الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء الأول 31/5/2010 02:55 الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء الأول
الليبية بحث

 بسم الله الرحمن الرحيم, 

إلى كل ليبية وليبي يؤمنون بحق جميع فئات الشعب بدون إستثناء في العيش الحر الكريم تحت ظل راية واحدة ألا وهي راية الوطن، إلى كل من يرون في الرأي المخالف ما لا يعيب أو ما لا ينقص من مصداقيتهم، فيواجهونه بالشجاعة الصادقة وبالحجة القوية.

إلى كل من تخلو قلوبهم من الجبن فلا يخشون سوى الله، ولا يتخذون من لغة التخوين والإقصاء قاموسا لهم.

إلى كل الشرفاء، وكل من يسعى إلى الأفضل من أجل وطننا الغالي.

إلى كل من يرغب في حوار سلمي لأجل خيرنا جميعا، وكل من يستطيع أن يتبنى النقاش المثمر بعيدا عن أساليب كيل الإتهامات بالعمالة والخيانة، وكل من يؤمن بأن لا حق بأن يقذف أحدٌ غيره جزافا بنعوت بدافع الإنتقام وبدون توفر أدلة أو شواهد.

إلى كل من يؤمن بقدسية الإنتماء للوطن وكل من يعرف قيمة الشرف.

إلى كل مواطن صادق يشعر بأنه جزء لا يتجزأ من هذا الشعب المكافح، أوجه كلامي هذا ويدي على قلبي، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وبه أستعين.

إن موضوع حديثي اليوم هو "محاضرة سيف القذافي"، بعنوان "ليبيا: الماضي والحاضر والمستقبل"، حيث أن سيف يقوم بحملة إعلامية مكثفة بشكل جولات  يلقي فيها بمحاضرته في جامعات مختلفة في شتى أنحاء العالم، وقد كانت محطته الأولى في "الجامعة الأمريكية" في القاهرة، ثم تلاها بأخرى في لندن في "كلية لندن للإقتصاد" بينما الثالثة ستكون في موسكو.

يلاحظ المتلقي أن سيف قد كان يتحدث بأفكار مرتبة ومصاغة مسبقا خلافا لعادة أبيه، وأن النص قد كُتِب بشكل بارع لغرض إقناع المتلقي بمصداقية المتحدث، والأبرع منه كان البروفسور الذي قدمه بمقدمة طويلة تحدث فيها عن سيرة سيف الذاتية ولم يدّخر جهدا سواء في سرد نجاحاته، أو في إخفاء حقيقة مصدر جميع الأموال التي صرفها سيف ليستحق منه هذه المقدمة، فصور في ذهن المتلقى أن المتحدث القادم رجل عظيم فاق أستاذه في عدد شهاداته وإنجازاته، رغم حداثة سنه ورغم إنشغاله بأمور أضعاف ما إنشغل به هو طوال سنوات عمره كأستاذ.

عندما تحدث سيف، إستهل حديثه بمقدمة مبنية على حقائق دامغة وإحصائيات لا جدال فيها، يعرفها المتلقي عن ظهر قلب ولا يمكن التشكيك بها، فضمن بهذا إستكمال ما بدأه البروفسور قبله، ألا وهو تهيأة المتلقي لأن يتقبل ما سيأتي به على أنه حقائق لا تستدعي التحقق منها، بغض النظر عن معرفته السابقة بها أو عدمها.  ومن هنا إنتقل سيف إلى الحديث عن الوضع في ليبيا، فبدأ ذلك بحقيقة أخرى عن إنعدام الديمقراطية في ليبيا اليوم، مستخدما في هذا أسلوباً ساخراً، فشاركه الحضور الضحك. وهنا أود أن أشير إلى أني، لدى سماعي لما قال ولموجة الضحك التي انتابت الحضور، أحسست بالغضب مما يجري لنا وبإسمنا، فهو بلية ما بعدها بلية, وإن كان في "شر البلية ما يضحك" ففعلا هنا يمكن لمن يشاء ويستطيع الضحك، أن لا يتردد! إن مصاب شعبنا كبير وبليّته قد فاقت في شرها أكثر بكثير مما أصاب شعوبا كثيرة عانت على مدى التاريخ مجتمعة. أما أنا فلم أستطع! ولكن اللوم ليس على الحضور الأجانب، بل على الحضور الليبيين وعلى سيف، وهم من رضوا بأن يصبح حال ليبيا اليوم أضحوكة يتندرون بها للعالم!

بعد هذه المقدمة، بدأ سيف في سرد قائمة "الإنجازات العملاقة" التي تحققت على يديه في خلال سنوات قصيرة منذ إنشائه لجمعية القذافي الخيرية للتنمية، ووصفها بشكل دعائي أوصلها لى مستوى أقرب منه إلى المعجزات، بعد 40 سنة من التجارب المتواصلة والإنهيار التام في جميع قطاعات الدولة على أيدي أبيه وأعوانه، بدون الإشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى مسؤولية والده الشخصية والمباشره في هذه النتيجة.

سيف قام في محاضرته بخلطٍ خبيث للأوراق، خلطٍ متعمد ومدروس، ليمزج الحقائق بسيل من الأكاذيب والأحلام لكي يبهر المستمعين، وحين وصل إلى منتصف المحاضرة كان بالفعل قد نجح في الإيحاء لمن لا يعرف حقيقة الوضع في ليبيا، بأن ليبيا اليوم تحت رعايته وبإرادته وحده، قد تحولت إلى "جنة" يُحسد شعب ليبيا عليها، ويتمنى لو أنه يصبح اليوم ليبي ليتمتع بهذا النعيم الذي يغمر شعب ليبيا، والذي لم يسمع عنه قبل هذه المحاضرة. لقد حملت هذه المحاضرة الكثير من المغالطات المصاغة بأسلوب قد يبدو مقنعا رغم الخبث الذي يحمله في طياته، لكي يدعو المتلقى الجاهل بالأوضاع في ليبيا أو بحقيقة المتحدث ودوافعه إلى الإعجاب به وتصديقه، فقد إختصر سيف القذافي في محاضرته جميع النقاط التي يستخدمها في حملته الدعائية لوالده ولنفسه، وجمعها تحت عنوان واحد "ليبيا الماضي والحاضر والمستقبل".

كم تمنيت لو كان بما قاله جزء ولو بسيط من الحقيقة، ولكن لم يكن فيما يرويه سوى أمنيات وأحلام لا أساس لها من الصحة لشعب أنهكه الفقر والذل على يدي والده وأتباعه الأمس واليوم، وهم نفسهم من يحمون سيف وسيبقون معه في المستقبل لضمان سلامة مسيرته.

لا لوم على هؤلاء الحضور من الطلبة الأجانب إن صدقوا ما يقول، فهم يفتقرون إلى المعلومات الصحيحة عن ليبيا، ولم تطأ أقدامهم أرضها، ولم يروا منها أو يسمعوا عنها سوى هذه الصورة الذهنية. أما من يعرف حقيقة الواقع المر الذي يعيشه شعب ليبيا، ولم ينخدع بسراب الإصلاح المزعوم الذي يحمله سيف، فلا يسعه سوى أن "يُعجَب بِ" و"يتعجّب من" مقدرته على الكذب المتواصل، وبهذه الجرأة والبراعة بدون أن يرف له جفن...

في نهاية المطاف، تظل القضية ليس في سيف ولا في كذبه، بل في الأسلوب الذي يقدم به إفتراءاته، وفي الجمهور الذي يوجهها له. إن سيف يعرف أنه يتحدث إلى جماهير لا علم لها بما يحدث على أرض الواقع في ليبيا بالرغم من إلمامها بالكثير من العلوم الإنسانية وبالكثير من تاريخ العالم، وسيف يستغل "نقطة الجهل هذه" لكي يوصل إلى هذه الشعوب صورة مغايرة بالكامل عن الحقيقة، لكي يخدم نفسه وأبيه.

إن محاضرة سيف لا تعكس سوى رغبته الجامحة والمتأصلة في السلطة لديه، فعندما تحدث عن "الماضي" ذكر عهد الإستعمار والمملكة، وحين تحدث عن "المستقبل" وضع نفسه في صورة المنقذ، بينما حين تحدث عن "الحاضر" لم يتطرق إلى أهم المواضيع التي يعاني منها الشعب الليبي، لم يتطرق إلى إنجازات والده والتي لا يوجد منها سوى ما يندى له الجبين.

يريد سيف الحوار، حسنا لنتحاور ولكن على أن يكون الحوار متكافئ، بين أحرار لأحرار، وليس بين سجان لمسجون مثل ذلك الحوار الذي تم ذكره في تقديم سيف لجمع الحضور، حواره مع من ظلوا خلف القضبان إلى أن وصلوا إلى حل يرضي نظام القذافي.

حين هجم أنصاره على المتظاهرين ضد من تسببوا في جريمة بوسليم قبيل محاضرته، أبسط ما كان يمكن لسيف أن يقوم به ليتدارك الموقف هو أن يعتذر قبل أن يقدم محاضرته، هذا إذا كان فعلا يرغب في مساندة أهالي بوسليم، أما تلك الوعود التي أعطاها للأهالي, والتي مثل غيرها من الوعود لم يتحقق منها شئ فهي مجرد كلام لا يروي من عطش ولا يغني عن جوع، ولا يطفئ أجيج النار المستعرة في القلوب التي حرقها والده، حاميه وشريكه في الماضي القريب والحاضر وحتى المستقبل الذي يأمل في تحقيقه.

يصدق الرجال أقوالهم بأفعالهم. أما من يُبقى معاركه ومشاريعه وانتصاراته وفوزه وخسارته على الورق، فسيبقى تاريخه مدونا ومنسياً فوق رف إحدى مكاتب التاريخ كشاهد له على كذبه، ويخلد الرجال بالأعمال.. خبيثة كانت أم طيبة.

لا يجب أن ندّخر جهدا في إيصال الحقيقة للعالم لأجل إيضاح الأمور. قد يرى البعض أن ما يعتقده العالم لا يهم، وأن الأهم هو ما يمكننا أن نوضحه لشعبنا. أود هنا أن أنبه الجميع أن الأمرين متلازمين، فالدعم الذي يحصل عليه القذافي ونظامه من العالم هو الذي يقف أمام رغبة الشعب الليبي، ويمنعه من الخلاص من هذا الحكم الظالم الجاثم على قلوبنا.

إن رسالتنا إلى شعوب العالم هي أن تتعامل مع شعب ليبيا وليس مع نظامها، عليها أن تعرف بأن نظام القذافي لم تهمه يوما مصالح هذا الشعب أو رغباته، هذه حقيقة يجب إيصالها إلى العالم بكل ما أوتينا من قوة وجهد لنوقف دعم العالم لهذا النظام القمعي.. لا شك في إنها معركة ضارية وغير متكافئة، ولكن لا شك أيضا في أن أرض الحق صلبة بينما أرض الباطل هشة، فليوفقنا الله جميعا إلى ما فيه الخير مادامت نوايانا تصب تجاهه.

آمل من كل من يمتلك القدرة على أن يوضح الحقائق كما نعرفها جميعا، وكما هي, أن لا يتأخر في سردها وأن لا يتقاعس عن هذا الواجب تجاه نفسه ووطنه وأهله، علينا أن نستغل كل مناسبة في أي بقعة من العالم لنُسمِع صوتنا للعالم، ولنوثق الحقائق بجميع اللغات وجميع الوسائل المشروعة، لكي ندحض بها هذه الدعاية المخادعة والتي لا هدف لها سوى إستمرار الحال كما هو عليه.

يُقال أن التاريخ يكتبه المنتصرون، فلنكتب تاريخنا إذا ولننتصر بالحق، ولا ندع تاريخنا يُمحى ويُكتب بالباطل. إذا أردنا التغيير إلى الأفضل، علينا أن نعمل لنغير ما هو خطأ بيِّن، كل حسب جهده، وكل في ميدانه، علينا أن نستخدم نفس السلاح الذي يستخدمه خصمنا، إنه اليوم يوظف الإعلام، فلنوظف نحن أيضا الإعلام، وليخرج مثقفونا إلى الجموع، نفس الجموع التي يخرج إليها سيف، ولن يمنعنا أحد، نحن في دول لا تمنع حق الكلمة الحرة ولن يستطيع سيف أو أبيه أن يقمعها، وليأتي بما يثبت عدم مصداقيتها إذا إستطاع، أما إذا لم يستطع، فلن يكون لكلامه صدى سوى داخل جدران القاعة التي يلقي فيها بكلامه.

ليتذكر الجميع أننا لن نجني من الصمت سوى الخسارة. لدينا اليوم الوسائل لإظهار الحقائق، وعلينا فقط أن نستمر فيما بدأنا ولسنا بملجمين. إن أساليب الكذب والترهيب لا تزيدنا إلا صلابة فهي دليل على إنعدام الحجة لدى الجبناء. إن الكذب يظل دوما سلاح الجبناء، وله أهله وهو أيضا سهل على من يجيده، أما الجهار بالحقيقة فهو جهاد مضنٍ يتطلب الإلتزام بالمبادئ والقيم ويفرض على من يتخذ على نفسه العهد بالصدق أن يُطبقه على نفسه كما يطبقه على خصمه، وهو أيضا له أهله وليس صعبا على من يؤمن بصدق قضيته. وفي نهاية المطاف، تظل الحقيقة هي الأصلب والأبقى والأشرف، ويظل ما يبنى على باطل باطل مهما حاول صاحبه إظهاره بغير ذلك.

(يتبع..)

الليبية

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
بوفا
بارك الله فيك أختي الليبية يفترض اننا نملك طاقات هائلة من المتعلمين الليبيين في جميع انحاء العالم ولديهم القدرات والأمكانيات التي اذا سخرة نستطيع العمل الكثير من اجل الوطن ومن…...
التكملة
احد افراد الشعب
الصراع مستمر الى النهاية شئنا ام ابينا وهى سنة الخلق بين الاخيار الدين يمثلون الحق وبين الاشرار الدين يمثلون الباطل و الغريب فى هدا الامر هو توحد اهل الباطل وقوتهم…...
التكملة
مخلصة وذكية
يارك الله فيك يا الليبية وثبت موقفك وامدك بالصحة والعافية. بسبب احتكار وتكثيف الاعلام وبسبب عواقب التعبير والكلام، على مدى عشرات السنين، امثالك صاروا قلائل، واصبحوا الان اقل بسبب نجاحهم…...
التكملة
المسلاتى
القذافى فى بدايات انقلابة قام بجس نبض الشعب من خلال شنق بعض الليبيين وانتظر ليعرف ردة الفعل هل سيخرجون الى الشوارع انتقاما لارواح الابرياء الذين شنقهم؟؟ للاسف لم يخرج احد.…...
التكملة
ليبي من الداخل
سلام من الله عليك ورحمة وبركةnاختنا الليبيةnالتعليق بعد ان اقراء الجزء الثاني من مقالك.nفي انتظار الجزء الثاني...
التكملة