فاطمة رجب الشافعي: إلى وزيرة الصحة 5/6/2012 02:46 فاطمة رجب الشافعي: إلى وزيرة الصحة
فاطمة رجب الشافعي بحث

ليس بنيتي ان أحكي عن الفقيدة (أمنة) ولكن واقع نشر قصتها هو أنها كانت انسانة بريئة تشبثت بالحياة الى اخر لحظة، كانت تأمل ان يكون لها حق كمواطنة ليبية بالعلاج بالخارج كون حالتها حالة صعبة طبياً لا يمكن ان يتوافر شفاؤها بالداخل.انتقلت امنة الى جوار ربها صباح يوم السبت. خبر موتها  جعلني أسترجع ما وعته ذاكرتي من حديث وسهاري معها، وكيف كانت تردد انها لا تخاف الموت لانها إنسانة مؤمنة، بل الخوف هو من فجع امها بخبر موتها. ومن صلتي بها صرت احاسب نفسي من خلال قضيتها، إن لم ارفع صوتي بعد مماتها فمن سيقوم بذلك؟ ودعوني قبل ذلك اعود بكم الى قضية اخرى لأحد قريباتي، تلك الطفلة التي اصيبت بمرض افقدها كل شعر جسدها، وبإختصار كي  لا اضيع وقتكم فأن ام تلك الفتاة لجاءت الى وزيرة الصحة عند حضور هذه  الوزيرة  الى ملتقى (دعائي) بفندق تيبستي ببنغازي.  انتهزت الام الفرصة للاقتراب من صاحبة الجلالة وزيرة الصحة لعرض حالة ابنتها فما كان رد الوزيرة إلا ان حالة البنت ليست من اختصاصها، وعندما تسألت الام ببساطة اختصاص من إذا؟ كان رد الوزيرة بأنها لا تدري . كنت قد اردت نشر قصتها إلا انني رفضت ان اطلع احد على هذه الصفحات على مأساتها فدسستها بين ارواقي الخاصة لأحتفظ بها لنفسي كشيء يخصني ولا يخص ابناء وطني، خصوصاً ان الجو من حولي كان ولازال مكفهراً بالاحداث، وصدري لازال منقبضاً بكابوس هزيمة ثورة فبراير وأنا أرى كيف تسير وتسّير الامور من حولي.. سكوتي كان سكوت شيطان اخرس عن الحق، كان ثمنه حياة امنة التي شاء القدر ان يختطفها من بين اهلها واحبتها وصديقاتها..

اليوم سكن ليل امنة ورقدت حياتها في مدينة الشمس الحارقة بنغازي، واطفيء سراج حياتها  بذلك المستشفى (الجماهيري) الذي يعج بأعداد المرضى الذين فقدوا الامل بحق علاج حالاتهم الميؤس من علاجها على اسِرة الوطن الذي لازال يئن بنظام البيروقراطية القذافية. انسحبت روح امنة مهزومة حاملة  راية فقد الامل بالجماهيرية الثانية، رافعة عينيها الى السماء بدعاء (رحماك يا الله بنفس امي الملتاعة بعد ان تلاشت اكاذيب ومساحيق وزيرة الصحة ووعودها بالسماح لي بالعلاج على حساب المجتمع، المُجتمع الذي لا يملك من امره شيئاً . يا الله استجب لتضرعاتي بأن تلطف بانسحاق قلب تلك العجوز التي فُجعت بموت شقيقاتي قبلي وستفجع بموتي، الطف بتوجعات خاطرها، وكن رحيماً بها، وانا اراها تنحني فوق سريري لتأخذ بيدي مقبلة اياها محاولة نفث الحياة بجسدي الهزيل الذي ذابت كبدته ليس بفعل الداء، ولكن من قهاير هذا الوطن الذي رفض الإعتراف بحقي كمواطنة بالعلاج و بالدواء) رحلت امنة تاركة امها تسيل باللوعة وبالدمع الذي جف بالمآقي، وبدعائها الخافي بأن يسقي الله من سقاها ثكل الابنة من ذات الكأس، وأن تتقبل نفس الرثاء. رحلت امنة واثار دمها المنسكب من انفها يسقي حصباء درنة وواديها ودليل جرم الامناء غير الامناء على صحة هذا الوطن وشعبه . دم امنه خير شاهد على جرم وزارة الصحة حتى يجيء فجر جديد وتطلع فيه شمس الحقيقة.

ماتت امنة فخورة بنفسها لأنها تموت بريئة مع الابرياء، هذا ما كانت تردده وهي العليلة وقت اندلاع الثورة، كانت تقول انا مثل الثوار وأنا لست بأفضل منهم. قضيتها تجعلنا ندرك اننا لازلنا عند نفس النقطة التي تركنا بها المقبور القذافي ووزارة صحته. فنحن لازلنا نترقب ان نعيش كما يعيش الادميون بأن يكون لهم حق في وطنهم كمواطنون، وان تعرش سقوفنا بغير حطب الذل والمهانة والحاجة والوساطة والمحسوبية والوعود الكاذبة والانتظار الطويل. متى يكون لأهلنا حق بوطنهم وبثروة وطنهم،ومتى تتوقف قوافل السفر لتلقي العلاج على الحساب الخاص بالخارج؟ ومتى نتوقف على ان نكون فئران تجارب بالاردن وبمصر وبتونس؟ ولماذا لازال الموت حاضراً يحاصر الابرياء منا؟ وأين ميزانية الصحة؟ وكيف تصرف؟ وعلى من؟ مصيبة بلادنا انها نكبت بنكبة خرساء لا صوت لها، جريمة  حبلت بها رؤس الافاعي  والثعابين، ومأساة بغير نشيد ولا مشاهد  ثار الشباب على الطاغية، مات من مات ليكون الموت شرف في سبيل الحرية، ماتوا من اجل مستقبل افضل لليبيا ولأهلها ولازالوا يموتون اليوم صامتين كآمنة لان هناك اذان بشرية قد أغلقت أذانها دون صراخهم وآنين عذباتهم. ماتت امنة جوعاً بالأرض التي تدر عسلاً ولبناً ليس لشعبها ولكن  للبعض. ماتت لأن الافاعي ابناء الافاعي قد نفثوا السم بأجواء بلادي.

يا وزيرة الصحة لم تكن اياً من امنة ولا سميه يحملن لك اي ضغينة ولا عداء، كن يأملن بالشفاء وبممارسة حقهن الطبيعي بالحياة،لم يكن هناك اي ذنب اقترفته احداهن. ونحن،  نحن كنا نتغنى بك عند الاخرين وكنا نقول بأنك واحدة منا كنت عندما كنتِ تكتبين معنا عن الفساد والمفسدين بجماهيرية الحقراء، وعن الخراب والمخربين وكنت تتطلعين مثلنا الى وطن حُر يكون كنخلة باسقة تؤتي طلعها للأقربين. اليوم اكتشفنا جميعاً انك كنت دوماً ساهرة مع الساهرين. اكتشفنا اليوم وانت الساهرة الامينة على صحة هذا الوطن أن صحته لا تناسب دبلوماتك ولا خبراتك لا تُناسب شهاداتك، ولا خططك المستقبلية، بل تناسب خطط الزايدي وزير نظام جماهيرية الشعب العظيم، فأنت تعملين بنفس منظومتهم المعطوبة، والا فما قدمت وماذا تقدمين ؟ اليوم لا تثريب عليك فقد ازهقت روح هذه المسكينة بمنعها من حقها بالعلاج، ولا تثريب عليك فقد اثبتي انك نتاج نظام الحقد والحقيد  يا وزيرة الصحة يا امينة على ارواح العباد والعابدين، قطاع الصحة لا يقبل انصاف الحلول ولا يقبل حتى القليل من العبث ولا الكذب ولا وعود (نصف كم) لأن المسألة بكل بساطة تتعلق بالحياة والموت. لذلك اوليت لوزارة الصحة الكثير من الإهتمام بالدول المتقدمة كتلك الدولة التي اتيت منها، والتي اعطتك وأعطت (ضناك) فرصة الحياة والعيش بكرامة، اعطيت لهذا القطاع ميزانيات هائلة  كالتي اعطيت لوزارتك والتي تتلاعبين بها على الورق بمشاريع نعلم انها لن يكتب لها الحياة، فما اكثر مشاريعك الورقية، وما اقل إنجازاتك الحقيقية، مشاريعك الورقية التي لم ترتقي بقطاع الصحة ابعد من ارنبة انفك المرفوع على قامة ابناء وطنك. فتذمر المواطن لازال كما عهدناه، وتأمل وفحص نتائج تحاليل مجهوداتك كأداء لا يتوازى لا مع حجم الإنفاق ولا مع العشم بك. هذه ليست تشكيكات بذمتك ولا بوطنيتك، فأنا اعلم كما يعلم الكثيرون انك كنت تتطلبين الاضواء وصولا الى هذا الجاه. هذا ليس تشكيكا بمجهوداتك ولا بتطلعاتك، ولكنه قراءة واقعية للامور في وطني الحبيب الجريح الذي لازال يئن ويتطلع للدواء، انه قراءة لإشكالات نواجهها كل يوم كمواطنين، عندما يمس الامر امن وسلامة المجتمع. اشيري الى إنجاز واحدت تفتخرين به، ويعزى اليك كي لا نكون معزيين لوزارتك؟ لن تجديه الا على ملفاتك ودوسيهاتك وليس على ارض الواقع، والا فماذا قدمت سياساتك وإستراتيجياتك وخططك  الصحية؟ هل وفت بوعودها انك اخفقت انت بتنفيذها؟

يا ابناء وطني الحبيب، دورنا اليوم كشعب حر ان ننهض على اقدامنا لتفح ملفات الموت هذه حتى لا تتكرر . وفتحها لا يعني ان نحاكم او ان نعاقب، وإنما الهدف هو فتح العيون عن الأخطاء والكوارث المميتة كالتي حدثت عن نقص الاكسجين بمستشفى الهواري وعبرت كما عبرت اخطاء اسلاف الصحة الاولين، وكأخطاء جرحانا بالخارج المرميين على قارعة الطريق بدول العالم الغربية يلتمسون ليس الدواء ولكن كسرة الخبز الحاف . والا كيف نبني ليبيا على اساس صحيح إن لم تسلط الاضواء على الاخطاء المميتة والقاتلة؟ يجب ان لا نسمح بوزير متسلط بتكرار نفس الاخطاء . انه فتح  الاذهان عن ما قيل انها مكاسب وإنجازات بعصر الثورة، يراد إدراجها بالتاريخ وهي لا تعني سوى القليل. مكاسب وإنجازات ورقية يجب تفحص نتائجها الفعلية لان فترتنا هذه مملوءة بالتجاوزات والاخطاء وبالسرقات حيث اختلطت بالشعارات الكاذبة والفارغة والرنانة بما قد يكون قد نتج حقا عن منافع شخصية. لا يهمني فزع الممتطين لحصان الثورة لسبب او لأخر من فتح ملفات الموت ولا يهمني السؤال لماذا؟ لأنني سأترك الجواب لفطنة من يحب الحقيقة ولمن يحب ليبيا وطني على ان تُبنى على الصدق وليس له غرض ولا مرض. وانني اعلن انني لن اتوقف بعد اليوم عم المطالبة بفتح الملفات وكشف الحقائق مهما سخط الساخطون او هدد المهددون، فأنني ارجوا من كل مواطن ان يضع مصلحة ليبيا فوق كل إعتبار. واخيرا وليس اخرا فأنني اسال الوزيرة عما ستقوله لرب العالمين يوم تقف امامه عن ذنب امنه وذنب سميه وذنب كل مريض يتُاجر بقضيته؟ اليوم اضع هذه القضية بين يدي رئيس الوزراء وبين يدي مشايخ بلادنا والاخوان الملتحين والصحفيين والاعلاميين وأصحاب الضمائر الحية، حين تعرض حياة المواطن للموت وتمر مرور الكرام .. ندائي الى اهل الضحية بالتوجه بمقاضاة هذه الوزارة ورئيسها، عن تقاعسهم بتوفير حق العلاج بالخارج لهذه المريضة التي تنكرت لها دولتها حتى تفاقمت حالتها فذابت كبدها إنتظاراً لجرة قلم المسؤول بالموافقة على تسفيرها للعلاج بالخارج. وفي الختام لايسعني الا توصيل رسالة شخصية من الام المكلومة  للوزيرة شخصياً (بأنه حسبنا الله ونعم الوكيل فيك ولا حرمك الله مما أشعر به اليوم وما عانيته كل فترة توليك منصبك وما اليوم اعانيه)...

فاطمة رجب الشافعي

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
يا رب فرج على اليبيين
الله يرحم وزير الصحة عمر جعودة الذى كان يلقب بالوزير الانسانى.سمعت عنه كان يساعد فى كل الناس و كان يوقع على قرطاس الدخان بالموافقة للمريض للعلاج بالخارج.شتان بين رجال المملكة…...
التكملة
توكل الليبية
لا ألومك أختى فاطمة و لكن رفقا بالوزيرة فأمامها تركة قدرة و حمل ثقيل اعانها الله وانار بصيرتها....
التكملة
لماذا لا نوفر العلاج في بلدنا ؟؟
الى متى يبقى الليبيين يعالجون في دول مثل الأردن وتونس وغيرها من الدول الغير مؤهلة جيدآ ؟؟ كان هذا في الماضي خطة المقبور لمساعدة أقتصاد هذه الدول من أجل حماية…...
التكملة