الحدود الليبية التونسية: رشوة، عمولات، وكلمات سرّ 18/4/2012 04:01 الحدود الليبية التونسية: رشوة، عمولات، وكلمات سرّ
ليبيا - تونس بحث

تونس - ليبيا المستقبل - خليفة علي حداد: تعيش المناطق الحدوديّة بين تونس وليبيا منذ سنوات عديدة وضعا استثنائيا في كلّ شيء.. حركة يوميّة دؤوبة للتجّار والمهرّبين عبر البوّابات الرّسميّة وعبر المسالك الصحراويّة التي لا يعرفها إلا الراسخون في التهريب وتجّار الممنوعات ورجال حرس الحدود والجمارك. حركة لم تتوقف يوما حتّى في أوج الحرب التي انتهت باقتلاع القذافي من حصنه المنيع في باب العزيزيّة وما تلا ذلك من انفلاتات وخطف وحجز للرهائن.
لم يكن تحقيقنا هذا سهلا ولم يكن التسلّل إلى عالم لا يعترف بالقانون يسيرا. فبعد تحقيقنا عن تجارة النفط مقابل الخمر والسلاح (اضغط هنا) وما تلقّيناه من تهديدات تحذرنا من مغبّة الخوض في ما لا يعنينا ازدادت صعوبة الحركة في ميدان يلفّه الكتمان.
الصورة الظاهرة للعيان: سيارات وشاحنات متخمة بالبضائع منطلقة في الاتجاهين.. موادّ تموينيّة ومواش وفسفاط وخمور، تأخذ طريقها على مدار السّاعة من تونس إلى ليبيا.. آلاف الشاحنات أغلبها منزوعة اللوحات تحمل على متنها كميّات ضخمة من الوقود والمحروقات تتسرب عبر مسالك جبلية قريبة من وازن ومسالك صحراويّة تمتدّ من هناك إلى معبر رأس جدير لتأخذ طريقها إلى مدن تونسية تحوّلت طرقاتها إلى محطّات وقود ترتفع فيها الأسعار وتنخفض حسب سلاسة مهمّة المهربين.
أما الصورة الخلفيّة التي تيسّر كلّ ذلك فتطغى عليها لغة العمولات والرشاوى والأوراق الخضراء والحمراء التي توزّع بسخاء على دوريّات البوليس والجمارك والحرس والمسلّحين على جانبي الحدود.
بدأنا حديثنا مع (س،ر) الذي يقود شاحنة يحمّلها بسماد الأمونيتر من منطقة صناعيّة بمدينة قابس جنوب شرقي تونس حيث يتّجه بها إلى مدينة بنقردان ليسلّمها إلى مهرّبين آخرين هناك يتولّون العبور بها إلى ليبيا. يقول (س،ر): تفرض السلطات التونسيّة منعا شديدا على تصدير مادة الأمونيتر غير أنه لا يجد عسرا كبيرا للوصول بحمولة شاحنته إلى بنقرادان التي تبعد 150 كيلومترا إذ يقوم بدفع مبالغ ماليّة لدوريّات جمارك وأمن تعترض طريقه. ولم يفصح محدثنا عن قيمة المبالغ التي يدفعها واكتفى بالقول أن المبالغ ليست كبيرة لأن العديد ممن يدفع لهم اعتادوا التعامل معه ويقبلون بمبالغ "معقولة". ولم ينف (س،ر) أن بعض الدوريّات ترفض تلقّي الرشوة وأنه اضطر إلى إعادة حمولة شاحنته إلى قابس في أكثر من مناسبة.
أما (أحمد) وهو مهرّب محروقات أصيل مدينة مدنين فيؤكّد أن مع المال يصبح كل مستحيل ممكنا، وأنه يخصّص يوميّا مبلغا قارّا يوزّعه على بعض الدوريّات بالطريق الرّابط بين ذهيبة ومدنين أو بين رأس جدير ومدنين. وأكد أحمد أنه اجتاز الحدود عدّة مرات من مسالك غير شرعيّة وجلب شحنات من المحروقات ودفع مبالغ إلى مسلّحين ليبيين مقابل غضّ الطرف عنه وعدم التعرّض لبضاعته بالحجز والمصادرة. وأضاف مازحا أن مهرّبي المحروقات يطلقون على إحدى البوّابات الأمنية بمدينة مدنين تسمية "الصرّاف الآليّ" نظرا لما يجنيه أعوان الأمن المرابطون فيها من مبالغ كبيرة كلّ يوم. (أحمد) أكّد أيضا أن المزيد من رجال الشرطة والحرس والجمارك أصبحوا يتحاشون قبول الرشاوى بعد الثورة إما عن قناعة أو خوفا من انكشاف أمرهم أو تعرّضهم إلى الاعتداء.
(منير ب) يبدو أكثر كرما مع الدوريّات المرابطة على الطرقات بكلّ من تونس وليبيا، ولعلّ ذلك يعود إلى طبيعة البضائع التي يحملها على متن عربته من ناحية والأرباح الجيّدة التي يجنيها في كلّ رحلة من ناحية أخرى. تبدأ مهمّة منير باستلام حمولة شاحنة من الخمور الشعبية المعروفة في تونس باسم "سلتيا" مرّتين في الأسبوع حيث يتزوّد من أحد معارفه الذي يتكفّل بجلب البضاعة من مدينة شمال تونس إلى مدينة بنقردان الحدوديّة. يخزن منير البضاعة بأحد المستودعات السريّة ويقسّمها حسب حمولة شاحنته الصغيرة من نوع "تويوتا".. ينتظر 24 ساعة حتى يتسلّم أحد معارفه العمل بمعبر رأس جدير ليسهّل مهمته مقابل دفع راتب شهريّ متفق عليه.. عند دخول التراب الليبي يكون منير مجبرا على الدفع إلى بعض النافذين حتى يتمكن من الوصول ببضاعته إلى طرابلس حيث تكون أسعارها أغلى، ويضطر لبيعها أحيانا في المدن القريبة من الحدود إذا تكاثرت الدوريّات المطالبة بالرشوة. ويذكر لنا منير أسماء البوّابات الأمنيّة القارّة التي كانت موجودة في عهد القذافي ومنها (الزنادقة) و(المكافحة) و(النّاقة) و(الحلزونة) وكلّها تسميات لا يفهم مدلولها إلا من تمرّس بالتهريب وتجارة الممنوعات ومخالطة قابضي العمولات. ويضيف أن لكلّ بوّابة تعريفة تتراوح بين عشرين وخمسين دينارا أما اليوم فإن بعض المسلّحين لا يستقرّ رأيهم على تعريفة غير أنهم يقبلون المساومة والتخفيض عكس ما كان عليه الأمر سابقا. ويعترف منير أن بعض المسلحين متديّنون جدا ويرفضون الرشوة، كما أن من يقع بين أيديهم من مهرّبي الخمور يتعرّض إلى العقاب.
هذه بعض الاعترافات التي تمكّنّا من الحصول عليها من عالم يلفّه الكتمان. ولا شكّ أن ما خفي أعظم مما ظهر. فهنالك أحاديث عن مبالغ أخرى كبيرة جدا تدفع في عمليّات تهريب غير تقليديّة وتشمل خاصة الأسلحة والمخدرات وتهريب الأشخاص المطلوبين للعدالة في البلدين.

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
besat
أحنا قلناها ألف مرة الصراع على المنافد والمطارات كلة صراع لا دخل لة بثورة فبراير ولا من الباب الحرص على أمن البلاد كلة صراع على الكسب السريع.وتصادم المسلحين بعض للسيطرة…...
التكملة
د. أحمد عمار
حتى تنهض ليبيا التي نحلم بها يجب أولا مكافحة الفساد بجميع أنواعه، هذا بعد تفعيل الجيش والأمن الوطني. فذلك الفساد في الواقع هو سرطان الإقتصاد الوطني، ولا يمكن لليبيا أن…...
التكملة
sowan
ان السيطرة على الحدود في كل بلد هوالقياس الذي يقاس به مدى الانضباط الامني وسيطرة الدولة ان البلاد التي يصعب اليها ومنها التهريب فتلك بلد امن فعلا ويجوز ان نقول…...
التكملة
الليبيه
لابد من شرطه الجوازات داخل ليبيا زي زمان كل مواطن غير ليبي من اي بلد الامساك به والتحقق من اوراقه وكيف دخل ويرحل فورا لان لبيا هذه الايام امتلات بمن…...
التكملة
الحبوني
اما عن الحدود المصرية فحدث ولا حرج ..ففي مدينة السلوم المصرية يقوم اولاد علي بأدخال المصريين لليبيا مستخدمين اختام مزورة للحكومة المصرية وللمجلس الانتقالي الليبي مقابل مبالغ مالية..هذا عدا عن…...
التكملة
مواطن
اعتقد ان القضاء على التهريب يحتاج الى:
1- خطط محكة ويجب تغيير هذه الخطط دوريا
2- يجب وضع اناس مخلصين يخافون الله لوقف هذا النزيف المدمر.
…...
التكملة
فؤاد بوكريعات
الغوا الدعم على السلع وضموا قيمة الدعم للاسر حتى تقف عمليات تهريب السلع الدعومة بما فيها الوقود....
التكملة