الْصَّادِق شُكْرِي: زَمَان الْعَادِل خَيْر الأزْمِنَة الْمَلِك إِدْرِيْس الْسَّنوُسي.. فِي ذِكْرَاه الْخَالِدَة1 26/5/2010 15:30 الْصَّادِق شُكْرِي: زَمَان الْعَادِل خَيْر الأزْمِنَة الْمَلِك إِدْرِيْس الْسَّنوُسي.. فِي ذِكْرَاه الْخَالِدَة1
الصادق شكري بحث

(تَتَبَارَى الأمَم الْحَيَّة بِتَخْلِيد عُظَمَائِهَا وَتَمْجِيْد ذِكْرَاهُم فِي كُل الْمُنَاسَبَات، وَبِقَدْر اهْتِمَامِهَا
بِذَلِك تُدَلِّل عَلَى قِيْمَتِهَا فِي مِيْزَان الْمَجْد وَالْخُلُود..). الأُسْتَاذ حسْن ظَافِر بُرْكَان (1)

الْحَلَقَة الأُوْلَى

فِي يَوْم 25 مَايُو/ أَيَّار قَبْل سَبْعَة وَعِشْرِيْن عَامّاً، طَوَى الْزَّمَان آَخَر صَفَحَة مِن سِجِل تَارِيْخ حَيَاة الْمَلِك إِدْرِيْس الْسَّنوُسي الأب الْمُؤَسِّس لِدَوْلَة لِيبَيا الْحَدِيثَة. سَجِّل حَافِل بِجَلائْل الأعْمَال، وَعَظِيْم الإنْجَازَات.. وَمَمْلُوْء بِالْمَوَاقِف الْمُشَرَّفَة، وَالاخْتِيَارَات الْصَّحِيْحَة، وَالْخَيَارَات الْمُوَفَّقَة.. وَفِيْه مَا يَذْكُرُه كُل لِيُبَي مُنْصِف وَفِي بِمِلْء فِيْه فِي فَخْر وَاعْتِزَاز، مَا قَدَّمَه الْمَلِك إِدْرِيْس وَرِفَاقُه الْبَرَرَة مِن أَفْعَال سِنِّيَّة فِي الْدِّفَاع عَن الْوَطَن وَالذَّوْد عَن كِيَانِه وَمَصَالِحِه.

لَقَد نَجَح الْسَّيِّد إِدْرِيْس الْسَّنوُسي فِي قِيَادَة الْمُجَاهِدِيْن وَتَوْحِيْد كَلِمَتَهُم.. وَنَجَح كَرَجُل سِيَاسَة فِي إِدَارَة مِلَف الْمُفَاوَضَات ثُم فِي إِدَارَة مَلَف الْقَضِيَّة الَلِّيَبِيَّة فِي أَرْوِقَة الأمَم الْمُتَّحِدَة. وَحَقَّقَ عَلَيْه مِن الْلَّه الْرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة، لِلِيبَيا بَعْد إِسْتِقْلالَهَا فِي أَقَل مِن (18) ثَمَانِيَة عَشَر عَامَاً، مَا لَم يَكُن يَتَوَقَّعُه أَحَد، وَذَلِك قَبْل أَن يَقْطِف الإِنْقْلابِيُّون فِي الأوَّل مِن سَبْتَمْبَر/ أَيْلُوْل مِن عَام 1969م زَهْرَة شَبَاب الْشَّعْب اللِّيْبِي.

وَمِن ثَمَّة، وَمِن حَقِّه، أَن يُخَلَّد الْشَّعْب اللِّيْبِي مَوَاقِف الْمَلِك إِدْرِيْس، وَأَن يَحْتَفُوْا بِه وَيُكْرِّمُوا ذِكْرَاه، وَأَن تُسَطِّر الأقْلام سِيْرَة حَيَاتِه وَجَلائِل أَعْمَالِه وَعَظِيْم إِنْجَازَاتِه فِي كُتُب وَمُجَلَّدَات.

أَقِف الْيَوْم لِلْحَدِيْث عَن الْمَلِك إِدْرِيْس فِي ذَاكِرَه الْخَالِدَة، وَمَن زَاوِيَة مُخْتَلِفَة عَن الْزَّوَايَا الَّتِي سَبَق وَأَن عَرْضَتُهَا فِي كِتَابَات أُخْرَى.

وَإِذ نَحْتَفِل الْيَوْم بِذِكْرَى وَفَاة الْمَلِك إِدْرِيْس، إِنَّمَا نُحْيِي فِي ذِكْرَاه كُل مُجَاهِد وَمُنَاضِل قَدِم للَيِبيانا الْغَالِيَة، فِي صَمْت الْمُخْلَصِيْن، كُل مَا أَسْتَأْمِنْه الْلَّه عِنْدَه.

وَسَوْف أَعْرَض فِي هَذِه الْذِّكْرَى، أَرْبَع مَحَطّات مَن سِيْرَة الْمَلِك فِي ثَلاث وَقَفَات، وَالْمَحَطَّات كَالْتَّالِي:

• الأمِير إِدْرِيْس مِن الْمَنْفَى إِلَى الْعَرْش.
• المَلِك إِدْرِيْس وَوَاقِعَة الإنْقِلاب.
• وُصُوْل الْمَلِك إِدْرِيْس إِلَى مِصْر وَإِقَامَتَه فِيْهَا.
• وَفَاة الْمَلِك إِدْرِيْس.

وَلْنَبْدَأ إِذَن بِالْمَحَطَّة الأُوْلَى...

1) الأمِير إِدْرِيْس مِن الْمَنْفَى إِلَى الْعَرْش (2)

يطْلِق اللِّيْبِيُّوْن عَلَى السُّنوُسيِّين لَقَبْ (الأْسْيَاد) نَظَرَاً لارْتِبَاط بَيْتِهِم بِالْعِلْم وَالْشَّرَف وَالْدِّيْن، وَعَوْدَة نَسَبِهِم إِلَى آَل الْبَيْت الْطَاهِر مِن نَسْل الْسَيِّدَة فَاطِمَة بِنْت الْنَّبِي مُحَمَّد عَلَيْه الْصَّلاة وَالْسَّلام وَزَوْجُهَا سَيِّدِنَا عَلِي بْن أَبِي طَالِب رَابِع الْخُلَفَاء الْرَّاشِدِيْن. وَكَان اللِّيْبِيُّوْن يُلَقِّبُون (إِدْرِيْس الْسُّنوُسي) أَو يُسَمُّوْنَه بـ(الْسَّيِّد)، فَحِيْنَمَا يَذْكُر أحدهم (الْسَّيِّد) دُوْن ذِكْر الاسْم فَالْجَمِيْع كَان يَعْلَم أَنَّه (إِدْرِيْس الْسُّنوُسي) لأِن.."..هَذِه الْصِّفَة كَادَت أَن تَكُوْن عَلَمَاً يُعَرَّف بِه هُو دُوْن سِوَاه"، وِفْقَا لِرِوَايَة الأسْتَاذ الْطَّيِّب الأشْهَب فِي كِتَابِه: (إِدْرِيْس الْسُّنوُسي).

وُلِد الْسَّيِّد إِدْرِيْس الْسُّنوُسي سُنَّة 1890م، وَكَانَت ..{.. أُمُّه عَائِشَة سَيِّدَة مِن أُسْرَة البِوْسَيْفِي الَلِّيَبِيَّة فِي سِرْت، وَبَعْد عَام مِن وَلادته أَو عَامَيْن وُلِد أَخُوْه الأصْغَر مُحَمَّد الْرِّضَا الَّذِي أَنْجَبَه الْسَّيِّد الْمَهْدِي مِن زَوْجَتِه الأخْرَى فَاطِمَة وَهِي تَنْتَمِي إِلَى عَائِلَة الْغمَارِي (3) مِن أَهَالِي الْجَبَل الأخْضَر. كَمَا خَلَف الْمَهْدِي ثَلاث بَنَات هُن صَفِيَّة وَنَفِيسَة وَحُسْنِيَّة..}م1.

حفظ الْسَّيِّد إِدْرِيْس الْسُّنوُسي الْقُرْآَن الْكَرِيْم بِزَاوِيَة (الْكَفَرَة)، وَأَتَم بِهَا تَعْلِيْمِه الْدِّيْنِي عَلَى يَد كِبَار الْعُلَمَاء السُّنوُسيِّين. وَبَعْد وَفَاة الْسَّيِّد الْمَهْدِي وَالِدِه يَوْم الأحَد 24 صَفَر 1320 هَجْرِي الْمُوَافِق 2 يُوْنْيُو/ حُزَيْرَان 1902م، تَوَلَّى الْسَّيِّد أَحْمَد الْشَّرِيف الإِمَارَة كَوَصِي حَتَّى يَبْلُغ الْسَّيِّد إِدْرِيْس الْسِّن الَّتِي تُؤَهِّلُه لِتَحَمُّل أَعْبَاء الْمَسْئُوْلِيَّة.

تَعْلَم الْسَّيِّد إِدْرِيْس فُنُوْن الإمَارَة وَالْحَرْب مِن الْسَّيِّد أَحْمَد الْشَّرِيِف (1873م – 1933م) ابْن عَمِّه، وَتَعَاوَن مَعَه فِي قَضَايَا كَثِيْرَة خُصُوْصَاً وَأَن الْسَّيِّد أَحْمَد – وَكَمَا ذَكَر الأسْتَاذ الْطَّيِّب الأشْهَب – كَان..{.. لا يَرَى لَه حَقّاً فِي الْعَمَلِ إِلاّ بِاسْم إِدْرِيْس الْسُّنوُسي..}م2.

وَقَبْل اسْتِلام الْسَّيِّد إِدْرِيْس لِلإِمَارَة مِن إِبْن عَمِّه، كَان قَد زَار مِصْر وَفِلَسْطِيْن وَالْحِجَاز، فَحْل ضَيْفَاً عَلَى خُدَيْوِي مِصْر آَنَذَاك فِي قَصْرِه بِرَأْس الْتِّيْن فِي الإسْكَنْدَرِيَّة، وَعَلَى حُكُوْمَة الْحِجَاز عِنْد زِيَارَتِه لِلْحَرَمَيْن الْشَّرِيِفَيْن. وَكَان قَد تَعْرِف خِلال هَذِه الْزِّيَارَة عَلَى شَخْصِيّات عَرَبِيَّة كَثِيْرَة، مِن بَيْنِهِم: حُسَيْن بْن عَلِي، شَرِيْف مَكَّة الَّذِي صَار فِيْمَا بَعْد مِلْكَاً عَلَى الْحِجَاز مِن عَام 1916 إِلَى عَام 1924م.

وَبَعْد عَوْدَتِه مِن الْحِجَاز إِلَى بِرِقَّة، تَوَقَّف الْسَّيِّد إِدْرِيْس أَيَّامَاً فِي مِصْر فَالْتَقَى بِالْجِنِرَال مَاكْسْوِيل قَائِد الْقُوَّات الْبِرِيطَانِيَّة بِمِصْر، وَالْكُولونَيل كُليِّتُون مَنْدُوب حُكُوْمَة الْسُّوْدَان فِي مِصْر. عَاد الْسَّيِّد إِدْرِيْس إِلَى أَرْض الْوَطَن، وَتَوَلَّى فِي عَام 1916م الإِمَارَة، وَسَعَى مُنْذ تَوَلَّيْه لُزِّمَام الأمُور دَفْع الْقَضِيَّة الَلِّيَبِيَّة خُطُوَات مُتَقَدِّمَة إِلَى الأمَام مُعْتَمَدَاً عَلَى نَهْج حَرَكِي يَنْظُر إِلَى الْعَمَل السِّيَاسِي عَلَى أَنَّه طَرِيْق هَام مِن طُرُق مُقَاوَمَة الْعَدُو ومُوَاجَّهَتِه. وَمُنْذ اسْتِلامه لُزِّمَام الأمُور، غَلّبَ كِفَّة الْعَمَل السِّيَاسِي عَلَى كَفَّة الْعَمَل الْعَسْكَرِي نَظَرَاً لِحَاجَة اللِّيْبِيِّيْن إِلَى هُدْنَة تُخَفِّف مِن وَطْأَة الْحِصَار الْمَضْرُوب عَلَيْهِم، وَبِحُكْم ضُغَوطَات الْوَاقِع وَظُرُوف الْمَرْحَلَة وَإِمَكَانِّيَات الْمُوَاجَهَة الْمُتَوَاضِعَة وَقْتَذَاك حَيْث كَانَت إِمْكَانِيَات الْمُقَاوَمَة الْمُتَاحَة للِيبِيِّين لا تُقَارَن مُطْلَقَاً بِإِمَكَانِّيَات الْجُيُوْش الْغَازِيَة. وَيُضَاف إِلَى ذَلِك، الثَّمَن البَاهظ الَّذِي دَفَعَه اللِّيْبِيُّوْن حَيْث الْمَجَاعَات وَالأمْرَاض وَالْهِجْرَة وَسُقُوْط حَوَالَي مِلْيُوُن شَهِيْد أَي مَا يُقَارِب نِصْف تَعْدَاد الْسُّكَّان.

دَخَل الأمِير إِدْرِيْس فِي مُفَاوَضَات مَع الْطِّلْيَان وَاسْتَطَاع بِفِطْنَتِه وَذَكَائِه السِّيَاسِي وَبُعْد نَظَرِه إِقْحَام الإنْجِلِيْز كَطَرْف فِي الْمُفَاوَضَات حَتَّى يَضْمَن تَنْفِيْذ مَا سَيَتِم الاتِّفَاق عَلَيْه وَتَكُوْن لَه جِهَة يَلْتَجِيء إِلَيْها فِي حَالَة تَآَمَر الْخَصْم أَو رُجُوْعِه عَن الاتِّفَاق. وَاسْتَطَاع بِحِكْمَتِه وَفَهْمِه الْشَّدِيْد لِلْوَاقِع، أَن يُحَقِّق هُدْنَة كَان لابُد مِنْهَا لِيَتَمَكَّن الْمُجَاهِدُوْن مِن الْتِقَاط أَنْفَاسِهِم، وَأَعْدَاد جَيْشَهُم مِن جَدِيْد بِحَيْث يَكُوْن قَادِرَاً لِمُوَاجَهَة طوَارِيء الْزَّمَان!.

وَبَعْد مُفَاوَضَات طَوِيْلَة وِمَرِيْرَة مَع الْطِّلْيَان وَالَّتِي انْتَهَت فِي نُوُفَمْبَر/ تَشْرِيْن الْثَّانِي 1920م بِتَوْقِيْع إِتِّفَاقِيَّة أَو مُعَاهَدَة (الْرُّجْمَة)، تمَكَّن مِن انْتِزَاع حَكَمَاً ذاتِيّاً لَبرقَة (حُكُوْمَة إجْدَابيّا) الَّذِي يَعْتَبِرُه الْبَعْض نُقْطَة الانْطِلاق فِي تَّأْسِيْس الْدَّوْلَة الَلِّيَبِيَّة، وَيُعَد بِلا شَك مِن أَهَم الْتَّجَارِب الَلِّيَبِيَّة وَرُبَّمَا الْعَرَبِيَّة فَلِيبيَا أَوَّل دَوْلَة فِي الْمِنْطَقَة الْعَرَبِيَّة تَمُر بِتَجْرِبَة الْحُكْم الْذَّاتِي.

وَنجح الأمِير بَعْد انْتِزَاعُه لِلْحُكْم الْذَّاتِي، فِي بِنَاء مُؤَسَّسَات الْسُّلْطَة عَلَى أُسُس الْحُكْم الْمَدَنِي وَالاِحْتِكَام إِلَى صَنَادِيْق الاقْتِرَاع، وَكَوْن أَوَّل بَرْلَمَان عَرَبِي عَلَى الإطْلاق. تَكُوْن مَجْلِس الْنُّوَّاب بَعْد إِجْرَاء أَوَّل انْتِخَابَات حَرَّة فِي بَرْقَة عَام 1921م، وَافْتَتَح بَرْلَمَان حُكُوْمَة بِرِقَّة يَوْم 28 أَبْرِيْل/ نَيْسَان 1921م، وَكَان مَقَرِّه مَدِيْنَة بَّنْغَازِي.

وَبَعْدَمَا أَيْقَن الأمِير أَن أَعْمَال الْطِّلْيَان تَسْتَهْدِف تَقْوِيْض جَهْوَدُه وَاسْتَهَدافُه شَخْصِيَّاً بُغْيَة إِخْضَاع الْبِلاد كُلِّهَا لِحُكْمِهِم، غَادَر الْبلاد مُهَاجِرَاً لِمِصْر فِي أَوَائِل عَام 1923م لاِسْتِئْنَاف دَوْرَه وَمُوَاصَلَة مِشْوَار الْتَّحْرِيْر، وَكَان قَبْل مُغَادَرَتِه قَد عَهِد بِقِيَادَة الْمُجَاهِدِيْن إِلَى الْشَّيْخ عُمَر الْمُخْتَار (1862م – 1931م) أَحَد كِبَار الْمُجَاهِدِيْن وَأَتْبَاع الْطَّرِيْقَة الْسُّنوُسيَّة الْمُخْلَصِيْن الأوْفِيَاء.

وُصِل الأمِير إِلَى مِصْر فِي أَوَائِل عَام 1923م، وَبَدَأ مُنْذ وُصُوْلِه لِمِصْر فِي تَكْوِيْن شَبَكَة عَلاقَات تُعِيْنُه عَلَى تَحْقِيْق مَصْلَحَة بِلادِه الْوَطَنِيَّة.. وَإِيْجَاد وَسَائِل تُمَكِّنْه مِن تَقْلِيْص حَجْم الاِخْتِلافَات بَيْن اللِّيْبِيِّيْن وَتَوْحِيْد كَلِمَتَهُم.. وَإِيْجَاد مَنَافِذ لِتَمْرِيْر الْمُؤَن وَالْعَتَاد إِلَى الْمُجَاهِدِيْن، وَمَنَابِر يَشْرَح مِن خِلالِهَا أَوْضَاع لِيبَيا وَظُرُوف قَضَيْتَهَا الْوَطَنِيَّة هَادِفَاً لِخَلْق تَعَاطَف عَام مَع الْقَضِيَّة الَلِّيَبِيَّة ثُم مُنَاصِرِين وَحَلْفَاء يُسَانِدُوْه عَلَى تَحْقِيْق هَدَف الْتَّحْرِيْر وَالإسْتِقْلال. وَكَان مَنْزِلُه بِالإسْكَنْدَرِيَّة وَبَعْدَهَا بِمِنْطَقَة أْبوَرْوَاش بالجيزةِ ثُم بـشَارِع حَشْمَت الْرَّقْم (14) بِالِزَّمَالِك فِي الْقَاهِرَة مُنْذ عَام 1940م، مُلْتَقَى مَفْتُوْح لِكَافَّة أَعْيَان لِيبَيا وَمَشَايِخِهَا وَقَادَة الْجِهَاد وَالسِّيَاسِيّين، وَفِيْهِم تَمَّت الْعَدِيْد مِن الْمُشَاوْرَات وَالْمُبَاحَثَات وَالاِتِّفَاقِيَات. وَمَن مُقِر سكناه بِالْعَنَاوِيْن الْثَّلاثَة، أَرْسَل الأمِير الْعَدِيْد مِن الْرَّسَائِل، وَأُعْلِن الْعَدِيْد مِن الْمَوَاقِف، وَقدَّم الْعَدِيْد مِن الْنَّصَائِح الْقَائِلَة: ".. بِوُجُوْب الْتَضَامَن وَالتَّسَامُح، وَنَبْذ الأحْقَاد وَالضَّغَائِن، وَنُكْرَان الذَّات، وَالاسْتِعْدَاد لِمُوَاجَهَة مَا تَأْتِي بِه الأيَّام، وَالثِّقَة فِي عَدَالَة قَضِيَّتِنَا الَلِّيَبِيَّة.."، كَمَا ذَكَر الأسْتَاذ الْطَّيِّب الأشْهَب فِي كِتَابِه: (إِدْرِيْس الْسُّنوُسي).

وَقَد أَنْشَد الْشَّاعِر الْشَّعْبِي رَجَب بِوَحْوَيش بَعْض الأبْيَات بَعْد هِجْرَة الْسَّيِّد إِدْرِيْس إِلَى مِصْر، تَبَيَّن بِوُضُوْح مَدَى ارْتِبَاط اللِّيْبِيِّيْن بِالْسَّيِّد وَانْتِظَارِهِم لِقُدُومِه مُنْتَصِرَاً عَلَى الْطِّلْيَان، فَقَال:

مرايف على سيدي إدريس نريده *** كما يريد الماء اللي عطشان
يا عون من زاره وكب على أيده *** وجاور حذاه جوار كيف زمان
وسيدي صفي الدين موش قعيده *** فارسا منبى يومت الدنان
نعنهم يجونا في جيوش عديدة *** وتبقى غنيمة دولة الطليان
يا غرامتي يا معيشتي الزهيده *** إن ما جو وأنا صحيح أبدان

ومن جهة أخرى، نقل السَّيِّد ئي.آ. ف. دي كاندول الَّذِي شُغِل مَنْصِب الْمُقِيْم الْمُفَوَّض لِلْحُكُومَة الْبِرِيطَانِيَّة فِي بَرْقَة إِبَّان حُكْم الإدَارَة الأجْنَبِيَّة بِلِيبَيا، فِي كِتَابِه: (الْمَلِك إِدْرِيْس عَاهِل لِيُبَيّا)، حَرَكَة تَنَقُّلات الأمِير إِدْرِيْس وَإِقَامَتَه فِي مِصْرِ مُنْذ وُصُوْلِه إِلَيها حَتَّى سَاعَة رَفَع الْحَظْر عَنْه ثُم مَا بَعْد ذَلِك حَتَّى عَام 1940م، نقلاً عَن الأمِير شَخْصِيَّاً، ما يلي: ".. عَامَلَنِي الْمِصْرِيُّوْن – الْسَّيِّد إِدْرِيْس يَتَحْدُث – بِاحْتِرَام بَالِغ يَعْكِس مَدَى إِحْسَاسَهُم بِمِحْنَة إِخْوَانَهُم الْعرب اللِّيْبِيِّيْن. وَخِلال الْسَّنَوَات الْخَمْس الأوْلَى مِن وُجُوْدِي بِمِصْر أَقَمْت بِالْقَاهِرَة، فَسَكَنَت أَوَّلاً فِي بَيْت بِشَارِع خَموس بِاشَّا، ثُم فِي شَارِع عُمَر بِن عبْدالْعَزِيْز بِحَي الْمُنِيرَة، وَأَخِيْراً فِي شَارِع رُشْدِي بِاشَّا بِحَي جارْدِن سِيَتَي.

وَفِي عَام 1928م، انْتَقَلَت لِلإقَامَة فِي الإسْكَنْدَرِيَّة، فَاشْتَرَيْت مُنْزِلِيْن مُتَجَاوِرَيْن فِي حَي سَان سْتيْفَانْو. وَفِي سَنَة 1930م رَفَع الْحَظْر عَن تَحَرِّكَاتِي خَارِج مِنْطَقَة الدلتا، فَاشْتَرَيْت قِطّعَة أَرْض فِي الْصَّحْرَاء بِنَاحِيَة حَمَام مَرْيُوط عَلَى مَسَافَة 50 كِيْلُوَمِتْرَاً غَرْبِي الإسْكَنْدَرِيَّة و20 كِيْلُوَمِتْرَاً مِن سَاحِل الْبَحْر، وَبُنِيَت هُنَالِك مَنْزِلاً صَغِيْرَاً، وَأَقَمْت فِي مِنْطَقَة الْحمَّام بِصِفَة مُسْتَمِرَّة مِن عَام 1931م إِلَى عَام 1940م..".

وَعَن تَلْك الْفَتْرَة، َيُذْكَر أَن الْطِّلْيَان كَانُوْا قَد تَمَكَّنُوا بَعْد فَتْرَة مِن وُصُوْل الأمِير إِلَى مِصْر مِن الْنَّفَاذ إِلَى الْبَلاط الْمَلَكِي نظراً لأِن الْمَلِك فُؤَاد كَانَت أُمُّه إِيْطَالِيَّة وَتَرْبِطُه بِالإِيطَالِيِّين صِلات قَوِّيَّة، فَفَرْض عَلَيْه حَظْرَاً عَلَى نَشَاطَه السِّيَاسِي وَتَنَقُّلاتُه، وَقَد اسْتَمَر هَذَا الْحَظْر سَارِيَاً حَتَّى عَام 1930م. وَرَغْم الْحَظْر الْمَفْرُوْض عَلَيْه إِلاّ أَن صِلَة الأمِير بِالْدَاخِل لَم تَنْقَطِع فَقَد تَمَكَّن عَبْر رَسَائِلِه الْمُشَفَّرَة وَوَسَائِلِه الْخَاصَّة من التَّوَاصُل مَع الْمُجَاهِدِيْن دَاخِل لِيبَيا وَلَكِنَّه فِي الْمُقَابِل الْتَزَم بِعَدَم الْقِيَام بِأَي نَشَاط سِيَاسِي أَو إِجْتِمَاعِي دَاخِل الأرَاضِي الْمِصْرِيَّة. وَحَاوَلْت الْسُّلُطَات الإيطَالِيَّة طَوَال هَذِه الْسَّنَوَات نَصَب الْمَكَايِد لَه وَاغْتِيَال شَخْصِيَّتِه عَبْر جَرِّه إِلَى الْمَلَذّات. فَكَم حَاوَل.. {.. الْعُمَلاء الإيطَالِيُّون إِيِقَاعُه فِي شِرَاك بَعْض الْنِّسَاء بُغْيَة إِحِرَاجِه، وَلَكِن جَمِيْع تِلْك الْمُحَاوَلات مُنِيَت بِالْفَشَل الْذَّرِيْع، لأِن اتِّجَاهِه الْدِّيْنِي الْصَّارِم كَان يَنْأَى بِه عَن أَي سُلَوك قَد يُوْحِي بِالانْغِمَاس فِي الْمَلَذَّات مِن قَرِيْب أَو بَعِيْد. وَكَانَت الْسُّلُطَات الْمِصْرِيَّة تَعَامُلِه بِالاحْتِرَام الْلائِق بِمَرْكَزِه الْدِّيْنِي، وَبَعْدَمَا تَم رَفَع الْحَظْر عَلَى تَنَقُّلاتِه فِي سَنَة 1930م اسْتَطَاع أَن يَحِج إِلَى مَكَّة..}م3.

وَبَاشَر الأمِير بَعْد عَوْدَتِه مِن مَكَّة، نَشَاطَه السِّيَاسِي وَالْثَّقَافِي وَالإجْتِمَاعِي، إِلَى أَن وَصَل فِي عَام 1940م إِلَى تَّأْسِيْس جَيْش وَطَنِي انْضَم إِلَى جَيْش الْحَلْفَاء ضِد الْمِحْوَر وَسَاهِم مُسَاهَمَة عَمَلِيَّة فِي جَمِيْع مَرَاحِل الْقِتَال حَتَّى طَرَد أُخَر جُنْدِي إِيْطَالِي مَن الأرَاضِي الَلِّيَبِيَّة.

وَطَيِّلَة هَذِه الْسَّنَوَات، أُجِرْت مَع سَمَّوْه الْصُّحُف الْمِصْرِيَّة الْعَدِيْد مِن الْمُقَابِلات، وَكَتَب لَهَا بَعْض الْتَّقَارِيْر الَّتِي تُبَيِّن ظُرُوْف وَمَرَاحِل الْقَضِيَّة الْوَطَنِيَّة. وَنَسَج عَلاقَات مَع رُمُوْز حَرَكَات الْتَّحْرِيْر لِلْبِلاد الإسْلامِيَّة مِن أَمْثَال الأمِير عبْدالْكَرِيْم الْخَطَّابِي مَن الْمَغْرِب، وَالْسَّيِّد الْفُضَيْل الْوَرَتَلانِي مِن الْجَزَائِر.. وَغَيْرِهِم. وَكَان ضِمْن مُؤسُسِيِي (الإتحَاد الْعَرَبِي) بِمِصْر وَالَّذِي سَبَق تَّأْسِيْس (جَامِعَة الْدُّوَل الْعَرَبِيَّة)، فَكَان ضِمْن أَعْضَاء مَجْلِسِه وَأَبْرَز الْمُسَاهِمِيْن فِي اجْتِمَاعَاتِه الْدَّوْرِيَّة.

وَكَان لِلأمِيْر إِدْرِيْس مَنْطِقِه الْوَاقِعِي وَرُؤْيَتُه الْسِّيَاسِيَّة وَقَد عَبَّر عَن رَأْيِه فِيْمَا يَخُص قَضَايَا عَالَمِنَا الْعَرَبِي وَالإِسْلامِي فِي ملتقيات كَثِيْرَة شَارِك فِيْهَا، وَقُدِّم فِي شَهْر يُوَلْيُو/ حُزَيْرَان مِن عَام 1929 وَرَقَة تَخُص مَسْأَلَتِي الْوَحْدَة الْعَرَبِيَّة وَالْجَامِعَة الإسْلامِيَّة. وَقَد نَشَر الْشَّيْخ عبْدالْقَادِر بْن الأمِيْن الزنتَانِي الْمُتَوَفِّي سَنَة 1943م بَحْث الأمِير الْقَيِّم، وَصَمَّم غِلاف الْكُتَيِّب وَخَط عُنْوَانُه، وَرَمَز إِلَى اسْم الْمُؤَلِّف بِالأحْرُف الأوْلَى مِن أَسْمَائِه الْكَرِيْمَة. (أَنْظُر إِلَى صُوْرَة الْغِلاف الْمِرْفَق)

وَالْمُهِم هُنَا أَن نَرْوِي مَا ذَكَرَه الأسْتَاذ الْطَّيِّب الأشْهَب فِي كِتَابِه: (إِدْرِيْس السُّنوُسي) بِخُصُوْص إِنْشِغَال الأمِير بِهُمُوِم الأمَّة وَوَحْدَتِهَا، حَيْث قَال: ".. لِلأمِيْر فِي مَسْأَلَتِي الْوَحْدَة الْعَرَبِيَّة وَالْجَامِعَة الإسْلامِيَّة أَرَاء مُتَيَّنَة وَأَفْكَار نَيِّرَة سَلِيْمَة نُشِر الْقَلِيْل مِنْهَا فِي بَعْض الْصُّحُف الْعَرَبِيَّة وَالأوْرَبِيّة قَبْل الْحَرْب الْعَالَمِيَّة الْثَّانِيَة وَأَثْنَاءَهَا فَقَد كَان مِن أَشَد قَادَة الْعَرَب حَمَاساً لِوحْدَتِهُم الَّتِي تَجْمَع شَمْلَهُم وَتَجْعَل مِنْهُم كُتَلَة مُتَمَاسِكَة مَهَابَة الْجَانِب تَسْتَطِيْع أَن تَخْدِم الْسَّلام وَالإسْلام بِصُوْرَة جَدِّيَّة. وَكَان عُضْواً بَارِزَاً فِي (اٌلإتِّحَاد الْعَرَبِي) مُنْذ أَن تُأَسِّس فِي الْقَاهِرَة وَعَلَى الْرَّغْم مِن أَن هَذَا الإتحَاد كَان مَحْدُوْد الإمْكَانِيَّات إِلاّ أَنَّنَا لا نُذِيْع سَرَّاً إِذَا قُلْنَا أَنَّه خَدَم الْقَضِيَّة الْعَرَبِيَّة أَكْثَر مِمَّا خِدْمَتِهَا جَامِعَة الْدُّوَل الْعَرَبِيَّة..".

وَمُضَافا إِلَى ذَلِك، فَإِن الأمِيْر كَان مِن رُوَّاد الْمُلْتَقَى الَّذِي كَان يَعْقِد فِي بَيْت الْشَّيْخ مُحَمَّد صَادِق الْمُجَدِّدِي سَفِيْر أَفْغَانِسْتَان بِمِصْر وَقْتَذَاك. وَدِيْوَانِيَّة الْشَّيْخ الْمُجَدِّدِي(4) كَانَت مُلْتَقَى يَوْمِي مَفْتُوْح يَلْتَقِي فِيْه الْعُلَمَاء وَالسِّيَاسِيُّون وَالْقَادَة وَرِجَال الْفِكْر مِن أَمْثَال: شَيْخ الأزْهَر مُصْطَفَى الْمَرَاغِي، وَالأمِير عبْدالْكَرِيْم الْخَطَّابِي، بِالإضَافَة إِلَى صَاحِب الْدِّيْوَانِيَّة الْسَفِير مُحَمَّد الْصَّادِق الْمُجَدِّدِي .. وَغَيْرِهِم. وَقَد وُجِد الأمِير إِدْرِيْس فِي بَيْت الْشَّيْخ الْمُجَدِّدِي مَكَانْاً يُؤْنِسُه فِي غُرْبَتِه، وَالْمُلْتَقَى الْحَوَارِي الَّذِي يَفْتَح أَمَامَه آَفَاقاً وَاسِعَة لِلْتَّأَمُّل وَالْتَّفْكِيْر وَإِمْعَان الْنَّظَر.

وَفِي سِيَاق الْحَقَّائِق أَيْضَاً فَإِن الأمِيْر إِدْرِيْس كَانَت تَرْبُطَه عَلاقَة صَدَاقَة حَمِيْمَة بِالأسْتَاذ مُحَمَّد عَلِي الْطَّاهِر الْمُثَقَّف وَالْكَاتِب الْمَعْرُوْف آَنَئِذ وَكَانَا يَلْتَقِيَان عَلَى الْدَّوَام فِي مَكْتَب الأسْتَاذ مُحَمُّد عَلَى الْظَّاهِرِي بِالْجِهَة الْقُرَيْبَة مِن دَار الْقَضَاء الْعَالِي وَسَط الْقَاهِرَة. وَقَد كُتِب الْطَّاهِر الْعَدِيْد مِن الْمَقَالات عَن الْسَّيْد إِدْرِيْس، نَحْتَاج الْيَوْم إِلَى تَجْمِيْعَهَا وَالْبَحْث عَنْهَا حِفَاظَاً عَلَيْهَا كَمَادَّة تَارِيْخِيَّة.

وَكَانَت صِلَتُه قَوِّيَّة بِالأمِير عُمَر طُوَسُوْن‏ الَّذِي أَهْتَم بِشُئُون الْجِهَاد فِي بَرْقَة وَالْجَبَل الأخْضَر وَأَرْسَل لِلْمُجَاهِدِيْن عَشَرَات الْقَوَافِل الْمُحَمَّلَة بِالْطَّعَام وَالْعَتَاد، وَالَّذِي كَان قَد أَسَّس بَعْد أيَّام قَلِيْلَة مِن وُقُوْع الاعْتِدَاء الإيطَالِي عَلَى لِيبيَا فِي أُكْتُوْبَر/ تَشْرِيْن الأوَّل 1911م (الْلَّجْنَة الْعُلْيَا) الَّتِي تَرَأَسَهَا وَكَان الْغَرَض مِن وَرَاء تَّأْسِيْسِهَا هُو نُصْرَة اللِّيْبِيِّيْن وَجَمَع الْتَّبَرُّعَات لَهُم. وَرَبَطَت الأمِير أيْضاً عَلاقَة متينة بِالْشَّيْخ عَلَي يُوَسُف، وَيُذْكَر أَن الْشَّيْخ كَان مِن مُؤَسَّسِي (جَمْعِيَّة الْهِلال الأحْمَر) وَرَئِيْساً لَهَا، وَكَانَت نُصْرَة الْجِهَاد اللِّيْبِي الْسَّبَب الْرَّئِيْسِي وَرَاء هَذَا الْتَّأْسِيْس، وَقَد قَدَّمْت الْجَمْعِيَّة خَدَمَات طِبِّيَّة جَلِيْلَة لِلْمُجَاهِدِيْن خُصُوْصَاً وَالَلِّيْبِيِّيْن عَلَى وَجْه الْعُمُوْم.

وَعَلَى الْجَانِب السِّيَاسِي فَقَد كَانَت لِلأمِيْر إِدْرِيْس صِلات تَرْبِطُه بِعَدَد مَن الزُّعَمَاء وَالسِّيَاسِيِّين الْمِصْرَيْن مِن أَمْثَال: الأمِير عُمَر طُوَسُوْن (5)، مَحْمُوْد فَهْمِي النْقَرَاشِي، عبْداللّه الْفَاضِل، مُّكْرِم عِبَيْد، مَحْمُوْد البَسْيُوْنِي، عَلَي الْشَّمْسِي، حَامِد بِاشَّا الشَّوَارِبي، عُثْمَان مُحَرَّم، زَكِي الْعَرَابِي، وَحَمْدِي سَيْف الْنَّصْر.. وَغَيْرِهِم مِن الْشَّخْصِيَّات الْفَعَّالَة فِي الْمُجْتَمَع الْمِصْرِي.

فِي الْجَانِب الإجْتِمَاعِي، تَوَطَّدَت عَلاقَاتِه بِأَصْحَاب الْثِّقْل وَالْمَرْكَز الإجْتِمَاعِي الْرَّفِيْع فِي مِصْر كَالأعْيَان وَالبَاشَاوَات وَمَشَايِخ الْعَرَب، مِن بَيْنَهُم عَلَى سَبِيِل الْمِثَال لا الْحَصْر: حَمْد بِاشَّا الْبَاسِل وَعبْداللَّه بِاشَّا لِمَلُوْم، وَعبْدالسْتَار بِك الْبَاسِل، وَالْشَّيْخ مُحَمَّد سُلْطَان عُضْو الْمَجْلِس الْبَلَدِي بِالْشَّرْقِيَّة.

أَمَّا عَلاقَاتِه بِالْصَّحَفِيِّين وَالأدَبَاءِ الْعربِ فَقَد تَعَدَّدَت أَنْوَاعِهَا وَتَنَوَّعَت أَطَيِافَهْا، فَتَعَرَّف عَلَى هَذِه الْطَّائِفَة فِي مُنَاسَبَات مُخْتَلِفَة إمَّا فِي الدِيَوَانِّيَات أَو فِي (نَادِي الْجَزِيرَة) الَّذِي كَان أَحَد أَعْضَائِه فَحِيْن كَان يَزُوْرُه يُمَارَس لُعْبَة (الْتِّنِس) رِيَاضَتُه الْمُحَبَّبَة وَيَلْتَقِي بِالِنُخْبَة الْمِصْرِيَّة حَيْث كَانَت الْنَّوَادِي وَقْتَذَاك مُلْتَقَى لِصَفْوَة الْمُجْتَمَع وَكِبَار الْشَّخْصِيَّات، وَقَد نُقِل دي كاندول عَلَى لِسَان الْسَّيِّد إِدْرِيْس شَخْصِيَّاً، قَوْلُه: ".. الْتَحَقَت بَنَادِي الْجَزِيرَة الرِّيَاضِي حَيْث كُنْت أَمَارَس لُعْبَتِي الْتِّنِس وَالجُوَلف..".

وكان الأمِيْر يَلتَقِيْهُم أَيْضاً عَبَّر إِتِّصَالُه الْمُبَاشِر بِالمُؤَسّسَات الْصُحُفِيَّة أَو الْمَسْرَح الَّذِي كَان يَحْرِص الأمِير عَلَى مُتَابَعَة أَعْمَالِه الْجَادَّة كَالرِّوَايَات ذَات الإسْقَاطَات الْوَطَنِيَّة الْمُحَفَّزَة لِمُقَاوَمَة الاسْتِعْمَار وَالْمُسْتَعْمِرِيْن، وَكَمِثَال عَلَى ذَلِك: الْمَسْرَحِيَّة الَّتِي قَدَّمَهَا الّفّنّان عَلي الْكسَار عَلَى خَشَبَة مَسْرَح (بْرِنْتَانيّا) بِالْقَاهِرَة. فَقَد تَعَرَّف الأمِير إِدْرِيْس أَثْنَاء حُضُوْرِه لَمَسْرَحِيَّة عَلَي الْكسَار الْمُشَار إِلَيْهَا أُنُفَاً عَلَى الأسْتَاذ حَبِيْب جَامَاتِي الصُّحُفِي وَالأدِيْب وَالِرُوَائِي وَالْمُؤَرِّخ اللُّبْنَانِي. كَمَا نَسْج عَلاقَات وَاسِعَة خِلال فَتْرَة إِقَامَتِه بِمِصْر مَع عَدَد مِن رِجَال الأعْمَال الْمَهْمُوْمِيْن بِقَضَايَا الأمَّة وَالْمُهْتَمِّين بِشُئِونَهَا آَنَذَاك، وَمِن بَيْن أُوْلَئِك: الْمَرْحُوْم نَجِيْب زَلْزَل.

وَفِي الْمَنْفَى، وَفِي عَام 1931م تَحَدِيَدْا، تَزَوَّج الأمِير مِن الْسَيِّدَة فَاطِمَة الْشِّفَاء (1911م – 2009م) بِنْت الْمُجَاهِد الْكَبِيْر أَحْمَد الْشَّرِيِف إِبْن عَمِّه وَابْنَة الْسَّيِّدَة خَدِيْجَة بِنْت سَيِّدِي أَحْمَد الْرِّيفِي أَحَد كِبَار الإخْوَان السُّنوُسيِّين، وَالَّتِي هَاجَرَت مَن الْكَفَرَة إِلَى مِصْر مَع عَدَد مِن زَوْجَات السُّنوُسيِّين وَأَطْفَالَهُم فِي أَوَاخِر عَام 1930م وَاقْتَرَنَت بِالأمِير بَعْد عَام مِن وُصُوْلَهَا إِلَى الْمُهَجِّر. وَحَضَر عَقْد الْزَّوَاج الْسَّيِّد مُحَي الْدِّيْن وَالْسَّيِّد إِبْرَاهِيْم أَخَوَي الْسَّيِّدَة فَاطِمَة، وَاثْنَان مِن كِبَار الإخْوَان وَهُمَا: الْسَّيِّد الأخْضَر العِيُسَاوِي وَالْسَّيِّد عبْدالْقَادر الزنتَانِي. وَقَد سَبَق لِلْسَّيِّد إِدْرِيْس الْزَّوْج قَبْل زَوَاجَه مِن الْسَيِّدَة فَاطِمَة الْشِّفَاء، وَرَزَقَه الْلَّه بِأَكْثَر مِن وَلَد تَوَفَّاهُم الْلَّه جَمِيْعَاً فِي سنِ الْطُفُوْلَة، وَلَم يَدُم عُمَر زَوَاجِه طَوَيْلاً.

أَمَّا الْسَّيِّدَة فَاطِمَة الْشِّفَاء الَّذِي اسْتَمَر زَوَاجِه منها إِلَى أَن فَارَق الْحَيَاة فِي الْقَاهِرَة يَوْم 25 مَايُو/ أَيَّار 1983م، كانت قد حَمَلَت عِدَّة مَرَّات وَفِي كُل مَرَّة تُسْقِط وَحَملها لا يَكْتَمِل. وَفِي مَرَّة وَاحِدَة أَكْمَلْت شُهُور حَمْلَهَا وَأَنْجَبَت مَوْلُوْداً ذَكَرْ بِصِحَة جَيِدَة إِلاّ أَن ذَلِك الْمَوْلُوْد عَاش مُدَّة قَصِيْرَة جَدَّاً بَعْد مِيْلادُه. أَنْجَبَت الْمَلِكَة فَاطِمَة الْشِّفَاء فِي عَام 1953م ولد بِمُسْتَشْفَى الْمِلاحَة بِطَرَابُلُس وَلَكِنَّه تُوَفَّى بَعْد مُدَّة بَسِيْطَة، وَقَد شُيِّع جُثْمَان الْطِّفْل الْفَقِيْد فِي مَوْكِب رَسْمِي تُقَدِّمُه الْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي وَأَفْرَاد عَائِلَتِه وَعَدَد مَن الْرَّسْمِيِّيْن، وَدُفِن الْفَقِيْد بِمَدِيْنَة طَرَابُلُس. وَقَد رَثّا الْطِّفْل الْفَقِيْد شَاعِر الْوَطَن الْرَّاحِل أَحْمَد رَفِيْق الْمهدوي (1898م - 1961م) فِي قَصِيْدَة مِن أَرْبَعَة أَبْيَات (6)، قَال فِيْهَا:

وَهُنَا حَل مُن آَل الْسَّنوُسي صَارِمٌ *** قَضَى الْلَّه لَمَّا سُلَّ عَاد إِلَى الْغِمْدِ
فَمَـا أَشْرَقَت شَمْس الأمِير مُحَمَّـد *** إِلاّ وَكَانَت تَغْرُب فِي الْلَّحْدِ
مَضَى لَم تَطُل عَهْدَاً وِلايَة عَهْـدِه *** وَلَو عَاش كَان الْسَّيِّد الْفَارِع الْمَجْد
تَحَدَّر مِن آَل الْشَّـرِيف لأمِّـه *** وَأبوه الإدْرِيسِي وَالْسَّيِّد الْمَهْدِي

وُعُوْدَاً عَلَى ذِي بَدْء، راهن الأمِير إِدْرِيْس عَلَى الْحَلْفَاء حِيْنَمَا قَامَت الْحَرْب الْعَالَمِيَّة الْثَانِيَة فِي عَام 1939م، وَأُعْلِن فِيْمَا بَعْد إنْظِمَامِه إِلَيْهِم. فَلَم يَتْرُك الأمِير الْمَجَال أَمَام الْمُؤَثِّرَات الْخَارِجِيَّة لِتَفْعَل مَا يُحَقِّق مَصْلَحَتُهَا وَلا يَتَحَقَّق مِن فِعْلِهَا شَيْئا لِمَصْلَحَة الْشَّعْب اللِّيْبِي، فَاتَّصَل بِالأطْرَاف الْدُوَلِيَّة الْمُؤَثِّرَة فِي سِيَاسَات الْمِنْطَقَة وَعَلَى رَأْسِهَا بَرِيْطَانْيَا الَّتِي كَانَت قُوَّة عُظْمَى آَنَئِذ.

وَرُبَّمَا أَسْتَطْرِد هُنَا لأُؤَكِّد بِأَن رِهَان الأمِير إِدْرِيْس هَذَا أَو الإتِّصَال بِالْبِرِيْطَانِيِّين لَم يَكُن نِتَاج صَدَفَة أَو وَلِيَد الْلَّحْظَة، إِنَّمَا جَاء كَّنَتِيْجَة لِعَمَل طَوِيْل مُتَرَاكِم عَبْر سِلْسِلَة مِن الْتَّحَرُّكَات وَالإِتِّصَالات حَيْث قَام سَيِّدِي إِدْرِيْس - وَقَبْل اسْتِلامُه لِلإمَارَة مَن أَبَّن عَمِّه الْسَّيِّد أَحْمَد الْشَّرِيف - بِعِدَّة إِتِّصَالات وتَفَاهَمَات مَع شَخْصِيَّات إِنْجِلِيْزِيَّة مُهِمَّة وَكَان ذَلِك بَعْد عَوْدَتِه مِن أَدَاء فَرِيْضَة الْحَج، وَنُزُوْلِه ضَيْفَاً فِي الْقَاهِرَة عَلَى الْسُّلْطَان حُسَيْن. فَأَثْنَاء تَوَقَّف سَيِّدِي إِدْرِيْس فِي مِصْر فِي الْفَتْرَة الْوَاقِعَة مَا بَيْن فَبْرَايِر/ شُبَاط وَمَارَس/ آَذَار 1915م، قَام بِزِيَارَة كُل مَن: الْجِنّرَال مَاكْسْوِيل (قَائِد الْقُوَّات الْبِرِيطَانِيَّة فِي مِصْر)، وَالْكُولونَيل كِلِيْنْتُوْن (مَنْدُوب حُكُوْمَة الْسُّوْدَان الْمُقِيْم بِالْقَاهِرَة). وَهَذِه الْلِّقَاءَات رَسَخَت قَنَاعَة لَدَيْه: أَن الْبِرِيْطَانِيِّيْن أَقْوِيَاء وَقَابِلِيَّة الْتَّفَاهُم مَعَهُم مُمْكِنَة بَيْنَمَا الْتَّفَاهُم وَالاتِّفَاق مَع الْطِّلْيَان وَالأَلِّمَان غَيْر مُمْكِن، وَأَفْضَل خِيَار للِيبِيِّين هُو تَأْيِيْد الإنْجْلِيز فِي الْحَرْب، وَإِن تَعَذَّر عَلَيْهِم ذَلِك فَلْيَكُن الْحِيَاد سَيِّد الْمَوْقِف. وَكَانَت لَه مُرَاسَلات مَع شَخْصِيَّات بَرِيْطَانِيَّة هَامَّة بَعْد عَوْدَتِه إِلَى لِيبِيا وَاسْتِلامِه لإِمَارَة الْحَرَكَة الْسَّنوُسيَّة، وَأَهَم تِلْك الْمُرَاسَلات، الْرَّسَائِل الَّتِي بَعَثَهَا إِلَى الْجِنّرَال مَاكْمَاهُون مُمَثِّل (الْمَلِك جُوَرْج الْخَامِس) فِي مِصْر.

أَعُوْد بَعْد هَذَا الاسْتِطْرَاد مُجَدَّدَاً لِعَام 1939م، فقد َعَقَد الأمير إِدْرِيْس إجْتِمَاعَاً فِي دَارِه بِمَدِيْنَة الإسْكَنْدَرِيَّة ضَم حَوَالَي 40 شَيْخَا مِن مَشَايِخ اللِّيْبِيِّيْن الْمُقِيْمِيْن بِمِصْر وَقْتَئِذ، وَذَلِك يَوْم 6 مِن رَمَضَان 1359 هَجْرِي الْمُوَافِق 20 مِن أُكْتُوْبَر 1939م. فَوَّض الْشُّيُوخ الأمِير إِدْرِيْس بَمُفَاوَضَة الْحُكُوْمَة الْمِصْرِيَّة وَالْحُكُوْمَة الْبِرِيطَانِيَّة مِن أَجْل الإنْظِمَام إِلَى الْحَلْفَاء.

وَخَطْوَة بَعْد خُطْوَة، تأسس الْجَيْش الْوَطَنِي (الْجَيْش الْسَّنوُسي) لِيَشْتَرِك فِي حَرْب الْحَلْفَاء ضِد الْمِحْوَر بِهَدَف طَرْد الْطِّلْيَان مِن لِيبَيا. وَقَد تَأَسَّس الْجَيْش الْسَّنوُسي عَلَى يَد الأمِير فِي 9 أَغُسْطُس/ أَب 1940م.

وَفِي عَام 1942م، بَعَث الأمِير إِدْرِيْس بِخِطَاب إِلَى الْوَزِير الْبِرِيْطَانِي مُؤَكَّدا تُمْسِكُه بِالْمَطَالِب الْوَطَنِيَّة الَّتِي رُفِعَهَا إِلَى حُكُوَمَتِه مِن قَبْل.. {.. وَمُكرّرا الْمَطَالِب الْتَّالِيَة:

• بِأَن تُعْلِن بَرِيْطَانْيَا إِسْتِقْلال لِيبَيا الْكَامِل فِي شُؤُوْنِهَا الْدَّاخِلِيَّة، وَأَن تَعْتَرِف بِحَاكِم مُسْلِم يَرْأَس حُكُوَمَتِهَا.

• أَن تَضْمَن حِمَايَة لِيَبِيَا مِن أَي هُجُوْم أَجْنَبِي.
• أَن تُبْرَم مُعَاهَدَة مَع لِيبَيا يُتَّفق عَلَى شُرُوْطِهَا.
• تَعْيِيْن لِجَنَّة لِيْبِيَّة بَرِيْطَانِيَّة مُخْتَلَطَة تَضَع أَسَّس الْنِّظَام اللِّيْبِي الْجَدِيْد..}م4.

وَالْحَاصِل، انْضَم الْجَيْش الْسُّنوُسي إِلَى الْحَلْفَاء وَسَاهِم بِفَاعَلِيَّة فِي جَمِيْع مَرَاحِل الْقِتَال فَأَشَاد بمُسَاهِمَتِه الْجَبَّارَة كِبَار الْجِنِرَالات الْبِرِيْطَانِيِّيْن وَالسِّيَاسِيِّين الْرَّسْمِيِّيْن، فَقَد جَاءَت هَذِه الإشَادَة الْمُبَكِّرَة مُنْذ أَن انْطَلَقَت الْعَمَلِيّات الْعَسْكَرِيَّة حَيْث نَوَّه (إِيدن) وَزِيَر الْخَارِجِيَّة فِي تَصْرِيْح كَان قَد أَدْلَى بِه يَوْم 8 يَنَايِر/ كَانُوْن الْثَّانِي 1942م أَمَام مَجْلِس الْعُمُوْم الْبِرِيْطَانِي، فَقَال – نُقْلاً عَن كِتَاب دَي كَانَدول - مَا يَلِي: ".. هَذِه الْقُوَّة – يَقْصِد الْجَيْش الْسَّنوُسي – أَدَّت عِدَّة مَهَام جَدِيْرَة بِالاِعْتِبَار أَثْنَاء الْمَعَارِك الْظَّافِرَة الَّتِي دَارَت بِالْصَّحْرَاء الْغَرْبِيَّة فِي شِتَاء عَام 1940م/ 1941م، كَمَا أَنَّهَا تَقُوْم بِدَوْر فَعَّال فِي سِيَاق الْحَمْلَة الْجَارِيَة حَالِيّاً..".

وَبَعْد انْتِصَار الْحَلْفَاء عَلَى الْمِحْوَر، عَاد الأمِير إِلَى وَطَنِه وَدَخَلَت الْبِلاد فِي وَضْع جَدِيْد يَتَلَخَّص فِي إِدَارَة عَسْكرِيّة بَرِيْطَانِيَّة فِي إِقْلِيْم بِرِقَّة وَإِقْلِيم طَرَابُلُس، وَإِدَارَة فَرَنْسِيَّة فِي إِقْلِيْم فَزَّان.

وَلِتَوْفِير كَافَّة الْشُّرُوْط وَالْضَّمَانَات وَضَبَط الْمَشْرُوْع الْوَطَنِي فِي مَسَار يَقِيْه مِن تَقَلُّبَات الْسياسة ومُتَغِيْرَاتِهَا، الْتَزَم الأمِير بِعَهْدِه وَاتِّفَاقُه مَع حَلِيْفُه فِي الْحَرْب وَمُطَالِبَاً بِالْتِزَام الْحَلِيْف بِالْعَهْد الَّذِي قَطَعَه عَلَى نَفْسِه، وَصَاغ مَشْرُوْعِه الْوَطَنِي بِنَظْرَة وَاقِعِيَّة وَرُؤْيَة وَاضِحَة فِي إِطَار مُنْضَبِط الْمَسَار وَمُحَدَّد الأهْدَاف. وَيُذْكَر أَن الأمِيْر حِيْن بَدَأ مَعْرَكَتِه الْسِّيَاسِيَّة، انْطَلِق مُعْتَمَدَاً عَلَى الْعَوْن الإلَهِي وَمُوَقْناً بِأَن الْنَّصْر لا يَأْتِي إِلاّ مَن عِنْدَه، وَحَرِيْصاً عَلَى وَحْدَة الْصَّف الْوَطَنِي، وَمُؤَمَّناً بِضَرُوْرَة الإتِّصَال وَالتَّوَاصُل مَع هَيْئَات الْمُجْتَمَع الْدَّوْلِي بُغْيَة كَسَب حُلَفَاء يُنَاصَرُون قَضَيْتَه، وَالاسْتِفَادَة مِن صِرَاعَات الْدُّوَل الْكُبْرَى فَكَان شِعَارُه: (نُحَالف اليوم مِن يُسَاعِدُنَا عَلَى الْخَلاص مِن شَر نَحْن فِيْه).

وَكَان الأمِير مُقَدَّرَاً حُدُوْد تَأْثِيْر حَرَكَتِه وَحَجَّم الْقُوَّة الَّتِي يَمْتَلِكُهَا، وَمُؤَمَّناً بِسِيَاسَة (خُذ وَطَالَب)، وَهَذَا مَا جَعَلَه يُوَظِّف الْمُتَاح لَه مِن الإِمْكَانِيَات تَوْظِيفَاً رَائِدَاً وَيَكْسِب بِحُنْكَتِه رْهَانَات صَّعْبَة فِي ظِل ظُرُوْف أَصْعَب. وَأَكَاد أَجْزِم، أَن تَجْرِبَة الأمِير إِدْرِيْس السِّيَاسِيَّة فِي الْمَنْفَى، لَو وُضِعَت فِي كِتَاب لاِسْتَفَاد مِنْهَا الْكَثِيْرُوْن، وَلَرُبَّمَا حُقِّق الْفِلِسْطِيْنِيُّوْن عَبْر الاسْتِفَادَة مِنْهَا وَمَن وَدُرُوْسُهُا، مَا عَجَزُوُا عَن تَحْقِيْقِه مُنْذ عَام 1948م إِلَى الآن.

وَالَّذِي حَدَّث أَن الأمِير عَاد إِلَى لِيبَيا فِي أَوَاخِر عَام 1947م بِشَكْل نِهَائِي، وَكَانَت أَوَّل زِيَارَة قَام بِهَا إِلَى الْبِلاد فِي أَوَاخِر عَام 1944م. وَتَحَالَف بَعْد رُجُوْعِه مَع جَمْعِيّة عُمَر الْمُخْتَار أَهَم حَرَكَة وَطَنِيَّة فِي الْمِنْطَقَة الْشَّرْقِيَّة ثُم مَع أَهَم الْحَرَكَات الْوَطَنِيَّة فِي الْمِنْطَقَة الْغَرْبِيَّة مِثْل (حِزْب الْكُتْلَة) بِقِيَادَة الْسَّيِّد عَلِي الْفَقِيْه حُسْن و(الْحِزْب الْوَطَنِي) بِقِيَادَة الْسَّيِّد مُصْطَفَى مِيزَرَان، وَقَبْل ذَلِك بِالحِزّب الأهَم فِي الْمِنْطَقَة الْغَرْبِيَّة أَلا وَهُو (حِزْب الْمُؤْتَمَر الْوَطَنِي) بِقِيَادَة الْسَّيِّد بَشِيْر السعَدَاوِي. أَمَّا الْمِنْطَقَة الْجَنُوْبِيَّة فَكَانَت عَلاقَتِهَا بِالأَمِير عَلاقَة مُتَيَّنَة قَوِّيَّة بِحُكْم أَن عَائِلَة سَيْف الْنَّصْر الَّتِي حُكِمَت الْمِنْطَقَة بَعْد هَزِيْمَة الْطِّلْيَان كَانَت شَدِيْدَة الْوَلاء لِلْبَيْت الْسَّنوُسي وَتَدَيُّن بِالْوَلاء الْمُطْلَق لِلْسَّيِّد إِدْرِيْس.

ثُم حَدَّث أَن اتَّخَذ الأمِير سِلْسِلَة مِن الإجْرَاءَات بُغْيَة نُقِل سَلَطَة إِدَارَة شُئُوْن إِقْلِيْم بِرِقَّة إِلَى يَد اللِّيْبِيِّيْن، وَتُوِّج جَهْوَدُه بِتَشْكِيْل حُكُوْمَة مَحَلِّيَّة لِلإِقْلِيم بَعْد تَوْقِيْعِه عَلَى (دُسْتُوْر بِرِقَّة) يَوْم 18 سَبْتَمْبَر/ أَيْلُوْل 1949م.

وَيُذْكَر أَن لِيِبِيَا أَصْبَحَت بَعْد انْتِصَار الْحَلْفَاء خَاضِعَة لِحُكْم الإِدارَّتَين الْعَسْكَرِيَّتَيْن الإنْجِلِيْزِيَّة وَالْفَرَنْسِيَّة، وَأَن الَلـيُبَيِّيْن تَطَلَّعُوَا جَمِيْعَاً خِلال هَذِه الْفَتْرَة إِلَى الْتَّخَلُّص مِن هَذَا الْوَضْع عَبْر وَسَائِل الْنِّضَال السِّيَاسِي مِن أَجْل تَحْقِيْق الإسْتِقْلال وَالْوِحْدَة الْوَطَنِيَّة وَالإنْظِمَام إِلَى جَامِعَة الْدُّوَل الْعَرَبِيَّة. وَتَأَسَّسَت مِن أَجْل هَذَا الْهَدَف وَالْغَايَة، الْهَيْئَات وَالْجَمْعِيَّات وَالأحْزَاب السِّيَاسِيَّة فِي جَمِيْع مَنَاطِق الْبِلاد.

وَالْحَقِيْقَة، أَن هَذَا الْتَّطَلُّع أُدِيْر بِمُنْتَهَى الْحِكْمَة وَالْذَّكَاء فَقَد أُدَار الأمِير إِدْرِيْس هَذِه الْعَمَلِيَّة بِبَرَاعَة وَاقْتِدَار، وَاشْتَرَك وَفْد لِيُبَي بِرِعَايَة سَمَّوْه فِي مُنَاقَشَات الْقَضِيَّة الَلِّيَبِيَّة حِيْنَمَا طُرِحَت الْمَسْأَلَة عَلَى الْجَمْعِيَّة الْعَامـّة فِي دَوْرَة سَبْتَمْبَر/ أَيْلُوْل سَنَة 1948م، وَتُوِّج هَذَا الْنِّضَال السِّيَاسِي بِإِصْدَار الْجَمْعِيَّة الْعَامـّة لِلأمَم الْمُتَّحِدَة قَرَارَاً تَارِيْخِيَّاً رَقِم 289/4 يَقْضِي بَإِسْتِقْلال لِيبَيا بأَقَالِيمِهَا الثَّلاث (بِرِقَّة، وَطَرَابُلُس، وَفـَزَّان) فِي تَارِيْخ أَقْصَاه يَنَايِر/ كَانُوْن الْثَّانِي 1952م، وَذَلِك فِي الْدَوْرَة الـرَّابِعَة الَّتِي انْعَقَدَت بِتَارِيْخ 21 نُوُفَمْبَر/ تَشْرِيْن الْثَّانِي 1949م. تَكَوَّنَت جَمَعَيَّة وَطَنِيَّة تَحْت رِعَايَة رَجُل فَاضِل اسْمُه إدريَّان بِيَلّت مَبْعُوْث الأمَم الْمُتَّحِدَة، وَأُعِدَّت دُسْتُوْرَاً صَدَر فِي الْسَّابِع مِن أُكْتُوْبَر/ تَشْرِيْن الأوَّل 1951م، فَصَل بَيْن الْسُّلُطَات وَحُدِّد مَسْئُوْلِيَّة الْحُكَّام وَكَفَل حُرِّيَّة الْتَعْبِير وَنُص عَلَى قُدْسِيَّة حُرِّيَّة الْمَوَاطِن وَالْمُوَاطَنَة وَفَوِّض بَعْض سُلُطَات الْدَّوْلَة إِلَى الْوِلايَات قَبْل إِجْرَاء تَعْدِيْلات عَام 1963م الَّتِي تَحُوْل بِمُوْجِبِهَا نِظَام الْبِلاد إِلَى حكُوْمَة وَاحِدَة.

وَفِي نِهَايَة طَوَافٍ طَوِيْل، أُعْلَنَ الْمَلِك إِدْرِيْس فِي الْرَّابِع وَالْعِشْرِيْن مِن دِيْسَمْبَر/ كَانُوْن الأَوَّل مَن عَام 1951م مِن شُرْفَة قَصْر الْمَنَار بِمَدِيْنَة بَّنْغَازِي، إِسْتِقْلال الْبِلاد وَأَن لِيبَيا أَصْبَحَت مُنْذ هَذَا الْيَوْم دَوْلَة حُرَّة مُسْتَقِلَّة ذَات سِيَادَة، وَأَصْبَح الأمِير إِدْرِيْس مُنْذ إِعْلانُه لإسْتِقْلال الْبِلاد مِلْكَاً عَلَى لِيبيَا. وَيَوْمِهَا، قَال الأسْتَاذ عَلَي الْدِيب صَاحِب جَرِيْدَة اللِّيْبِي الَّتِي تَصْدُر فِي طَرَابُلُس:

الْمَلِيْك الْهُمَام إِدْرِيْس فَرْع *** مِن إِمَام زَكى أُصُولا وَطَابَا
قَد بَّنّا دَوْلَـة وَحَـرَّر شَعْـبا *** وَاعْتَلى عَرْشَهَا وَنَـال ثَوَابـا
مَا جَد نَرْتَجِيْه فِي كُل شَأْن *** كُلَّمَا اشْتَدَّت الأمُور صِعَابَا

وَقَال الْشَّاعِر بَشِيْر الْجَوَاب، عَنْه:

مَلِك إِذَا ذُكِر الْزَّمَان جِهَادِه *** خَشَع الْزَّمَان بِفَضْلِه مَغْمُوْرَا
يَا صَقِر لِيبَيا وَالْعَرُوْبَة كُلَّهَا *** تُضْفِي إِلَيْك ثَنَاءَهَا مَّشْكُوْرا
تَفْدِيْك بِالْمُهَج الْبِلاد وَإِنَّهَا *** تَفْدِي مَلاكَا طَاهِرَاً مَبْرُوْرَا
أَعْلَيْت فِي يَوْم الْجِهَاد رُءُوْسِنَا *** فَشُفِيَت أَكْبَادَاً لَنَا وَصُدُوْرا
وَجَلَوْت فِي طُول الْبِلاد وَعَرْضِهَا *** عِزّا تَسَامِي زَاهِيَاً مَنْشُوْرا
لازَالَت مَيْمُوْن الْطَّوَالِع دَائِمَاً *** بِعِنَايَة الْمَوْلَى الْكَرِيْم جَدِيْرَا

وَوَقَف أَحْمَد رَفِيْق شَاعِر الْوَطَن الْكَبِيْر فِي الْذِّكْرَى الأوْلَى للإِسْتِقلال، وَنَسَج خَصَّيْصَاً الأبْيَات الْتَّالِيَة:

ملك أُحِل الْتَّاج فَوْق جَبِيْنِه *** بِجَدَارَة شَهِدَت لَهَا الأفْعَال
مَا نَال هَذَا الْملك إِلاّ عَنْوَة *** بِعَزِيمَة لَم تُثْنِهَا الأهْوَال
عَرْش بِسَعْي لا بِإِرْث حَازَه *** حَوْز الْغَضَنْفَر حَوْلَه الأشْبَال
ملك عِصَامِي الْجِهَاد لأَصِلّة *** فِي الْمُلْك أَجْدَاد لَه إِقْبَال
مِن نَسْل خَيْر الْخَلْق هُم أَوْلَى بِه *** رُحْما فَهُم أَبْنَاؤُه وَالآل

وَالْحَق الَّذِي لا مِرَاء فِيْه أَن الْسَّيِّد إِدْرِيْس قَاد الْجِهَاد اللِّيْبِي قَرَابَة أَرْبَعِيْن عَاماً وَاعْتَلى عَرْش الْبِلاد بِرِضَا شَعْبِه وَمُوَافَقَتِه وَتَشْهَد بَيْعَات سُكَّان الأقاليم الْثَّلاثَة عَلَى ذَلِك. فَقَد قَاد الْجِهَاد مِن دَاخِل لِيبَيا وَمَن الْمُهَجِّر بَعْدَمَا أَضْطَر لِذَلِك، أَو كَمَا قَال الأسْتَاذ يُوَسُف الْمَجرِيِسي فِي ذِكْرَى الإسْتِقْلال الْخَمْسِيْن الَّتِي أَقَامَهَا مَرْكَز الدَارِسَات الَلِّيَبِيَّة (أُكْسُفُورْد) بِجَامِعَة لَنْدَن ببِرِيْطَانيّا: "..هَاجَر الْسَّيِّد إِدْرِيْس مِن بَعْد مَا فُتِن، وَقَاتَل الْغُزَاة، وَأَعَد لَهُم مَا اسْتَطَاع مِن قُوَّة، وَقَاد الْجِهَاد حَتَّى أَنْعَم الْلَّه عَلَيْه وَعَلَيْنَا بِالإسْتِقْلال. فَمَن أَرْتَاب فِي صِدْق جِهَادِه وَإِخْلاص بَلائِه، فَقَد أَهَان آَلاِف الْشُّهَدَاء الَّذِيْن رَضُوْا بِإِمْرَتِه، وَقَاتِلُوْا تَحْت رَايَتَه، وَعَلَى رَأْسِهِم شَيْخ الْشُّهَدَاء عُمَر الْمُخْتَار رَحِمَه الْلَّه..".

وَمَن جَدِيْد، عَاد الأمِير إِدْرِيْس إِلَى لَيبَيا بِشَكْل نِهَائِي فِي أَوَاخِر عَام 1947م، وَقَام فِي شَهْر دِيْسَمْبَر/ كَانُوْن الأوَّل 1952م بِأَوَّل زِيَارَة خَارِجِيَّة رَسْمِيَّة كَمَلِك لِلْبِلاد إِلَى مِصْر الَّتِي أَحَبَّهَا كَثِيْرا وَكَان يَعْتَبِرُهَا وَطَنِه الْثَّانِي حَيْث أَمْضَى بِهَا خَمْسَاً وَعِشْرين سَنَة. وَكَان فِي مُقَدِّمَة مُسْتَقَبَلِيْه مُحَمَّد نَجِيْب الْرَّئِيْس الْمِصْرِي (1901م – 1984م) الَّذِي تَوَلَّى رِئَاسَة مِصْر مِن يونِيْه/ حُزَيْرَان 1952م إِلَى نُوُفَمْبَر/ تَشْرِيْن الْثَّانِي 1954م، وَبِرُفَّقْتِه عَدَد مِن الْوُزَرَاء وَالْمَسْئُوْلِيْن الْمِصْرِيِّيْن وَقْت ذَاك. كَمَا تَقَدَّم مَرَاسِم اسْتِقْبَالِه الْشَّعْبِي كِبَار الأعْيَان وَعَدَد مِن مَشَايِخ الْبَادِيَة، مِن بَيْنِهِم: الْشَّيْخ عبْدالْحَمِيْد عَقِيْلَة الْمِصْرِي مطيرِيد أَحَد كِبَار مَشَايِخ قَبِيْلَة (الْجَوَازِي) بِالِمنيّا وَالَّذِي كَان لَه دَوْرَا لا يُنْكِر فَي تَّأْسِيْس الْجَيْش الْسَُّنوُسي بِمِصْر عَام 1940م. وَبَعْد انْتِهَاء زِيَارَة الْمَلِك إِدْرِيْس الْرَّسْمِيَّة، قَضَى سَمَّوْه وَالْوَفْد الْمَرَافِق لَه، أَيَّامَا فِي فُنْدُق (مِيْنَا هَاوُس) بِالْقَاهِرَة. وَفِي يَوْم الْخَمِيْس 23 رَبِيْع الأوَّل 1372 هَجْرِي الْمُوَافِق 11 دِيْسَمْبَر/ كَانُوْن الأوَّل 1952م، جَاء إِلَى زِيَارَة الْمَلِك بِمَقَر إِقَامَتِه الْمَذْكُوْر، وَفْد مِن عَائِلَة (مطيرِيد) مِن قَبِيْلَة (الْجَوَازِي)، وَأَثْنَاء دُخُوْل الْوَفْد عَلَى الْمَلِك إِدْرِيْس كَان بِصُحْبَة سَمَّوْه عَدَد مِن الْشَّخْصِيَّات الَلِّيَبِيَّة، مِن بَيْنِهَا: الْسَّيِّد إِبْرَاهِيْم الْشَّلْحِي، الْسَّيِّد وَهَبِي الْبُورِي، الْسَّيِّد أَحْمَد مُحَي الْدِّيْن الْسَُّنوُسي.. وَغَيْرِهِم.

اسْتَقْبَل الْمَلِك وَفْد عَائِلَة (مطيرِيد) اسْتِقْبَالاً حَارّاً، وَعَبَرَت الْعَائِلَة عَن سَعَادَتِهَا الْبَالِغَة بِلِقَاءِهِ وَالإِجْتِمَاع بِه. وَحَدَث بَعْد مَرَاسِم الاسْتِقْبَال، أَن قَام الْشَّيْخ عبْدالْحَمِيْد عَقِيْلَة الْمِصْرِي مطيرِيد وَأَلْقَى عَلَى مَسَامِع الْمَلِك قَصِيْدَة شَعْبِيَّة (7) نَسْج أَبْيَاتُهَا بِمُنَاسَبَة زِيَارَة سَمَّوْه لِمِصْر، فَقَال:

قَضَّاضِة صَحَارِي وَعرَها وَسْهُولها *** جوابة فيافي ما يهابوا قور
الدفه عنيده ما يْقاسي هُولْهَا *** إمْفات صقر دِرَّج في إحْقاف صْقور
صعيب عالحضر فَدْفادها واطفُولها *** ولهلها زهت خيراتها واصخور
قَرقف يْقابل خور تبرز تْلولها *** هَبَنَّك الموت إلنَّاض سافي دور
إجدودك ابدين الله ظلمه مشولها *** بدت شمسها دارت قمر وابدور
أمطار علم ساقوها اتجرجف اسْيولها *** أمواجها السيفي ولِكتاب ابْحور
سنا برقها يشكع توالا اهْطولها *** ظهر في الرَّوابي نبتها واظهور
بساتين معروشات زانت امحولها *** ثمرها جنا صافي حلال طهور
ربيع وجنانين عرضها كيف طُولها *** والقوران يزقيها جمال ونور
وكم جاهلاً خلوه حاجج افحولها *** بعد علموه اخلاصه المأثور
وكم عارياً كسوه هفهاف نولها *** شريعة الله القادر المشكور
يا خليفة المختار ضنْوتْ بِتُولها *** شريف النسب بالحق موش ابزور
بكم اترحب مصر غايب عزولها *** ابشوق ومحبة صافية وسرور
رئيس جيشها (8) هو شعبها هو رسولها *** مستبشر بطلعتكم صحيح فخور
وأصحابه فوارس وين دقت اطبولها *** ادَّعو كَوَاسِرْ فَوَّل الطابور
عن مصر جلاّهم ثَقّل احمولها *** رفع راسها من بعد ضيم اوْ جور
خُوتَك أوْ خلانك أو فزعة اطُّولها *** أُو حافظ اجْواره دايما منصور
أهْلاّ بكم في مصر قلبي يْقولها *** وترحب ابْسيدي بِدْوَها واحضور

وَبَعْد هَذِه الْزِّيَارَة تَوَالَت زِيَارَات الْمَلِك إِدْرِيْس الْخَارِجِيَّة وَشَمِلَت بُلْدَان عَرَبِيَّة وَإِسْلامِيَّة وَأَجْنَبِيَّة كَثِيْرَة، وَقَد كَانَت سِيَاسَة الْمَلِك الْخَارِجِيَّة تَتَحَرَّك مِن وَاجِب الْوَلاء لِلأمَّة الْعَرَبِيَّة وَالإسْلامِيَّة، وَعَلَى أَسَّس الْتِزَام لِيبَيا بِاتِّفَاقِيَاتِهَا الْمُبْرَمَة مَع الْبُلْدَان الْعَالَم الْمُخْتَلِفَة، وَمِن قَاعِدَة احْتِرَام الْعُهُود وَالْمَوَاثِيْق الْدُوَلِيَّة، وَمِن الْوَاجِب الإِنْسَانِي فِي الْقَضَايَا الَّتِي تَجْمَع الْبَشَرِيَّة عَلَى اخْتِلاف دَيَانَاتِهَا وَقَوْميَاتِهَا وَتَوُجِهَاتِهَا وَمَوَاقِع تَوَاجُدِهَا الْجُغْرَافِي. وَقد أَكْسَبَت سِيَاسَة الْمَلِك هذه، للِيبَيا سُمْعَة دَوْلِيَّة حَسَنَة حَتَّى صَارَت مِثَالاً يُقْتَدَى بِه فِي الإتِزَان وَالاِعْتِدَال وَالاِلْتِزَام بِالْعُهُوْد الْمَقْطُوَعَة وَالاِتِّفَاقِيَات الْمُبْرَمَة.

وَبِاخْتِصَار، كَرَّس الْسَّيِّد إِدْرِيْس حَيَاتَه مِن أَجْل لِيبَيا وَسَعَادَة شَعْبِهَا، وَكَان نَمُوْذَجَاً فِي رِحْلَةِ كَفَاحِه وَكَان فِي سُلُوْكِه يَعْكِس قَيِّمَاً رَاقِيَة عَظِيْمَة عَلَى الْمُسْتَوَيَيْن الْشَخْصِي وَالْعَام. ولم يُسَجِّل عليه أَنَّه دَخَل فِي مُهَاتَرَات مَع أَحَد أو دَخَل فِي دَوَائِر الْغِيْبَة وَالْنَّمِيْمَة أَو تُحَدِّث بِسُوَء عَن أي شَخْص أَو أَنَّه اسْتُغِل مَوْقِعِه فِي الْقَضِيَّة لَيُصَفِّي حِسَاباً شَخْصِيَّاً مَع كَائِن مِن كَان، فَلا هُو كَان مِن أَصْحَاب الأجِنْدَة الْشَخْصِيَّة الَّتِي يُغَلِّفُهَا أَصْحَابِهَا زُوَرَاً وَبُهْتَانَاً بِالْصَّالِح الْعَام.. وَلا هُو طَامع فِي الْسُّلْطَة فَيَنْقَاد وَرَاء طَمُوَحَه لِيَفْتِك بِكُل مَن يُخَالِفُه فِي المَوْقِف وَالْرَّأْي. فَقَد حافظ رَحِمَه الْلَّه عَلَى مَسَافَة بَيْنَه بَيْن كُل خِلاف كَان يَنْشَب بَيْن الْرِّفَاق وَأَصْحَاب الْقَضِيَّة الْوَاحِدَة، وَغَلَب الْمَصْلَحَة الْعَامَة عَلَى كُل مَصْلَحَة أُخْرَى. وَلَم يَغُذ أَي خِلاف كَان دَائِرَاً بَيْن اللِّيْبِيِّيْن وَقْتَذَاك وَلا هُو انْحَاز فِي وَقْت مِن الأوْقَات لِصَالِح طَرَف ضِد طَرَف آَخَر بَل امْتَص الْغَضَب وَالْخِلاف بِكَثِيْر مِن الْحِكْمَة وَالْحُلْم فَكَانَت شَخْصِيَّتِه آَسِرَة وَعِنْدَهَا كَان يَذُوْب كُل خِلاف وَيُذْهِب كُل غضب إِلَى حَال سَبِيِلِه. فَهَذَا مَا أَهْلُه بِأَن يَكُوْن الْرَّمْز مَحَل الاتِّفَاق، وَتِلْك هِي صِفَات الْقَائِد وَخَيْر مَا يَتَحَلَّى بِه الْزَّعِيْم إِذَا مَا صَفَت نِيَّتُه، وَخَلا قَلْبِه مِن كُل حِقْد وَضَغِيْنَة.

وَمَا يُسَجِّل هُنَا أَيْضاً أُن تِلْك الْصِّفَات الْجَلِيلَة، انْعَكَسَت عَلَى سِيَاسَات لِيبَيا الْخَارِجِيَّة مَع الْعَرَب، فَلَم تَدْخُل وَسَائِل الإعْلام الَِلِّيبِيَّة فِي عَهْد الْمَلِك إِدْرِيْس فِي الْتَّطْبِيْل لِمِحْوَر عَرَبِي ضِد مِحْوَر أُخَر أَو تُصَاب بِدَاء التَصُنِيفَات لَتُصَنَّف نِظَامَاً عَرَبِيّاً بِالْرَّجْعِيَّة وَآَخِر بِالثَورِيّة حَيْث كَانَت تَوْجِيْهَاتِه لحُكُومَاتِه الْمُتَعَاقِبَة وَاضِحَة فِي هَذَا الشَّأْن فَقَد نَأْي الْمَلِك رَحِمَه الْلَّه بِنَفْسِه عَن المُلاسَنَات الْدَائِرَة بَيْن الْعرب فِي وَسَائِل إِعْلامِهِم وَقْتَذَاك وَابْتَعَد عَن مُسْتَنْقَع الْصِرَاعَات الْعَرَبِيَّة الَّذِي فَرَّق بَيْن الْعرب وَشَتِّت قُوَّتِهِم فَكَان كُل سَعْيَه وَهَمُّه أَن يَتَحَقَّق الْوِفَاق بَيْن الْعرب وَأَن يُنْجَز الاِتِّفَاق.

وَالْيَوْم، لا نُمَارِي أَن نَّقُوْل: أَن لِيِبِيَا فِي عَهْد الْمَلِك إِدْرِيْس رَحِمَه الْلَّه، حَقَّقَت إِنْجَازَات تَنْمَوَيّة كَانَت هِي الأفْضَل فِي الْمِنْطَقَة بِشَهَادَة الْمُنَظَّمَات الْدُّوَلِيَّة وَالْمُؤَسَّسَات الْعَالَمِيَّة الْمُهْتَمَّة بِهَذَا الشَّأْن.. وَحَقَّقْت نَهْضَة تَعْلِيْمَة لفتت انْتِبَاه الْعَالَم كُلَّه لا اللِّيْبِيِّيْن وَالْعَرَب فَحَسْب.. وَحَقَّقْت الأمْن وَالأمَان لِكُل مَوَاطِن وَمُوَاطَنَة، وَكَفَّلَت الْعَيْش الْكَرِيْم لِكُل أَبْنَاء لِيبَيا وَكَافَّة مِن أَقَامُوْا فَوْق أَرَاضِيْهَا.

أَي وَالْلَّه حَقَّقَت كُل ذَلِك رَغْم أَن الْمَلِك رَحِمَه الْلَّه، بَدَأ الْمَسِيرَة فِي 24 دِيْسَمْبَر كَانُوْن أَوَّل مَن عَام 1951م بِبَلَد مُدَمِّر وَشَعْب نِصْف جوعان حَيْث كَان تَقْرِيْر الْبَنْك الْدَّوْلِي حِيْنَمَا حُرِّرَت شَهَادَة مِيْلاد لِيبَيا كَدَوْلَة مُسْتَقِلَّة يَضَع الْبِلاد فِي أَخَر قَائِمَة الْبُلْدَان الأكْثَر فَقْرَاً فِي الْعَالَم.

وَمَرَّة ثَانِيَة، نَّشَأ الْمَلِك إِدْرِيْس عَلَى.. {.. الْحِرْص عَلَى أَدَاء فَرَائِض الْعقيدة الإسْلامِيَّة، وَكَرَاهِيَة الأبَّهَة وَالرَسَمِيَات الْفَارِغَة، وَإِخْلاصِه الْدَّائِم لِلأَصْدِقَاء الْقُدَامَى وَالْتَّقَالِيْد الْعَرِيْقَة عَلَى الْسَّوَاء، وَشَغَفِه بِالْجِيَاد الأصيلة، وَفَوْق ذَلِك عُشْقِه لِلّصَّحْرَاء بِمَا تَنْطَوِي عَلَيْه مِن صَفَاء وَنَقَاء. وَكَان رَجُلاً شَدِيْد الْوَرَع وَالْتَّقْوَى، كَرَّس حَيَاتَه لِحُرِّيَّة وَازْدِهَار شَعْبِه وَكَان سُلُوْكِه الْخَاص مِثَالاً لِلاعْتِدَال وَالاسْتِقَامَة الْكَامِلَة.

وَعَلَى الْرَّغْم مِن مُحَاوَلات تَشْوِيْه صُوْرَة الْمَلَك إِدْرِيْس فِي أَذْهَان الْنَّاس وَتَهْوِيْل بَعْض نِقَاط الْضَّعْف الَّتِي لا يَنْفَرِد بِهَا عَن بَقِيَّة الْبَشَر، إِلاّ أَن الْحَقِّبِة الْطَوِيْلَة الَّتِي قَضَاهَا فِي خِدْمَة أُمَّتِه قَد تَرَسَّخَت فِي أَعْمَاق الْتَّارِيْخ بِمَا يَكْفِي لِلْصُّمُود أَمَام كُل الْمَسَاعِي الْخَبِيْثَة. فَتَارِيْخ لِيبَيا الْعَرَبِيَّة، لَم يشهد أروع مِن الْعَصْر الْذَّهَبِي للسُّنوُسيّة.. وَأَن أَغْلَب الإنْجَازَات الْهَامَة فِي عَهْدِه كَانَت نَتِيْجَة لمبادرات مِن الْمَلِك شَخْصِيَّاً.. وَأَن جَهْل الْنَّاس بِمَدَى الْتَّقَدُّم الْرَّائِع الَّذِي شَهِدْتُه لِيبَيا فِي عَهْدِه، كَان سَبَبُه نُّفُوْرُه مِن الْدَّعَايَة. فَالْمَلِك إِدْرِيْس كَان شَدِيْد التَّرَفُّع عَن مَادِيَات الْحَيَاة وَحُب الْظُّهُور، وَمَا كَان بِوُسْعِه أَن يَتَخَلَّى عَن طِبَاعِه الَّتِي نَشَأ عَلَيْهَا..}م5.

وَلَعَل الْمَلِك إِدْرِيْس مِن القَلائِل الَّذِيْن حَكَمُوْا الْمِنْطَقَة فِي عُهُوْدِ مَا بَعْد حَكَم الْخُلَفَاء الْرَّاشِدِيْن، وَتَرَكُوْا الْسُّلْطَة دُوْن أَن يُسَجِّل ضِدَّهُم جَرَائِم وَمَظَالِم وَانْتِهَاكَات وَإِهْدَار فِي الْمَال الْعَام أَو الْتَّصَرُّف بِه وَكَأَنَّه مَال خَاص. أَي وَالْلَّه، أَنَّه مَن القَلائِل وَرُبَّمَا يَكَاد يَكُوْن الْوَحِيد الَّذِي مَر عَلَى الْمِنْطَقَة خِلال الْمِائَة عَام الْفَائِتَة بِهَذَا الْمُسْتَوَى مِن الاسْتِقَامَة وَالْحِكْمَة وَالْتَّقْوَى.

وَأَخِيْراً – وَلَيْس آَخِرَا كَمَا يَقُوْلُوْن – وَقَف الأسْتَاذ عبْدالْحَمِيْد الْبكّوش رَئِيْس وُزَرَاء لِيبَيا الأسْبَق أَمَام شَخْص الْمَلِك إِدْرِيْس لِيُسَجَّل شَهَادَتَه لِلْتَّارِيْخ فَقَال عَنْه:" أَنَّه كَان سَابِقاً لعصره، وَيَسْبِقُنَا جَمَعَيَّا (9)"، ومُسْتَعرّضا فِي تَقْرِيْر عَلَى شَكْل رِسَالَة إِلَى رَئِيْس مَجْلِس الأمن، نشرته صَحِيْفَة (الْحَيَاة) الْلَّنْدَنِيَّة فِي تِسْعِيْنِيَّات الْقَرْن الْمُنْصَرِم تَحْت عُنْوَان: (عبْدالْحَمِيْد الْبكّوش يَسْتَعْرِض تَارِيْخ لِيبَيا وَيُحَدِّد مُطَالَب شَعْبِهَا)، فَقَال.. ".. كَافَحْنَا فِي سَبِيِل الْعَيْش وَالتَّقَدُّم بِعَزِيمَة لا تَعْرِف الْسُّكُوْن. وَتَفَضَّل الْلَّه عَلَيْنَا بِثَرْوَة الْبِتْرُوْل لِتُسَاعِدَنَا عَلَى الْمُضِي فِي مَا شَرْعَنَا فِيْه مِن بِنَاء لِلإنْسَان وَتَوْفِيْر الْخِدْمَات، وَعَلَى رَغْم أَن الْبِتْرُوْل قَد ظَهَر فِي بِلادِنَا عَام 1963م فَلَم يَكُن دَخَلْنَا مِنْه عِنْدَهَا سِوَى (60) سِتِّيْن مِلْيُوْنَاً مِن الْدُولارات، وَعَلَى رَغْم أَن ذَلِك الْدَّخْل لَم يَتَجَاوَز عَام 1969م (وَهُو عَام الْكَارِثَة عِنْدَنَا) مَبْلَغ (120) مِئَة وَعشرين مْلْيُوْن دُوَلار، فَقَد أَنَجِرْنا حَتَّى أَوَاخِر عَام 1969م، أَي فِي أَقَل مِن (18) ثَمَانِيَة عَشَر عَامَاً، مَا لَم يَكُن يَتَوَقَّعُه أَحَد: لَقَد انْتَشَرَت الْمَدَارِس فِي كُل رُكْن مِن أَرْكَان الْبِلاد، وَعَمَّت الْخَدَّمَات الْصِّحِّيَّة وَخَدَمَات الْمُوَاصَلات جَمِيْع أَرْجَاء الْوَطَن، وَوُفِّرَت الْدَّوْلَة الْتَّعْلِيْم الْمَجَّانِي، بَل كَانَت تَدْفَع مُرَتَّبَات لِطَلَبَة الْجَامِعَات وتُوَفَد عَلَى نَفَقَتِهَا مِن يَدْرُسُوْن فِي الْخَارِج كَمَا وَفَّرَت لِكُل مَوَاطِن خَدَمَات صَحّيّة مَجَّانِيَّة وَحَقّاً فِي اسْتِخْدَام مَرَافِق الْدَّوْلَة جَمِيْعَهَا مَجَّانَاً وَبِنْت مِئَات الآلاف مِن الْمَسَاكِن وَآَلاف الْمَدَارِس وَمَا يَكْفِي مِن الْجَامِعَات.

وَأَصْبَح مُعَدَّل دَخَل الْفَرْد عِنْدَنَا - بَعْد ظُهُوْر الْبِتْرُوْل - يَلِي دَخَل الْفَرْد بِالْكُوَيْت. أَمَّا فِي مَجَال الْحَيَاة الْسِّيَاسِيَّة فَقَد كُنَّا نَتَعَلَّم مُمَارَسَة الْدِّيِمُقْرَاطِيَّة ونتدرّب عَلَى تَطْبِيْق الْدُّسْتُور وَكَانَت لَنَا أَخَطَاؤُنا وعَثَرَاتِنا وَلَكِنَّهَا لَم تَبْلُغ أَبَداً مَبْلَغ الْجَرِيْمَة أَو الْمِسَاس بِحُقُوْق الإنْسَان. وَظِل الْقَضَاء مُسْتَقِلاً وَالتَّشْرِيْع عَادِلاً عَلَى رَغْم هَنَّأْت تَقَع فِي انْتِخَابَات الْبَرْلَمَان وَتَكُوْن الْسَّلَطَة شَرِيْكَاً فِيْهَا فِي مُعْظَم الأحْيَان، وَصَارَت لَدَيْنَا قُوَّة مُؤَهَّلَة لِحِفْظ الأمْن وَأَنْشَأْنَا جَيْشَاً عَصْرِيَّاً دَرْبُنَا مُعْظَم ضُبَّاطِه فِي أَفْضَل الأَكَادِيَمِيَات الْعَسْكَرِيَّة.

أَمَّا عَن سِيَاسَتِنَا الْخَارِجِيَّة فَهِي وَإِن كَانَت تَعْتَرِف بِتَوَاضُع إِمَكَانِيَاتِنا وَدُوْرُنَا فِي الْتَّأْثِيْر عَلَى أَحْدَاث الْعَالَم إَلاّ أَنَّهَا كَانَت تَتَحَرَّك مِن وَاجِب الْوَلاء لِلأمَّة الْعَرَبِيَّة، وَخَيْر مَا يَشْهَد عَلَى ذَلِك احْتِضَانِنا رِسَمِيّاً وَفِي الْعَلَن لَنَّشَاط حَرَكَات الْتَّحْرِيْر الْجَزَائِرِيَّة وَالْفِلِسْطِينِيّة ومُسَاهَمَاتِنا فِي كُل الْتِزَام عَرَبِي وُضِع عَلَى عَاتِقَنَا. كُنَّا حَقّا قَرْيَة آَمِنَة وَلَكِن كَان مَنْظَرُنا قَبِيْحاً فِي عُيُوْن الْقِلَّة مِنَّا، وَكَمَا يَقُوْلُوْن فَأَن الْشَّمْس تَقْبُح فِي الْعَيْوَن الْرَّمَد، وَتَآمَر بَعْض ضُّبَّاط جَيْشُنَا الَّذِي صَنَعْنَاه وَالَّذِين اقْسِمُوْا يَمِيْن الْوَلاء لِلْوَطَن وَالدُّسْتُوّر وَنَجَحُوا فِي الاِسْتِيْلاء عَلَى الْسُّلْطَة فِي أَوَّل سَبْتَمْبَر/ أَيْلُوْل الَّذِي سَمَّوْه (الْفَاتِح) مِن عَام 1969م وَقَطَفُوا زَهْرَة شَبَاب الْشَّعْب..".

وَلا شَك، أَن مَرْحَلَة الْعَهْد الْمَلَكِي مِن تَارِيْخ لِيبَيا تَضَع.. {.. الْمَلِك إِدْرِيْس فِي مَصَاف الْمُلُوْك الْصَّالِحِيْن لأِنَّه كَان تَقِيّاً وَمُخَلِّصِاً وَمُتَقشّفاً وَصَاحِب أَخْلاق إِسْلامِيَّة بَعُدَت بِه عَن سَفَاسِف الأمُور وَعَن الْفَسَاد الْمَالِي حَتَّى أنّه مَات فَقِيْراً رَغِم أَنَّه كَان مَلِكَاً وَعَلَى رَأْس دَوْلَة نَفْطِيَّة وَلَم تَكُن لَه حِسَابَات فِي أَي بْنَك مِن بُنُوْك الَعَالَم... وَيَوْم تَرَك الْبلاد وَوَقَع الإنْقِلاب لَم يَخْتَر الْبَقَاء فِي الْيُوْنَان أَو أَن يَتَّجِه إِلَى أَي بَلَد أَوْرَبِّي لَكِنَّه اخْتَار أَن يَعِيْش بَقِيَّة عُمْرِه فِي مِصْر وَظِل بِالْقَاهِرَة حَتَّى انْتَقَل إِلَى رَحْمَة الْلَّه عَام 1983م وَدُفِن بِالْمَدِيْنَة الْمُنَوَّرَة..}م6.

وَخِتامّا.. مَا تَقَدَّم لا يَعْدُو عَن كَوْنِه عَرْضاً مُوْجَزاً لِسِيْرَة شَخْص كَبِيْر الْمَقَام وَالْقَامَة، حَاوَلْت فِيْه أَن ارْسُم صَوَّرْتُه عَلَى نَحْو يَجْمَع بَيْن (الْتَّوْصِيْف) و(الْتَّحْلِيل) بُغْيَة تَقْرِيْب صُوْرَة رَجُل نَحْتَاج إِلَى فَهْمِه أَكْثَر وَأَكْثَر، وَيَضَعُه فِي أَقْرَب مَسَافَة مِن الْقَارِيِّء حَتَّى يَتَمَكَّن مِن امْتِلاك مَفَاتِيْح شَخْصِيَّتُه الْفَذَّة وَدَوْرِه الْعَظِيْم فِي تَارِيْخ لِيبَيا.

الْمَلِك إِدْرِيْس فِي إِيْطَالْيَا عَام 1920م

الْمَلِك إِدْرِيْس يَسْتَقْبِل الْرَّئِيْس الْمِصْرِي مُحَمَّد نَجِيْب

صُوْرَة مِن غِلاف الْكُتَيِّب الْخَاصَّة بِوَرَقَة الأمِير إِدْرِيْس
حَوْل مَسْأَلَتِي الْوَحْدَة الْعَرَبِيَّة وَالْجَامِعَة الإسْلامِيَّة

مِرْفَق الْصُّوَر:

الْصُّوَرَة الأُوْلَى: الْمَلِك إِدْرِيْس فِي إِيْطَالْيَا عَام 1920م. وَالصُّوَرَة مِن أَرْشِيْف الْمُؤَلِّف، وَتُنْشَر لأِوَّل مَرَّة. الْصُّوَرَة الْثَّانِيَة: الْمَلِك إِدْرِيْس يَسْتَقْبِل الْرَّئِيْس الْمِصْرِي مُحَمَّد نَجِيْب فِي جَنَاح إِقَامَتِه رَقِم: (37) بِفُنْدُق (مِيْنَا هَاوُس)، خَلال زِيَارَة الْمَلِك لِمِصْر عَام 1952م. وَالصُّوَرَة مِن أَرْشِيْف الْمُؤَلِّف، وَتُنْشَر لأِوَّل مَرَّة.

مِرْفَق الْوَثَائِق:

المِرْفَق: صُوْرَة مِن غِلاف الْكُتَيِّب الْخَاصَّة بِوَرَقَة الأمِير إِدْرِيْس حَوْل مَسْأَلَتِي الْوَحْدَة الْعَرَبِيَّة وَالْجَامِعَة الإسْلامِيَّة، الْصَّادِرَة فِي شَهْر يُوَلْيُو/ حُزَيْرَان مِن عَام 1929م. والْكُتَيِّب نَشَرَه الْشَّيْخ عبْدالْقَادِر بْن الأمِيْن الزْنْتَانِي، وَخَط عُنْوَانُه وَصَمَّم غِلافه. الْمَصْدَر كِتَاب: (إِدْرِيْس السَنُوسي) لِلأسْتَاذ الْطَّيِّب الأشْهَب.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات:

1) الْسَّيِّد حسن ظَافِر بُرْكَان: ارْتَبَطَت عَائِلَة ( بُرْكَان) وَعَائِلَة (سَيْف الْنَّصْر) بِعَلاقَات وَطَيِّدَة، وَكَان جُزْءاً مِن أَبْنَاء الْعَائِلَة قَد هَاجَرُوا مَع الْسَّيِّد أَحْمَد سَيْف الْنَّصْر إِلَى تشاد، وَمِن بَيْن أُوْلَئِك عبْدالْرَّحْمَن بُرْكَان أَبِن عَم حسن بُرْكَان. وَبَعْد الإسْتِقْلال كَان الْسَّيِّد حسن وَوَالِدِه يُقِيْمَان فِي (مرزق) وَقَد تَعْرِف الْسَّيِّد سَيْف الْنَّصْر عبْدالْجَلِيْل رَئِيْس الْمَجْلِس الْتَّنْفِيْذِي لْوِلايَة فَزَّان عَلَى الْسَّيِّد حسن ظَافِر بُرْكَان عَن طَرِيْق الْسَّيِّد عُمَر سَيْف الْنَّصْر عَمِّه، فَوَجَدَه عَلَى قَدْر مِن الْتَّعْلِيْم وَالْثَّقَافَة فَعَرَض عَلَيْه أَن يَعْمَل مَعَه، وَعَيْنُه نَاظِرَاً لِلْمَالِيَّة بِوِلايَة فَزَّان.

وَبَعْد أَن اسْتَلَم السَّيِّد مُحَمَّد عُثْمَان الْصَيد رِئَاسَة الْحُكُومَة فِي 16 أُكْتُوْبَر/ تَشْرِيْن الأوَّل 1960م، عَيْنِه وَزِيْرا لِلْدِّعَايَة وَالْنَّشْر فَاسْتَمَر فِي مَنْصِبِه هَذَا حَتَّى آَخِر يَوْم فِي حُكُوْمَة الْصَيد الَّذِي وَافَق 19 مَارَس 1963م.

وَبَعْد تَشْكِيل حُكُوْمَة الْسَّيِّد مَحْمُوْد أَحْمَد ضِيَاء الْمُنْتَصِر الْثَانِيَة فِي 24 يَنَايِر/ كَانُوْن الْثَّانِي 1964م، تَم تَعْيِيْنُه وَزِيْرا لِلأنْبَاء وَالإرْشَاد لِيَسْتَمِر فِي هَذَا الْمَنْصِب حَتَّى تَارِيْخ 26 مَارَس/ آَذَار 1964م حَيْث عُيِّن فِي نَفْس الْحُكُومَة بَعْد إِجْرَاء تَعْدِيْل عَلَيْهَا وَزِيْراً لِلإقْتِصَاد الْوَطَنِي. وَعَيْنُه الْمُنْتَصِر بَعْد إِجْرَاء تَعْدِيْل آَخِر عَلَى حُكْوَمَتِه وَزِيْراً لِلْصِّنَاعَة لِيشغل الْسَّيِّد مَنْصُوْر كَعبّار الْمَنْصِب الَّذِي كَان يَشْغَلُه. وَفِي اسْتِبْدَال آَخَر قَام بِه الْمُنْتَصِر دَاخِل حُكُوَمَتِه، أُعِيْد الْسَّيِّد حُسْن ظَافِر مُجَدَّدَاً لِوَزَارَة الإقْتِصَاد الْوَطَنِي، وَاسْتَمَر فِي هَذَا الْمَنْصِب حَتَّى آَخِر يَوْم فِي حُكُوْمَة الْمُنْتَصِر الَّذِي وَافَق 18 مَارَس/ آَذَار 1965م.

كَان الْسَّيِّد حسن ظَافِر بُرْكَان مِن الْمُهْتَمَّين بِالْشَّأْن الْثَّقَافِي وَمَن الْمُتَابِعِيْن لِلْصِّحَافَة، وَمِن أَبْرَز مَا كَتَبَه لِلْصِّحَافَة الْمَقَالَة الَّتِي كَان قَد نَشَرَهَا فِي صَحِيْفَة (فَزَّان) بِتَارِيْخ 11 يونِيْه/ حُزَيْرَان 1958م فِي عَدَدِهَا الْخَاص رَقِم (39) بِمُنَاسَبَة الْذِّكْرَى الْرَّابِعَة لِوَفَاة الْمُجَاهِد الْكَبِيْر أَحْمَد سَيْف الْنَّصْر، الْمُعَنْوَنَة بِعُنْوَان كَبِيْر: (فِي ذِكْرَى الْمُجَاهِد الْكَبِيْر) جَاء أَسْفَلُه بَيْت الْشِّعْر، يَقُوْل: (احْفَظ لِنَفْسِك بَعْد مَوْتِك ذِكْرَهَا *** فَالَّذِكْرَى لِلإنْسَان عُمْر ثَان). تُوُفِّي بِلِيبَيا عَام 2007م، فَرَحِم الْلَّه الْسَّيِّد حسن ظَافِر بُرْكَان رَحْمَة وَاسِعَة وَأَسْكَنَه فَسِيْح جَنَّاتِه.

2) الأمِير إِدْرِيْس مِن الْمَنْفَى إِلَى الْعَرْش: استعنت فِي كِتَابَة هَذِه الْفِقْرَة بِكِتَاب: (إِدْرِيْس السُّنوُسي) لِلأسْتَاذ الْطَّيِّب الأشْهَب.. وَكِتَاب: (الْمَلِك إِدْرِيْس عَاهِل لِيُبَيّا.. حَيَاتِه وَعَصْرِه) لِمُؤَلِّفِه السَّيِّد ئي.آ. ف. دي كاندول.. وَمَا نَشَرْتُه فِي مَوْقِع: (لِيبَيا الْمُسْتَقْبَل) تَحْت عُنْوَان: (رَجـال حـوّل الْمـلَك) الْمَوْجُوْدَة فِي أَرْشِيّف الْمُؤَلِّف فَي الْمَوْقِع الْمَذْكُوْر كَذَلِك الْجُزْء الأوَّل وَالْثَّالِث مِمّا نَشَرْتَه فِي نَفْس الْمَوْقِع تَحْت عُنْوَان: (هَدْرَزَةُ في السّياسَةِ والتّاريخ.. الْمَلِك.. الْعَقِيد.. الْمُعَارَضَة الَلِّيَبِيَّة فِي الْخَارِج).

3) عائلة الغماري: ذكر السَّيِّد ئي.آ. ف. دي كاندول فِي كِتَاب: (الْمَلِك إِدْرِيْس عَاهِل لِيبَيا.. حَيَاتِه وَعَصْرِه)..".. أَن السَّيِّد مُحَمَّد الْرِّضَا أَخو الْسَّيِّد إِدْرِيْس الأصْغَر أَنْجَبَه الْسَّيِّد الْمَهْدِي مِن زَوْجَتِه الأخْرَى فَاطِمَة وَهِي تَنْتَمِي إِلَى عَائِلَة (عِمْرَان) مِن أَهَالِي الْجَبَل الأخْضَر..". وَالأصَح حَسَب تَأْكِيْد اثْنَان مِن الْسَّادَة السَُّنوُسيِّين رَاجَعَت مَعَهُمَا هَذِه الْمَعْلُوْمَة، أَن وَالِدَة السَّيِّد مُحَمَّد الْرِّضَا تَنْتَسِب إِلَى عَائِلَة (الْغمَارِي) لا (عُمْرَان) كَمَا جَاء فِي كتاب كَانَدول، وَلِذَا قُمْت بِالْتَّصْحِيْح وَرَأَيْت مِن الْوَاجِب الْتَّنْوِيْه إِلَيْه مُرَاعَاة لِلأمَانَة.

4) ديوانيّة الشّيْخ الْمُجَدِّدِي: رَاجِع مَا كُتِب عَن سِيْرَة السَّيِّد مُحَمَّد هَارُوْن الْمُجَدِّدِي فِي مَوْقِع (الْمُلْتَقَى) عَلَى شَبَكَة الإنْتَرْنِت الْدُوَلِيَّة.

5) الأمِير عُمَر طُوسُوْن: هُو ابْن طُوسُوْن ابْن الْخِدِيو سَعِيْد بن مُحَمَّد عَلَي بِاشَّا، الْمَوْلُوْد فِي مَدِيْنَة الإسْكَنْدَرِيَّة يَوْم 8 سَبْتَمْبَر/ أَيْلُوْل 1872 م، وَالْمُتَوَفَّي يَوْم الأرْبِعَاء 30 مُحَرَّم 1363هَجْرِي الْمُوَافِق 26 يَنَايِر/ كَانُوْن الْثَّانِي 1944م، وَقَد شَارَك فِي تَشْيِيْع جُثْمَانَه الْوُزَرَاء وَالأمَرَاء وَكِبَار رِجَالات الْقَصْر الْمَلَكِي. دّرْس بِخَارِج بِمِصْر وَكَان يُجِيْد أَكْثَر مِن خَمْس لُغَات أَجْنَبِيَّة. اهْتَم بِالآثَار وَالْتَّارِيْخ الْمِصْرِي وَلَه فِي ذَلِك اكْتِشَافَّات وَمُؤَلَّفَات، كمَا اهْتَم َبِالزِّرَاعَة وَتَنْمِيَة الإنْتَاج الْزِّرَاعِي وَالْحَيَوَانِي حَيْث تَوَلَّى فِي عَام1932م رِئَاسَة الْجَمْعِيَّة الْزِّرَاعِيَّة الْمِلْكِيَّة.

وَأَهْتَم بِشُئُون الْجِهَاد اللِّيْبِي وَسَخَّر مُعْظَم وَقْتِه لِخِدْمَة الْقَضِيَّة الَلِّيَبِيَّة مُنْذ وُقُوْع الاعْتِدَاء الإيطَالِي عَلَى لِيبيَا فِي أُكْتُوْبَر/ تَشْرِيْن الأوَّل 1911م. أَسَّس (الْلَّجْنَة الْعُلْيَا) بَعْد أَيَّام قَلِيْلَة مِن ذَلِك الاعْتِدَاء، وَتَرَأْسِهَا بِغَرَض جَمْع الْتَّبَرُّعَات للِيبِيِّين وَنُصْرَة قَضِيَّتَهُم. أَرْسَل لِلْمُجَاهِدِيْن اللِّيْبِيِّيْن عَشَرَات الْقَوَافِل الْمُحَمَّلَة بِالْطَّعَام وَالْعَتَاد. رَبَطْتَه عَلاقَات وَاسِعَة بِمَشَايِخ اللِّيْبِيِّيْن وَقَادَة الْجِهَاد، وَكَان عَلَى عِلاقَة وَطَيِّدَة بِالأمِير إِدْرِيْس الْسَّنوُسي، وَبَعْد وَفَاتِه وَحُصُول لِيبَيا عَلَى إِسْتِقْلالَهَا فِي دِيْسَمْبِر 1951م، أَمَر الأمِير إِدْرِيْس الذي صَار مَلِكَاً عَلَى لِيبيَا، بِإِطْلاق اسْمُه (طُوسُوْن) عَلَى أَهم مَيْدَان فِي مَدِيْنَة بَّنْغَازِي وَقْتَذَاك. أُلْغِيَت هَذِه الْتَّسْمِيَة فِي عَهْد الإنْقِلاب وَصَار الْمَيْدَان يُعْرَف بِاسْم (مَيْدَان الْشَّجَرَة) ثُم قُلِعَت الْشَّجَرَة وَصَار الْمَيْدَان بِدُوْن عُنْوَان وَاسْم.

وَعَن هَذَا، يُحَدِّثُنِي الأدِيب وَالْشَّاعِر رَاشِد الْزُّبَيْر الْسَّنوُسي حَفِيْد الْمُجَاهِد الأكْبَر أَحْمَد الْشَّرِيِف، فِي سِلْسِلَة مَقَالاتُه الْمُعَنْوَنَة بِاسْم: (قَال الْرَّاوِي) وَالَّتِي بَدَأ فِي نَشْرِهَا فِي رَبِيْع عَام 2010م فِي (الْمُلْحَق الْثَّقَافِي) بِصَحِيْفَة (الْجَمَاهِيْرِيَّة)، فَقَال فِي الْحَلْقَة الْثَّانِيَة مِن هَذِه السِّلْسِلَة: ".. أَشْرَف الأمِير عُمَر طُوسُوْن بِنَفْسِه عَلَى الْمَعُوْنَات الَّتِي كَانَت تُقّدَّم للِيبِيِّين، وِتَسْهِيْل أُمُوْر الْقَادِمِيْن هِّرْبَاً مِن جَحِيْم الإحْتِلال الإيطَالِي. وَمِمَّا يَدْعُو لِلأسَف أَنَّه بَعْد تَحْرِيْر الْبِلاد مِن الإحْتِلال الْفاشِسَتِي أُطْلِق اسْم هَذَا الأمِير عَلَى مَيْدَان فِي بَّنْغَازِي ثُم لَم يَلْبَث الْمَيْدَان أَن تُحَوِّل إِلَى مَيْدَان الْشَّجَرَة ثُم قَطَعْت الْشَجَرَة وَأَصْبَح مَيْدَانَاً بِدُوْن عُنْوَان..".

6) قَصِيْدَة أَحْمَد رَفِيْق الْمهدوي: الْمَوْلُوْد فِي شَهْر يَنَايِر/ كَانُوْن الْثَّانِي مِن عَام 1898م فِي بَلْدَة فسَاطو بِالْحَبْل الْغَرْبِي، وَالْمُتَوَفَّي فِي أَثِيْنَا يَوْم الْخَمِيْس الْمُوَافِق 6 يُوَلْيُو/ حُزَيْرَان 1961م، وَالْمَدْفُون بِمَقْبَرَة سَيِّدِي أَعَبِيْد يَوْم الْثُّلاثَاء الْمُوَافِق 11 يُوَلْيُو/ حُزَيْرَان 1961م. لِرَفِيْق الْعَدِيْد مِن الْقَصَائِد جَمْعُهَا مُحِبِّيْه وَأَصَدَّرُوْهَا فِي دَوَاوِيْن، وَقَد تَمَيَّز بِالْشِّعْر الْوَطَنِي وَاعْتَبَرَه العديدون (مَدْرَسَة فِي الْوَطَنِيَّة). اعْتَبَرَه الْشَّاعِر حُسَيْن الْغنانِي (1921م – 1961م) نُقْلاً عَن كِتَاب: (وَمِيَض الْبَارِق الْغَرْبِي) لِلأسْتَاذ سَالِم الْكبتي: ".. صَاحِب مَدْرَسَة خَاصَّة، وَصَاحِب الْبَيَان وَرَب الإبْدَاع وَالْعَبْقَرِيِّة فِي الْشِّعْر..".

وَقَال الأسْتَاذ عبْدِالْكَرِيْم لِيَّاس (1909م – 1995م) وَزِيَر الْزِّرَاعَة الأَسْبَق (1968م – 1969م) عَن رَفِيْق نُقْلاً عَن نَّفْس الْمَصْدَر: ".. هُو ذَلِك الْشَّاعِر الْعِمْلاق الَّذِي حَلَق بُعَيْدَاً فِي أَجْوَاء الْوَطَنِيَّة الْصَّادِقَة وَالَّذِي وَهَب نفسه وَحَيَاتَه كُلَّهَا لِخِدْمَة وَطَنِه الْكَبِيْر، وَطَن الْعُرُوبَة وَالإسْلام. كَان رَفِيْق مِثَالاً لِلإخْلاص وَالْصِّدْق وَالنَّزَاهَة، غَيْر مُحِب لِلْظُهُوْر وَالْتَّظَاهُر. كَان عَفِيْفَاً لا يَبْغِي كَسْبَاً مَادِيَّاً مِن وَرَاء إِنْتَاجُه الأدَبِي، وَأَمِيْنَاً لا يَسْطُو عَلَى إِنْتَاج غَيْرِه، كَرِيْمَاً لا يَسْمَح لِنَفْسِه أَن يَكُوْن مُدَيْنَاً لأِحَد وَكَان فَضْلُه عَلَى جَمِيْع مَعَارِفِه وَأَصْدِقَائِه كَبِيْرَاً..".

وَقَال عَبَّاس مَحْمُوْد الْعَقَّاد (1889م – 1964م) الأدِيب وَالْمُفَكِّر الْمِصْرِي الْشَّهِيْر، عَنْه:..".. كِنْت قَد كتبت فِي صَحَافِتَنَا الأدَبِيْة مَقَالاً أَشَرْت فِيْه إِلَى مَكَان هَذَا الْشَّاعِر الَّذِي يَقُل نُظَرَاؤُه فِي الْعَصْر الْحَاضِر. فَقَد كُتِبَت مَقَالاً بِهَذَا الْمَعْنَى لِمَجلَّة (الْرِّسَالَة). وَلا أَقُوْل فِي وَصْف رَفِيْق إِلاّ أَنَّه مَلأ الْنُّفُوْس بِإِيْنَاس غَطَّى عَلَى كُل مَا هُنَالِك مِن وَحشة الْظَّلام وَالْخُوَاء وَوَحْشَة الْمَصِيْر الْمَجْهُوْل..".

كَان شَاعِرُنَا مِن مُحِبِّي الْمَلِك إِدْرِيْس وَقَد عَيَّنَه الْمَلِك فِي 1952م عُضْواً بِأَوَّل تَشْكِيل لِمَجْلِس الْشُّيُوخ. أَمَّا قَصِيْدَتِه ذَات الأبْيَات الأرْبَعَة الْمُشَار إِلَيْهَا فِي أَعْلَى الْسُطُور، وَالَّتِي قَالَهَا بَعْد وَفَاة إِبْن الْمَلِك الْمَوْلُوْد عَام 1953م وَالْمُتَوَفَّي بَعْد فَتْرَة وَجِيْزَة مِن وَلادته، وَالَّتِي تَنْشُر لأِوَّل مَرَّة بَعْد حُصُوْلِي عَلَيْهَا مِن أَحَد الْشُّعَرَاء، فَقَد أَخْبَرَنِي الْشَّاعِر الْصِّدِّيق أَن هُنَاك مَن يَقُوْل: (لِلْقَصِيْدَة بَيْت أُخَر) لَم يَعْثُر بَعْد عَلَى مَن يَحْفَظُه وَلا هُو مِتْأَكِد بِالأسَاس مِن حَقِيْقَتِه. أَحْبَبْت الإشَارَة لِهَذِه الْمَسْأَلَة، وَالتَّأْكِيْد عَلَى أَن الأبْيَات الْمَنْقُوْلَة نَشَرْتَهَا هَكَذَا كَمَا وَصَلَتْنِي، مُضَيِّفِاً إِلَى ذَلِك أَن صَدِيْق أُخَر كَان قَد أَكَّد لَي بِأَن الْقَصِيدَة بِالْفِعْل مِن خَمْسَة أَبْيَات !. أَحْبَبْت الإشَارَة إِلَى هَذِه الْنُّقْطَة، فَلَعَل هُنَاك مِن يُفِيْدُنَا بِالْخُصُوْص.

7) قصِيْدَة مطيريد: أَلْقَى الشَّيْخ عبْدالْحَمِيْد عَقِيْلَة الْمِصْرِي مطيرِيد قَصِيْدَتِه عَلَى مَسَامِع الْمَلِك إِدْرِيْس الْسَُّنوُسي فِي ظُهْر يَوْم الْخَمِيْس 23 رَبِيْع الأوَّل 1372 هَجْرِي الْمُوَافِق 11 دِيْسَمْبَر/ كَانُوْن الأوَّل 1952م، وَفِي مَسَاء الْيَوْم نَفْسِه جَاء الْسَّيِّد سَيْف الْنَّصْر عبْدالْجَلِيْل إِلَى فُنْدُق (مِيْنَا هَاوُس) لُمُقَابَلَة صَدِيْقُه الدُّكْتُوْر وَهَبِي أَحْمَد الْبُورِي الَّذِي كَان ضَمِن الْوَفْد الْمُرَافِق لِلْمَلِك، فَلَم يَجِدْه وَكَان وَقْتِهَا الْمَلِك جَالِسَاً وَمَعَه: الْسَّيِّد إِبْرَاهِيْم الْشَّلْحِي، وَالْسَّيِّد أَحْمَد مُحَي الْدِّيْن الْسَّنوُسي، وَالْشَّيْخ عبْدالْحَمِيْد مطيرِيد.. وَآَخَرِين.

وَأَثْنَاء وُجُوْد الْسَّيِّد سَيْف الْنَّصْر عبْدالْجَلِيْل فِي مَجْلِس الْمَلِك، دَخَل مُحَمَّد نجِيْب الْرَّئِيْس الْمِصْرِي لِزِيَارَة الْمَلِك، فَقَال الْشَّيْخ مطيرِيد لِفَخَامَتِه:..".. لَقَد جِئْت أَنَا وَوَفَد مِن عَائِلَة مطيرِيد مُنْذ الْظُّهْر لِزِيَارَة الْمَلِك وَقَد أَلْقَيْت عَلَى مَسَامِع سَمَّوْه قَصِيْدَة نَسَجَتْهَا بِمُنَاسَبَة زِيَارَتِه لِمِصْر..". رَد نَجِيْب عَلَى مطيرِيد، قَائِلاً: ".. لَقَد عِشْتُ فِي الْصَّحْرَاء الْغَرْبِيَّة مُدَّة مِن الْوَقْت، وَتَعَرَّفْت عَلَى شَعْر الْبَادِيَة، وَأَوَد سَمَاع الْقَصِيْدَة مُرَّة أُخْرَى بَعْد أَن يَسْمَح لَنَا الْمَلِك بِذَلِك، وَأَدْعُو الْسَّيِّد سَيْف الْنَّصْر عبْدالْجَلِيْل لِقِرَاءَة الْقَصِيْدَة عَلَيْنَا..".

قَام الْسَّيِّد سَيْف الْنَّصْر، وَتَم لِمُحَمَّد نخيّب مَا أَرَاد، وَعَبَر بَعْد اسْتِمَاعِه لأِبْيَات الْقَصِيْدَة عَن مَدَى إِعْجَابُه بِهَا وَبِالْشِّعْر الْشَّعْبِي عَلَى وَجْه الْعُمُوْم. وَهَذِه الْقَصِيْدَة تَنْشُر لأِوَّل مَرَّة.

8) رَئِيْس جَيْشِهَا: الْمَقْصُوْد هُو مُحَمَّد نَجِيْب الْرَّئِيْس الْمِصْرِي.

9) "كَان سَابِقاً لعصره، وَيَسْبِقُنَا جَمَعَيَّا": بَعْد خُرُوْج الأسْتَاذ عبْدالْحَمِيْد الْبكّوش ( 1932م - 2007م) رَئِيْس الْوُزَرَاء الأسْبَق مِن لَِبِيَبا عَام 1977م، اسْتَقَر فِي الْقَاهِرَة إِلَى أَن أَضْطَر لمُغَادَّرَتِهَا فِي عَام 2001م إِلَى دَوْلَة الإمَارِات الْعَرَبِيَّة الْمُتَّحِدَة. َأَقَام فِي إِمَارَة أبوظَبي مِن عَام 2001م إِلَى سَاعَة وَفَاتِه بَعْد ظُهْر يَوْم 14 رَبِيْع الْثَّانِي 1428 هَجْرِي الْمُوَافِق 2 مَايُو/ أَيَّار 2007م.

رَدَّد الْبكّوش الْجُمْلَة الْمُشَار إِلَيْهَا إِلَى زُوّارِه وَعَدَد مِن أَبْنَاء الْجَالِيَة الَلِّيَبِيَّة فِي مِصْر إِبَّان فَتْرَة إِقَامَتِه فِي مِصْر، وَهَذَا مَا أَكَّدَه لَيّ أَحَد الأشْخَاص الَّذِيْن سَمِعُوْا هَذِه الْجُمْلَة مِنْه مُبَاشَرَة.

مصَادِر وَمَرَاجِع:

م1) السَّيِّد ئي.آ. ف. دي كاندول – كِتَاب: (الْمَلِك إِدْرِيْس عَاهِل لِيبَيا.. حَيَاتِه وَعَصْرِه) – صَدْر عَلَى نَفَقَة الْمُؤَلِّف بِالْلُغَة الإنْجِلِيْزِيَّة فِي عَام 1988م، وَقَام الْسَّيِّد مُحَمَّد بْن غَلْبُوْن بِنَشْرِه بَعْد تَرْجَمَتِه إِلَى الْعَرَبِيَّة، وَذَلِك فِي عَام 1989م عَلَى نَفَقَتِه الْخَاصَّة.

م2) الأسْتَاذ الْطَّيِّب الأشْهَب – كِتَاب: (إدْرِيْس السُّنوُسي) – الْطَّبْعَة الْثَّانِيَة رَبِيْع 1957م بِعِنَايَة مَكْتَبَة الْقَاهِرَة بِمَيْدَان الأزْهَر الْشَّرِيْف.

م3) السَّيِّد ئي.آ. ف. دي كاندول – كِتَاب: (الْمَلِك إِدْرِيْس عَاهِل لِيبَيا.. حَيَاتِه وَعَصْرِه) – صَدْر عَلَى نَفَقَة الْمُؤَلِّف بِالْلُغَة الإنْجِلِيْزِيَّة فِي عَام 1988م، وَقَام الْسَّيِّد مُحَمَّد بْن غَلْبُوْن بِنَشْرِه بَعْد تَرْجَمَتِه إِلَى الْعَرَبِيَّة، وَذَلِك فِي عَام 1989م عَلَى نَفَقَتِه الْخَاصَّة.

م4) الأسْتَاذ مفْتَاح الْسَّيِّد الْشَّرِيِف – كِتَاب: (لِيبَيا.. نَشْأَة الأحْزَاب وَنِضَالاتهَا) – الْصَّادِرَة طَبْعَتِه الأوْلَى عَن دَار (الْفُرَات) الْلُّبْنَانِيَّة فِي أَبْرِيْل/ نَيْسَان 2010م.

م5) السَّيِّد ئي.آ. ف. دي كاندول – كِتَاب: (الْمَلِك إِدْرِيْس عَاهِل لِيبَيا.. حَيَاتِه وَعَصْرِه) – صَدْر عَلَى نَفَقَة الْمُؤَلِّف بِالْلُغَة الإنْجِلِيْزِيَّة فِي عَام 1988م، وَقَام الْسَّيِّد مُحَمَّد بْن غَلْبُوْن بِنَشْرِه بَعْد تَرْجَمَتِه إِلَى الْعَرَبِيَّة، وَذَلِك فِي عَام 1989م عَلَى نَفَقَتِه الْخَاصَّة.

م6) الْضَّابِط الْمِصْرِي فَتْحِي الْدِيب – كِتَاب: (عبْدالْنَّاصِر وَثَوْرَة لِيبَيا) – الْطَّبْعَة الأوْلَى عَام 1986م الْصَّادِر عَن (دَار الْمُسْتَقْبَل الْعَرَبِي).

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
الهادي
زَمَان الْمَلِك إِدْرِيْس
ان كنت تؤرخ لمرحلة او لرجل فمن انصاف ان تذكر ما له وما عليه
الرجل توفاه الله وترك الوطن ثم الدنيا كلها وهو مثل…...
التكملة
محمود فوزي
السلام عليكم

رحم الله ادريس السنوسى على ما قدم للاسام كرجل داعية ولكن للرجل جانب آخر لاعلاقة له بالديمقراطية ولكن لانملك الا ان نقول عنه غفر…...
التكملة
أحمد خليفة
مقالة الأستاذ عبدالحمِيد البكّوش رئِيس وُزراء لِيبَيا الأسبق المعنونة بعنوان: (عبدالحمِيد البكّوش يستعرِض تارِيخ لِيبَيا ويُحَدِّد مُطَالَب شعبِها) التي أشرت إليها في خاتمة هذه الحلقة، للتحديد أكثر، فقد نُشرت بجريدة…...
التكملة
قاجه
صورة السيد ادريس وهو مرتديا البدلة هى فى الواقع صورة موجودة فى اغلب البومات افراد لاسرة السنوسية ومعلقه فى جدران بيوتاتهم وهى صورة التقطت له وهو فى باريس وليس فى…...
التكملة
تلك امة قد خلت
نعم هو عصر العمالقة ملكا وحكومة وشعبا كان مثالا فى صنع دولة والعمل بصمت...لماذا ضيعنا هذا المجد وخرجنا نصفق لعميل صنع فى دوائر التآمر للحصول على النفط الم تلاحظوا ان…...
التكملة
عبدالمجيد المصراتي
للتوضيح فقط. قد سبق لصادق شكري أن كتب عن شخصيات الجهاد في الغرب وعلاقتها بالمنطقة الشرقية، وعن الجمهورية الطرابلسية، وعن بعض الشخصيّات الوطنية في الغرب في سلسلته: (رجال حول الملك)،…...
التكملة
الى الاخ عادل توضيح ودى
انا ايضا متابع جيد للاستاد الفاضل الصادق شكرى فى بحوثه الثاريخية جزاه الله خيرا حتى وان كانت كلها تؤرخ لتاريخ المنطقة الشرقية ( برقة ورجالها) , تعليقى الذى لم يعجبك…...
التكملة
السنوسي العبار
أستاذ علي للعلم فقط أن الأمير إدريس السنوسي ذهب في زيارة رسمية إلى إيطاليا بصحبة وفد مشكل من بعض أعضاء حكومته (حكومة إجدابيا) من بينهم الشارف باشا الغرياني وعمر باشا…...
التكملة
على
الملك ادريس لم يقم بزيارة ايطاليا عام 1920 ولذلك وجب التنويه...
التكملة
tom-tom
HOW WE WERE THEN AND HOW WE ARE NOW!!!!...
التكملة
No comment
His majesty was in Italy in 1920!!!...
التكملة
الصادق شكري
شكراً لجميع القرَّاء.. وأشكر الأستاذ العزيز عادل، على الكلام الطيب والمشاعر الكريمة، وأقول له: أدعو الله تعالى أن أكون كما تظن، وأدعوه أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، أما بخصوص…...
التكملة
عادل
كمتابع لكتابات الصادق شكري، اعتقد أنه مواطن شريف وعصامي، وبانه مهموم بشؤون وطنه وشعبه ويبذل كل ما بوسعه من اجل مصلحة الجميع، وبالتالي اشعر ان من واجبي أن اشكره واقدر…...
التكملة
سالم
الاخ الكاتب: ارجوا تحرى الدقة فى مكان الصورة التى التقطت للسيد ادريس...
التكملة
جمال صالح
بارك الله فيك يا أستاذ الصادق و نرجو منك الإستمرار في سرد تاريخ هذا الملك الصالح الأب المؤسس صاحب الشرعية الدستورية و الذي بفقده فقدنا نحن الليبيون كل شئ....
التكملة
طرابلسى
رحم الله الملك ادريس السنوسى فى كل مراحل حياته من بداية الجهاد الى الهجرة الى تاسيس امارة برقة واخيرا مؤسس وملك ليبيا الحالية .n nوتصحيحا للمعلومة ياستاد الصادق شكرى فحكومة…...
التكملة