الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال..  - الجزء الرابع 13/6/2010 01:55 الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال.. - الجزء الرابع
الليبية بحث

 

في هذا الجزء *، سأتناول بعضا من محتوى المحاضرة التي ألقاها سيف القذافي في كلية لندن للإقتصاد والسياسة مع إضافة بعض التعليقات التي أراها مناسبة. كذلك، فليسمح لي السيد رمضان جربوع بأن أستعين بترجمته لاختصار الوقت، إلا أني سأقوم بتعديل ما أراه مختلفا فيها عما ورد في المحاضرة، إذ أن المحاضر هنا لم يلتزم بالنص المكتوب، حيث أنه أضاف إضافات كثيرة جديرة بالترجمة لما فيها من مضمون ومعنى وإشارة إلى الهدف الرئيسي لهذه المحاضرات. وعليه، فإنه، متى إنتهت هذه الحلقات، سيمكن للقارئ الإكتفاء بما بها للإلمام بالمحاضرة الكاملة في لندن.

 الفقرة القادمة تتضمن ترجمة المقدمة التي ألقاها سيف قبل المحاضرة، وهذا الجزء لم تشمله ترجمة السيد جربوع حيث أنه كان خطابا موجها للحضور في لندن، ولم يكن من ضمن مادتها المُعَدّة سلفا والتي يقرأها سيف خلال تقديمه لها. لقد كانت هذه المقدمة نبذة تمهيدية لما سَيَرِدْ في المحاضرة.

 بدأ الكلام بالتالي:

 "جئت إلى جامعة لندن للإقتصاد والسياسة عام 2002، في فترة كانت بلدي قد بدأت لتوها في الخروج من عزلتها، سنة فقط بعد بداية دراستي هنا. في ديسمبر 2003 قررت "ليبيا" أن تتخلى عن برنامجها النووي والكيماوي. هذه كانت نقطة تحول في العلاقات الدبلوماسية مع الغرب. منذ ذلك الحين، رأت ليبيا: رفع الحظر المفروض عليها من الأمم المتحدة عام 2004، تسوية الدعاوي عام 2008 بخصوص تفجير الطائرة الأمركية فوق لوكربي عام 1988، هذا مع تسوية  الدعاوي الليبية التي شملت أعدادا من الضحايا عام 1986 من جراء القصف الجوي الأمريكي على ليبيا. في عام 2007، توصلنا إلى حل للحدث التراجيدي الذي شمل خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني تم احتجازهم في ليبيا بتهمة حقن أطفال بفيروس الآيدز. بالنسبة للشباب الليبيين على الخصوص، هذا التحول بدا كحلم يصبح حقيقة، تغيير جذري، ومرحب به جدا. في هذه المرحلة الجديدة، بدأنا في البحث عن طريقنا لتطوير إقتصادنا وإصلاح نظامنا الإقتصادي، وللتكيف مع العولمة في عالم مترابط"

 ثم بعد هذه المقدمة، شرع سيف في تقديم محاضرته كما جاءت في النص المترجم، ويتبين من نص المحاضرة والمقدمة التي أضافها سيف، أن له  من وراء ذلك هدفان رئيسيان يتلخصان في التالي:

 1. تقديم مجموعة من المبررات للكارثة التي حلت بليبيا على يدي والده خلال الأربعين سنة الماضية، وقد إستخدم في هذا عدة أساليب منها التعميم والمغالطة والقفز فوق الحقائق وحتى الكذب العمد، مستغلا جهل مستمعيه بحقيقة الأوضاع في ليبيا ماضيا وحاضرا، أو مسايرتهم ومجاملتهم له لاكثر من دافع وسبب.

 2. تسويق نفسه للغرب كديمقراطي وصاحب رؤية عصرية في الإدارة والإقتصاد والسياسة، وكحريص على حقوق الإنسان الليبي وحرياته.

 كذلك يُمْكن للقارئ أيضا أن يلاحظ وجود أهداف جانبية، أراد الكاتب تحقيقها من وراء المحاضرة، ويمكن تلخيصها في الأتي:

 1.  تشويه جزء من تاريخ ليبيا وتجاهل جزء آخر بالكامل، رغم أهمية الاحداث التي جرت خلال تلك الفترة المتعمد تهميشها.

 2. تسويق الكتاب الأخضر بلون جديد مع تبرأة والده من كامل مسؤولياته عن الخراب الذي عمّ ليبيا على يديه طوال مدة حكمه، وكذلك تحميل شعب ليبيا بالمسؤولية الكاملة عن هذا، وذلك لقصوره الفكري وإتكاليته، ولعدم مقدرته على تطبيق أفكار الكتاب الأخضر.

3. إظهار فترة الثلاثين سنة التي مرت بها ليبيا بعد إصدار الكتاب الأخضر على أنها كانت فترة إنتقالية وضرورية، تم فيها إعداد شعب ليبيا للتجربة الديمقراطية التي يقوم سيف بتسويقها اليوم.

ويمكن تلخيص المحاور الرئيسية التي قامت عليها المحاضرة في الآتي:

المحور الأول: تقديم المبررات وشرح الأسباب والوقائع التي جعلت في نظره إنشاء ديمقراطية حديثة أمرا صعبا في العالم العربي وفي ليبيا على وجه الخصوص، والتي أرجع أسبابها إلى الإرث الإستعماري، وإلى عدم وجود تقاليد ثقافة مدنية، وإلى أن الحكم الذي قام في ليبيا بعد الإستقلال كان بيد "ملك قد أستمد شرعيته من موقفه كرئيس لطريقة صوفية ودينية وبقاعدة تأييد من المجموعات القبلية الرئيسة"، وأن "الملك أمر بحظر الأحزاب السياسية". وأضاف المحاضرإلى هذه الأسباب "الواقع الجيوسياسي" وما أسماه ب "لعنة النفط".

المحور الثاني: إنتقاد الديمقراطية الغربية كمدخل للحديث عن الكتاب الأخضر، وما عناه وصاحَبَه في رأيه من "أحلام وطموحات نبيلة"، ولم ينس بالطبع أن يؤكد أن هذا الكتاب لا يزال يمثل "مذهبنا السياسي والإقتصادي"

المحور الثالث: وقد حاول من خلاله أن يجيب على سؤال طرحه بصيغة  "كيف نصبح نبلاء ونظل من ذوي الفعالية في نفس الوقت؟"

وقدم في هذا السياق رؤاه وأفكاره في مجال الإصلاح الإقتصادي والسياسي، وحقوق الإنسان والمصالحة الوطنية. وقد أكد في آخر سطر من محاضرته بقوله: " لم يعد ذلك حلماً. التحديات التي نواجهها مضنية ولكننا نتحرك ونسير في الوجهة الصحيحة، ومازال أمامنا طريق طويل".

وسأتناول فيما بقى من هذا الجزء والأجزاء القادمة بالتحليل والتعليق والنقد ما ورد في هذه المحاضرة من أفكار وإدعاءات وتزوير للحقائق.

أغلاط ومغالطات تاريخية وموضوعية:

إستهل المحاضر محاضرته بالعبارة التالية:

"مما لا شك فيه أن البعض سيقابلني بالتشكيك بحجة أني أقدم صيغة من الديمقراطية المبنية على المشاركة في بقعة من العالم ظلت "مقاوِمة للديمقراطية"، على الأقل من طرف النموذج السائد للأحزاب الديمقراطية الغربية القائمة. حسب رأى الكثير من الأكاديميين، كما تم تعريفها من منظمات مثل "فريدوم هاوس"(1) و"البوليتي بروجيكت"(2)  يُرجَع السبب في إنعدام الديمقراطية في الدول العربية في كثير من الأحيان إلى الثقافة الإسلامية أو إلى مستويات التنمية الاقتصادية، أنا على ثقة بأن الإشكالية ليست في الإسلام، بتاريخه الطويل الذي يحتوي على التسامح والتشاور مع الشعب، والنماء الاقتصادي والعلمي. الإسلام لا يتعارض مع الديموقراطية، ولا يَنهَى عن التوجهات والمواقف الإيجابية نحو الديموقراطية، إحدى الإشكاليات الكبرى تكمن في الإرث الاستعماري، وحقيقة أن دولا عربية كثيرة لديها نسبياً حدود جديدة تأسست عندما قام الأوروبيون بإنشاء المستعمرات بعد انهيار الامبراطورية العثمانية. معظم الدول العربية لا تمتلك مجتمعات راسخة أو هويات وطنية، يمكنها أن تكون الأساس للديمقراطيات الناجحة. لدينا هوية عربية بالفهوم الواسع."

أردت أن أنقل هذه العبارة التي بدأ بها سيف محاضرته بدون أن أعلق عليها الآن، إلا أن ذلك سيأتي في سياق موضوع هذا الجزء، وفي البداية، أرى أنه المناسب أن أعرج على بعض الأغلاط والمغالطات التي وردت في المحاضرة، والتي أحسب أن بعضا منها ربما يرجع إلى عدم إلمام كاتبها بالتاريخ الليبي، غير أنه لا يوجد شك في أن بعضها الآخر قد تم عن عمد وسبق إصرار.

أول هذه الأغلاط، ما ورد في إحدى فقرات المحاضرة بأنه "في سنة 1922 ،عندما تولى الحزب الفاشستي الحكم في روما، إعتُمدت سياسة شرسة لتركيع الليبيين بالقوة" ، والعبارة كما هو واضح من صياغتها تفيد بأن سياسة إيطاليا الشرسة لتركيع الليبيين بالقوة لم تبدأ إلا في عام 1922 ،عندما إستولى الحزب الفاشستي على الحكم في روما. وكما هو معروف لدى أبسط قارئ للتاريخ الليبي، أن الإحتلال الإيطالي بليبيا بدأ في خريف عام 1911، وأن الجيش الإيطالي الغازي بدأ منذ الساعات الأولى من إقتراب بوارجه من السواحل الليبية بإطلاق قذائفه على المدن الليبية، وما أن نزلت قواته فوق التراب الليبي حتى أخذت تمارس أشد أنواع القتل والفتك والبطش بأهالي ليبيا في مختلف مدنها وقراها دون هوادة، وهو ما يطالعه القارئ لأي كتاب من كتب التاريخ الليبي التي تناولت هذه الحقبة. فلا أدري ما الذي دفع المحاضر (أو كاتب المحاضرة) إلى إيراد العبارة السابقة، هل هي بدافع الجهل الفاضح بالتاريخ الليبي أم هو محاولة خبيثة منه لإبراء ذمة إيطاليا من المسؤولية عن جرائمها التي إرتكبتها خلال الفترة ما بين عامي 1911 و 1922 ، وحصر المسألة فيما إرتُكِب خلال حقبة الحزب الفاشيستي الإيطالي؟

الخطأ الثاني الذي وقع فيه المحاضر هو قوله بأن إستقلال ليبيا قد تم في عام 1952.  وعلى الرغم من أن ذكر المحاضر لكلمة "الإستقلال" يُعتبر محمدة له وإعتراف منه (على النقيض من والده) بحدوث هذا الإستقلال، إلا أنه مع ذلك لا ينبغي أن تفوت الإشارة إلى أن إستقلال ليبيا حدث في عام 1951 وليس في عام 1952.

وعلى أي حال، فعلى الرغم من أهمية الإشارة إلى الأخطاء السابقة لما تحمله من دلالات، إلا أنها في نظري تظل أقل شأنا من "المغالطات" الأخرى المتعمدة، والتي وقع فيها المحاضر في سياق محاولته لتبرير عدم قيام ديمقراطية حديثة في ظل حكم والده. من بين هذه المغالطات الفاضحة ما جاء على لسان المحاضر بأن "الحكم في ليبيا بعد الإستقلال كان بيدي ملك يستمد شرعيته من موقعه كرئيس لطريقة صوفية دينية وبقاعدة تأييد من المجموعات القبلية الرئيسة". يمكن للقارئ أن يرى بوضوح أن هذه العبارة تتضمن مغالطتين كبيرتين: فالمحاضر يزعم أولا بأن الملك إدريس إستمد شرعيته من موقعه كرئيس لطريقة صوفية دينية. صحيح أن الملك إدريس، رحمه الله، كان وريث الحركة السنوسية، غير أن توليه للحكم لم يستند إلى كونه يحمل هذه الصفة، بل لأنه جرت مبايعته ملكا على ليبيا من قبل جميع أعضاء الجمعية الوطنية التأسيسية (جمعية الستين) التي مثلت سكان الأقاليم الثلاث (برقة وطربلس وفزان)، والتي تشكلت منها المملكة الليبية المتحدة، ولم يرد في وثيقة البيعة إي إشارة لكون الملك إدريس ممثلا للحركة السنوسية. وبإمكان المحاضر أن يرجع إلى نص وثيقة البيعة وإلى مداولات الجمعية الوطنية التأسيسية وإلى نصوص الدستور الذي وضعته الجمعية المذكورة (دستور 1951)، وإنني على يقين بأنه لن يجد في أي منها ما يشير إلى الحركة السنوسية، أو إلى الملك إدريس السنوسي كرئيس لتلك الحركة، أو أن شرعيته مستمدة من تلك الصفة، فالصفة الوحيدة التي إستمد منها الملك إدريس شرعيته هي بيعة ممثلي الأمة له وأنه ملك دستوري للمملكة الليبية المتحدة.

المغالطة الثانية التي وردت في عبارة المحاضر هي إدعاؤه بأن "قاعدة التأييد" التي إستند إليها الملك إدريس في حكمه إنحصرت في "المجموعات القبلية الرئيسة"، ومرة أخرى نجد أن المحاضر يجافي الحقيقة عن عمد، فالبيعة التي تلقاها الملك إدريس جاءت من جميع أعضاء الجمعية الوطنية الستين، وهؤلاء، كما هو معلوم، وكما ذكرتُ سابقا في هذه الحلقة، كانوا يمثلون أقاليم ليبيا الثلاثة بمختلف مواطنيها الذين ينتمون إلى جميع القبائل والمدن الليبية. كما أنه بمقدور المحاضر أن يراجع أسماء أعضاء الجمعية الوطنية حتى يتعرف على مختلف إنتماءاتهم القبلية والحضرية، وسيرى بوضوح أنهم لا ينتمون فقط إلى مجموعات قبلية رئيسية كما أراد أن يوحي للمستمع، بل إلى فئات مختلفة من نسيج المجتمع الليبي، وكذلك بإمكان القارئ أيضا أن يرى سوء النية المبيتة من هذه التصريحات المخادعة، لما بها من أهداف يرمي صاحبها من وراءها إلى الغمز في النظام الملكي والنيل منه في نظر مستمعيه الغربيين، فهو يصوره لهم بأنه نظام رجعي يستند إلى شرعية دينية، بالإضافة إلى أنه نظام يستند إلى "قاعدة تأييد قبلية متخلِّفة".

ثم يسترسل المحاضر في مغالطاته في سياق البحث عن المبررات لعدم وجود ديمقراطية حديثة في ليبيا تحت حكم والده، فيزعم أنه "لم يكن في ليبيا تقليد بثقافة مدنية تستند على المشاركة في الشؤون العامة، أو ثقافة سياسية مؤسسة على الحقوق والواجبات، وتنص على الإلتزام بالصالح العام".

حسب رأيي، هذه المزاعم تحمل في طياتها تجنياً ظالماً وغير منصفٍ لمسيرة الشعب الليبي، ولا أعتقد أنه سيخفى على القارئ مدى حجم ما ورد بها من مغالطة بالوصف الذي أتى به لما كانت عليه الأحوال في ليبيا خلال حقبة العهد الملكي، والتي إمتدت قرابة ثمانية عشرعاما. الشواهد كلها تؤكد عكس ذلك، حيث أنه على الرغم من الظروف القاسية والمحددات الصعبة التي ورثها النظام الملكي من فترة ما قبل الإستقلال (معدلات الأمية العالية، وتردي الاوضاع الصحية، وضعف الموارد الطبيعية)، والتي لا يختلف عليها إثنان، فإن ليبيا تحت حكم الملك إدريس وبإرادة أبنائه المخلصين، إستطاعت خلال وقت قياسي أن تحقق الكثير والكثير من التغيير والتقدم عن طريق خلق ثقافة مدنية وإقامة مؤسسات المجتمع المدني من إتحادات ونقابات وجمعيات وهيئات أهلية شاركت في الشؤون العامة، كما أرست بدايات ثقافة سياسية تقوم على الحقوق والواجبات وتنص على الإلتزام بالصالح العام.

ولو كلّف المحاضر نفسه عناء محاولة الإطلاع على صحافة تلك الحقبة، وما صدر خلالها من مطبوعات وما جرى حينها من نشاطات إجتماعية ومناظرات فكرية وعلمية، لوجد فيها الكثير من الشواهد والامثلة التي تجعله "يتردد" إن لم يحجم بالكامل عن إطلاق مثل هذه الأحكام لكي لا يظهر بمظهر الكاذب (التي لا أشكُّ في انه أستعارها من بعض ما يكتب في الغرب حول أوضاع العالم العربي والإسلامي إجمالا، للتحامل ولتزوير الحقائق).. كذلك، فإن المحاضر بهذا السرد لم ينتبه أنه لم يغالط التاريخ فقط، بل غالط حتى نفسه، حيث أن ما زعمه من وصف لحال الشعب الليبي تحت حكم الملك من تخلف بسبب ما اراد أن يوحي به إلى المتلقي عن خلفية الملك الدينية كمصدر لشرعيته وحكمه لليبيا، فإنه بقوله هذا يخالف ما رواه في بداية محاضرته عن أن "الإشكالية ليست في الإسلام، بتاريخه الطويل الذي يحتوي على التسامح والتشاور مع الشعب، والنماء الاقتصادي والعلمي. الإسلام لا يتعارض مع الديموقراطية، ولا يَنهَى عن التوجهات والمواقف الإيجابية نحو الديموقراطية". ومن هنا يمكننا أن نستنتج أيضا أن حتى هذه العبارة لم تكن صادقة، بل كانت فقط مقدمة كمحاولة لاستغفال المستمعين من العالم الإسلامي قبل أن يشرع في إلقاء رسائله المبطنة والتي تتهم الملك رحمه الله بالتخلف بسبب خلفيته الدينية التي إستند عليها في حكمه، وهنا حقيقةً، تحمل هذه العبارة رسالة مخفية تهدف إلى التقرب من العالم غير الإسلامي الحذر من التوجهات الإسلامية، وذلك بالظهور بالإتفاق معه على أن الأسلام بالفعل هو سبب إنعدام الديمقراطية في العالم الإسلامي.

لنترك هذا كله جانبا، ولنسأل سيف ومَن وراءه: إذا كان النظام الملكي قد عجزعن خلق هذه الثقافة المدنية والثقافة السياسية (التي يتحدث عنها المحاضر) خلال عمره القصير وبإمكانياته المحدودة، فما الذي حال بين نظام والده وبين أن يؤسس لهذه الثقافة المدنية والسياسية المبتغاة، وهو الذي بقى في الحكم حتى الآن لأكثر من أربعين سنة، وتهيأت له من الإمكانيات المادية والبشرية أضعاف أضعاف ما كان في متناول النظام الملكي؟!

ثم ينتقل المحاضر إلى مغالطة أخرى جديرة بأن نتوقف عندها، وهي عبارته التي جاء فيها "قام الملك بحظر للأحزاب السياسية واستمر ذلك إلى اليوم". إن أول ما يلفت الإنتباه في هذه العبارة هو حرصه على ذكر "الملك" حتى يرتبط به هذا الفعل، وتجنبه لذكر نظام والده واكتفائه باستخدام عبارة غامضة وهي "واستمر ذلك إلى اليوم". المحاضر يحاول بطريقة غبية وساذجة أن يقول لمستمعيه أن نظام والده ليس مسؤولا عن حظر الأحزاب في ليبيا، ولكن الملك هو المسؤول عن هذا الأمر، إلا أنه لم يسأل نفسه (وكان يراهن على ألا يسأله أحد من الحاضرين) : لماذا لم يقم والده وهو الذي قام بتغيير كل شئ طيّب ورثه عن النظام الملكي، لماذا لم يقم بتغيير هذا "الإرث السئ" الذي ورثه عن النظام الملكي والمتمثل في حظر الأحزاب؟ ألم تكفِ أربعون سنة لوالده حتى يدرك هذه الحقيقة؟

الأمر الآخر الذي حاول المحاضر إخفاؤه باختياره لهذه الصياغة التي أفرغ فيها عبارته "قام الملك بحظر الأحزاب السياسية، واستمر ذلك إلى اليوم" هو الفارق الكبير بين الطريقة التي حظر بها النظام الملكي تأسيس الأحزاب وبين الطريقة التي إختارها نظام أبيه. إن حظر الأحزاب خلال العهد الملكي تم بقرار إداري فقط، وبقي تكوين الجمعيات السلمية مكفولا بموجب المادة (26) من الدستور الليبي. كما أن الملك لم يقم بالتنظير لتحريم الحزبية، ولم يقم بتجريمها، ولم يقم بملاحقة أصحاب التوجهات الحزبية أو باعتقالهم أو تعذيبهم، ولم يقم بإعدام أي واحد منهم. وحتى عندما قامت سلطات النظام الملكي بإلقاء القبض على أعداد منهم، كان ذلك بسبب وجود قرائن وشواهد على شروعهم في نشاطات ذات مساس بأمن الدولة، وتمت محاكمة المتهمين منهم أمام محاكم عادية إتسمت أحكامها بالتساهل، كما أفرج عن جميع المحكومين قبل إنقضاء مدد أحكامهم، وأعيدت إليهم كافة حقوقهم. وفضلا عن ذلك كله، فلم يقم النظام الملكي بتأسيس حزب أو "لجان ثورية" خاصة به للنيل ممن لم يتفقوا معه. ومن ثم فلم يكن غريبا أن تترعرع الحزبية في ظل النظام الملكي في ليبيا رغم حظرها. أما في ظل نظام والد المحاضر، فهو يعلم أن حظر الأحزاب والحزبية قد أخذا شكلا بشعا وغير مسبوق في ليبيا أو في العالم الحر إجمالا، وكان من الطبيعي لهذا أن يؤدي إلى جعل أمر إنشاء ديمقراطية حديثة في ليبيا ليس أمرا صعبا فقط بل مستحيلا. فوالد المحاضر لم يكتف بحظر الحزبية والأحزاب فقط، بل قام بالتنظير لهذا الحظر (راجع ما ورد على لسان القذافي في خطبه حول الحزبية والأحزاب في مختلف المناسبات، وما ورد في كتابه الأخضر) ، ورفع شعارات " من تحزب خان" و"الحزبية إجهاض للديمقراطية"، كذلك فقد أصدر قانون تجريم الحزبية الذي جعل فيه للإنتماء (أو حتى الإشتباه في الإنتماء) إلى حزب عقوبة وحيدة وهي الموت، بل أنه بالفعل قد قام بإعدام عشرات المواطنين لمجرد إنتمائهم الحزبي أو توجههم الفكري، وفوق ذلك كله فقد فرض "كتابه الأخضر" مذهبا سياسيا واقتصاديا وحيدا للدولة، وخطا أحمرا ضِمن بقية الخطوط  الحمراء الأخرى التي يحلو للمحاضر أن يرددها.

هذا هو "حظر الأحزاب السياسية" الذي تواصل لمدة أربعين سنة في ليبيا، وأضر بمسيرة الديمقراطية في ليبيا وأعاقها وجعل إنشاء الديمقراطية في ليبيا أكثر صعوبة، وليس الحظر الذي مارسه النظام الملكي في بداية قيام دولة الإستقلال.

إن الأسلوب الملتوي والمضلل الذي إستعمله المحاضر في الإشارة إلى هذا الموضوع ينم عن إفتقاده لأبسط مؤهلات الصدق والأمانة العلمية والتاريخية. كذلك فإن المحاضر، في سياق عرضه للعوامل التي إعتبرها معوقات حالت دون قيام ديمقراطية حديثة في ليبيا، لم يكتفِ بالعوامل الخاصة بالمجتمع الليبي فقط (والتي انطوت على عدد من المغالطات كما رأينا سابقا)، بل تجاوزها وقام بذكر بعض العوامل الأخرى التي إعتبر أنها شملت المنطقة العربية بأجمعها بما فيها ليبيا باعتبارها جزءا من هذه المنطقة. من هذا القبيل، قوله في محاضرته ووصفه للمنطقة بأنها  "كانت دائما مقاومة للديمقراطية أصلا، على الأقل على النموذج الديمقراطي الغربي المؤسس على الأحزاب ومبدأ التمثيل". ولا يجب أن يخفى على القارئ أن هذه المقولة مستعارة من الكتابات الغربية الموتورة التي لا تتردد في كيل كل أوصاف التخلف إلى دول المنطقة، ومنها وصفها بأنها مقاومة للديمقراطية. وهي المقولات التي ترسخ بالتالي وبطريق خفي أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة.

لقد غاب عن المحاضر، إما بجهل أو بسوء قصد، أن بعض دول المنطقة عرفت في الماضي ولعقود، الديمقراطية حتى "على أساس النموذج الغربي" ، منها ليبيا ومصر الملكيتان وسوريا الجمهورية، وهي الديمقراطيات التي كان بإمكانها أن تتطور وتتجذر لولا هجمة النظم العسكرية التي فرضها الغرب على هذه الدول. كما غاب عليه أيضاً أن بعض دول هذه المنطقة لا تزال تتمتع بالديمقراطية، كما هو الحال في لبنان والكويت. ولا أدري إذا كان قد غاب عن ذهن المحاضر أن هذه المقولة الفاسدة هي ذات المدخل الذي إستعملته الدول الغربية، واستعمله الحكام الطغاة الذين نصَّبهم الغرب على شعوب المنطقة لتبرير قيام واستمرار الحكومات الشمولية الدكتاتورية التي أقامتها، والتي من بينها نظام والده القائم في ليبيا اليوم.

(يتبع..)

الليبية

* ناقشت مضمون هذا الجزء مع أحد الإخوة، الذي قدم لي مشكورا عددا من الملاحظات المفيدة بشأنه. 

المراجع:

1. تقرير فريدوم هاوس عن ليبيا

http://www.freedomhouse.org/uploads/ccr/CCRLibya.pdf

2. بوليتي بروجيكت

http://www.systemicpeace.org/polity/polity4.htm

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
منصور
السيدة الليبية اليك التحية والشكرا على ردك الكريم الذى اسعدنى كما اسعد دائما بمقالاتك القيمة والمفيدة التى اتابعها باهتمام بالغ وانا فى الحقيقة تعمدت ان اسال هذا السؤال بسبب ترديد…...
التكملة
الليبية
بعد التحية، الشكر للقراء، بالنسبة للسيد منصور، ردي هو التالي:nn"أعتقد أن السؤال في محله، ولا شك أن عدم تقديم السيدين للطلب يُحسب عليهما، وربما يرجع السبب إلى أنهما لم يريا…...
التكملة
شعيب البحري
سؤال للاخت الليبية: كيف تنظرين وتقيمين الكتاب الليبيين المعارضين الذين يكتبون باسماء مستعارة وهم يدرسون في اوروبا منذ سنوات وماشين جايين على البلاد في كل صيف وكل عيد وكل لمة…...
التكملة
حنين الوطن
بارك الله فيك على هئا التوثيق الهادف رعاك الله واعانك على فضح هؤلاء المخادعين...
التكملة
منصور
سؤالى هو : ماهى الاسباب التى منعت السيد على مصطفى المصراتى والشيخ محمود صبحى فى طرح موضوع الاحزاب ومناقشته داخل البرلمان الليبى الملكى باعتبارهم نواب فيه؟ لماذا لم يقدموا هؤلاء…...
التكملة
التمييز بين افراد العائلة = مولاة للعائلة
كل من يرشح احد او بعض افراد العائلة، صراحة او ضمنيا، ولو في صورة انتقاد احدهم او بعضهم والسكوت عن البقية، فهو بالضرورة موال للعائلة ويدعو للتوريث ويتنكر لحق جميع…...
التكملة
أبوطارق
بوركت وبورك قلمك، وجزاك الله عن الوطن كل خير. أيتها الليبية الأصيلة، مزيداً من هذا الإبداع والعطاء في تعرية هذا النظام المجرم، ولن يضيع وطن فيه حرائر من أمثالك....
التكملة
عبد المنصف
تحية كريمةللاخت الفاضلة على تفكيك كلمات سيف امام جامعة لندن وعلى ابراز التناقضات والمغالطات التى جاء بها عمدا لترقيع نظام ابيه المتهالك وفضح جهله بالتاريخ السياسى الليبي الذى يعتقد انه…...
التكملة
مشكورة
مشكورة يا ليبية يا اصيلةnوبصراحة فكرة تحميل المسئولية للشعب هاالمسكين هي القاسم المشترك بين كل الفئة (المسئولة) من اكبر كبيرهم الى شكري (الـ)غانم الى ابسط موظف مرتشي .. والان انضم…...
التكملة
عبدالحكيم البوسيفي
بسم الله . الليبية إني احترمك جدآ . ان المعتوه و ابيه هم نكيره من اساسهم خطاء . طيري وحلقي الى الشموخ ولا تنزلي الى الفاسق و الدجال ....
التكملة
ليبي
الفاضلة الليبية بوركت مشاعل كلماتكnالطاهرة كم كانت رائعة هذه الحلقة كروعة بقية مقالاتك الجادة التى تبذلين فيها جهدا كبيرا يليق بمقام قلمك الشريف والإسم الذى تحملينه مزيدا من فضح المخادعين…...
التكملة
ليس اكثر من أداة
هذا الوكواك الغبى ليس اكثر من اداة بيد بوسعدية الاكبر والكذب والتحايل وطمس الحقائق والإلتفاف حولها هى سماتهم البارزة اضافة للفشل والفساد وامام هذا الانكشاف المخزى لايجدون مبررا الا بتحميل…...
التكملة