الْصَّادِق شُكْرِي: زَمَان الْعَادِل خَيْر الأزْمِنَة الْمَلِك إِدْرِيْس الْسَّنوُسي... فِي ذِكْرَاه الْخَالِدَة 3/3 2/6/2010 09:15 الْصَّادِق شُكْرِي: زَمَان الْعَادِل خَيْر الأزْمِنَة الْمَلِك إِدْرِيْس الْسَّنوُسي... فِي ذِكْرَاه الْخَالِدَة 3/3
الصادق شكري بحث

زَمَان الْعَادِل خَيْر الأزْمِنَة الْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي..
فِي ذِكْرَاه الْخَالِدَة
(3 مـِنْ 3)
بِقَلَم/ الْصَّادِق شُكْرِي
الْحَلْقَة الْثَّالِثَة (الأخِيرَة)

وَقَد مَارَسْت هَذِه الْقَضِيَّة وَعَمْرِي 27 سُنَّة وَالآن فِي الْثَّانِيَة وَالْثَّمَانِيْن وَلِلَّه الْحَمْد، أَتْرُكُهَا فِي حَالَة هِي أَحْسَن مِمَّا بَاشَرَت فِي بِلائَي بِهَا.. وَالَّذِي أَخْتَتِم بِه قَوْلِي بِأَن أُوْصِي الْجَمِيْع مِن أَبْنَاء وَطَنِي بِتَقْوَى الْلَّه فِي الْسِّر وَالْعَلَن، وَأَنَّكُم جَمِيْعَا فِي أَرْغَد الْعَيْش وَأَنْعِم الْنِعَم مِن الْلَّه تَبَارَك وَتَعَالَى. فَاحْذَرُوا مِن أَن يُصَدِّق قَوْلَه تَعَالَى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَريَةً كانَت امِنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتيها رِزقُها مِن كُلِّ مَكانٍ، فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللَّهِ، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الخَوفِ وَالجَوعِ، بِما كانُوا يَصنَعُونَ)، فالله الله مما يغضب الله. (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وَلا تَفَرَّقُوٓا، قال صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمْنِكَر أَو لَيُسَلِّطَن الْلَّه عَلَيْكُم شِرَارَكُم فَيَدْعُوَا خِيَارُكُم فَلا يُسْتَجَاب لَهُم). وَالْسَّلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الْلَّه وَبَرَكَاتُه.

 مُحَمَّد إِدْرِيْس الْمَهْدِي الْسُّنوُسي
الْيُوْنَان فِي 21 جَمَادِي الأوَّل 1389 هَجْرِي
الْمُوَافِق 4 أَغُسْطُس/ أب 1969م (11)

 3) وُصُوْل الْمَلِك إِدْرِيْس إِلَى مِصْر وَإِقَامَتَه فِيْهَا

 أَبحر الْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي وَالْمَلِكَة فَاطِمَة الْشِّفَاء مِن الْيُوْنَان إِلَى مِصْر يُوْم الْجُمُعَة الْمُوَافِق 31 أُكْتُوْبَر 1969م، وَوَصْلا إِلَى مِيْنَاء الإسْكَنْدَرِيَّة يَوْم الأحَد الْمُوَافِق 2 نُوُفَمْبَر/ تَشْرِيْن الْثَّانِي 1969م، وَكَان إِلَى جَانِب الْمَلِك – كَمَا سَبَق وَأَن أَشَرْنَا – كَلاً مِن: عبْداللّه عبْدالْكَرِيْم البرعصي ياوره الْخَاص وَإِدْرِيس أَحْمَد بِوَسَّيف سْكِرْتِيْرِه، وَكَانَت إِلَى جَانِب الْمَلِكَة هَدَلا الأيُّوبِي سْكِرْتِيرَتِهَا الْخَاصَّة وَبَعْض الأشْخَاص الْقَائِمِيْن عَلَى خِدْمَة الْمَلِك وَالْمَلِكَة.

 وَكَان فِي اسْتِقْبَال الْمَلِك وَالْمَلِكَة عِنْد وُصُوْلِهِمَا إِلَى مِيْنَاء الإسْكَنْدَرِيَّة بَعْض الْرَّسْمِيِّيْن وَالأصْدِقَاء الْمِصْرِيِّيْن. وَلَم تَكُن الْسَّيِّدَة سَحَر الرِّفَاعِي وَابْنْتِهُما سُلَيْمَة فِي اسْتِقْبَالَهُما كَمَا قَال هَيْكَل وَآَخَرِين. فَالَسَيِّدَة سِحْر كَانَت قَد اتَّصَلَت بِسِفَارَة بَلَدِهَا فِي طَرَابُلُس (الْسِفَارَة الأرْدُنِيَّة) بَعْد أَيَّام مِن وُقُوْع الإنْقِلاب، وَقَد تَمَكَّن الْسَفِير الأرْدُنِّي بِدَوْرِه بِنَقْلِهَا إِلَى مَبْنِي الْسِفَارَة أَوَّلاً ثُم تَسَفِيْرَهَا إِلَى عمّان. أَمَّا سُلَيْمَة فَقَد تَرَكْت وَحْدَهَا وَلَم تَتَمَكَّن مِن مُغَادَرَة لِيبَيا بَعْد رِسَالَة عبْدالْنَّاصِر الأوْلَى لِلإِنْقْلابِيِّين وَلَم يَأْتِيَهَا الْسَفِير الْمِصْرِي بِطَرَابُلُس لِيُؤْمِن عَمَلِيَّة خُرُوْجِهَا إِلاّ بَعْد أَيَّام مِن رِسَالَة عبْدالْنَّاصِر الْثَّانِيَة، وَلَم تُصَل إِلَى الْقَاهِرَة إِلاّ فِي يَوْم 11 نُوُفَمْبَر/ تَشْرِيْن الْثَّانِي وَالْمَلَك كَان قَد وَصَلهَا فِي الْيَوْم الْثَّانِي مِن نَفْس الْشَّهْر.

 غَادَر الْمَلِك مِيْنَاء الإسْكَنْدَرِيَّة إِلَى قَصْر (الْصَّفَا) فِي سموحة بِالإسْكَنْدَرِيَّة، وَقَضَى وَقْتَاً بِقَصْر الْصَّفَا إِلَى أَن أَتَمَّت الْسُّلُطَات الْمِصْرِيَّة تَجْهيزات مُقِر إِقَامَتِه بِالْقَاهِرَة.

 وَصَل الْمَلِك إِدْرِيْس وَالْمَلِكَة فَاطِمَة فِي الْيَوْم الْسَّادِس أَو الْسَّابِع مِن شَهْر نُوُفَمْبَر/ تَشْرِيْن الْثَّانِي إِلَى مَقَر إِقَامَتِهِمَا الْمُخَصَّص لَهُمَا بِالْقَاهِرَة، وَوَصَلَت سُلَيْمَة إِلَيْهِمَا يَوْم 11 نُوُفَمْبَر/ تَشْرِيْن الْثَّانِي 1969م قَادِمّة مِن طَرَابُلُس بَعْد أَن فُك الإِنْقْلابِيُّون أَسْرِهَا.

 وَبِاخْتِصَار، خُصِّص الْرَّئِيْس جَمَال عبْدالْنَّاصِر مَسْكَنَاً لِلْمَلِك يَلِيْق بِمَقَامِه – قَصْر يَقَع بِشَارِع بُوْلُس حِنّا بِجِوَار مُسْتَشْفَى الشَبِرَاوَيْشّي بِالدُقي / الْقَاهِرَة. وَخُصِّص عبْدالْنَّاصِر كَذَلِك فِيَلا بِجِوَار الْقَصْر الْمُخَصَّص لِلْمَلِك كَمُقر لإِقَامَة عبْداللّه عبْدالْكَرِيْم ياوِر الْمَلِك، وَإِدْرِيس بِوَسَّيف سْكِرْتِيْرِه الْخَاص.

 وَرُبَّمَا اسْتَطْرَدْت مِن هُنَا لأقُول أَن الْمَلِك إِدْرِيْس لَم يَكُن لَدَيْه مَال لِيُنْفِقَه عَلَى مُرَافِقِيْه وَيَكْفُل بِذَلِك الْعَيْش الْكَرِيْم لَهُم، وَأَنَّه كَان يَعْلَم تَمَام الْعِلْم بِأَن إِدْرِيْس بِوَسَّيف أَبِن خَالِه وسْكِرْتِيْرِه، وَعبْداللَّه عبْدالْكَرِيْم ياوره الْخَاص لا يَمْلِكَان مِن حُطَام الْدُّنْيَا إِلاّ مَرتُبِهُما وَأَن أُسْرَتَيْهُما فِي لِيبَيا بِحَاجَة مَاسَّة لرِعَايَّتِهُما، وَلِذَا طَلَب مِنْهُمَا الْرُّجُوْع إِلَى الْبِلاد لأِنَّه كَان وَاثِقَاً مِن أَن الإِنْقْلابِيِّين سَوْف يُحَقِّقُوْن مَعَهُمَا ويُعْرْضُونْهُما عَلَى محكَمتهم وَرُبَّمَا سَيَتُحْفِظُون عَلَيْهِمَا لِفَتْرَة مِن الْوَقْت إِلاّ أَنَّهُم سَيُطَلِّقُون سِرَاحُهُمَا فِي نِهَايَة الْمَطَاف لأِنَّهُمَا نَظِيْفَا الْيَد وَالذِّمَّة، وَلَيْس هُنَاك مَا يُدِينهمَا عَلَى الإطْلاق.

 وَالْشَّاهِد، اسْتَجَاب سِكِرْتِيْر الْمَلِك وَياروه الْخَاص لِطَلَبِه، وَرَجَعَا إِلَى لِيبَيا. وَهِذِا مَا أَكَّدَه السَّيِّد إِدْرِيْس بِوَسَّيف سِكِرْتِيْر الْمَلِك الْخَاص فِي حَدِيْث أَدْلَى بِه إِلَى مَنْدُوب مَوْقِع (الْصَّيَّاد) نُشِر بِالْمْوَقْع الْمَذْكُوْر، فَقَال: ".. وَوَضَعُوْنا نَحْن فِي فِيْلا مُجَاوَرَة لِقِصَر الْضِّيَافَة وَبَعْد شَهْرَيْن تَقْرِيبِاً تَم اسْتِدُعَاءَنا مِن قِبَل الْمَلِك وَأَخْبَرَنَا بِضَرُوْرَة الْعَوْدَة إِلَى بِلادِنَا وَأَهْلَنَا... وَبِالْفِعْل رْجِعْنَا إِلَى لِيبَيا عَن طَرِيْق مَطَار بَنِيْنَا بِبَنْغَازِي.... وَتَم الْتَّحَفُّظ عَلَيْنَا لِفَتْرَة مِن الْزَّمَن فِي مَدِيْنَة بَّنْغَازِي تَخَلَّلَتْهَا تَحْقِيْقَات مُتَكَرِّرَة.. ثُم عُدْنَا إِلَى مَدِيْنَتِنَا طُبْرُق بَعْد عِدَّة سَنَوَات وانْخَرَّطْنا فِي الْحَيَاة الْعَامَّة مِن جَدِيْد تَارِكِيْن وَرَاءَنَا ذِكْرَيَات وَذّكَريِات حَوْل مَرَاحِل مُتَعَدِّدَة مُر بِهَا الْوَطَن..".

 وَبَعْد هَذَا الاسْتِطْرَاد، أَعُوْد فَأَقُوْل أَن الرِّئَاسَة الْمِصْرِيَّة عيِّنت لِلْمَلِك إِدْرِيْس، مُحَمَّد عبْدالْقَادِر مُحَمَّد الْعَقِيد بِأَمْن الْدَّوْلَة لِيَقُوْم بِالإشْرَاف عَلَى شُئِون الْمَلِك وَيَكُوْن مَسْئُوْلاً عَلَى أَمِنَه وَسَلامَتِه، وَالَّذِي اسْتَمَر فِي مَنْصِبِه حَتَّى عَام 1976م حَيْث نُقِل لِيُشَغِّل مَنْصِب وَكِيْل فَرْع أَمَّن الْدَّوْلَة الْرَّئِيْسِي بِالْقَاهِرَة ثُم مُدَّيْرَاً لأِمْن مَطَار الْقَاهِرَة. وَعيِّنت الرِّئَاسَة الْمِصْرِيَّة بَعْدِه، فُؤَاد زَهْرَان الْعَقِيد بِأَمْن الْدَّوْلَة الَّذِي اسْتَمَر مَع الْمَلِك إِدْرِيْس حَتَّى تَارِيْخ وَفَاتِه فِي مَايُو/ أَيَّار 1983م، لِيُنْقَل زَهْرَان الَّذِي صَار لُوَاءَاً إِلَى بُوْرِسَعِيد لِيُشَغِّل مَنْصِب مُدِيْر الأمْن بِالْمَدِيْنَة.

 وَفِي الْمُنْتَهَى، أَن الْرَّئِيْس جَمَال عبْدالْنَّاصِر كَان قَد أَكْرَم الْمَلِك إِدْرِيْس وَاسْتَقْبَلَه بِحَفَاوَة بَالِغَة إِلاّ أَنَّه قَيْد حَرَكَتِه بِحُجَّة أَمِنَه وَسَلامَتِه الْشَّخْصِيَّة خُصُوْصَاً وَأَن القذّافي قَد أَصْدَر فِي حَقِّه حُكْمِاً غِيَابيّاً يَقْضِي بِإِعْدَامِه رَمْيَاً بِالْرُّصَاصِ. وَقَد انْزَعَج الْمَلِك كَثِيْراً بَعْدَمَا أَن رَأَى مُظَاهَرَات دبرهَا نَّظَام القذّافي ضِدَّه فِي مِصْر، لأِنَّه رَآَهَا نَوْعَا مِن الاسْتِفْزَاز لَه خُصُوْصَاً أَن عبْدالْنَّاصِر كَان قَادِرَاً عَلَى مَنْعِهَا وَعَدَم حُدُوْثِهَا مِن الأَسَاس نَظَرَاً لِسَيْطَرَتِه عَلَى الْدَّاخِل الْمِصْرِي وَنُفُوذِه الْكَبِيْر عَلَى القذّافي وَجَمَاعَتِه.

وَفِي 28 سَبْتَمْبَر/ أَيْلُوْل 1970م، انْتَقَل الْرَّئِيْس جَمَال عبْدالْنَّاصِر إِلَى رَحْمَة رَبِّه، وَتَوَلَّى مُحَمَّد أَنْوَر الْسَّادَات رِسَمِيّاً مَنْصِب رِئَاسَة الْجُمْهُوْرِيَّة فِي 17 أُكْتُوْبَر 1970م. وَمُنْذ تَوَلَّي الْسَّادَات لِرِئَاسَة الْدَّوْلَة الْمِصْرِيَّة أَصْبَح الْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي وَعَائِلَتِه يُعَامِلُوْن بِمَا يَسْتَحِقُّوْنَه مِن تَكْرِيْم وَاحْتِرَام. وَعَاش الْمَلِك مُعَزَّزاً مُكَرَّمَاً فِي عَهْد الْسَّادَات وَالْسَّنَتَيْن الْلَّتَيْن عَاشُهُما فِي عَهْد الْرَّئِيْس مُحَمَّد حُسْنِي مُبَارَك، وَاسْتَطَاع هُو وَعَائِلَتُه أَن يَعِيْشُوْا فِي مِصْر حَيَاة طَبِيْعِيَّة مِثْل غَيْرِهِم مِن الْنَّاس.

وَكَمَا أَسْلَفَت – فَقَد أَصْدَر الْسَّادَات مُنْذ تَوَلَّيْه لِلْحُكْم رِسَمِيّا فِي 17 أُكْتُوْبَر 1970م تَعْلِيَمِاتِه لأجْهِزَة الْدَّوْلَة الْمِصْرِيَّة بِتَلْبِيَة كَافَّة طَلَبَات الْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي، وَتَسْهِيل كَافَّة الإجْرَاءَات أَمَام أَي فَرْد مِن أَفْرَاد الْعَائِلَة الْسُّنوُسيَّة يَنْوِي الْقُدُوْم إِلَى مِصْر أَو الإقَامَة فِيْهَا. وَرَفَع الْحَظْر عَن إِتِّصَالات الْمَلِك وَتَحَرُّكَاتِه، وَالَّتِي فَرَضَهَا عبْدالْنَّاصِر عَلَيْه بِحُجَج الأمْن وَالْحُفَّاظ عَلَى سَلامَتِه الْشَّخْصِيَّة.

وَأُضَيِّف – وَهَذَا الْحَدِيْث يُوْشِك عَلَى بُلُوْغ نِهَايَتِه – أَن الْرَّئِيْس مُحَمَّد أَنْوَر الْسَادَات حَرَص مُنْذ اسْتِلامُه لِلْسُلْطَة عَلَى زِيَارَة الْمَلِك إِدْرِيْس فِي بَيْتِه، وَالاطْمِئْنَان بِنَفْسِه عَلَى أَن الْمَلِك يُلْقَى الْمُعَامَلَة وَالْتَّقْدِيْر الَّلذان يَسْتَحِقُّهُمَا. وَلَعَل فِي اخْتِيَار الْسَّادَات لِلْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي وَكِيْلاً عَلَى زَوَاج أَبَنْتُه مَا يَدُل عَلَى مَدَى تَقْدِيْرُه لَه. وَلَعَل فِي خُرُوْج الْسَّادَات مُسْرِعَاً مِن الْقَاعَة الْمَوْجُوْد بِهَا فِي مُنَاسَبَة مِن الْمُنَاسَبَات لَحْظَة وُصُوْل الْمَلِك وَفَتَحَه لْبَاب الْسَّيَّارَة وَمَدَّه يَدَاه دَاخِل الْسَّيَّارَة لِيُعَيَّن الْمَلِك عَلَى الْخُرُوْج ثُم دُخُوْلِه إِلَى الْقَاعَة مُمْسِكَاً بِيَد الْمَلَك، مَا يُشِيْر بِوُضُوْح لِمَدَى تَقْدِيْر الْسَّادَات لِلْمَلِك إِدْرِيْس وَاحْتِرَامُه لَه. وَقَد أُلْتُقِطَت عَدَسَات الْمُصَوِّرِيْن اسْتِقْبَال الْسَّادَات لِلْمَلِك لَحْظَة وُصُوْلِه لِحُضُوْر تِلْك الْمُنَاسَبَة، وَنُشِرَت صُوَر الاسْتِقْبَال فِي الْصَحَافَة الْمِصْرِيَّة، وَمِن بَيْن الْصُّحُف الْمِصْرِيَّة الَّتِي نُشِرَت وَقْتَذَاك تِلْك الْصُّوَر – مَجَلَّة (الْمُصَوِّر) الَّتِي نشرت صُوْرَة تَرْسُم تَفَاصِيْل مَا أَوْرَدْنَاه فِي الْسُّطُوْر الْسَّابِقَة.

وَيُذْكَر أَن الْرَّئِيْس أَنْوَر الْسَّادَات كَان قَد قَدم الْمَلِك إِدْرِيْس عَلَى كُل الْحُضُور فِي حَفْل زَوَاج جِيْهَان أَبَنْتُه، وَجَعَل الْمَلِك إِدْرِيْس وَكِيْلا أَنَاب عَنْه عَلَى تَوْقِيْع عَقْد الْزَّوَاج. وَقَد تَمّ حَفَل زَوَاج جِيْهَان مِن الْمُهَنْدِس مَحْمُوْد أَبِن رَجُل الأعْمَال الْشَّهِيْر عُثْمَان أَحْمَد عُثْمَان، فِي بَيْت الْرَّئِيْس بَالْجِيزَة. وَيُذْكَر أَيْضاً أَن جِيْهَان ابْنَة الْرَّئِيْس كَانَت زُمَيْلَة دِرَاسَة لِسُليمة حَيْث دَخَلَت كِلْتَيْهِمَا إِلَى قِسْم الإنْجِلِيْزِي بِكُلِّيَّة الآدَاب بِجَامِعَة الْقَاهِرَة فِي نَفْس الْسَّنَة.

وَفِي حَفَل زَوَاج (سُلَيمة) مِن الدُّكْتُوْر هِشَام رِضْوَان، كَان الْرَّئِيْس الْسَّادَات وَالْسَّيِّدَة جِيْهَان حَرَّمَه أَوَّل الْمَدْعُوُّون. حَضَر فَخَامَة الْرَّئِيْس مُحَمَّد أَنْوَر الْسَادَات يَوْم 11 مَارَس/ آَذَار 1976م حَفَل الْزَّوَاج الَّذِي عُقِد بِمَقَر إِقَامَة الْمَلِك إِدْرِيْس، وَالْكَائِن بِشَارِع بُوْلُس حِنّا فِي مِنْطَقَة الْدُّقِّي. وَقَد تَنَاوُل الْرَّئِيْس الْسَّادَات الْعَشَاء مَع الْمَلِك إِدْرِيْس، وَكَان إِلَى جَانِب الأوَّل: إِسْمَاعِيْل فَهْمِي وَزِيْر خَارِجِيَّتَه، وَكَان إِلَى جَانِب الْثَّانِي: عُمَر الْشَّلْحِي مُسْتَشَارُه.

وَفِي جَانِب أُخَر، أَعْطَى الْسَّادَات مِفْتَاح اسْتِرَاحَتِه الْخَاصَّة بِالإِسْكَنْدَرِيَّة (اسْتِرَاحَة الْمُنْتَزَه) لِلْمَلِك لِكَي يَسْتَخْدِمُهَا كُلَّمَا أَرَاد أَن يُخَلَّد إِلَى الْرَّاحَة أَو شَعْر بِحَاجَة لِلاسْتِجْمام. فَقَد كَان الْسَّادَات رَحْمَة الْلَّه عَلَيْه مُحِبّاً لِلْمَلِك إِدْرِيْس، وَقَد عَبَّر عَن مَحَبَّتِه لِلْمَلِك فِي عِدَّة خِطَابَات لَه، وَأَثْنَى عَلَيْه فِي أَكْثَر مِن خِطَاب مِن خِطَابَاتِه أَمَام مَجْلِس الْشَّعْب.

عَاش الْمَلِك إِدْرِيْس فِي الْقَصْر حَتَّى وَافَتْه الْمَنِيَّة فِي يَوْم 25 مَايُو 1983م. وَبَعْد وَفَاتِه تَرَكْت الْمَلِكَة فَاطِمَة الْقُصَّر، وَاشْتَرَت مِن حَر مَالِهَا شِقَّتَيْن فِي عِمَارَة فِي حَي مِن أَحْيَاء مِنْطَقَة الْدُّقِّي بِالْقَاهِرَة – جِوَار مُسْتَشْفَى مِصْر الْدَّوْلِي . ثُم انْتَقَلَت بَعْد عِدَّة سَنَوَات مِن سَكَنَهَا بِالدُقي إِلَى مَقَر سَكَنَهَا الْكَائِن بِمَدِيْنَة الْشَّيْخ زَايِد فِي الْسَّادِس مِن أُكْتُوْبَر بِمُحَافَظَة (الْجِيْزَة). وَقَد كَان الدُّكْتُوْر نَافِع الْعَرَبِي الْسُّنوُسي ابْن أَخُو الْمَلِكَة فَاطِمَة وَزَوْجَتُه الْسَّيِّدَة عَلَيَاء عَبْدِه بْن غَلْبُوْن يُقِيْمَان مَع الْمَلِكَة عَلَى مَدَار سَنَوَات مِن لُجوئِهَا الْثَّانِي لِمِصْر.

دَخَل الْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي إِلَى مُسْتَشْفَى (مِصْر الْدَّوْلِي) الْقَرِيْب مِن مَقَر سَكَنَه بِحَي الْدُّقِّي مَسَاء يَوْم الاِثْنَيْن 11 شَعْبَان 1403 هَجْرِي الْمُوَافِق 23 مَايُو/ أَيَّار 1983م، وَانْتَقَل إِلَى رَحْمَة رَبِّه يَوْم الأرْبِعَاء 13 شَعْبَان 1403 هَجْرِي الْمُوَافِق 25 مَايُو/ أَيَّار 1983م، وَتَم دَفْنُ جُثْمَانِه الْطَّاهِر فِي أَرْض البَقِيْع الْطَّاهِرَة.

وَانْتَقَلْت إِلَي رَحْمَة الْلَّه تَعَالَى الْمَلِكَة فَاطِمَة الْشِّفَاء أَحْمَد الْشَّرِيِف الْسُّنوُسي بِمُسْتَشْفَى الْصَّفَا فِي مِنْطَقَة الْمُهَنْدِسِيْن بِالْقَاهِرَة بَعْد مُعَانَاة مَع الْمَرَض، وَذَلِك ظَهَر الْسَّبْت (الْوَاحِدَة وَعَشْر دَقَائِق بِتَوْقِيْت الْقَاهِرَة) 14 شـوَال 1430 هَجْرِي الْمُوَافِق 3 أُكْتُوْبَر/ تَشْرِيْن الأوَّل 2009م. وَتَم دَفْنُ جُثْمَانَهَا الْطَّاهِر يَوْم 18 شَوَّال 1430 هَجْرِي الْمُوَافِق 7 أُكْتُوْبَر/ تَشْرِيْن الأوَّل 2009 م فِي مَقْبَرَة سَيِّد الْشُّهَدَاء حَمْزَة بِن عبْدالْمُطَّلِب (رَضِي الْلَّه عَنْه)، وَذَلِك بَعْد الَصَّلاة عَلَيْهَا فِي الْحَرَم الْنَّبَوِي الْشَّرِيف عَقِب صَلاَة الْعَصْر.

4) وَفَاة الْمَلِك إِدْرِيْس

دَخَل الْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي إِلَى مُسْتَشْفَى (مِصْر الْدَّوْلِي) الْقَرِيْب مِن مَقَر سَكَنَه بِحَي الْدُّقِّي مَسَاء يَوْم الاثْنَيْن الْمُوَافِق 23 مَايُو/ أَيَّار 1983م وَانْتَقَل إِلَى رَحْمَة رَبِّه صَبَاح يَوْم الأرْبِعَاء الْمُوَافِق 25 مَايُو/ أَيَّار 1983م، وَهُو فِي سِن الْرَّابِعَة وَالْتِّسْعِيْن. أُرْسِلْت الْحُكُوْمَة الْمِصْرِيَّة جُثْمَانِه الْطَّاهِر فِي طَائِرَة خَاصَّة إِلَى الْسُّعُوْدِيَّة بِنَاء عَلَى وَصِيَّة كَتَبَهَا بَعْد مَوْسِم الْحَج فِي عَام 1977م بَعْد لِقَاء جَمْعَه بِالْمَلِك خَالِد بْن عبْدالْعَزِيْز آَل سُعُوْد (مَلِك الْسُّعُوْدِيَّة مِن 28 مَارَس/ آَذَار 1975م إِلَى 13 يونِيْه/ حُزَيْرَان 1982م) وَحُصُولِه عَلَى وَعْد مِنْه يَقْضِي بِسَمَاح الْسُّعُوْدِيَّة مَتَى حَانَت الْمَنِيَّة لِجَسَدِه الْطَّاهِر أَن يُدْفَن فِي تَجِيُوف الْرَّبْوَة بِالْبَقِيع، وَقَد نَفَّذ الْمَلِك فَهِد بْن عبْدالْعَزِيْز آَل سُعُوْد (مَلِك الْسُّعُوْدِيَّة مِن 13 يونِيْه/ حُزَيْرَان 1982م إِلَى 1 أَغُسْطُس/ أَب 2005م) وَعَد أَخِيْه فَدُفِن الْمَلِك إِدْرِيْس فِي أَرْض البَقِيْع الْطَّاهِرَة.

وَيُذْكَر أَن الْمَلِك إِدْرِيْس كَان قَد طَلَبَ مِن..{.. جَلالَة الْمَلِك خَالِد بْن عبْدالْعَزِيْز فِي لِقَاء لَهُمَا بِمَوْسِم الْحَج سَنَة 1977م أَن يَأْذَن بِدَفْنِه مَتَى حَانَت الْمَنِيَّة فِي جَنَّة الْبَقِيع وَبِالتَّحْدِيْد فِي الْرَّبْوَة الْمَدْفُون بِهَا رِجَال أَهْل الْبَيْت وَشُهَدَاء الْحُرَّة وَالَّتِي يُوْجَد فِي سَّفْحِهَا قَبْر سَيِّدِي أَحْمَد الْشَّرِيِف، فَكَفْل الْمَلِك خَالِد لِسَيِّدِي إِدْرِيْس ذَلِك، رَحِمَهُمَا الْلَّه. ثُم أَن خَادِم الْحَرَمَيْن الْشَّرِيْفَيْن الْمَلِك فَهْد بْن عبْدالْعَزِيْز أَجَاز ذَلِك بَعْد وَفَاة الْمَلِك خَالِد.

وَقَد فَتَحْت الْسُّلُطَات الْسُّعُوْدِيَّة يَوْم الْوَفَاة مدْخَل تَجِيُوف الْرَّبْوَة وَأُعِدَّ مَكَان لِسَيِّدِي إِدْرِيْس بِدَاخِلِهَا. وَقَد نَقَل الْجُثْمَان الْطَّاهِر مِن الْقَاهِرَة إِلَى الْمَدِيْنَة الْمُنَوَّرَة فِي طَائِرَة مِصْرِيَّة خَاصَّة، تُرَافِقْه الْمَلِكَة فَاطِمَة الْشِّفَاء وَالْسَّيِّد نَافِع الْعَرَبِي الْسُّنوُسي وَالْسَّيِّد عُمَر إِبْرَاهِيْم الْشَّلْحِي، مَع وَفْد مَصْرِي رَسْمِي بِرِئَاسَة ياوِر رَئِيْس الْجُمْهُوْرِيَّة (مُحَمَّد حُسْنِي مُبَارَك)، وَكَان فِي اسْتِقْبَال الْجُثْمَان وَكِيْلاً عَن أَمِيْر الْمَدِيْنَة الْمُنَوَّرَة (الأمِير عبْدالْمِحْسِن بْن عبْدالْعَزِيْز آَل سُعُوْد) الَّذِي كَان غَائِبَاً فِي رِحْلَة عَلاج مِن مَرَضِه الَّذِي تُوُفِّى فِيْه رَحِمَه الْلَّه..} م7.

دُفِن الْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي بَعْد صَلاة الْظُّهْر فِي تَجِيُوف الْرَّبْوَة الْمَدْفُون بِهَا رِجَال آَل الْبَيْت الْشَّرِيْف وَالْسَّيِّد أَحْمَد الْشَّرِيِف وَعَدَد مَن الْشُّهَدَاء، وَالَّتِي دُفِن فِيْهَا فِيْمَا بَعْد الأمِير الْحَسَن الْرِّضَا الْمُتَوَفِّي بِلَنْدَن يَوْم 28 ابْرِيْل/ نَيْسَان 1992م.

طَلَبْت الْمَلِكَة فَاطِمَة الشَّفَاء مِن مُّمَثِّل الْحُكُومَة الْسُّعُوْدِيَّة الَّذِي حَضَر مَرَاسِم دَفْن الْمَلِك إِدْرِيْس، الْبَقَاء فِي الأرَاضِي الْمُقَدَّسَة إِلَى مَا بَعْد أَدَاء صَلاة الْمَغْرِب. صَلَّت الْمَلِكَة فَاطِمَة وَالسَّادَة الْمُرَافِقِيْن لَهَا صَلاة الْعَصْر ثُم صَلاة الْمَغْرِب وَبَعْدَهَا غَادَرُوْا عَلَى مَتْن الْطَّائِرَة الْمِصْرِيَّة الْخَاصَّة إِلَى الْقَاهِرَة.

وَصَلَت الْمَلِكَة فَاطِمَة وَالسَّادَة الْمُرَافِقِيْن لَهَا لَيْلاً إِلَى الْقَاهِرَة، وَفِي الْيَوْم الْتَّالِي، جَاءَت لتَعْزَيَّتِهَا الْسَّيِّدَة سُوْزَان مُبَارَك حَرَّم الْرَّئِيْس حُسْنِي مُبَارَك وَالْسَّيِّدَة جِيْهَان الْسَّادَات حَرَّم الْرَّئِيْس الْرَّاحِل أَنْوَر الْسَّادَات وَبَعْض سَيِّدَات وُجَهَاء مِصْر وَعَائِلاتِهَا الْعَرِيْقَة، بِالإضَافَة إِلَى الْسَّيِّدَات الِلَيبِيات الْمُقِيمَات فِي مِصْر آَنَذَاك.

وَتَجْمَع مُعْظَم اللِّيْبِيِّيْن الْمُقِيْمِيْن بِمِصْر فِي سَاحَة قَصْر الْسُّلْطَان بِحَي الْدُّقِّي، تَعَبِيْراً عَن مَشَاعِرُهُم وَحُزْنُهُم عَلَى فُقْدَان قَائِد الْجِهَاد وَمُعْلَن الإسْتِقْلال وَالأب الْمُؤَسِّس لِلْدَّوْلَة الَلِّيَبِيَّة الْحَدِيثَة. وَحَضَرْت بَعْض الْشَّخْصِيَّات الْرَّسْمِيَّة وَعَدَد مِن أَفْرَاد الْنُّخْبَة الْمِصْرِيَّة لَيَالِي الْمَأْتَم، وَبُعِثْت الرِّئَاسَة الْمِصْرِيَّة مَنْدُوْباً عَنْهَا، وَكَان جَمَال الْسَّادَات أَبِن الْرَّئِيْس الْرَّاحِل مُحَمَّد أَنْوَر الْسَّادَات مِن بَيْن الْشَّخْصِيَّات الْمِصْرِيَّة الَّتِي جَاءَت لَتَّعْزِيَة الْمَلِكَة فَاطِمَة وَالأسِرَّة الْسُّنوُسيَّة وَالْجالِيّة الَلِّيَبِيَّة بِمِصْر فِي فَقَيَّدَهُم الْمَلِك إِدْرِيْس.

وَفِي ذَلِك الْوَقْت، َتَنَاقَلَت وَسَائِل الإعْلام الْعَرَبِيَّة وَالأجْنَبِيَّة (صَحَافَة وَمَحَطَّات إِذَاعِيَّة) خَبَر وَفَاة الْمَلِك إِدْرِيْس، وَفِي الأيَّام الَّتِي تَلَت الْوَفَاة نَشَرْت الْعَدِيْد مِن الْصُّحُف، مَقَالات رَصَدَت أَهَم الْمَحَطَّات فِي سِيْرَة حَيَاة الْمَلِك وَسَنَوَات حُكْمِه.

وَبَعْد وَفَاة الْمَلِك إِدْرِيْس، ذَهَب الْسَّيِّد نَافِع الْعَرَبِي الْسُّنوُسي وَالْسَّيِّد مُحَمَّد الْمَهْدِي الْسُّنوُسي إِلَى مَقَر مَجَلَّة (أُكْتُوْبَر) لُمُقَابَلَة الأدِيب وَالْصُّحُفِي أُنَيْس مَنْصُوْر بمَكُتُبِه. وَأُنَيْس مَنْصُوْر الْمَوْلُوْد فِي 19 أَغُسْطُس/ أَب 1924م كَان صِدِّيْقَاً مُقَرِّبَاً لِلْرَّئِيْس الْرَّاحِل مُحَمَّد أَنْوَر الْسَادَات، وَرَئِيْساً لِتَحْرِيْر مَجَلَّة أُكْتُوْبَر (عَرَبِيَّه سِيَاسِيَّة اجْتِمَاعِيَّه شَامِلُه) الَّتِي أَسَّسَهَا فِي 31 أُكْتُوْبَر/ تَشْرِيْن الأوَّل 1976م. وَقَد طُرِح أُنَيْس مَنْصُوْر بَعْض الأسْئِلَة عَلَى نَافِع وَمُحَمَّد الْسُّنوُسي فِي الْلِّقَاء الَّذِي جَمَعَه بِهِمَا، وَفِي الْيَوْم الْتَّالِي كَتَب مَنْصُوْر عَن سِيْرَة الْمَلِك إِدْرِيْس مَقَالاً نَشْرُه بَعْد ذَلِك مُبَاشَرَة فِي عَمُوْدِه الأسْبُوْعِي بِمَجَلَّة (أُكْتُوْبَر). وَيُذْكَر أَيْضاً أَن جَرِيْدَة (الأخْبَار) كَانَت قَد نَشَرْت مَقَالاً عَن تَارِيْخ الْمَلِك إِدْرِيْس وَسِيْرَتِه بَعْد نَشْرِهَا لِخَبَر وَفَاتِه.

وَفِي تِلْك الْفَتْرَة أَيْضاً ذَهَب وَفْد مِن الْعَائِلَة الْسُّنوُسيّة بَعْد إِنْتِهَاء مَرَاسِم الْعَزَاء إِلَى مَبْنَى الرِّئَاسَة بِصُحْبَة الْلِّوَاء فُؤَاد زَهْرَان، لِيُقَدِّمُوْا الْشُّكْر إِلَى الْحُكُوْمَة الْمِصْرِيَّة الَّتِي اسْتِضَافَة الْمَلِك وَأَكْرَمْتَه ثُم بَعَثْت مَنْدُوْباً عَن الرِّئَاسَة لِلْمُشَارَكَة فِي لَيَالِي الْعَزَاء، وَوُفِّرَت لْجُثْمَانَه الْطَّاهِر طَائِرَة خَاصَّة لِنَقْلِه إِلَى الأرَاضِي الْسُّعُوْدِيَّة تَنْفِيذَاً لِلْوَصِيَّة الَّتِي كَان قَد كَتَبَهَا الْمَلِك إِدْرِيْس بَعْد مَوْسِم الْحَج فِي عَام 1977م بَعْد لِقَاء جَمْعَه بِالْمَلِك خَالِد بْن عبْدالْعَزِيْز آَل سُعُوْد. وَقَد سَجَّل أَعْضَاء الْوَفْد، رِسَالَة الْشَكَر فِي دَفْتَر الْتَّشْرِيفَات مُوَقَّعَة بِأَسْمَائِهِم نِيَابَة عَن الْعَائِلَة الْسُّنوُسيّة.

وَفِي لِيبَيا.. بَعْد سَمَاع الْسَّيِّد مُحَي الْدِّيْن أَحْمَد الْشَّرِيِف الْسُّنوُسي (شَقِيْق الْمَلِكَة فَاطِمَة) خَبَر وَفَاة الْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي فِي 25 مَايُو/ أَيَّار 1983م، أَقَام فِي مَنْزِلِه فِي بَّنْغَازِي الْكَائِن بِمَدِيْنَة الْحَدَائِق فِي الْفَوَيْهَات الْشَّرْقِيَّة مَأْتَماً لِمُدَّة ثَلاثَة أَيَّام، وَحَضَر لَيَالِي الْمَأْتَم كَافَّة أَبْنَاء الْعَائِلَة الْسُّنوُسيّة وَعَدَد مَن مُمَثِّلِي الْقَبَائِل الَلِّيَبِيَّة يَتَقَدَّمُهُم وَفْد كَبِيْر مِن قَبِيْلَة الْبراعصة كَذَلِك بَعْض الْشَّخْصِيَّات الْوَطَنِيَّة، وَالْوُزَرَاء وَرُؤَسَاء حُكُوْمَات الْعَهْد الْمَلَكِي فِي مُقَدِّمَتِهِم حُسَيْن يُوَسُف مَازق وَعبْدالقَادِر عبْدالْقَادِر الْبدري.

وَفِي بَيْت الْسَّيِّد مُحَي الْدِّيْن، رَثى أَحَد الْشُّعَرَاء الْشَّعْبِيِّيْن مِن قَبِيْلَة الْبراعصة، الْمَلِك إِدْرِيْس فِي الأْبْيَات الْتَّالِيَة (12):

يا أسيادنا يحسن الله عزاكم
رانا سوا في غيظكم ورضاكم

يا كبار القيمة يا غاثة المكروب ساعة ضيمه
يفنى الدهر وأنتوا أصحاب عزيمة...  وأحنا قبالا شايلين عناكم

لا لف ع التاريخ لا تبريمه
لا نضمروا في البال حد يسواكم

نهارتن نزوروكم نجوا بغنيمة
صيلة أرحام لكل من داناكم

وجملة المسلم وردكم تعليمه
حالف أمفيت يموت من ينساكم

أنشلتوا أنشيلوا نرحلوا لا ديمه
وأن قمتوا أنقيموا بالديار أحذاكم

وأن غبتوا حرام الضحك والتبسيمه
وأن جيتوا زهانا من حساب زهاكم

يا سماح الصورة
ياللي في الشهامة زايدين البوره

حتى لو فقدتوا من تريس اصقوره
الدار عامره يحفظ الله ضناكم

وزدتوا مقامة واخذين النوره
جدكم رسول الله ما ينساكم

وَرُبَّمَا اسْتَطْرَدْت مِن هُنَا لأَقُول أن قَصِيْدَة شَعْبِيَّة أُخْرَى أُلْقِيَت فِي نَفْس الْمَكَان الَّذِي أُلْقِيَت فِيْه الْقَصِيْدَة الأوْلَى، وَلَكِن هَذِه الْمَرَّة كَانَت بَعْد وَفَاة الْمَلِكَة فَاطِمَة الْشِّفَاء (1911م – 2009م) الَّتِي وَافَاهَا الأجَل الْمَحْتُوْم فِي مَنْفَاهَا فِي الْقَاهِرَة عَن عُمَر يُنَاهِز الْثَّامِنَة وَالْتِّسْعِيْن سُنَّة مِيْلادِيَّة، ظَهَر يَوْم 14 شَوَّال 1430 هَجْرِي الْمُوَافِق 3 أُكْتُوْبَر/ تَشْرِيْن الأوَّل 2009م. وَجَاءَت أَبْيَات الْقَصِيْدَة (13) عَلَى الْنَّحْو الْتَّالِي:

مرفوض العزاء بين الأصحاب
وقول خاطري فيه غيبه

تنفيذ أمر ربي الوهاب
الموت حق ما هي غريبه

وعد البشر قد ما جاب
وراه قبر واتي طليبه

ونبات الأرض من مزن لا زاب
اللي ترتفع هي الطيبه

لا يشطكم خوف وإرهاب
خشاشين حامي لهيبه

وأنتم رمزنا وحرس الاجناب
وأنتوا درع لنا وهيبه

وأنتوا بركة وصقور طياب
وأنتوا نظاف الدريبه (14)

وأنتوا وردكم غيث وحجاب
تمشوا بدي علام غيبه

مذكور في الكتب شرح وأداب
ستين حزب سورة عجيبه

لا يطقكم كسر هنداب
ولا مسخ حالة صعيبه

وأن طال عيب في طرف الأحباب
ما حد يسيب قريبه

حتى لو قفل يعتل الباب
تسليم بن علي محتميبه (15)

وَبَعْد أَن سَمِع شَاعِر شَعْبِي أُخَر نَبَأ وَفَاة الْمَلِكَة فَاطِمَة، أَنْطَلِق لِسَانِه فِي لَحْظَتَهَا وَكَأَن غَيْث مَا هَطَل مِن فَوْق سَرِيْرِه، فَقَال (16):

حفيدة الشريف السيدة لأميرة
سليلة مسامي من مسامي خيرة

الله يرحمها
ويرحم اللي خذها ومن علمها

النّاس فالمجالس يشهدوا بحشمها
لا أطيق عيب ولا العيب أديره

من منسل أشراف وربها كرمها
بروضه اجعنها كل حي مصيره

من عرب
أشراف أصل من غادي وهل بيتيه

على دينهم والوطن هل غيريه
صغيرهم ايتبع في وصاة كبيره

اوين ما غزوه الوطن ليطَاليه
قادوا معارك واجدات شهيره

وشالوا لوا الجهاد من باديه
به يلهدوا عالخيل في بنديره

وانشوا زوايا ما لهن عديه
بخن خلايق مل الظلال كثيره

فيهن شيوخ وبالكتب ممليه
وكان دورهم – فالدين له تأثيره

ارسو بهن جميع فروض لسلاميه
بنص الكتاب وبالسنن والسيره

وزاحوا مظاهر جهل مي امغبيه
كمين شخص جاهل نوروه ضميره

وكمين شرخ ناتج عن أحروب أهليه
فزعوله وتموا هم سبب تجبيره

وقادة الجهاد اللي لهم هميه
من يوسف رحيل ومالفضيل وغيره

ابورد الزوايا روحهم مسقيه
عالجوع والعراء حملوا اسنين مريره

ولا ماينو لا تبعوا ماليه
خلوا عدوهم مرتعب في حيره

وكافي ولد مختار عالبقيه
الشايب اللي عالوطن عنده غيره

أبقي رمز قومي ينذكر طاريه
من جملة أبطال امخلدين السيره

وختام الكلام وكلشي عالنيه
جيناكم انعزوا موش لجل شكيره

على فقد حره صادقه ونقيه
لا تعصى زوج ولا اتكدر جيره

وصلوا علي الطيب صلاة زكيه

أَعُوْد بَعْد هَذَا الاسْتِطْرَاد مُجَدَّدَاً لِوَفَاة الْمَلِك إِدْرِيْس، فَبَعْد أَن سَمِع السَّيِّد مُحَمَّد عُثْمَان الْصَّيْد (رَئِيْس الْحُكُوْمَة الَلِّيَبِيَّة الأسْبَق مِن 16 أكتوبر/ تشرين الأول 1960م إِلَى 19 مارس/ آذار 1963م) الْمُقَيَّم فِي ذَلِك الْوَقْت بِالْمَمْلَكَة الْمَغْرِبِيَّة، خَبَر وَفَاة الْمَلِك فِي 25 مَايُو/ أَيَّار 1983م، أَقَام فِي مَنْزِلِه بِالْرِّبَاط مَأْتَماً لِمُدَّة ثَلاثَة أَيَّام. وَحَضَر لَيَالِي الْمَأْتَم كُل اللِّيْبِيِّيْن الْمَوْجُوْدِيْن فِي الْمَغْرِب وَقَد كَان عَدَدُهُم كَبِيْرَاً حَيْث كَانَت الْمَمْلَكَة الْمَغْرِبِيَّة وَقْتَذَاك تَحْتَضِن عَدَدَاً كَبِيْرَا مِن الْمُعَارِضِيْن لِنِظَام مَعْمَر القذّافي.

وَأَخِيْراً.. أَجْتَمِع يَوْم وَفَاة الْمَلِك عَدَد غَفِيْر مِن أَعْضَاء الْمُعَارَضَة الَلِّيَبِيَّة فِي الْخَارِج فِي سَاحَة قَصْر الْسُّلْطَان بِحَي الْدُّقِّي وَإِلَى جَانِبِهِم عَدَد مِن قِيَادَات فَصَائِل الْمُعَارَضَة عَلَى اخْتِلاف تَيَّارَاتِهِا وَأَطَيِافِهَا.

وَأَصْدَر (الاتِّحَاد الْدُّسْتُورِي اللِّيْبِي) الَّذِي يَتَزَعَّمُه السَّيِّد مُحَمَّد عَبْدُه بْن غَلْبُوْن بَيَانَاً يَنْعِي فِيْه الْمَلِك إِدْرِيْس الَّذِي أَفْنَى عُمَرَه فِي سَبِيِل لِيبَيا وَمِن أَجْل خَيْر أَبْنَائِهَا. كَمَا أُصْدِرَت (الْجَبْهَة الْوَطَنِيَّة لإِنْقَاذ لِيُبَيّا) الَّتِي كَان يَتَزَعَّمُها الدُّكْتُوْر مُحَمَّد يُوْسُف الْمقَريَف بَيَانَاً تَنْعِي فِيْه الْفَقِيْد الْرَّاحِل الَّذِي عُرِف بِشَمَائِلِه الْحَمِيْدَة، وَالْوَرَع وَالْتَّقْوَى، وَالزُّهْد، وَالنَّزَاهَة الَّتِي أَكْسَبَتْه احْتِرَام شَعْبِه وَدُوَل الْعَالَم وَزُعْمَاءَه. وَإِلَى جَانِب هَذَيْن الْبَيَانَيْن، احْتَوَت مَجَلاّت تَنْظِيْمَات الْمُعَارَضَة الأخْرَى الَّتِي صَدَرَت بَعْد خَبَر الْوَفَاة، عَلَى خَوَاطِر وَمَقَالات عَن الْمِلْك إِدْرِيْس.

وَجَاء بَيَان الاتِّحَاد الْدُّسْتُورِي اللِّيْبِي، عَلَى الْنَّحْو الْتَّالِي:

بِسْم الْلَّه الْرَّحْمَن الْرَّحِيْم
إِنَّا لِلَّه وَإِنَّا إِلَيْه رَاجِعُوْن

يَنْعَى الاتِّحَاد الْدُّسْتُورِي اللِّيْبِي لِشَعْبِه بِأَعْمَق مَشَاعِر الْحُزْن وَالأسَى مَلِك بِلادِه السَّيِّد مُحَمَّد إِدْرِيْس الْمَهْدِي الْسُّنوُسي الَّذِي وَافَتْه الْمَنِيَّة عَن عُمَر يُنَاهِز خَمْسَة وَتِسْعِيْن عَاماً قَضَاهَا فِي خِدْمَة وَطَنِه وَأُمَّتُه، مُوَاطِنَاً مُجَاهِدَاً مَلِكاً عَلَى قِمَّة الْشَّرَف وَالْنَّبْل وَالنَّزَاهَة.

وَلَسَوْف يَظَل الاتِّحَاد الْدُّسْتُورِي اللِّيْبِي دَائِمَاً عَلَى يَقِيْن كَامِل مِن أَن الْقَضِيَّة الَّتِي أَفْنَى الْمَلِك الْرَّاحِل عُمَرُه فِي سَبِيْلِهَا سَتَبْقَى حَيَّة مُتَوَهِّجَة فِي وُجْدَان كُل اللِّيْبِيِّيْن المُتَعَطِشِيْن لِلْحُرِّيَّة، لَن تَمُوْت قَط وَلَن تَخْمَد مَهْمَا اشْتَد الْعَسْف وَتَمَادَى اسْتِهْتَار الْطُّغْمَة الْفَاشِيَّة الْحَاكِمَة فِي لِيبَيا الْيَوْم.

وَيُؤَكِّد الاتِّحَاد الْدُّسْتُورِي اللِّيْبِي مُرَّة أُخْرَى أَن هَدَفُه الثَّابِت وَالْمَبَدْئي يَدُوْر حَوْل مِحْوَر الْإِصْرَار عَلَى ضَرُوْرَة عَوْدَة الْحَيَاة الْدِّيِمُقْرَاطِيَّة الْكَامِلَة إِلَى الْبِلاد وِفْقَاً لدُّسُتُورِهَا الَّذِي وَضَعْتُه جَمَعَيَّة وَطَنِيَّة لِيْبِيَّة عَشِيَّة الإسْتِقْلال، وَهُو الْدُّسْتُور الْدِّيْمُقْرَاطِي الْوَحِيْد فِي تَارِيْخ لِيبَيا وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُه سَارِي الْمَفْعُوْل تَمَامَاً طَالَمَا أَنَّه لَم يُعَلِّق أَو يَتَغَيّر بِإِرَادَة شَعْبِيَّة حُرَّة مُوْرِسَت فِي ظُرُوُف طَبِيْعِيَّة.

وَبَنَّاء عَلَيْه يُعْلِن الاتِّحَاد الْدُّسْتُورِي اللِّيْبِي مُجَدَّدَاً أَن شَكْل الْدَّوْلَة وَنِظَام الْحِكَم الَّذِي يُحَقِّق رَغْبَة أَغْلَبِيَّةِ اللِّيْبِيِّيْن لا يُمْكِن وَلا يَجُوْز أَن يَتَحَدَّد إِلاّ بِاخْتِيَار الْشَّعْب اللِّيْبِي كُلِّه وَبِالْوَسائِلِ الْدِّيِمُقْرَاطِيَّةِ الْمَشْرُوْعَة. وَفِي هَذَا الْصَّدِد يَوَد الاتِّحَاد الْدُّسْتُورِي أَن يُطْرَح لِلْنِّقَاش فِكْرَة إِنْشَاء نَوَاة جَمَعَيَّة وَطَنِيَّة جَدِيْدَة.

رَحِم الْلَّه الْمَلِك… وَعَاشَت لِيبَيا

الاتِّحَاد الْدُّسْتُورِي اللِّيْبِي
25 مَايُو 1983م

أَمَّا بَيَان الْجَبْهَة الْوَطَنِيَّة لإِنْقَاذ لِيبَيا، فَقَد جَاء عَلَى الْنَّحْو الْتَّالِي:

بِسْم الْلَّه الْرَّحْمَن الْرَّحِيْم
"يَا أَيَّتُهَا الْنَّفْس الْمُطْمَئِنَّة ارْجِعِي إِلَى رَبِّك رَاضِيَة
مَّرْضِيَّة فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي".

بِقُلُوْب عَامِرَة بِالإيْمَان بِالْلَّه سُبْحَانَه وَتَعَالَى، وَالْرِّضَا بِمَا يُقَدِّرُه وَبِمَا تَشَاءُه إِرَادَتِه الْعَظِيْمَة، وْبِقْلُوب مِلْؤُهَا الْحُزْن وَالألَم، تَنْعِي الْجَبْهَة الْوَطَنِيَّة لإِنْقَاذ لِيبَيا إِلَى الْشَّعْب اللِّيْبِي السَّيِّد مُحَمَّد إِدْرِيْس الْمَهْدِي الْسُّنوُسي الَّذِي انْتَقَل إِلَى رَحْمَة الْلَّه تَعَالَى فَجَر يَوْم الأرْبِعَاء الْثَّانِي عَشَر مِن شَعْبَان 1403 هَجْرِي الْمُوَافِق 25 مَايُو 1983م. فَقَد شَاءَت إِرَادَة الْلَّه، وَلا رَاد لِقَضَائِه أَن تُوَافِي الْمَنِيَّة الْمَحْتُوْمَة السَّيِّد مُحَمَّد إِدْرِيْس الْسُّنوُسي فِي أَرْض الْمُهَجِّر، وَبَعِيْدَاً عَن وَطَنِه فِي الْوَقْت الَّذِي تُعَانِي فِيْه بِلادِنَا لِيبَيا شَعْبَاً وَأَرْضَاً مِن مُمَارَسَات الْظُّلَم وَالطُّغْيَان وَالإجْرَام.

أَن السَّيِّد مُحَمَّد إِدْرِيْس الْسُّنوُسي كَان وَلايَزَال جُزْءاً مِن تَارِيْخ بَلادِنَا، يُذْكَر شَعْبِنَا دَوْرَه فِي سَنَوَات الْجِهَاد الأوْلَى، وَيُذْكَر مُتَابَعَتِه لِلْقَضِيَّة الَلِّيَبِيَّة مِن دَار هِجْرَتِه فِي مِصْر أَثْنَاء الاِحْتِلال الإيطَالِي، وَيُذْكَر مُبَادَرَتَه فِي تَّأْسِيْس الْجَيْش الْسُّنوُسي الَّذِي كَان وَرَقَة ضَاغِطَة اسْتُخْدِمَت فِيْمَا بَعْد لاِنْتِزَاع الإسْتِقْلال، كَمَا يَذْكُر دَوْر السَّيِّد مُحَمَّد إِدْرِيْس الْسُّنوُسي فِي تَحْقِيْق وَحْدَة لِيبَيا الْوَطَنِيَّة الَّتِي أَدَّت إِلَى إِسْتِقْلال الْبِلاد.

إِن الْجَبْهَة الْوَطَنِيَّة لإِنْقَاذ لِيبَيا لا تُقَيَّم عَهْد الْمَلِك مُحَمَد إِدْرِيْس الْسُّنوُسي وَفَتْرَة حُكْمِه، بَل تَتْرُك ذَلِك لِلْتَّارِيْخ الَّذِي سَيَذْكُرُه بِرَغْم مَا اعْتَوَر هَذَا الْعَهْد مِن أَخْطَاء، وَمِن خِلال الْمُكْتَسَبَات الَّتِي حَقَّقَهَا شَعْبِنَا مِن قَهْرِه لِلأمِّيَّة، وإِنْطَلاقاً نَحْو آَفَاق الْعِلْم، وَمَن اسْتِقْرَار، وَأَمِن وَمَن مَوْضُوْعِيَّة أَكْسَبَت لِيبَيا سُمْعَة دَوْلِيَّة حَسَنَة، وَمِثَالاً يُقْتَدَى بِه فِي الإتِزَان وَالاِعْتِدَال.، كَمَا أَن الْتَّارِيْخ سَيُحْفَظ لِلْفَقِيْد الْرَّاحِل مَا عُرِف عَنْه مِن شَمَائِل حَمِيْدَة، وَمَن وَرَع وَتَقْوَى، وَمَن زَهِد، وَنَزَاهَة أَكْسَبَتْه احْتِرَام دُوَل الْعَالَم وَزُعْمَاءَه.

إِن الْجَبْهَة الْوَطَنِيَّة لإِنْقَاذ لِيبَيا وَهِي تَنْعِي إِلَى الْشَّعْب اللِّيْبِي الْفَقِيْد الْرَّاحِل لِتَتَوَجَّه بِالْعَزَاء إِلَى كَافَّة الْشَّعْب اللِّيْبِي، وَتَتَضَرَّع إِلَى الْمَوْلَى عَز وَجَل أَن يَتَقَبَّل الْفَقِيْد الْرَّاحِل بِقَبُوْل حَسَن، وَأَن يَدْخُلَه فِي جَنَّات عَدْن مَع الَّذِيْن أَنْعَم الْلَّه عَلَيْهِم مِّن الْنَّبِيِّيْن وَالْصِّدِّيقِيَن وَالْشُّهَدَاء وَالْصَّالِحِيْن وَحَسُن أُوْلَئِك رَفِيْقا، كَمَا تَتَوَجَّه إِلَى الْمَوْلَى عَز وَجَل فِي هَذِه اللَّحَظَات أَن يُلْهِمَنَا مِن لَّدُنْه سُلْطَانْا، وَقُوَّة، وَصَبْرَا، وَمُصَابَرَة لْمُغَالِبة قُوَى الْشَّر الْجَاثِمَة عَلَى أَرْضِنَا الْحَبِيْبَة، وَأَن يُعَجِّل بِسَاعَة الْنَّصْر وَالْخَلاص لتخفق مُجَدَّدَاً رَايَات الْحُرِّيَّة، وَالإخَاء، وَالْعِزَّة لِلَّه إِنَّه سَمِيْع مُجِيْب.

الْجَبْهَة الْوَطَنِيَّة لإِنْقَاذ لِيبَيا
12 شَعْبَان 1403 هَجْرِي
25 مَايُو 1983م

وَفِي الْخِتَام.. كَان الْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي رَجُلاً بِأَخْلاقِه وَمَوَاقِفِه.. وَبِطْلاً فَخْمَاً فِي جَمِيْع مَرَاحِل حَيَاتِه الْطَّوِيْلَة. وَكَان عَهْدَه الَّذِي اسْتَمَر سَبْعَة عَشَر عَاماً، هُو ذُرْوَة الْعَظَمَة وَالْعَطَاء وَالإنْجَاز فِي تَارِيْخ لِيبَيا الْحَدِيْث، وَكَانَت سَنَوَات النَّفْط مُنْذ بِدَايَة تَصْدِيْرَه عَام 1963م سَنَوَات صُعُوْد وَغِنَى اسْتَمَرَّت إِلَى أَن خَطَف النَّفْط وَأَرْض لِيبَيا وَمَن عَلَيْهَا ضَابِط صَغِيْر بِرُتْبَة مُلازِم أُوُل فِي ظَلام الْلَّيْل الْدَّامِس فِي فَجْر الأوَّل مِن سِبْتَمْبِر/ أَيْلُوْل مِن عَام 1969م. وَكَان اسْم (إِدْرِيْس) اخْتِزَالاً لِسَنَوَات طَوِيْلَة مِن الْجِهَاد وَالْكِفَاح وَرَمْزَاً لِلْوَحْدَة الْوَطَنِيَّة وَالإسْتِقْلال، وَلِذَا لُقِّب بـ(الْمَلِك الْصَّالِح) لأِنَّه كَان نَمُوْذَجَاً يُحْتَذَي بِه فِي الْتَّقْوَى وَالْصَّلاح وَالَّتَمَسُّك بِالْفَضِيْلَة وَالْتَّقَالِيْد كَذَلِك فِي الإنْجَاز وَالاِنْفِتَاح عَلَى الآخَرِيْن. وَقَد وَصَف عَهْدَه بِالْعَهْد (الْباهي) أَو (الزايِط) لأِن حُقُوْق الْمُوَاطِن اللِّيْبِي فِي سَنَوَات حُكْمِه كَانَت مُصَانَة، وَحُرِّيَّتِه مُحْتَرَمَه، وَخَيْرَات بِلادِه سُخِّرَت بِالْكَامِل لِخِدْمَتِه وَرَفَاهِيَتِه.

رَحِم الْلَّه الْمَلِك إِدْرِيْس الْسُّنوُسي فِي ذِكْرَاه، وَسَلام وَتَحِيَّة
إِلَى رُوْحَه الْشَّرِيِفَة الْطَّاهِرَة فِي عَلْيَاء مَلَكُوْتِهَا.

مِرْفَق الْصُّوَر:

الْصُّوَرَة الأُوْلَى: الْرَّئِيْس الْسَّادَات مُمْسِكَاً بِيَد الْمَلَك إِدْرِيْس مُعَاوِنَاً لَه عِنْد مَجِيْئِه لِحُضُوْر حَفْل زَوَاج جِيْهَان ابْنَتَه، وَفِي الْنَّاحِيَة الْثَّانِيَة فُؤَاد زَهْرَان مُمْسِكَاً بِيَد الْمَلَك الأخْرَى. الْصُّوَرَة تُنْشَر لأِوَّل مَرَّة – مِن أَرْشِيْف الْمُؤَلِّف.

الْصُّوَرَة الْثَّانِيَة: الْرَّئِيْس الْسَّادَات أَثْنَاء اسْتِقْبَالِه لِلْمَلِك إِدْرِيْس فِي مُنْتَصَف سَبْعِيْنِيَّات الْقَرْن الْمُنْصَرِم، عِنْد مَجِيْء الْمَلِك إِلَى بَيْت الْرَّئِيْس بَالْجِيزَة فِي حَفْل زَوَاج جِيْهَان ابْنَتَه، وَيَظْهَر خَلَف الْمَلِك الْسَّيِّد فَوْزِي سِكِرْتِيْر الْرَّئِيْس الْخَاص. الْصُّوَرَة تُنْشَر لأِوَّل مَرَّة – مِن أَرْشِيْف الْمُؤَلِّف.

الْصُّوَرَة الْثَّالِثَة: الْمَلِك إِدْرِيْس يَتَحْدُث إِلَى الْرَّئِيْس الْسَّادَات، وَيَظْهَر الْرَّئِيْس مُنْصِتَاً بِاهْتِمَام شَدِيْد إِلَى الْمَلِك. وَالَصُّوْرَة أُخِذَت فِي صَالُوْن بَيْت الْرَّئِيْس الْكَائِن بَالْجِيزَة أَثْنَاء حَفَل زَوَاج جِيْهَان ابْنَة الْرَّئِيْس. الْصُّوَرَة تُنْشَر لأِوَّل مَرَّة – مِن أَرْشِيْف الْمُؤَلِّف.

الْصُّوَرَة الْرَّابِعَة: الْمَلِك إِدْرِيْس وَالْرَّئِيْس أَحْمَد بيلَلا رَئِيْس الْجَزَائِر، حِيْنَمَا ذَهَب الْمَلَك – لأِوَّل مَرَّة – إِلَى فُنْدُق (فِلَسْطِيْن) يرد الْزِّيَارَة لِلْمُلُوْك وَالرُّؤَسَاء الَّذِيْن سَأَلُوْا عَنْه أَثْنَاء الْوَعْكَة الَّتِي أَحَس بِهَا عَقِب الْيَوْم الأوّل مِن انْعِقَاد مُؤْتَمَر الْقِمَّة الْعَرَبِيَّة بِالإسْكَنْدَرِيَّة فِي سِبْتَمْبَر/ أَيْلُوْل 1964م. سَبَق نُشِر هَذِه الْصُّوَرَة بِجَرِيْدَة الأهَرَام فِي (الْمُلْحَق الأسْبُوْعِي)، الْصَّادِرَة يَوْم الْجُمُعَة 5 جُمَادَى الأوْلَى 1384 هَجْرِي الْمُوَافِق 11 سَبْتَمْبَر/ أَيْلُوْل 1964م.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات:

11) رِسَالَة الْمَلِك مَن الْيُوْنَان: مُقْتَطَفَات مِن رِسَالَة الْمَلِك إِدْرِيْس الَّتِي بَعَثَهَا إِلَى مَجْلِس الأمَّة، وَالمَنُّشُوّر نَصَّهَا بِالْكَامِل فِي كِتَاب: (الْمَلِك إِدْرِيْس عَاهِل لِيبَيا.. حَيَاتِه وَعَصْرِه) لِمُؤَلِّفِه السَّيِّد ئي.آ. ف. دي كاندول الْصَّادِر بِالْلُغَة الإنْجِلِيْزِيَّة عَام 1988م، وَنَسَخْتُه الْمُتَرْجَمَة إِلَى الْعَرَبِيَّة عَام 1989م.

12) قَصِيْدَة رَثّا الْمَلِك: هَذِه الْقَصِيدَة تُنْشَر لأِوَّل مَرَّة.
13) قَصِيْدَة رَثّا الْمَلِكَة، الأُوْلى: هَذِه الْقَصِيدَة تُنْشَر لأِوَّل مَرَّة.
14) محتميبه: تَعْنِي مُحْتَمّي بِه.
15) الدريبه: تَعْنِي الْدَّرْب.
16) قَصِيْدَة رَثّا الْمَلِكَة، الْثَّانِيَة: هَذِه الْقَصِيدَة تُنْشَر لأِوَّل مَرَّة.

مصَادِر وَمَرَاجِع:

م7) الْسَّيِّد مُحَمَّد بْن غَلْبُوْن – كِتَاب: (الْمَلِك إِدْرِيْس عَاهِل لِيبَيا.. حَيَاتِه وَعَصْرِه) الَّذِي كَتَبَه الْسَّيِّد/ ئِي.آ. ف. دَي كَانَدُوّل، وَنَشَرَه الْسَّيِّد مُحَمَّد بْن غَلْبُوْن فِي عَام 1988م بَعْد تَرْجَمَتِه – تَعْلِيْقَات الْنَّاشِر أَسْفَل صَفَحَات الْكِتَاب الْمَذْكُوْر.

 راجع:

- الْصَّادِق شُكْرِي: زَمَان الْعَادِل خَيْر الأزْمِنَة الْمَلِك إِدْرِيْس الْسَّنوُسي.. فِي ذِكْرَاه الْخَالِدَة1
-
الْصَّادِق شُكْرِي: زَمَان الْعَادِل خَيْر الأزْمِنَة الْمَلِك إِدْرِيْس الْسَّنوُسي.. فِي ذِكْرَاه الْخَالِدَة2

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
الطير الحر
لقد كان ملك ليبيا من الاولياء الصالحين...
التكملة
صلاح فايز الشولحى مصر
رحم اللة الملك ادريس وادخله اللة فسيح جنته....
التكملة
عبدالحق غالب إمام
قرأت تعليق من أحد (الإخوان السنوسية ) كتبه في التعليقات التي جاءت تحت مقالة السيّد ر. سراج المعنونة تحت اسم: (تصحيح بخصوص صورة للمَلِك الرّاحل إِدْرِيْس الْسُّنوُسي)، رأيت من الأهمية…...
التكملة
جمال صالح
رجمة الله علي مليكنا المفدي, شكراً يا أستاذ الصادق و نرجوا إتحافنا بالمزيد....
التكملة
ابن المجاهد
ماأعجب هذا الزمان عندما يستأسداراذل القوم ويصلون الى تزوير التاريخ ةيتجاهلون أسياد الجهاد المخصين لله ولعباده وتنكر القوم لهم...
التكملة
الصادق شكري
توضيح: nذكرني كتاب (لِيبَيا.. نَشْأَة الأحْزَاب وَنِضَالاتهَا) للأسْتَاذ مفْتَاح الْسَّيِّد الْشَّرِيِف بعد الإطلاع عليه مجدداً، بأن هناك فقرة كتبتها في الحلقة الأولى من هذه السلسلة تحتاج إلى توضيح وربّما تصحيح.…...
التكملة
اسعد العقيلي
جهد موسوعي ضخم .. لاحياء ذاكرة شعب .. دأب ( الثوار ) .. على ابادتها .. ( الثوار ) الذين شرعوا منذ البديات في تزوير الحقائق .. nواتلاف الصفحات المشرقة…...
التكملة
محمد حيدر
شكر الى الكاتب على تسليط الضوء عن قيادة يحاول النظام طمس تاريخها.رغم تقديرنا لعبدناصر فى استقباله للملك ادريس الا انه هو من كان السبب فى الاطاحة بادريس السنوسى وهو الذى…...
التكملة
ليبي
الله يرحمه...
التكملة
رجل يسعي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتهn n nقرأت منذ قليل شيئاً مما كتبه الصاق شكري في موقع ليبيا المستقبل عن الملك ادريس رحمه الله فلم أملك دمعي ولا حزنيn nبكيت ملكاً…...
التكملة
اللهم اكشف الحقائق للجميع
بوركت يا سيد الصادق شكرا ورحم الله والديك على هذا العناء والجهد الكبيرين كفاحا ونضالا من اجل دحض الاباطيل الاعلامية الشعاراتية بالحقائق الفعلية التي يعتمد بقاءهم وتحقيق اهدافهم على قلبها…...
التكملة
محمد خليل
«... وَالَّذِي أَخْتَتِم بِه قَوْلِي بِأَن أُوْصِي الْجَمِيْع مِن أَبْنَاء وَطَنِي بِتَقْوَى الْلَّه فِي الْسِّر وَالْعَلَن، وَأَنَّكُم جَمِيْعَا فِي أَرْغَد الْعَيْش وَأَنْعِم الْنِعَم مِن الْلَّه تَبَارَك وَتَعَالَى. فَاحْذَرُوا مِن أَن…...
التكملة
الله يرحمك يا سيدي ادريس
اللهم اجرنا في مصيبتنا و اخلفنا خيرا منها...
التكملة
فتح الله الغماري
بارك الله فيك وفي قلمك وجعل لك نصيبا من بركات السنوسية وحماك الله من الكيد .انصفت سيدي ادريس وانصفت العهد الباهي...
التكملة
سالم عبدالله
بارك الله فيك يااستاذ الصادق لهذا التوثيق الدقيق والمحايد لتاريخ امة سعى الجهال لطمسة ...رغم ان كل المقالة شدتني لكن اهم فقرة استوقفتني هي( أَن الْمَلِك إِدْرِيْس لَم يَكُن لَدَيْه…...
التكملة
محمد مبروك بوقعيقيص
بارك الله فيك السيد شكري علي هذا الجهد القيم, والذي يحتوي الكثير من المعلومات والحقائق التاريخية...
التكملة
مصدق بوهدمة
رحم الله الملك محمد أدريس السنوسي معلن إستقلال ليبيا ومؤسس الدولة الليبية الحديثة وهو حقا أبا للأمة الليبية ولايستطيع أن ينازعه منازع عن هذا اللقب فقد أستحقه لبره بشعبه وحب…...
التكملة
ali
رحم الله الملك الصالح و الملكة فاطمة وجزي عنهم خير جزاء...
التكملة
سليم الرقعي
الأخ الكريم الصادق شكري بعد التحية والله أن الكلمات تعجز عن شكركم على هذا الجهد الكبير المميز من أجل تثبيت الحقائف التاريخية الناصعة لهذا الرجل الليبي الوطني الشريف الذي سيأتي…...
التكملة