرة هتافات مسعورة وتنتهي بهتافاتٍ تهلل لصانع النظام ومؤسس الحركة الإرهابية، ولا يخلو أي منها من الوعيد لمن يخالف مسار الطاغية. كنا نتنفس الصعداء في نهاية كلٍ منها، ولا نملك سوى أن نتحسرعلى اليوم الضائع من برنامج دراستنا، كما كنا أيضا نحسد أولائك الذين تغيّبوا عن الدراسة ذلك اليوم فعفوا أنفسهم من عناء تلك الساعات المضنية.

في يوم من الأيام، وجدنا أنفسنا كالعادة محتجزين في القاعة، وبينما كنا بانتظار المتحدث الجديد، فوجئنا بدخول القذافي محاطاً بحاشيته وتصاحبه الهتافات الهستيرية. كانت عيناه تطوفان بالحضور وقد بدا غاضبا منذ بداية حديثه، ألقى "محاضرة" طويلة ورتيبة، مملة خالية من الترابط، وبدت لنا كأنها دهرٌ بلا نهاية. إن لم تخُنِّي ذاكرتي، لقد إستمرت تلك المحاضرة قرابة الساعتين حتى غلب بعضنا النعاس وعجز عن إخفاءه.

فجأة توقف "القائد" عن الكلام وأشار إلى طالب نائم صائحا: "أنت! أتنام الآن؟ كلامي هذا ستُمتحن فيه! وسترى!" كان منظرالطالب وهو يستيقظ بوخزة من مرفق زميله ليجد جميع من بالقاعة ينظر إليه مثيرا للخوف والضحك معا. بدا الأمر كأنه مزحة أراد القذافي أن ينهي بها كلامه، فضحك الكثيرون منها، ولكننا ولشدة عجبنا سمعناه يضيف: "أنا لا أمزح، ستُمتحنون جميعكم في هذه المحاضرة، ومن لا ينجح سيُمنع من مواصلة دراسته!" ثم إلتفت نحو أحد مساعديه وقال له: "هل سمعتني؟ يجب أن تدخل هذه المادة في المقرر هذا العام ويجب أن يمتحنوا فيها" ثم استدار خارجا وسط الهتافات كما دخل.

في البداية لم يصدق أحدنا الأمر، إلا أننا فوجئنا في اليوم التالي بصدور موعد لتاريخ الإمتحان في مادة "محاضرة القائد" خلال شهر. لم يكن أي منا يذكر منها إلا القليل فأصابنا الهلع! لقد كان خوفنا نابع من أن نُمنع من مواصلة دراستنا إذا فشلنا في الإجابة، ودامت حيرتنا لمدة يومين لم نستطع خلالها أن نجمّع حتى ملء صفحة من الكلام الذي قاله في ذلك اليوم، ثم جاءنا الفرج متمثلا في أحد أفراد اللجان الثورية، فقد كتب كل كلمة حرفا بحرف وأعطى المذكرة لبعض أصدقائه، وتم توزيعها علينا جميعا. كانت المذكرة بصيغة أسئلة وأجوبة، وجاءت جميعها كما هي في الإمتحان فتمكنا من إجتيازه.

كانت العملية كلها مضيعة للوقت والجهد، وشغلتنا لمدة شهر كامل عن دراستنا من عام دراسي مدته تسعة أشهر..شعرنا حينها بالمرارة الشديدة: لم يكن مستقبلنا مرتبطا بنجاحنا في إجتياز إمتحانات المواد المقررة، بل كان مرهونا في حفظ مادة جديدة كانت وليدة لحظتها، من كلام غير مترابطٍ وخالٍ من أي معنى يجعله قابلاً لأن يتذكره عاقل أو حتى مجنون، ولكننا رغما عنا حفظناه ظهرا عن قلب ثم تقيأناه في قاعة الإمتحان.

سألت نفسي حينها: ماذا يمكن للقذافي وزمرته أن يكسبوا من سلوك كهذا؟ كنت أعرف جيدا أن أكثر ما جناه من تلك الفعلة كان "المزيد من الكراهية في صفوف الطلبة"، ولكنه حين ربط مستقبلنا بمحاضرته فارغة المحتوى جعل منا "أفرادا مكبلين بلا خيار"، فتأكد له أنه بهذه الوسيلة يمكنه أن يرغم من يشاء ومتى شاء على القيام بأعمال بالإكراه وضمان تأديتها على أفضل وجه أيضاً... إنه منطق القوة وقانون الغابة.

كان في تكرار تلك الممارسات دروس صقلتنا معادن كل حسب أصله وبيئته. حدث بعد ذلك لليبيا ولشعبها العجاب، فأصبحت تلك الحادثة، بالمقارنة بما جرى بعدها، لا تساوي قطرة من المر الذي تجرعناه. فيوم نسمع عن جار إختفى، ويوم آخر مدرسة ثانوية زج بتلاميذها إلى الحرب في الصفوف الأمامية في تشاد، أو موظفين تم إرسالهم في طائرات إلى أوغندا أو تشاد بعد أن تم إيهامهم بأنهم ذاهبين إلى إحتفال في طبرق أو سرت. كذلك تم ترويعنا ببث تلفزيوني لمشاهد التحقيق والإعدام العلني لمن إتهمهم النظام بالعمالة أو بالتآمر على الوطن ورمز الثورة "القائد". وآخرين هاجروا إلى ديار الغربة ولم يعودوا، وغيرهم لقوا مصرعهم في ظروف غامضة، وآخرين إنقلبوا من حمل وديع إلى ثعلب ماكر وذئب ينهش بأنيابه حتى أقرب الأقارب لديه...

بالتدريج فقد شعبنا الطيب عفويته، وتزعزعت الثقة بين أفراد المجتمع، فأصابه التفكك من بنيته الأساسية وأصبح الأب يخاف النطق بالحق حتى أمام طفله خشية أن يشي به، والزوج لا ينطق أمام زوجته خشية أن تثرثر لجارتها فيجد زوار الليل في بيته... وبالفعل حدثت أمور في غاية الغرابة، أحد الأمثلة كانت قصة ترددت لفترة طويلة عن طفل كرر أمام معلمته جملة نطق بها والده خلف أسوار بيته فوجد نفسه أمام هيئة الأمن الداخلي في تحقيقات طويلة مدافعا عن حياته. هذا إضافة إلى عمليات الوشاية الإنقامية من ذوي النفوس المريضة لغرض الحصول على مناصب وترقيات ومكاسب دنيوية.

في الثمانينات إشتدت لهجة نظام القذافي الغوغائية، واستطاع أن ينتقم من المعارضين الذين تمكن من الوصول إليهم، وكذلك تتبع الكثيرين ممن هاجروا الوطن مرغمين، فأرسل لهم مأجوريه لاغتيالهم. ولكن النظام اضطر للتوقف عن مواصلة مسيرته بالخارج بعد انكشاف ممارساته الإجرامية وخصوصا بعد مقتل الشرطية فلتشر أمام السفارة الليبية في لندن عام 1984 . أدى هذا إلى تراجع نسبي في عمليات الإغتيال المباشرة التي إرتكبها النظام، ولكنه إستمر في عمليات التخلص من معارضيه بواسطة وسطاء مأجورين غير ليبيين، وبهذا تمكن النظام من إزالة عدد آخر من المعارضين من طريقه، مع توريط مواطنين من دول أخرى منتمين إلى منظمات أخرى تحميها برامج تخدم قضايا مغايرة تخشى دولهم فضحها، وقد أدى هذا في النهاية إلى عدم الوصول إلى القذافي كمدبر لهذه العمليات وظل عدد كبير من هذه العمليات مقيدا إما تحت مجهول أو كحادث عرضي، ولكنها جميعا إتفقت في إقفال ملفاتها والتوقف الفجائي عن التحقيقات، مع شعور غامر بالظلم والمرارة من قبل أهالي المتضررين بسبب إنعدام العدالة.

بعد أن تم إضعاف الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، تنفس القذافي الصعداء، ثم تلت تلك الأحداث مباشرة الغارة الجوية التي شنها ريغان على ليبيا عام 1986 ، وأتت بعدها عملية إسقاط طائرة لوكربي والحصار الذي أقامه القذافي على شعب ليبيا مستغلا فرصة الحصار الدولي.

نتج عن هذه النكبات المتواصلة المزيد من الضعف في التواصل بين أبناء ليبيا في الداخل والخارج، وخصوصا بعد أن إنقطعت إذاعة الجبهة عن الإرسال. كذلك فإن إنشغال شعب ليبيا بالسعي وراء لقمة العيش الذي أنهكه وأصبح هاجسه الأول لسنوات منذ منتصف الثمانينات، لم يترك له متسعا من الوقت لكي يرى بوضوح ما كان يجري حوله من سرقات في خزينته لإفقاره، ومن نشرللمرض وللجهل بين افراده. إستمر النظام على هذا المنوال لما يقارب الثلاثة عقود تم فيها ضمان الإنهيار الكامل للعمود الفقري لليبيا والمتمثل في التعليم والصحة بالإضافة إلى التخلص من عدد كبير من المثقفين بطرق شتى، منها الإقصاء، ومنها عمليات الإعدام والإختفاءات القسرية أو الإيواء في السجون بدون محاكمات. بهذا تم تغييب الفئة التي كان يمكنها أن تنشر الوعي بين أفراد الشعب، والتي تشكل الخطر الفعلي على النظام وتحول دون مسيرته التدميرية، ونجح النظام في نشر الخوف بين العامة مما أدى إلى صمت الكثيرين عن المظالم التي تعرضوا إليها وأصبحت دولة ليبيا رسميا ترزح تحت حكم دكتاتوري فردي يُضرب به المثل.

إستمر النظام في هذه الممارسات إلى أن وقع تحت ضغوطات دولية وإقليمية داعية لتحسين الأوضاع الإنسانية المتردية في ليبيا. كان هذا لأسباب كثيرة، منها الجانب الإنساني ومنها قوانين الدول التي شاءت التعامل مع النظام الحاكم في ليبيا والتغاضي عن ماضيه الإرهابي والتي تفرض عليها النظر في السجل الإنساني للدول التي تتعامل معها وتحضر عليها التعامل مع دول تنتهك حقوق الإنسان.

إضطر النظام بعد هذه الضغوطات إلى التظاهر بالقيام بالمشاريع الإصلاحية فلجأ إلى بعض العمليات التي توحي للمراقب الغربي بأنه قد تراجع عن دمويته، وهكذا ظهر سيف الإسلام القذافي بجمعيته "الخيرية" لحقوق الإنسان، ولكنه لم يفصح للغرب بأن رأسمالها بكامله منهوب من خزينة شعب ليبيا المسلوبة حقوقه، وأنها ليست لها في الحقيقة أي علاقة بالخير سوى إسمها، وأنها منذ بدايتها ليست سوى وسيلة ومشروع دعائي لمحاولة التسويق لنظام الأب ولتلميع صورته بلغة يفهمها الغرب. لم يكن هذا الأسلوب هو المفضل لدى النظام والذي تعود على مدى 34 سنة على العنف والإستبداد، ولكنها كانت الوسيلة الأنجع لكي يتحايل على العالم الخارجي ولكي يتظاهر له بحسن النوايا، بل أنه قد نجح حتى في خداع وإقناع معارضين طالما عادَوا ممارسات النظام القمعية ووقفوا ضدها على مدى سنوات طوال من اعمارهم النضالية، فانجرفوا وراء هذا السراب المخادع والذي لم يخلُ من الإغراءات المادية أيضا، ليجدوا في نهاية المطاف أنهم كانوا مجرد أدوات إستُخدمت بدهاء مؤلم، أفقدهم مصداقيتهم وأضاع منهم ماضيهم المشرف لينتهي بهم المطاف بهذا الشكل المحزن.

أما على الصعيد الدولي، فبالفعل بدأت الدول التي ناصبته العداء لسنوات طويلة تلين وتطلق عليه وعلى نظامه وصف "الدكتاتور المعاد تأهيله"، وهكذا وسط دهشة الشعب الليبي، إستطاع القذافي ونظامه أن يدخل المجتمع الدولي من جديد من أوسع أبوابه مع تغاضى العالم أجمع عن ماضيه الكريه عندما طغت لغة المصالح على لغة الحق. وهكذا فقد خدم سيف والده أيما خدمة وبالفعل عمل الإثنان كثنائية سياسية يكمل أحدهما الآخر ويحميه ويرفع من شأنه، أحدهما بالداخل والآخر بالخارج بالتناوب وحسب ما تمليه المناسبة.

ومع هذا كله، لم يكن الدكتاتور براضٍ عما كان يحدث، وكان دوما يتوجس الخيفة من أن تتسبب هذه التساهلات والتنازلات التي أبداها في عودة المعارضة الليبية وظهورها للعالم من جديد كقوة فاعلة تؤدي إلى تعريته وفضح ممارساته وإظهارها على حقيقتها بدون تزييف أو بهرجة. إن القذافي ونظامه يعلمون جيدا أن ما يملكه الشعب الليبي من أدلة ضده، كافية لإدانته ولإنهاء هذا الحكم البغيض متى تم توظيفها بالشكل السليم، ولهذا كان الإعلام أحد الأسلحة التي لجأ إليها الإبن منذ بداية حملته، إلا أن مخاوف الأب لم تكن نابعة من فراغ، وبالفعل فقد ظهر السيد ضيف الغزال ثم تم التخلص منه عام 2005 ، ثم ظهر السيد فتحي الجهمي وحاربه النظام إلى أن توفي عام 2009 بعد معاناة وقهر طويلين تحت سمع وبصر العالم. رحمهما الله وجعل مثواهما في جنات الخلد.

كانت هذه الجرائم خلال فترة إعادة تأهيل الدكتاتور، فخرج الإبن سيف في محاولات فاشلة بغرض ترقيع ما قام به والده من دمار، واستهلّ مساعيه بشروط مضحكة كان أولها أن وضع والده فوق القانون وفوق المساءلة القانونية، وبهذا حكم بنفسه على مساعيه بالفشل منذ بدايتها، وانهارت جميعها رغم العدد الهائل الذي جنده من البشر والمال لإنجاح "مشاريعه الإصلاحية"، فكان أكبر معول هدم لها هو النظام نفسه وتهوره.

لقد شاء القدر، وفي إحدى المحاولات الإستعراضية التي أراد بها الإبن أن يثبت حسن نواياه لمن إستقطبهم من أبناء شعبنا، قام بعمل غير مدروس بدافع لحظي، فبالغ وتمادى واعترف بجريمة سجن بوسليم. لا أعتقد أن ما قام به حينها كان بعد إستشارة، بل لم يكن سوى "زلة لسان وتهور" تماما مثلما حدث منه في الطائرة التي كانت تقل المقرحي بعد أن تم الإفراج عنه من قبل السلطات الإسكوتلاندية. وهكذا ومن حيث لا يدري وجد سيف نفسه قد أشعل فتيلا ما لبث أن تحول إلى كرة من نار خارج نطاق سيطرته، بدأت معالمها تظهر بصورة الإعتصامات المتكررة لأهالي ضحايا تلك الجريمة النكراء، وأُسقط في يد النظام حيث تبين له أن جميع مخاوفه في محلها، وأن شعب ليبيا على إستعداد لتبني أي عملية تزيحه وتنهيه إلى غير رجعة متى توفر من يقوده نحو هذا المصير المحتوم، والذي هو آتٍ لا محالة عاجلا أم آجلا لأنه، وببساطة، سنة الحياة وقضاء لا مفر منه.

رأى النظام أن هذه الإعتصامات قد تلازمت مع أصوات أخرى منادية بالحقيقة، وانفضح النظام عبر وسائل الإعلام المحلية والعالمية. فسعى "جهاز الأمن الداخلي" في بادئ الأمر إلى محاولاتٍ يائسة لإقناع الأهالي بالتنازل عن حقوقهم وقبول التعويضات عن أبناءهم، وحين واجه الفشل لجأ إلى أسلوب التهديد تجاه من رفضوا هذه العروض، ثم عندما تبين له أن حتى التهديد والوعيد لم يوقفا هؤلاء عن تصميمهم على معرفة حقيقة ما جرى في ساعات العار تلك، وسعيهم إلى معرفة وتقديم من إقترفوا تلك المذبحة إلى العدالة، قام "جهاز الرعب" باعتقال بعضٍ من أقارب الشهداء لكي يرهبهم ويبث الخوف في قلوب الآخرين، بهدف إضعاف إرادة المعتصمين وثنيهم عن عزمهم على القصاص. إلا أن حتى هذا الإجراء أتى بنتائج عكسية وبدلا من أن يزرع الخوف في قلوب العامة زاد من غضبهم وشدد من صلابة موقفهم. وهنا فقد النظام رشده بالكامل ونسى تعهداته، فقام أخيرا بفعلته المتمثلة في إرسال "رجل أمن" للإعتداء على المعتصمين ليخيفهم.

كانت هذه هي النقطة الفاصلة بين صبر هذا الشعب الذي طال مداه وغضبه العارم. هنا تبين للنظام مدى خطورة الموقف، فبدل من أن يخفت صوت شعبنا، أدت هذه الحادثة إلى تأجيج الشعور بانعدام العدالة بالكامل وتأكيد واضح وصريح من النظام بأن لا أمل يرتجى منه في الإستجابة إلى صوت الحق. كانت النتيجة أن تجاوبت أعداد متزايدة من أبناء الوطن الأوفياء في المهجر لمؤازرة الأهالي بالداخل عن طريق الإعتصامات المتكررة في جميع أنحاء العالم.

لم يكن خافيا على القذافي منذ البداية أن الشعب الليبي لم ينسى وأنه لا يزال يمسك بتلابيبه بسبب هذه الجرائم، فالغزال والجهمي وتربل والوقفات الإحتجاجية للأسر، وكذلك التجاوب الحاصل من الخارج واليوتيوب كلها مؤشرات واضحة تدل على أن الزمام لم يعد بيد النظام، وأن محاولاته لطمس الحقائق وفرض التعتيم الإعلامي لم تعد مجدية، إن القذافي وزمرته الفاسدة يعرفون منذ زمن ليس بالقصير أن المعارضة قد عادت، وقد عاد معها إعلامها المضاد لممارسات النظام القمعية وبشكل لم يعد بإمكان القذافي أن يخفيه أو يتجاهله... وهذا هو أساس تأسيس جمعية سيف الخيرية وظهور الإبن عام 2004 في ثنائية متناغمة مع مصالح الأب تحت غطاء تمويهي يوحي للناظر بتباشير التغيير والإصلاح على يدي نجل سفاح ليبيا الأول.

عندما فشلت محاولات الإبن في التستر على النظام وتزييف الحقائق كان السبب الرئيسى هو رعونة إخوته وغطرسة الأب بالإضافة إلى مرض العظمة الذي تعاني منه الأسرة بكاملها بمن فيها سيف نفسه، أمير الإصلاح المنشود. وهنا شعرت الأسرة ونظامها القمعي بالخطر، حيث أن الطرق "السلمية" الجديدة التي تبناها لم تفلح في أن ترجح كفة الميزان لصالحه، وبدأت الحقائق المنشورة عن فضائح النظام وجرائمه تطغى على محاولاته لتزييفها وطمسها مما أدى إلى تراجع بعض المؤيدين له ونقص الإقبال عليه وتأييده عما كان عليه في بداية حملته الدعائية الجديدة على الصعيدين الداخلي والخارجي، فما كان من القذافي إلا أن أعلن أول صدور لتعبير "إن عدتم عدنا" بلسانه في خطابه في مارس 2009 ، ثم واصل تكرارها أزلامه من بعده مهددين كل من يجرؤ على رفض ما يملونه ومتوعدينهم بمصير معتم، مذكرين بالعمليات الإجرامية التي جرت في الماضي .. وأخيرا، تردد هذا التهديد على لسان عبدالله السنوسى المقرحي في لقائه الأخير مع المفرج عنهم من الجماعة المقاتلة في قوله بصراحة: " لا مكان في ليبيا لما يسمى حقوق الإنسان وأن الدولة في ليبيا ما زال في إمكانها الرجوع إلى المواجهات المسلحة وما زال في قدرتها قتل خصومها وشنقهم ما دام ذلك سيحفظ أمنها واستقرارها" . لم يكن هذا التصريح عفويا، بل كان مجهزا له وكل كلمة فيه كانت محسوبة ولكن بحساب المتجبر المستبد، الذي أعمته سلطته المطلقة عن العدالة وسنة الحياة.

حسب أي قانون في أي بقعة من العالم تعترف بأدنى قواعد العدالة، إن أقل ما يمكن لرجل في وضع عبدالله السنوسي أن يتعرض له هو المساءلة القانونية عن التهم الموجهة له والتي ليست من فرد أو إثنين أو ثلاثة، بل من شعب بأكمله يطالبه ليشهد بالحقيقة. ولكن في دولة الغوغاء التي يخدمها عبدالله السنوسي هذا بإخلاص، والتي يحكمها الدكتاتور معمر بومنيار القذافي، لا يمكن لأمر كهذا أن يحدث، بل على العكس، نجد أن يكلف هذا الرجل بذاته، وهو المتهم الأول بقتل 1200 رجل أعزل تحت حمايته، بالإجتماع بعدد ممن "شملتهم رحمته" فلم يلقوا مصير إخوتهم لكي يذكرهم بفضله عليهم وليلقي لهم ب 10000 دينار ليبي لكي يبنوا بها مستقبلهم "المهشم" و"المهمش" والذي سيظل على كفة عفريت طالما بقى هذا النظام قائما، ثم يتوعدهم ويعلمهم بأنهم رغم إكرامهم بالحرية وبالهبة المالية التي تكرم بها عليهم، فإن حبل المشنقة أيضا مصاحب لها وسيظل دوما باقِ يتدلى فوق رؤوسهم ليذكرهم بأن لا يحيدوا عن الطريق التي حددها لهم. لا يجب أن يغيب عنا أن هذه الرسالة لم تكن موجهة لهؤلاء فقط بل كانت لشعب ليبيا بأكمله. فأي ذل بعد هذا؟

أود أن أذكر القارئ من جديد بأن بداية الحرب الجديدة التي شنها النظام على المعارضة ليست بظهور أمثال الزاوي الذي تم القبض عليه من قبل السلطات الألمانية منذ أسبوع، ولكنها كانت منذ بداية مشروع سيف "الإصلاحي" المزعوم، وقد حمل هذا المشروع في باطنه برنامج مدروس وواضح، هدفه الأول هو تفتيت المعارضة وتحطيمها لكي تصبح مجرد مجهودات فردية غير ذات تأثير. ولهذا فإن النظام لم يكتفي فقط باختراق المعارضة بواسطة من جندهم والإغراءات التي قدمها لهم، بل أرسل أيضا عملاء للتجسس على المهاجرين الليبيين بجميع فئاتهم لغرض معرفة توجهاتهم ولضم من يستطيع منهم لخدمة المشروع، بالإضافة إلى تحديد من يصلحون لأن يستهدفهم النظام لإنهاء نشاطاتهم أو القضاء عليهم بالكامل متى رأى فيهم خطرا غير قابل للمساومة.

على الجميع ان يدرك خطورة الوضع وخصوصا من إنساقوا وراء مشروع الإصلاح، والذي ليس سوى الوجه الثاني لنفس العملة التي يمثلها عبدالله السنوسي.. والجدير بالذكر هنا حقيقة هو أن كل ما نراه اليوم على الساحة الليبية من تخبط في سلوكيات النظام الحاكم في ليبيا ليس سوى دليل واضح على أن الدافع هو الإحساس بالخطر من قبل النظام وليست مجرد تصرفات نابعة من فراغ. لينتبه الجميع أننا اليوم أكثر من أي يوم مضى بحاجة للثبات على الدرب الذي بدأنا مشوارنا فيه، ولا يجب أن يزيحنا عن طريق الحق هذا أي شخص تسول له نفسه المريضة بالإعتداء على أحدنا أو إرهابنا. إن طريق الحق ليس مفروشا بالورود، وتهون جميع التضحيات متى إنتصر الحق. علينا أن لا نتوقف: لأجل أنفسنا، لأجل آبائنا ولأجل أمهاتنا المجاهدات, ولأجل مستقبل أبنائنا وأحفادنا.. لأجل الوطن.

والله المستعان

الليبية

* قصيدة "سر المهنة" لأحمد مطر.

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ليبية الي الابد
يعمل سيف الاسلام علي الدعاية لنفسة من اجل تلميع صورته كقائد مورث قادم لحكم الانقاض التي سيتركها ابيه و بعد فشله في تثبيت ما يسمي بالاصلاح في ليبيا يتجه اليوم…...
التكملة
الى من الداخل
يا خوي هاهو سيف الاسلام ينجح ومستمر في اغراء واعادة المواطنين العاديين وحتى المعارضين النشطين، ويستقطب ويعكس مواقف الكثيرين من النشطين الباقين بمواقعهم (مثل المنارة واخبار ليبيا وليبيا اليوم). وهاك…...
التكملة
الى من الداخل
باهي وينهم مواطنو الداخل، الستة مليون؟ والا تبي حتى العشرة انفار اللي بره، ما تبقى من صوت وصلة الشعب بالعالم، يعودوا باش يشنقوهم ويدرجحوا من اجسادهم على مسمع ومرأى الشعب…...
التكملة
بوفة 55
اختي الليبية بارك الله فيك علي هذه المقالة المتميزة والتي بها عرية هذا النطام المتعفن لليعلم الشباب الجديد ما هي الأجواء المظلمةوالأرهاب علي المواطن في تلك الفترة. اشارك رائ السيد…...
التكملة
متمرد
ياجماعة صدقوني انا ليبي واعيش في داخل ليبيا نحن مشكلتنا ماعندنا قيادة توجه وتقود وتحث الناس على التمرد على القذافي والله العظيم التمرد في صدورنا ومستعدين لكن نحن شعب بسيط…...
التكملة
ليبي من الخارج
كلام الليبي الذي من الداخل كلام صحيح مية مية...
التكملة
د. سليمان الحماصي
احييك وأكن لك كل تقدير على ما كتبتيه ولكن أختي الليبية أن الوعي السياسي لدى شعبنا متواضع جدا وفقه وأهمية العمل الجماعي يغلب عليها أيثار حضوض النفس فمشكلتنا الليبيين نتنافر…...
التكملة
سليم الرقعي
لأخت الليبية أحيي جهودك المتواصلة في بيان حقيقة ما جرى وما يجري في ليبيا .. فهذا النوع من الكتابة مهم جدا ً فجزء من معركتنا من الطغيان ساحتها ألأكبر هو…...
التكملة
محمد أمين العيساوي
ليس لي إلاّ أنت اتقدم لك أختي الليبية بخالص الشكر والتقدير وأحيّ جهدك المخلص على هذه المقالة التحليلية والتي جاءت بحق في تسلسل منطقي موضوعي ومحكم يعبر تماما عن الواقع…...
التكملة
من الداخل
عن اي معارضة تتحدثون خلوكم من الدوة الفاضية nمعارضة على الانترنت المعارضة تكون في الداخل علشان تقدر توجه الناس وتقودهمnشعب بدون قيادة مثل الجسم بدون رأسnاما المعارضة في الخارج فهم…...
التكملة
الليبية
الشكر والتقدير للقراء ولكل ليبية وليبي شريف. ردي على السيد فرحات سالم وكل من يظن أن نشاط المعارضة مقتصر فقط على بعض الإعتصامات والبيانات: إن نظام القذافي يا سادة يعرف…...
التكملة
مجرد تسأل
لماذا تزامن نفس موضوع الاغتيالات ونفس المدة الزمنية لموضوع السيد فتح الله ابزيو ؟ ما هو الرابط بين تزامن المواضيع ؟...
التكملة
فرحات سالم
هل حقا ياسيدتى ان القذافى يخشى تحرك المعارضه المتواضع والمتمثل فى بعض الاعتصامات والندوات والبيانات والمقالات التى تنشر هنا وهناك لدرجة تجعله يجند الجواسيس ام انه يتظاهر بالخوف حتى يستمر…...
التكملة
ولد الشيخ
أبدعتي ..كم استمتع بقراءة ماتسطرين..لكني اتوقف عند نقطة اعتراف الأبن بجريمة بوسليم بأنها كانت (زلة لسان وتهور)هنا اخالفك الرأي بأنها لم تكن زلة لسان.بل اعد لها مسبقا.ولم يعترف بها الا…...
التكملة
AbuHammam
نرجو من الاخوة الدين لهم فكرة فى العمل الميدانى ان ينيرونا بكتاباتهم عن وسائل العمل الميدانى كتوزيع المنشورات, وغيرها. اظن اننا بحاجة لهدا اكثر منه للتعريف بالمجنون . وشكرا للكاتبة...
التكملة
استفزاز القذافى وجره للمواجهة
n لا أملك الا ان أكيل عبارات التقدير والإحترام لأختى الليبية الأصيلة...والوضع فعلا كما وصفته القذافى واسرته العفنه وزبانيته الخنث يرتعدون فرقا ورعبا من شعب اصبح على وعى كامل بمأساته…...
التكملة
wattany100
لم اقراء المقال بعد ولكنني سعدت بعودتك ، شغلتينا عليك , معاش تطولي الغيبه ....
التكملة